إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مباحث النبوة - علامات صدق النبي صلى الله عليه وسلم

مباحث النبوة - علامات صدق النبي صلى الله عليه وسلمللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأنبياء والمرسلون عليهم السلام هم أصدق الناس حديثاً، وهم المبلغون رسالة الله تعالى إلى عباده، ولذلك فقد أيدهم الله تعالى وجعل فيهم من علامات الصدق ما يحمل من سمعهم أو رآهم على عدم الارتياب في أنهم رسل الله تعالى حقاً وصدقاً، وأصدقهم وأفضلهم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي وصف بالصادق الأمين قبل نبوته، وهو بين ظهراني أهل مكة، لما رأوا صدق لهجته وحديثه، وأمانته في حفظ الودائع وفي بيعه وشرائه.

    1.   

    عدد الأنبياء والرسل وذكر الأقوال في ذلك

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فهناك علامات وأمور يعرف بها صدق النبي والرسول على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وقبل أن نطرق هذا الموضوع نتناول أمراً يسيراً وهو بيان عدة أنبياء الله ورسله على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، كم عدد الأنبياء؟ وكم عدد الرسل عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه؟ لعلمائنا الكرام أهل الهدى أهل السنة قولان في بيان عدد الأنبياء والرسل:

    القول الأول: أنه لا يعلم عددهم إلا الله تعالى

    القول الأول: ونسب إلى الجمهور كما في شرح الطحاوية للإمام ابن أبي العز في صفحة اثنتين وستين ومائتين، قال: نعلم ونوقن ونجزم أن أنبياء الله ورسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه عددهم كثير، وهم جمٌ غفير، لكن ليس عندنا علم بعدد معين لهم، إنما نعلم أنهم عدد كثير، جم غفير، فما من أمة إلا وقد بعث الله فيها نذيراً، وما من أمة إلا وقد جاءها نذير، وهذا القول -كما قلت- نسب إلى الجمهور، وقرروه بدليلين معتبرين محكمين من حيث الظاهر:

    الدليل الأول: قالوا: لم يرد خبر صحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام في بيان عدد أنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وطريق الكلام في هذه المسألة هو النقل لا العقل، فلا يجوز للعقل أن يحدد عدداً معيناً لأنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وعلى هذا القول يقولون: لم يرد خبر صريح صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام في بيان عدد أنبياء الله ورسله، فنمسك عن بيان العدد، ونوقن بأن جميع الأمم السابقة جاءها أنبياء، وبعث إليها رسل، وقد بلغوا دعوة الله جل وعلا على أتم وجه وأكمله، هذا الدليل الأول، وهو يعتمد على النفي، أنه ما ورد نص صحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام في بيان عدد أنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    والدليل الثاني: قالوا: نص الله جل وعلا في القرآن على أن كثيراً من أنبياء الله ورسله الكرام على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، أن كثيراً من أنبياء الله ورسله ما ذكر شأنهم وخبرهم وأمرهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أن عددهم مسكوت عنه، قال الله جل وعلا في سورة النساء: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ [النساء:163-164]، انتبه لموطن الدلالة: وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164].

    إذاً هناك عدد من أنبياء الله ورسله ما قص الله خبرهم، ولا ذكر شأنهم، ولا أعلم نبينا عليه الصلاة والسلام بحالهم وأمرهم على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، فلهذين الدليلين يقول جم غفير من أهل السنة الكرام: لا يعلم عدد أنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    إذاً: نمسك عن بيان عددهم والإخبار بعدتهم، ونقول: إنهم جم غفير وعدد كثير، فما من أمة إلا قد خلا فيها نذير.

    القول الثاني: تحديد عدد الأنبياء والرسل بما ذكر في السنة الصحيحة

    القول الثاني: وهو فيما يظهر لي والعلم عند ربي أقوى القولين، وإن نسب القول الأول إلى جمهور أهل السنة من باب التجوز، ففيما وقفت عليه أن كثيراً من العلماء نصوا على القول الثاني وأخذوا به واعتمدوه، ووجد ما يقرره ويدل عليه، والقول الأول حكي فقط، يقال: هو قول الجمهور، والذي يبدو لي -والعلم عند ربي- أن النسبة فيها شيء من التجوز والتساهل، وأن هذا ليس بقول الجمهور، ولعل القول الثاني هو قول الجمهور والعلم عند العزيز الغفور.

    القول الثاني: خلاصته: أننا نعلم عدد أنبياء الله ورسله، أما الرسل فهم ثلاثمائة وخمسة عشر رسولاً، وأما الأنبياء فهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وقد تقدم معنا بيان الفارق بين النبي والرسول في المبحث الماضي على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وقد ثبت الحديث بذلك، فقولهم في الدليل الأول: لم يرد خبر صحيح، هذا على حسب علم القائل، وإلا فقد ورد خبر صحيح، أما الرسل على نبينا وعليهم جميعاً أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، فقد ثبت في بيان عددهم خبر صحيح إسناده كالشمس، ذكره الحاكم في المستدرك وصححه، وهكذا وافقه عليه الإمام الذهبي في تلخيص المستدرك، وقد نصا الحاكم والذهبي بعده على أن إسناد الحديث على شرط الإمام مسلم ، والحديث في الجزء الثاني صفحة اثنتين وستين ومائتين.

    ولفظ الحديث عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قلت: ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! كم كانت عدة الرسل؟ فقال: ثلاثمائة وخمسة عشر)، إذاً الحديث صحيح في بيان عدد الرسل.

    وأما عدد الأنبياء مع بيان عدد الرسل معهم، فقد ورد ذلك في حديثٍ ضعيف لكن من عدة طرق، وقد صحح الحديث بعض أئمتنا كما سأذكر فتتقوى هذه الطرق ببعضها، ويصبح إذاً عندنا حديث ثابت في بيان عدد الرسل، وحديث ثابت بطرقه في بيان عدد الرسل والأنبياء على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    أما الحديث الذي فيه التصريح ببيان عدد أنبياء الله ورسله، وأن عدة الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وأن عدة الرسل ثلاثمائة وخمسة عشر، فقد ورد ذلك في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان ، وأورده في صحيحه وصححه، ورواه الحاكم في المستدرك وصححه، لكن تعقبه الذهبي بأن في الإسناد ضعفاً، والحديث مروي من رواية أبي أمامة راوي الحديث الأول، ومن رواية أبي ذر رضي الله عنهم أجمعين، وفيه أن كل واحد من هذين الصحابيين المباركين عليهما وعلى الصحابة الكرام رضوان الله جل وعلا سألا النبي عليه الصلاة والسلام عن عدة الأنبياء وعن عدة الرسل؟ فأجيب كل واحد منهما بأن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وأن عدد الرسل ثلاثمائة وخمسة عشر.

    والحديث -كما قلت- صححه ابن حبان ، وأورده الحافظ في الفتح في الجزء السادس صفحة إحدى وستين ومائتين في أول كتاب أحاديث الأنبياء في شرح صحيح البخاري ، ونسب الإمام الحافظ ابن حجر تصحيح الحديث إلى ابن حبان ولم يعقب عليه بشيء، وعلى حسب شرط الحافظ الذي ذكره في مقدمة شرحه لصحيح البخاري في هدي الساري في صفحة أربعة، يقول: كل حديث أذكره إذا لم أضعفه فلا ينزل عن درجة الصحة أو الحسن، وعلى هذا فقد حكى تصحيح الحديث عن ابن حبان ولم يعترض عليه، مما يدل -والعلم عند الله- أن الحافظ ابن حجر يميل إلى تصحيح الحديث وقبوله.

    وقد ذهب إلى هذا القول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في زاد المعاد في الجزء الأول صفحة ثلاث وأربعين في الطبعة الحديثة التي هي في خمس مجلدات، ففي بداية الكتاب عند قول الله جل وعلا: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68]، تكلم على اختيار الله فقال: واختار الله جل وعلا من العالم الأنبياء، وعدتهم مائة ألف وأربعمائة وعشرون ألفاً، واختار من الأنبياء الرسل، وعدتهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، وهذا ورد في رواية، لكن الرواية التي رويت من عدة طرق ثلاثمائة وخمسة عشر وهي رواية المستدرك الأولى بإسناد صحيح على شرط مسلم كما تقدم معنا، ولا منافاة بين ذكر القليل والكثير، فإذا أقررت لك بمائة لا يعني أنني أنكر أن يكون لك علي ألف، فمائة أقر بها ثم أقر بألف، لا منافاة بين القليل والكثير كما يقول أئمتنا، فالرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر، وهم أيضاً يزيدون على ذلك رجلين بحيث يصلون إلى ثلاثمائة وخمسة عشر جمعاً بين الروايات.

    يقول: واختار من الأنبياء الرسل على نبينا وعليهم جميعاً أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، واختار الله من الرسل أولي العزم الخمسة، وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7]، شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى [الشورى:13]، واختار من الرسل أولي العزم، واختار من أولي العزم الخليلين. ووقف عند هذا.

    وأنا أقول: واختار من الخليلين أحب خلقه وأفضلهم عنده ألا وهو نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو خير خلق الرحمن، فما خلق الله ولا ذرأ ولا برأ نفساً أطهر من نبينا عليه الصلاة والسلام، ولا أكرم عليه من نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وأفضل الخلق على الإطلاق نبينا فمل عن الشقاق

    ويفهم من تفسير ابن كثير في الجزء الأول صفحة ست وثمانين وخمسمائة عند آية النساء المتقدمة: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:164]، أنه يميل إلى هذا القول، فبعد أن ذكر الحديث، وأنه ضعف من قبل إسناده، ذكر له روايات متعددة، كأنه يشير إلى أن تلك الروايات تشد بعضها بعضاً والعلم عند الله جل وعلا.

    وخلاصة القول: ورد بذلك حديث صحيح في عدد الرسل، بالاتفاق أن الحديث صحيح، وبالنسبة لعدة الأنبياء مع الرسل في الحديث الذي جمع بين عدد الأنبياء والرسل حول إسناده ضعف، وقد صحح من قبل أئمتنا، لكن طرقه يعضد بعضها بعضاً فيتقوى ويصل إلى درجة القبول والعلم عند العزيز الغفور.

    إذاً: هذا الدليل الأول، وهو يرد دليل أصحاب القول الأول بأنه لم يرد خبر صحيح في بيان عدد أنبياء الله ورسله على نبينا وعليهم الصلاة والسلام.

    لا تعارض بين قوله تعالى: (ورسلاً لم نقصصهم عليك) وبين تحديد عدد الأنبياء والرسل في السنة

    الدليل الثاني الذي استدلوا به: قول الله جل وعلا: وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:164]، إذاً هناك أنبياء ما ذكر أمرهم ولا شأنهم لنبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا يقرر القول الأول؛ لأنه لا تعلم عدة الأنبياء والرسل على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    والجواب: أنه لا إشكال في ذلك، فقد أزال أئمتنا الإشكال الذي قد يرد في ذهن بعض الناس من بيان عدد الأنبياء والرسل مع هذه الآية، فهناك بين لنا عدة الأنبياء، وهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل ثلاثمائة وخمسة عشر، وهنا قال: وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:164]، فكيف ذكر لنا عددهم وهنا ذكر أن هناك رسلاً ما قص علينا خبرهم؟

    قال أئمتنا كالإمام الألوسي وغيره: لا منافاة بين الآية وبين المقرر عند أهل السنة؛ لأن الآية غاية ما نفته هو أن الله ما بين لنبيه عليه الصلاة والسلام خبر جميع الأنبياء مفصلاً، كما هو الحال في بعض الأنبياء، فكثير من أنبياء الله ورسله طوي الحديث عنهم، فليس عندنا في القرآن مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي ذكرت أخبارهم، فقد فصل خبر عدد منهم، أعلم الله نبيه بعدتهم إجمالاً، ثم أخبر ببعضهم تفصيلاً، ولم يخبر بتفصيل أحوال بعضهم الآخر.

    إذاً: لا تعارض بين الأمرين، فقوله: وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:164]، أي: لم نفصل لك أخبارهم كما فصلنا أخبار من ذكرنا لك شأنهم وأحوالهم، وأما عددهم فهو عدد إجمالي، فذكر العدد المجمل لا يتنافى مع عدم تفصيل أحوالهم، ذكر عددهم مجملاً، لكن لم يفصل شأن كثير منهم، وعليه فلا تدل الآية على أنه لا تعلم عدة الأنبياء والرسل على نبينا وعليهم جميعاً أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    وهذا القول -فيما يظهر لي ويبدو والعلم عند ربي- أنه أقوى القولين.

    وخلاصة الكلام على هذه الجزئية اليسيرة والنقطة الأخيرة: أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وأن عدد الرسل من الأنبياء ثلاثمائة وخمسة عشر والعلم عند الله جل وعلا.

    والذي يتأمل هذا المبحث ويعمل النظر فيه يعلم رفق الله بعباده، وإحسان الله إلى عباده، ورحمة الله بعباده، كيف أرسل لهم هذا العدد الكثير لهدايتهم في كل وقت، مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً يبلغون دعوة الله، والمؤمن عندما يعلم هذا العدد يشد أزره ويقوي نفسه، ويعلم أن نسبه عريق عريق، قديم قديم، ثابت ثابت، هذا أقوى نسب أنك تنتسب إلى دين بعث الله به مائة ألف وأربعة وعشرين ألفاً، فهذا هو صراط الله المستقيم، وهذا هو الطريق السليم، وما عداه بنيات متعرجة توصلك إلى مَهلكة مُهلكة، ولذلك أعرق نسب على وجه الأرض هو نسب الإسلام: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، به بعث الله آدم، وبه ختم الله بعثة الرسل بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فكل رسول كان يقرر هذا الأمر كما سيأتينا: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]. هذا فيما يتعلق بهذه المسألة.

    1.   

    العلامات التي يعرف بها صدق الأنبياء والرسل

    ننتقل إلى المبحث الثالث، إلى العلامات التي يعرف بها صدق الأنبياء والرسل عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! عندما يأمرنا الله باتباع الحق والاقتداء بالمحقين، وينهانا عن اتباع الباطل، ويحذرنا من السعي وراء المبطلين، يلزم من أمره لنا باتباع الحق، ونهيه لنا عن اتباع الباطل، أن ينصب للحق علامات ودلالات هي أوضح وأظهر من الشمس إذا كانت في الظهيرة ليس دونها سحاب ولا غمام، وهي أظهر من المنارات الطويلة العالية الشامخة التي تدل على بيوت الله في الأرض، وإما أن نؤمر بحق ولا يوجد علامة تدل على أن هذا حق، وننهى عن اتباع الباطل ولا يوجد علامة تدل على أن هذا باطل، هذا لا يمكن.

    ولذلك -إخوتي الكرام- من ضل في هذه الحياة ما ضل لجهله، إنما ضل لسوء قصده، وسبب الضلال أحد أمرين: إما جهل، وإما سوء قصد، أما الجهل فقد أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وقطع الأعذار، وأقام الحجة كالشمس في رابعة النهار، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، بقي بعد ذلك أمر آخر وهو خبث في النفس لا تريد اتباع الحق، وقد قرر الله هذا في كتابه فقال: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:146]، هذا دافعه ومبناه الجهل أو سوء القصد، ولذلك إذا كان الضلال متسبباً عن سوء القصد فلا علاج له، وإذا كان الضلال متسبباً عن الضياع وعن عدم البصيرة، ومعرفة الحق، سرعان ما يهتدي الضال، فما أوضح الحق وما أظهره! فالله عندما أمرنا باتباع رسله عليهم صلوات الله وسلامه سيقيم لنا أدلة على ذلك، الله أقام أدلة تدل عليه على أنه الخالق الموجد المعبود بحق سبحانه وتعالى.

    عندما يقول جل وعلا في كتابه في أول سورة من كتابه في سورة الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، هذه قضية، أن الله يُحمد، لمَ يحمد ويستحق الحمد؟ ما السبب لذلك؟ وما الدافع له؟ وما المبرر له؟ أتاك بالدليل والبينة فقال: لأنه هو الرب، رب من؟ رب العالمين، وكل من عدا الله من العالمين، جمع عالم، والعالم سمي عالماً لأنه علامة على موجده وخالقه وهو الله جل وعلا، فلله الحمد، ما الدليل -يا ربنا- على أنك إله تحمد وينبغي أن نشكرك وأن نعبدك وأن نوحدك؟ قال: أنا سيدكم، أنا مالككم، كيف هذا؟ قال: أنتم خلقي وتدلون على، وكل واحد من مخلوقات الله من حجر وبشر وبقر وشجر وغير ذلك يدل على الله.

    وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

    سبحانه وتعالى.

    الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، العالمون -كما قلنا- جمع عالم، من العلامة، فالعالم سمي عالماً لأنه علامة على وجود خالقه وعلى عظمة خالقه، وعلى أن هذا الخالق ينبغي أن يعبد سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، وهكذا الأنبياء والرسل عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه ينبغي أن يكون هناك علامات تدل على صدقهم، وأنهم رسل الله؛ لنفرق بين النبي والمتنبئ، وبين الصادق والكذاب، وبين المحق والمبطل.

    صدق النبي صلى الله عليه وسلم وكذب غيره من أدعياء النبوة

    يروي الإمام الخرائطي في كتابه مساوئ الأخلاق، كما نسب الإمام ابن كثير الأثر إلى هذا الكتاب في تفسير سورة العصر، أن عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه جاء إلى المتنبئ الكذاب مسيلمة الكذاب ، فقال مسيلمة لـعمرو : ماذا أنزل على صاحبكم؟ يعني محمد عليه الصلاة والسلام، وكان عمرو لا يزال على شركه في ذلك الوقت، ماذا أنزل على صاحبكم؟ الذي هو من قومكم وقبيلتكم ماذا أنزل عليه؟ قال: أنزل الله عليه سورة وجيزة بليغة، قال: وما هي؟ قال: سورة العصر: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:2-3]، فقال هذا المتنبئ الكذاب الدعي الخبيث: أنزل عليَّ آنفاً مثلها، إذا كان ينزل على صاحبكم قرآن وتقول: سورة وجيزة بليغة، لقد نزل علي مثلها بحجمها ببلاغتها وفصاحتها، قال: أسمعني، ماذا أنزل عليك؟ فقال له وقرأ عليه ما أنزل عليه من شيطانه وهوسه ووهمه وضلاله، فقال: يا وبر! يا وبر! إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفر نقر! والوبر كما قال علماء اللغة: هو حيوان كالقطة كالهرة كالسنور، أعظم ما فيه أذناه وصدره، وبقية أعضائه صغيرة، لا أثر لها في الرؤية ولا في الحجم، يا وبر يا وبر! إنما أنت أذنان وصدر، أعظم ما فيك أذناك طويلة وصدرك بارز، وسائرك حفر نقر، يعني لا قيمة له ولا أثر له في حجمك وشكلك، فقال: ماذا ترى يا عمرو ؟ ألا تعدل هذه السورة تلك السورة؟ قال: والله إنك لتعلم أنني أقول: إنك كذاب، أنت تعلم، فلمَ تسألني: هل هذه كهذه؟ أين تذهب عقولكم؟! والله الذي لا إله إلا هو! لو نظر الإنسان إلى نبينا عليه الصلاة والسلام وإلى مسيلمة لا يرتاب في أن هذا رسول الله وهذا عدو الله، هنا كل حركة تدل على طهارة وفضيلة، وهناك كل حركة تدل على قبح ورذيلة.

    النبية الثانية سجاح عندما جاءت إلى مسيلمة ، كانت النتيجة أن زنى بها، وقال بعد ذلك قومها:

    أضحت نبيتنا أنثى يطاف بها وغدت أنبياء الناس ذكرانا

    فلعنة الله رب الناس كلهم على سجاح ومن بالإفك أغوانا

    نبية جاءت إلى نبي فزنى بها، هل هذه نبية؟ هذا نبي؟ هل كل حركة من هذه النبية سجاح ومن هذا النبي الدعي مسيلمة ، كل حركة تدل على كذبهما كما سيأتينا تفصيل ذلك، وهناك إذا نظرت فقط إلى وجه النبي عليه الصلاة والسلام تقول: ليس هذا بإنسان عادي، مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف:31]، كما قال النسوة في حق نبي الله يوسف على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    ولذلك قال عبد الله بن رواحة ، وهو أحسن ما قيل في بيان حقيقة نبينا الجليل عليه صلوات الله وسلامه، قال: لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبر

    لو لم يكن في رسول الله عليه الصلاة والسلام من الآيات التي يعلم بها صدقه في جميع الأوقات، لو لم يكن هذا، أنت فقط إذا نظرت إلى وجهه تقول: وجهه ليس بوجه كذاب، كما كان يقول هذا الأعراب، يأتون فيقولون: أيكم محمد عليه الصلاة والسلام؟ فيقال: هذا، فينظرون إلى وجهه، فيقولون: وجهه ليس بوجه كذاب.

    لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبر

    تأتيك بالخبر، أي: تخبرك عن طهارة قلبه وسره، وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً وصدقاً.

    إذاً: لابد من علامات تبين الصدق من الكذب، فقوله: يا وبر يا وبر! هذه علامة تدل على كذبه، وعلى افتضاحه، وعلى نجاسته وحقارته، هل يستوي كلام الله مع هذا الهذيان وهذه الثرثرة وهذا الكلام الباطل الفارغ؟! ماذا ترى يا عمرو ؟ قال: والله إنك لتعلم أنني أقول: إنك كذاب، أنت تعلم، في علامة فضحتك، لو سكت لكان خيراً لك، فلا بد -إخوتي الكرام- من علامة على حال الإنسان، فالعلامة هي التي تبين صدق النبي وكذب المتنبئ.

    ولذلك كل من ادعى شيئاً، فإذا لم تظهر علامات على صدق دعواه، هذه الدعوة لا قيمة لها ولا وزن ولا اعتبار.

    ورد في معجم الطبراني الكبير، والأثر رواه البزار في مسنده، ورواه عبد الرزاق في مصنفه وفي تفسيره، ورواه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس بن مالك وعن الحارث بن مالك الأشعري رضي الله عنهم أجمعين، وإسناد الحديث ضعيف كما قال الحافظ في المجمع في مجمع الزوائد في الجزء الأول صفحة سبع وخمسين، لكن معناه حق صحيح، والغرض منه أن نستدل على أنه لابد للشيء من علامة يستدل بها عليه، وإلا كان هذا الشيء بلا دليل، وبالتالى لايصح كلامه.

    في الحديث الذي من رواية أنس والحارث بن مالك الأشعري ، أن النبي عليه الصلاة والسلام لقي الحارث ويقال له: حارثة ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (كيف أصبحت يا حارثة ؟ قال: أصبحت مؤمناً حقاً، قال: انظر ما تقول، فإن لكل قول علامة، فما علامة إيمانك؟)، أنت مؤمن ثم مؤمن حقاً، فما العلامة؟ عندك علامة تدل على ذلك أو هو مجرد كلام؟ فإن العلامة تبين صدق الإنسان، ( قال: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! عزفت نفسي عن الدنيا وأقبلت على الآخرة، فأظمأت نهاري، وأسهرت ليلي، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون، وإلى أهل النار يعذبون، قال: عرفت فالزم، عبد نور الله قلبه).

    والأثر من حيث الإسناد -كما قلت- ضعيف، لكن المعنى صحيح، أنه لابد لكل قول من علامة، لابد لكل شيء من برهان يدل عليه، فما هي البراهين التي تدل على صدق النبيين والمرسلين عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه؟ لابد من وجود براهين كما سيأتينا.

    إخوتي الكرام! ما في قلب الإنسان سيظهر على جوارحه مهما تكتم وكتم، وإذا أسر الإنسان سريرة أظهرها الله على جوارحه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ورد الحديث بذلك في معجم الطبراني الكبير والأوسط من رواية جندب بن سفيان والأثر إسناده ضعيف: (ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها، إن خيراً فخير وإن شراً فشر)، في قلبك شيء لابد من أن يظهر، وهكذا النبي لابد من أن يظهر صدقه، متنبئ لابد من أن يظهر كذبه، ولذلك سيشيع حال الإنسان على ألسن الناس، سواء علم أم لم يعلم، ما في قلبك وما أنت عليه سيتناقله الناس بألسنتهم ويذكرونك بما فيك.

    وقد ثبت في مستدرك الحاكم والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان وإسناد الحديث صحيح، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن لله ملائكة في الأرض تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من خير وشر)، ولذلك المؤمنون في هذه الحياة هم شهداء الله في الأرض.

    علامات صدق الأنبياء إجمالاً

    العلامات التي نعرف بها صدق النبي وكذب المتنبئ كثيرة يمكن أن نجملها في أربعة أمور، وكل واحد من هذه الأمور سيأخذ معنا موعظة أو أكثر، موعظة على أقل تقدير، وإذا زاد الوقت فنسأل الله أن يبارك لنا في علمنا وديننا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، هذه العلامات الأربع أذكرها على سبيل الأجمال، ثم أذكر أمراً عاماً يدل على هذه العلامات، وأما تفاصيل كل واحد منها على حدة فسيكون في المواعظ الآتية إن أحيانا الله.

    الأمر الأول: النظر إلى النبي في نفسه، أن تتأمل حاله في معيشته في معاملاته بين أسرته كما سيأتينا، برهان هذا وتقريره والتدليل عليه.

    الأمر الثاني: النظر إلى الشريعة التي أتى بها النبي، والديانة التي بلغها، والهدى الذي جاء به.

    الأمر الثالث: النظر إلى معجزات النبي وخوارق العادات التي أتى بها.

    الأمر الرابع: النظر إلى أصحابه.

    من تأمل هذه الأمور الأربعة في نبينا عليه الصلاة والسلام لن يرتاب ولا واحد من مليارات بأنه رسول رب الأرض والسموات، ومن أراد أن يأخذ واحدة منها فقط ليتأملها في متنبئ دعي كذاب لن يرتاب في أنه غشاش كذاب ليس بنبي ولا رسول، إنما هو يدجل ويكذب ويفتري.

    سؤال هرقل لأبي سفيان عن صفة النبي وما قال فيه

    وقبل أن أفصل الكلام على كل واحد منها، أحب أن أذكر أمراً عاماً يدل على هذه الأمور، وهذا الأمر منقول، ثم أتحدث بعد ذلك عن الأمور الأخرى.

    ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين، وهو في أعلى مراتب الصحة، والحديث رواه الإمام الترمذي أيضاً من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، قال: أخبرني أبو سفيان بن حرب ، في بعض الروايات في صحيح البخاري كما في كتاب التفسير في تفسير سورة المائدة يقول: من فيه إلى في، من فمه إلى فمي، والأصل أن يقول: من فيه إلى أذني، وإنما قال ابن عباس هذا عمداً كأنه يقول: أخبرني من فيه إلى في، من فمه إلى فمي، أي: أخبرني وأنا أسمع وإذا كان السماع يحتاج إلى استفسار واستظهار تكلمت بفمي وضبطت الأمر، فليس هو سماعاً مجرداً، ليس لي فم ينطق ويستفسر، بل أخبرني من فمه إلى فمي، من فيه إلى في، أي: من فمه إلى أذني، لكن الفم إذا لزم أن يتكلم تكلم من أجل أن يسأل عن الحقيقة وأن يستوضح عن المراد.

    وخلاصة الحديث -وسوف أقرؤه بعد ذلك بلفظه الطويل من صحيح البخاري إن شاء الله- خلاصته: أن أبا سفيان عندما كان في تجارة مع بعض أصحابه من قريش إلى بلاد الشام، وقيل: كانوا ثلاثين شخصاً راكباً، وقيل: عشرين، رضي الله على من اهتدى منهم بعد حين، ومن بقي على كفره أو مات على الكفر فالعلم عند الله، إنما أبو سفيان من جملة من اهتدى وآمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، يقول: فلما وصلوا إلى بلاد الشام، وورد في بعض الروايات: أنهم كانوا في غزة من بلاد الشام، طلبهم هرقل عظيم الروم الذي يلقب بقيصر، وهذا لقب لكل من ملك الروم، فسألهم عشرة أسئلة تتعلق بالنبي عليه الصلاة والسلام عندما علم خروج النبي عليه الصلاة والسلام وبعثته، وكان هذا في العام السادس للهجرة بعد صلح الحديبية؛ لأنه لما وضعت الهدنة بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين مشركي قريش، تفرغ المشركون واستطاعوا أن يسافروا إلى بلاد الشام، والمسلمون في المدينة المنورة وفيما حولها لم يعترضوهم من أجل الهدنة التي بينهم كما سيأتينا هذا إن شاء الله.

    فسأله هرقل عشرة أسئلة، هذه الأسئلة هي علامات تدل على صدق خير البريات عليه الصلاة والسلام في دعواه النبوة والرسالة، وهذه العشرة أسئلة تقدمها سؤال، ويتعلق هذا بمن هو أقرب نسباً بنينا عليه الصلاة والسلام، فقال هرقل لما جاء أبو سفيان وأصحابه: أيكم أقرب نسباً لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي على نبينا صلوات الله وسلامه؟ فقال أبو سفيان : أنا، وهو أقرب الموجدون نسباً، فهو يلتقي مع نبينا عليه الصلاة والسلام في الجد الرابع وهو عبد مناف ، فهو الجد الرابع لـأبي سفيان ولنبينا عليه الصلاة والسلام، فقال: أنا، فقال هرقل لترجمانه: قربوه واجعلوا أصحابه وراء ظهره، وراء أبي سفيان ، ثم قال لأصحابه الذين كانوا معه، وكما قلت كانوا ثلاثين أو عشرين. قال: إني سائل هذا، أي: عن هذا النبي الذي بعث، سأسأله، فإن كذبني فكذبوه، قال علماء اللغة: هذا من غرائب الألفاظ، (كذَب) بالتخفيف تتعدى إلى مفعولين، و(كذّبوه) تتعدى إلى مفعول واحد، والأصل أن الفعل إذا شدد وثقل إذا كان لازماً يتعدى إلى مفعول، وإذا كان متعدياً إلى مفعول يتعدى إلى مفعولين، أما هذا إذا ثقل يتعدى إلى مفعول واحد، وإذا خفف يتعدى إلى مفعولين، وهذا من غرائب الأفعال كما قال علماء اللغة، فقوله: إن كذبني، المفعول الأول الياء الضمير، والثاني إن كذبني القولَ الخبرَ الكلامَ، فكذبوه، هذا لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، أي: كذبوا أبا سفيان ، يقول أبو سفيان : والله لولا أن يأثروا، بكسر الثاء وضمها، أي: يرووا ويتناقلوا عني كذباً لكذبت عنه، انتبه، قال: يأثروا، وما قال: يكذبوني، فهو واثق من عدم تكذيبهم له؛ لأنهم على نحلته وعلى ضلالته، فإذا غمط النبي عليه الصلاة والسلام وحقره وأنقص من شأنه لن يقولوا لـهرقل : إنه يكذب، كلهم سوف يتآمرون على الباطل، لكنه سيسقط من أعينهم بعد ذلك، سيقولون: هذا كذاب، والكذب منقصة عند الموحدين وعند المشركين، الذي يكذب ناقص، فيقول: لولا أن يأثروا، أي: يرووا ويتناقلوا فيما بعد خبر كذبي، وأنه لا قيمة لي لكذبت؛ لأنني واثق من عدم تكذيبهم لي، لكن بعد ذلك سأفتضح، ولذلك سأتكلم بالحق، إلى هنا كله سؤال عمن يقرب من النبي عليه الصلاة والسلام وله به صلة من أجل أن يستوثق هرقل من أحواله وأخباره، فاسمعوا إلى الأسئلة العشرة.

    قال هرقل لـأبي سفيان : كيف نسبه فيكم؟ هذا محمد عليه الصلاة والسلام خير عباد الله الذي بعث فيكم في مكة وهاجر إلى المدينة، وأنتم من قومه وأنت تزعم أنك من رهطه، وأقرب الحاضرين به، كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، والتنكير في (نسب) للتعظيم، أي: ذو نسب عظيم جليل رفيع كريم من خير بيوتات قريش، وهذا كقول الله: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179]، أي: حياة كريمة سعيدة هنيئة، فالتنكير للتعظيم والتفخيم، هو فينا ذو نسب، هذا السؤال الأول.

    ووجه إليه السؤال الثاني، وهذا سؤال نصراني سؤال كافر وبقي على كفره، لكن اسمعوا لشهادة الحق لنعلم أن الحق أبلج من النهار وأوضح وأظهر، فقال هرقل : هل قال هذا القول أحد قط قبله؟ هل أحد في قريش كان يدعي أنه نبي ورسول قبل محمد عليه الصلاة والسلام؟ هل عندكم من ادعى النبوة يا معشر العرب؟ قلت: لا، ما سمعنا بهذه الدعوة على الإطلاق، ونحن نعبد الأصنام وما جاءنا أحد وقال: أنا نبي، اتركوا عبادة الأصنام.

    السؤال الثالث: قال: هل كان من آبائه من ملك؟ قوله: (من ملك) بزيادة (من) وحذفها، وعلى الزيادة تضبط بوجهين كما قال علماء الحديث، وكل من هذه الوجوه منقول: الأول: هل كان من آبائه مَن مَلَكَ؟ والثاني: مِن مَلِكٍ؟ والثالث: هل كان من آبائه مَلِكٌ؟ قال الحافظ ابن حجر في الفتح: والوجوه الثلاثة متقاربة، والمعنى: هل أحد من آبائه كان ملكاً عليكم رئيساً مسئولاً؟ قلت: لا، ما كان أحد من آبائه ملك، ولا مَلَكَنا أحد من أسرته.

    السؤال الرابع: قال: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، وإنما يريد بالشرف هنا أهل النخوة والكبر والعزة والأنفة الذين يتغطرسون ولا ينقادون للحق، ليخرج بذلك أبو بكر وعمر ، فهم من سادات قريش، ويمكن أن نقول: يقصد بذلك التغليب، يعني غالب من يتبعه الضعفاء لا أهل الشرف، فما تبعه إلا قلة من أهل الشرف، وإذا قلنا على المعنى الأول -وهو أوجه والعلم عند الله-: أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ يقصد بالأشراف: أهل العتو والكبر والعظمة، فأبو بكر شريف في النسب، لكنه طاهر القلب لا كبر عنده ولا تعالي ولا تعاظم، وهكذا عمر .

    السؤال الخامس: قال: يزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون.

    السؤال السادس: قال: فهل يرتد أحد منهم سَخطةً أو سُخطة -بفتح السين وضمها- أي: كراهية لدينه، هل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه؟ أو سُخطاً لدينه؟ كراهية له، وعدم محبة فيه بعد أن يدخل فيه، هل ارتد أحد من أصحابه؟

    قلت: لا، وإنما قال: (سَخطةً) ليخرج لنا الإكراه، إذا أكره الإنسان على الكفر كما حصل من عمار بن ياسر ، قال تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، فكونه كفر من باب الإكراه ليتخلص من القتل، وقال في الإسلام قولاً منكراً، هذا لا إثم عليه، ولا يعتبر أنه كره الإسلام وخرج منه، إنما يريد هو كره الإسلام، بعد أن دخل قال: هذا دين عفن، دين باطل لا قيمة له، هل وجد أحد من الصحابة قال هذا؟! أما أنه أكره، أو ترك الإسلام من أجل عرض دنيا، ما نتحدث عن هذا، أسألك هل أحد كره الإسلام بعد دخوله وقال فيه منقصة؟ قلت: لا.

    ثم سأله السؤال السابع: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ هذا محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي ادعى أنه نبي فيكم، قبل أن يدعى النبوة هل أحد منكم ينقل عنه كذباً وتتهمونه بذلك؟ وانظر لكلام هرقل ودقة احتياطه، ما قال: هل كان يكذب؟ إنما قال: هل تتهمونه؟ لأنه إذا انتفت التهمة فالكذب منفي من باب أولى، لكن قد ينفى الكذب عنه مع أنهم يتهمونه، أنتم هل عندكم شك في صدقه؟ لا أقول: يكذب، هذا مفروغ منه إذا كان نبياً لن يكذب، لكن أنتم هل كان عندكم شك فيه، هم كانوا يسمونه بالصادق الأمين فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا عليه صلوات الله وسلامه، هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: قلت: لا.

    السؤال الثامن: قال هرقل : فهل يغدر؟ انتبه لقول أبي سفيان ، وما استطاع أن يضيف شيئاً من البهتان إلا في هذه الجملة، قال: قلت: لا، ونحن منه في مدة، أي: في صلح،، الآن صلح الحديبية، وضعت الحرب عشر سنين بينهم وبين النبي الأمين عليه الصلاة والسلام، ثم غدروا ففتحت مكة بعد سنتين في العام الثامن، هذا لغدرهم، قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، يعني لا ندري هل سيغدر أم لا؟ وإنما قال أبو سفيان هذا لأنه بإمكانه أن يقول هذا لأنه مستقبل وهو غيب، ولا أحد يقول له: تكذب أو تصدق، يقول: فما التفت إليها هرقل عندما ذكرتها، يعني هو يعلم أنها كذبة، لكنه لن يقول له: إنك كذاب، لأنه لا يوجد دليل، ففي المستقبل هل سيغدر أم لا؟ ما نعلم، أنتم تعلمون قطعاً أنه لم يغدر، هل يغدر؟ قلت: لا ما غدر، لكن نحن منه في مدة صلح لا ندري ما هو فاعل فيها، هل سيغدر أم لا؟ لا ندري، فما انتبه ولا التفت إليها هرقل ، لأنه يعلم أن هذا غاية ما في وسع أبي سفيان أن يزيده، قال أبو سفيان : ولم يمكني كلمة أدخل في كلامي غير هذه، ما عندي إلا هذه، لأنه هنا عنده مبرر، فهذا أمر سيقع في المستقبل وهو غيب، وما يستطيع أحد أن يقول له: أنت تكذب لن يغدر، هذا علمه عند الله، لكن هرقل عرف المراد فأعرض عنه ووجه إليه السؤال التاسع.

    السؤال التاسع: قال: هل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: كيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ننال منه وينال منا، نال منا في موقعة بدر، ونلنا منه في موقعة أحد، هذا من حيث الظاهر، لكن أي نصر حصل للمشركين في موقعة أحد؟! كما قال لهم المشركون في مكة: لا محمد قتلتم عليه الصلاة والسلام، ولا الكواعب أردفتم، ما أتيتم ولا بسرية ولا بمؤمنة من أجل أن نلهو وأن نعبث بعرضها، ولا المغانم أحرزتم، فأي نصر هذا؟! فقط بسبب ما حصل من المسلمين ما حصل من مخالفة أمرهم للنبي عليه الصلاة والسلام، فأصيبوا فقتل منهم سبعون، لكن ولى أبو سفيان ومن معه الأدبار بعد النصر، فهل هذا نصر؟ المدينة أمامك مفتوحة ادخل واستأصل خضراء المسلمين ولا تترك منهم دياراً، أما أنك جئت في معركة ساعات أثبت رجولة وهربت، كما يقال: اضرب واهرب، فهذه ليست شجاعة، الأصل اضرب واثبت، أما اضرب واهرب فهذه ليست شجاعة، ولكن من حيث الظاهر هي نصر، فقد قتلوا سبعين من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، هذا من حيث الظاهر، لكن أي نصر هذا؟! المنتصر لا يهرب، ولعله في هذه الأيام نصر الناس أشنع من نصر المشركين في موقعة أحد، تراه يُذبح وتؤخذ منه بلاده ويقول: انتصرنا، كيف انتصرنا؟ يقول: حررنا إرادة الإنسان العربي! ذُبح وأُخذت البلاد وهتكت الأعراض وما بقي بعد هذا الذل ذل، ثم يقول: انتصرنا! ما هو نصرك؟ قال: حررنا إرادة الإنسان العربي، وقفنا أمام أكبر دولة.. ما شاء الله على هذه الوقفة التي يقفها الناس في هذه الأيام، وهكذا المشركون، لكن أولئك من حيث الظاهر أحرزوا نصراً يسيراً ثم هربوا، وهذا ليس بنصر، كان نبينا عليه الصلاة والسلام إذا حارب قوماً وانتصر عليهم يقيم ثلاثة أيام، لا يفارق المكان ثلاثة أيام، ثم يعود إلى المدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه، هذه هي الرجولة، انتصرنا عليكم بإمكانكم أن تستأنفوا القتال، وأن يأتيكم مدد، فنحن رجال ننتظركم، أنتم انتصرنا عليكم وهربتم، خلاص ماذا نعمل؟ نحن حصلنا المراد، هذه هي الرجولة، وهذا هو النصر، وهذا هو الحرب.

    فقال: هل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: كيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، من السَّجْل وهي الدلو والذَّنوب العظيمة، كأنه يريد أن يجعل المقتتلين كالمستقيين اللذين يستقيان من البئر، أنا أستقي دلواً وأنت دلواً، وهنا مرة أنا أنتصر ومرة أنت تنتصر، الحرب بيننا وبينه سجال، كأننا نستقي من بئر، نحن دلو وهو دلو، هذا من حيث الظاهر كما قلت.

    السؤال العاشر: قال: بماذا يأمركم؟ وفي هذا دليل على أن النبي لابد من أن يأمر؛ لأنه مبلغ عن الله جل وعلا، وما يأتي نبي إلا ويأمر وينهى، قال: بماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما كان يعبد آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق، وفي رواية: بدل الصدق والصدقة، وفي رواية جمع بين الأمور الثلاثة: بالصلاة والصدق والزكاة، والعفاف وصلة الأرحام.

    إذاً: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، ويأمرنا بالصلاة والصدق والصدقة التي هي الزكاة، والعفاف، وصلة الأرحام.

    اعتراف هرقل بأن ما جاء في وصف حال النبي دليل على صدقه

    هذه عشرة أسئلة، وهرقل هو شيخ النصارى، وكان أسقفاً، أي: من أساقفتهم ورؤسائهم في الدين مع كونه حاكماً، وهو نصراني عدو للإسلام والمسلمين، بعد أن سأل هذه الأسئلة، انظروا لجوابه، وللشهادة التي أنطق الله بها هذا الكافر، كيف شهد لنبينا عليه الصلاة والسلام بعد أن سأل هذه الأسئلة ولم ير النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لترجمانه: قل له: سألتك عن نسبه فيكم، فذكرت أنه ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، أي: تبعث من الأسر الشريفة الكريمة، لأنه لو كان نسبه نازلاً ليس عليه منقصة عند الله، لكن يحقر عند أهل الأرض، فلئلا يكون في النبي مطعن في خَلْقه وخُلقه يختار، ويكون خياراً من خيار من خيار، على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    قال: وسألتك: هل قال هذا القول أحد قط قبله؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله لكان يتأسى -يعني: يقتدي- بقول قيل قبله، يعني لو هذا فاشياً فيكم ومنتشراً، وكل فترة يأتي واحد منكم ويدعي النبوة، لقلنا: هذا على شاكلة المتنبئين الكذابين، فالأمر ليس بغريب عليه، أما أنتم فما تعلمون أحداً ادعى النبوة ولا الرسالة، إذاً هذا أوحي إليه، فهو حق وصدق، وليس هذا من باب تقليد المتقدمين.

    وسألتك: هل كان في آبائه من ملك؟ أو مَن مَلك؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان في آبائه ملك لكان يطلب ملك أبيه، جاء ليتشرف عليكم ويتسود فادعى النبوة والرسالة.

    وسألتك: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، ولذلك قال قوم نوح لنبي الله نوح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه كما حكى الله عنهم هذا في سورة هود: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ [هود:25-27]، في الغنى والجدة واليسار والثروة والمال، وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود: 27]، اتبعك الذين هم أراذلنا من أول وهلة، وهذا الذي عيروا به نبي الله نوحاً على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وجعلوه من المنفرات عن اتباعه، هو في الحقيقة من موجبات اتباعه؛ لأنه عندنا أغنياء متغطرسون أهل جبروت وعلو، وعندنا مساكين مهتدون، عندما يأتي الحق ليس عند الضعفاء ولا أهل القلوب الطاهرة من مانع يمنعهم من اتباع الحق، وأما أولئك فيقولون: إذا اتبعنا الحق ذهب عزنا، وذهب ملكنا، وسوف يطلب منا بعد ذلك مساعدة للفقراء، كل هذه تعتبر من الموانع، وهي موانع مصطنعة، أما إذا كانت النفس طاهرة، وليس عندها مانع من هذه الموانع والحواجز الدنيوية، وبلغتها دعوة الحق، دين الفطرة، فسوف تهتدي به بلا توقف.

    قال: وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.

    وسألتك: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حينما تخالط بشاشته القلوب، إذا خالطت بشاشة الإيمان القلوب لا يسخطه أحد، أي: حلاوة الإيمان إذا دخلت إلى قلب الإنسان لا يسخطه، وضبط: وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب.

    فهناك تخالط بشاشته القلوب، يعني حلاوة الإيمان تخالط القلوب، وأما هنا نور القلب، انشراح الصدر يخالط الإيمان ويسكن فيه على التمام، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب، لا يسخطه أحد.

    ثم قال له: وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد كنت أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، يعني لبث فيكم عمراً طويلاً، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [يونس:16]، أربعين سنة وما جربتم عليه كذباً قط، هل يليق بهذا الصادق الأمين عليه صلوات الله وسلامه أن يترك الكذب على الناس ثم يكذب على رب الناس؟ هذا لا يمكن أن يكون بحال.

    وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وأما قوله: ونحن منه في مدة، فما التفت إليه ولا يمكن أن نحكم عليها لا بصحة ولا ببطلان، إذاً نهملها والمستقبل يكشف عنها، فهل سيغدر أم لا؟ هذا الأمر المستقبل يكشفه، لكن هل يغدر؟ قلت: لا، وكذلك الرسل لا تغدر، لم لا يغدر الرسل؟ لأنهم لا يريدون بدعوتهم الدنيا، فلا يمكن أن يجري منهم غدر على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    إذاً: ما ذكره أبو سفيان باطل وبهتان، عندما قال: ونحن منه في مدة، أي: صلح، لا ندري ما هو فاعل فيها، هذا كذب، والتنقيص على قسمين: تنقيص حقيقي أن يقول: هو يغدر، وهنا يفتضح ويكذب، وتنقيص نسبي، وهو أن يقول: يتوقع منه الغدر في المستقبل ولا نعلم، والأصل أنه لو كان صادقاً في كلامه لقال: كما أنه لم يغدر في السابق فلن يغدر في اللاحق. بقي معنا بعد بعثة النبوة ثلاث عشرة سنة في مكة وست سنوات في المدينة، تسع عشرة سنة ما رأينا منه غدراً، فلا يمكن أن يغدر بعد ذلك، لكن هذه هي معادن الكفار الأشرار في كل وقت، إذا أمكنه أن يؤذي مسلماً آذاه بما يستطيع، فهو ليس بإمكانه أن يكذب كذباً صريحاً من أجل ألا يفتضح ويكشف، وإذا ظهر هرقل بعد ذلك على حقيقة أمره بطش به وقتله، إذاً غاية ما عنده أن يكذب في أمر مستقبل لا يعلم في هذا الوقت حقيقته، نفوض الأمر فيه، لا ندري ما هو فاعل، وهو في الحقيقة يقصد التحقير لكنه تحقير نسبي ليس حقيقياً، والأصل أن يقول: ما غدر ولن يغدر، ولكن هكذا -كما قلت- حال الكفار، إذا ما أمكنه أن يقتلك يطأ على ظلك، لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118].

    الأمر التاسع: قال: وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قاتلتموه، وأن الحرب بينكم وبينه سجال، قال هرقل : وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، انتصرتم في أحد وقتلتم من قتلتم، هذا ليحصل التمحيص، ليميز الله الخبيث من الطيب، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، الرسل يبتلون ويؤذون، لكن في النهاية تكون لهم العاقبة.

    وسألتك: ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمركم بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تتركوا ما يعبد آباؤكم، ويأمركم بالصلاة والصدق والصدقة والعفاف والصلة، وهذه صفة نبي، لا يأمر بهذه الأمور إلا نبي، وفي رواية قال: إن كان ما ذكرته حقاً لا كذب فيه، فإنه نبي، هذا كلام هرقل، هذه علامات صدقه ونبوته.

    ذكر نص حوار هرقل مع أبي سفيان في شأن النبي كما ورد في الصحيحين والمسند

    أقرأ لكم الحديث -إخوتي الكرام- فله بعد ذلك تكملة في بيان حال هرقل ومصيره وإلى أي شيء صار، وكما قلت: الحديث في المسند والصحيحين وسنن الترمذي ، وهو في أعلى درجات الصحة، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، جماعة ثلاثين أو عشرين، وكانوا تجاراً بالشام، وقلت فكانوا في ذلك الوقت في مدينة غزة، في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، أي: صالحهم وهادنهم وعاهدهم، وكان هذا في صلح الحديبية في العام السادس، على أن تترك الحرب بين المشركين ونبينا الأمين عليه الصلاة والسلام والمؤمنين عشر سنين، ثم نكثوا ففتحت مكة في العام الثامن.

    قال: وكانوا تجاراً بالشام، في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه، أي: إلى هرقل وهم بإيلياء، وهي بيت المقدس، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم -البطارقة والقسس- ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان : فقلت: أنا أقربهم نسباً، فقال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره.

    ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، فوالله! لولا الحياء من أن يأثِروا علي كذباً لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه مِن مَلِك، أو مَن مَلك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه.

    قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم. وكأن أبا سفيان يقول: وترك ما عليه الآباء صعب عندنا وعندكم يا معشر النصارى فأتانا بشيء مردود، كيف نترك ما عليه الآباء؟! قال: ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، وفي بعض الروايات: بالصلاة والصدقة والزكاة، وفي بعضها: والزكاة والصدق، واجمعوا بينها فتصبح: بالصلاة والصدق والعفاف والصدقة والصلة.

    فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي أو يتأسى بقول قيل قبله، وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك: أيرتد أحد سخطةً لدينه -أو سُخطة لدينه- بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، أو وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب، وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف.

    هنا ما ذكر أمر الجهاد، وأنهم ينالون منه وينال منهم، وهو وارد في رواية البخاري عندما قال له: وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، هذا ثابت في الصحيحين، لكن في هذه الرواية ما ورد.

    ثم قال: هذه صفة نبي، إن كان ما تقول حقاً فهو نبي، ثم قال هرقل : فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، هذه البلاد وهي بيت المقدس وبلاد الشام كلها ستكون ملكاً للإسلام، إن كان ما تقول حقاً فهذا نبي، وسيظهره الله على أهل الأرض، وقد كنت أعلم أنه خارج، حسب ما عندنا في الكتب السابقة من الإنجيل والتوراة، ولم أكن أظن أنه منكم يا معشر العرب! وأنتم الآن ستفوقون بهذه المرتبة، فلو أعلم أني أخلص -بضم اللام- أي: أصل إليه وأقترب منه وأكون عنده، أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، أي: لتكلفت وتحملت الصعوبات من أجل الوصول إليه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه، وفي رواية: لقبلت رأسه وغسلت عن قدميه.

    قراءة هرقل لكتاب النبي صلى الله عليه وسلم

    ثم دعا، -أي: هرقل -بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، وعظيم بصرى هو أمير ورئيس حوران، وهي مدينة في بادية الشام قرب دمشق، دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعثه النبي عليه الصلاة والسلام مع الصحابي دحية الكلبي ، وكان جبريل على نبينا عليه صلوات الله وسلامه كثيراً ما يأتي في صورة دحية ، بعث النبي عليه الصلاة والسلام بكتاب إلى عظيم بصرى، أي: إلى ملكها وأميرها، فدفعه إلى هرقل ، لأنه هو صاحب المملكة العامة، وهو المسئول عن الأمراء، فقرأه فإذا فيه: ( بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل -ويقال: هِرْقِل - عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى )، ليس فيه تحية لكافر ولا بدء له بسلام، إنما في ذلك إخبار أن من تبع الهدى فله من الله السلام والأمان ومنا كذلك، ( سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام -أي: بالدعوة التي بعثت بها- أسلم تسلم )، وليت هرقل وعى هذا وعلم أنه إذا أسلم سيسلم في دنياه وفي آخرته، ولن يمس بسوء، لكن الخبيث ضن بملكه، وآثر الدنيا على الآخرة، ( يؤتك الله أجرك مرتين )، لم؟ لأمرين اثنين: لأنك آمنت بالنبي السابق، ثم آمنت بالنبي اللاحق.

    وقد ثبت في المسند والصحيحين وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه ، والحديث في أعلى مراتب الصحة من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل كتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأدبها وأحسن تأديبها وعلمها وأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها)، فله أجران أجر التربية والتعليم والعتق، ثم الزواج بها عندما جعلها حرة وسترها عن طريق النكاح الذي أحله الله، هؤلاء يؤتون أجرهم مرتين.

    والأمر الثاني: إذا أسلمت فإن الرعية ستتبعك، فلك أجرك وأجورهم، ( أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ) بفتح الهمزة، ويقال: الإريسيين، ويقال: اليريسيين، ومعناهك الأكار وهو الفلاح المزارع، بمعنى العامي، أي: عليك إثم رعيتك الذين يتبعونك، وغالب الرعية هم أهل فلاحة وزراعة وعامة، وخواصك وبطارقتك هؤلاء يشاركونك في الوزر تحمل أنت ومن معك إثمكم وإثم هؤلاء الأريسيين.

    ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64] )، قال أبو سفيان : فلما قال ما قال، يعني من قرءاة الكتاب الذي بعث به دحية إلى هرقل عظيم الروم، وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب، يعني الضجيج والكلام والمجادلة من البطارقة والقسس وخواص أصحابه، وارتفعت الأصوات، وأخرجنا، قيل: اخرجوا يا معشر العرب! عندنا ما يشغلنا عنكم الآن، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أَمِر -أي: بلغ وعظم- أمر ابن أبي كبشة، يعني نبينا عليه الصلاة والسلام، وكانوا يعيرونه بهذا الوصف، وهذه كنية قيل: لبعض أجداده من أمه، وقيل: من أبيه، وقيل: من مرضعته حليمة السعدية ، كان يكنى بأبي كبشة، فكانوا ينسبونه إليه قيل: للاحتقار والتصغير، يعني إن هذا الذي جده البعيد يكنى بأبي كبشة صار له شأن، وملك الروم هرقل يخافه، وقيل: أبو كبشة رجل كان من قبيلة خزاعة لا يعبد صنماً معيناً وهي الشعرى التي كانوا يعبدونها، فكان كل من لا يعبد هذا الصنم، أو ينحرف عن عادة من عادات الجاهلية يقولون: هذا حاله كحال أبي كبشة، وهذا كأنه على طريقته وابن له، والعلم عند الله.

    قال: لقد أَمِر، أي: بلغ وعظم، وصار له شأن، لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، يعني نبينا عليه الصلاة والسلام، إنه يخافه ملك بني الأصفر، ملك الروم هرقل يخاف هذا اليتيم الذي طردناه من مكة وهو في المدينة، على نبينا صلوات الله وسلامه، فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام، أي: فأظهرت يقيني وجهرت به، ما زلت موقناً حتى أدخل الله علي الإسلام، ليس المعنى أنه بطل اليقين، إنما أظهرته، هذا اليقين الذي كان في قلبي، وأنا موقن أن الله سيظهر النبي عليه الصلاة والسلام، كان مكتوماً، فلما أسلمت أظهرت هذا اليقين.

    تنبؤ هرقل بظهور ملك أمة الختان وهو النبي صلى الله عليه وسلم

    قال: وكان ابن الناطور ، وهو صاحب إيلياء وهرقل كان مركز ملكه ومملكته في حمص من بلاد الشام، وكان على إيلياء ابن الناطور ، قال: وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل سقفاً، أو أسقفاً، ومعناه: العالم الذي له شأن في النصرانية، كما يقال: شيخ، إمام، يقال: سقفاً على نصارى الشام، يعني هرقل وابن الناطور أمراء وعلماء في النصرانية، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء على ابن الناطور في بيت المقدس أصبح يوماً -يعني هرقل - خبيث النفس، استيقظ ونفسه كئيبة حزينة، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك! قال ابن الناطور : وكان هرقل حزاءً -بالزاي- والحزاء: هو الذي ينظر في النجوم ويزعم أنه يستدل بها على المغيبات، وقيل: الحزاء هو صاحب الفراسة، وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، وضبط: مُلك الختان قد ظهر، مُلكهم يعني حكمهم، أو ملك الختان من سيملكهم قد ظهر، وسينتشر سلطانه في هذه الحياة، سيملك الناس في هذه الحياة من يأمر أتباعه بالختان، والنصارى لا يختتنون عليهم لعنات الحي القيوم، بل ولا يستنجون.

    اختصم مرة نصرانيان، وهذه من النكت اللطيفة التي تذكر في أحوال النصارى، اختصم نصرانيان، فمد أحدهما يده إلى مؤخرة الآخر وهو من القسس، وأخذ شيئاً من الغائط اليابس في مؤخرته كما يكون في الغنم وضرب بها خصمه، فقال له: آه، يعني كدت أن تشق رأسي، قال: ضربتك بالرطبة، لو ضربتك باليابسة لقلعت رأسك، هذا حالهم، لا يختتنون ولا يستنجون.

    قال: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان، يعني الذي سيملك الأمة التي تختتن قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، لا تغتم ولا تنزعج، واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود؛ لئلا يكون لهم الملك.

    فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان، يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ملك غسان أرسل الخبر إلى هرقل وأنه أتتنا كتب من رسول صلى الله عليه وسلم، وقد انتشر أمره، وأنت الملك الأعظم في المملكة النصرانية، فماذا عندك؟ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما استخبره هرقل ، لما استخبر هذا الرجل الذي جاء من عند رسول الله عليه الصلاة والسلام بخبر إلى ملك غسان، فأرسله إلى هرقل ليستفسر منه ويسأله عن أحوال النبي عليه الصلاة والسلام، فلما استخبره هرقل ، قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ اكشفوا عن إزاره وانظروا إلى سوءته، فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون، فقال هرقل : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر.

    ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وذاك أيضاً عظيم من عظماء الروم، وهو أسقف على النصارى كهرقل، مع أنه أيضاً حاكم، وكان نظيره في العلم، كتب إليه يسأله: هل عندك خبر عن هذا النبي عليه الصلاة والسلام؟ وهل هذا وقت ظهوره؟ وسار هرقل إلى حمص، إلى مكان مملكته، فلم يرم حمص، لم يصل إليها ويستقر فيها حتى أتاه كتاب من صاحبه صاحب رومية يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي، فأذن هرقل -أذن من الإذن، بمعنى الترخيص، أو آذن هرقل ، أي: أعلم ودعا- لعظماء الروم في دسكرة، والدسكرة: هي القصر الذي حوله سور واسع، يقال له: دسكرة، وهذه الدسكرة قصر حصين لا يمكن أن يدخل إليه من في السور إذا كانت الأبواب مغلقة، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم! هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا، وفي رواية: فتتابعوا هذا النبي عليه الصلاة والسلام؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، أدخلهم في السور وأغلق باب الدسكرة، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من إيمانهم، قال: ردوهم علي، وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه.

    فكان ذلك آخر شأن هرقل، أي: فيما يتعلق بهذه القصة، لكن حياته امتدت وقاتل المسلمين في العام الثامن للهجرة في موقعة مؤتة بألفي مقاتل، وقاتل بعد ذلك وجهز جيشاً كبيراً ليقاتل النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك في العام العاشر، وكتب له النبي عليه الصلاة والسلام كتاباً يدعوه إلى الإيمان، وكاد أن يؤمن ثم لم يؤمن، وكتب للنبي صلى الله عليه وسلم كتاباً فقال: أسلمت، فقال النبي: كذب عدو الله، إنه على نصرانيته، ثم قيل: امتدت حياته لعهد أبي بكر وعمر ، ثم زال ملكه في عهد عمر عندما فتحت بلاد الشام في العام السادس للهجرة بعد هذا الكتاب بعشر سنين بقيادة أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين، وكان ذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين.

    ما يتعلق بـهرقل بعد ذلك وحال إيمانه، أترك الكلام عليه لأول الموعظة الآتية إن أحيانا الله، وأكمل بعد ذلك العلامات والكلام عليها، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.