إسلام ويب

فقه المواريث - تفصيل آخر لمذهب التنزيلللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كيفية توريث ذوي الأرحام على القول بتوريثهم لها صور مختلفة ومذاهب ثلاثة، اعتمد الإمام أحمد والشافعية والمالكية مذهباً يسمى مذهب أهل التنزيل، وهو أن ينزل كل واحد من ذوي الأرحام منزلة من أدلى به من الورثة، ولذلك حالات تفترض مع وجود أحد الزوجين أو عدم وجوده، وفي كل حالة تفصيلات وحالات تفهم من تتبع كلام المشايخ والعلماء، وبالتمرس على التمارين والمسائل تصير سهلة ميسورة.

    1.   

    كيفية التوريث على مذهب أهل التنزيل إذا لم يوجد أحد الزوجين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! آخر مباحث توريث ذوي الأرحام، ألا وهو كيفية توريث ذوي الأرحام على القول بتوريثهم، وقلت: إن خلاصة أقوال أئمتنا الكرام في هذه المسألة ثلاثة أقوال: قول شاذ مهجور لم يصل به أحد من أئمتنا الأربعة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وهو التوريث عن طريق الرحم، والتسوية بين ذوي الأرحام من أي جهة كانوا، وفي أي درجة كانوا، قلت: وقال بهذا نوح بن دراج ، الذي توفي سنة (182هـ) للهجرة، وقلت قوله شاذ مهجور، لم يقل به أحد من أئمتنا، وذكرته لبيان ما قيل في توريث ذوي الأرحام.

    بقي معنا قولان معتبران معتمدان قال بهما أئمة الإسلام من أهل المذاهب الأربعة، القول الأول هو الذي قال به الإمام المبجل أحمد بن حنبل عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وقلت: هو المعتمد عند الشافعية والمالكية على القول بتوريث ذوي الأرحام عندهم، إذا لم ينتظم بيت المال.

    وخلاصة هذا المذهب أننا نورث ذوي الأرحام على طريقة التنزيل، أي: ينزل ذوو الأرحام منزلة من أدلوا به، فما أخذه من أدلوا به صار لهم وأخذوه، وأعيد إليهم، هذا يقال له مذهب أهل التنزيل.

    إخوتي الكرام! بعد أن شرحت هذا القول، وفصلت الكلام فيه، قلت: كيفية توريث ذوي الأرحام على هذا القول، لذلك حالتان:

    الحالة الأولى: إذا لم يكن هناك أحد الزوجين، ثم إذا لم يكن هناك أحد الزوجين، يوجد أيضاً عدة أحوال لذوي الأرحام:

    كون الوارث واحداً من ذوي الأرحام

    الحالة الأولى: أن يكون الوارث من ذوي الأرحام فرداً واحداً، فله جميع المال، كما إذا لم يوجد إلا خالة أو عمة، أو ابن بنت وما شاكل هذا.

    كون ذوي الأرحام جماعة يدلون بشخص واحد

    الحالة الثانية: أن يكون ذوي الأرحام جماعة لكن يدلون بشخص واحد، فلهم حالتان أيضاً:

    الحالة الأولى: أن تستوي منزلتهم ممن أدلوا به، فالمال بينهم بالتساوي بلا تفضيل الذكر على الأنثى، والسبب في ذلك أن إرثهم بسبب الرحم المجردة، فينبغي أن يستووا في الإرث كما يستوي الإخوة لأم في الإرث؛ وهذا إخوتي الكرام هو المعتمد عند الحنابلة كما تقدم معنا، وضربت لذلك أمثلة.

    خمسة أبناء بنت، المال واضح، المسألة واضحة، أن يستووا المال مع، المسألة من عدد رؤوسهم من خمسة، لكل واحد واحد، يعني: كما لو كانت البنت واحدة تأخذ كل المال فرضاً ورداً، وهذا المال من عدد رؤوسهم.

    ست بنات بنت، المسألة من ستة. أربع بنات بنت مع ابني بنت، وهذان الابنان هما من تلك البنت التي لها أربع بنات.

    المسألة كما تقدم معنا من عدد رؤوسهم، يستوي الذكر مع الأنثى، فالمسألة من ستة، يعني: كأن البنت ماتت وتركتهم، لكن هؤلاء الآن يرثون بالرحم المجردة كالإخوة لأم، فلا يفضل الذكر على الأنثى، فالمسألة من ستة، لكل واحد واحد، هذا القول المعتمد كما قلت، وعندنا بعد ذلك قولان آخران في المسألة.

    القول الثاني: وهو للإمام أحمد ، وهو المعتمد عند المالكية والشافعية في توريث ذوي الأرحام على القول بتوريثهم إذا لم ينتظم بيت المال عندهم، للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأننا نجعل كأن البنت ماتت وتركتهم.

    أما لو اختلفت الأمهات، فهذا يختلف، يعني: لو كانت هذه أماً لأربع بنات، وهذه أماً أخرى للابنين فيختلف؛ لأننا سنجعل بعد ذلك أنه ترك بنتين لكل واحدة نصف المال، ثم يصير إلى ورثتها الذين يدلون بها وهم ذوو الأرحام.

    لكن الآن هنا نقول: الأم واحدة لها أربع بنات ولها ابنان على القول الثاني في التوريث وقلت: هذا قول ثان للإمام أحمد وهو المعتمد عند الشافعية والمالكية على القول بتوريث ذوي الأرحام عندهم، فهنا إذا كان من أدلوا به واحداً للذكر مثل حظ الأنثيين، فسيكون من ثمانية لأنه عدد رؤوسهم، لكل أنثى سهم، ولكل ذكر سهمان.

    قول ثالث ذكره الخرقي وقال الإمام ابن قدامة : لا أعلم له موافقاً، ولا علمت وجه قوله، وهو أننا نسوي بين ذوي الأرحام ذكوراً وأناثاً إلا في حال الخال والخالة فقط.

    فلو مات وترك خالاً شقيقاً، وخالة شقيقة فقط، فهما يدليان بواحد، وهي الأم، فإذاً على القول المعتمد عند الحنابلة، الخال والخالة نسوي بينهما فالمسألة من اثنين، وعلى القول الثاني في التفريق بين الذكور والإناث إذا كان مجرد شخص واحد ومنزلتهم منه واحدة، نجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا الذي قاله الخرقي ، قال: نسوي بين جميع ذوي الأرحام، ولا نفضل الذكور على الإناث إلا في حال الخال والخالة، هذا الذي يقول عنه الإمام ابن قدامة : لا أعلم له موافقاً، ولا علمت وجه قوله؛ لأن الشافعية والمالكية فرقوا ليس بين الخال والخالة، بل بين جميع ذوي الأرحام فللذكر مثل حظ الأنثيين، أما الخرقي ففي الخال والخالة فقط، فالمسألة عند الخرقي هنا من ثلاثة، الخال له اثنان، والخالة واحدة.

    والقول الثاني الذي هو عند الحنابلة كما قلت، والمالكية والشافعية عندهم المسألة من ثلاثة، لكن ليس بخصوص هذه المسألة، واضح هذا.

    إذاً: هذا كما قلت إذا أدلى جماعة بواحد، واستوت منزلتهم منه، فالمعتمد عند الحنابلة أن المال بينهم بالتساوي لا يفضل الذكر على الأنثى؛ لأن قرابتهم بسبب الرحم المجردة، فصار حالهم كحال الإخوة لأم تماماً، وهناك قول ثان كذلك إلا في الخال والخالة، قاله الخرقي ، وهناك قول ثالث نفضل الذكر على الأنثى، وهو قول للإمام أحمد وهو المعتمد عند الشافعية والمالكية، كما نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام النووي في فقه الإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله في روضة الطالبين (6/47)، وهكذا في حاشية الدسوقي (4/416)، وهذا الخلاف إخوتي الكرام! هل نسوي بينهم أو نفضل الذكر على الأنثى، أو نسوي بينهم ونفضل الذكر على الأنثى في حال الخال والخالة فقط، هذا كله في غير الإخوة لأم، أي: في غير أولاد الإخوة لأم، فقد اتفقوا على التسوية بينهم، فلو مات وترك بنت أخ لأم، وابن أخ لأم، فقد اتفقوا هنا على التسوية بينهم؛ لأن من يدلون به سوى بينهم، بخلاف الأخ الشقيق والأخت الشقيقة، والابن والبنت، هناك في الأصل لو لم يكونوا من ذوي الأرحام لما سوي بينهم، أما هنا من أدلوا به سوى بينهم فلا يفضل ذكرهم على إنثاهم، فهكذا ذوو الأرحام يسوى بينهم إذا كانوا يدلون بأخ لأم، أو بأخت لأم، قال الإمام ابن قدامة : إلا على قول وقياس من أمات السبب، فينبغي أن لا نسوي بينهم، يعني: السبب أن هؤلاء في الأصل -كما قلت- يدلون بأخ لأم، والإخوة لأم في الأصل لا يفضل ذكرهم على أنثاهم، فإذا أمتنا هذا السبب وقلنا: كون الأصل لا يفضل الذكر على الأنثى، ونظرنا الآن إلى أنه ذكر وأنثى على حسب قواعد الفرائض العامة، كما هو في ذوي الأرحام على القول بالتفضيل، فينبغي أن نفضل ابن الأخ لأم على بنت الأخ لأم، لكن هذا ما قال به أحد هذا ما قال به أحد.

    إذاً: هذه الحالة الأولى مما لو أدلى جماعة بشخص واحد، بحالة ما إذا استوت منزلتهم منه، فقلت: إرثهم بالتساوي لا يفضل الذكر على الأنثى، هذا المعتمد، وهناك قولان آخران: قول بالتفضيل قال به الشافعية والمالكية، وقول بالتفضيل في خصوص الخال والخالة، والعلم عند الله جل وعلا، يقول في المغني: ويورث الذكور والإناث من ذوي الأرحام بالسوية، إذا كان أبوهم واحداً وأمهم واحدة، أي: بشخص واحد كما قلت، أما الخال والخالة فيقال: للخال الثلثان وللخالة الثلث، هذه فقط.

    يقول ابن قدامة عليه رحمة الله: اختلف في الرواية عن أحمد في توريث الذكور والإناث من ذوي الأرحام، إذا كانوا من أب واحد وأم واحدة، فنقل الأثرم وحنبل وإبراهيم بن الحارث في الخال والخالة يعطون بالسوية، وهكذا في غيرهم.

    فظاهر هذا التسوية في جميع ذوي الأرحام، وهو اختيار أبي بكر ومذهب أبي عبيد وإسحاق عن ابن حماد لأنهم يرثون بالرحم المجرد، فاستوى ذكرهم وأنثاهم كولد الأم، ونقل يعقوب بن بختان إذا ترك ولد خاله وخالته، قال: اجعلوه بمنزلة الأخ والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك ولد العم والعمة، ونقل عنه المروزي فيمن ترك خاله وخالته للخال الثلثان وللخالة الثلث، فظاهر هذا التفضيل وهو قول أهل العراق وعامة المنزلين.

    كما قلت هو الذي قال به الشافعية والمالكية؛ لأن ميراثهم معتبر بغيرهم فلا يجوز حملهم على ذوي الفروض لأنهم يأخذون المال كله، ولا على العصبة البعيد أن الذكر منفرد بالميراث دون الإناث، فوجد اعتبارهم بالقرب من العصبات من الإخوة والأخوات، ويجاب عن هذا بأنهم معتبرون بولد الأم، عندما يأخذون كل المال بالفرض فقط.

    واتفق الجميع على التسوية بين ولد الأم لأن آباءهم يستوي ذكرهم وأنثاهم، إلا في قياس قول من أمات السبب، فإن للذكر مثل حظ الأنثيين، والذي نقل الخرقي التسوية بين الجميع إلا في الخال والخالة لم أعلم له موافقاً على هذا القول، ولا علمت وجهه.

    وأما قوله إذا كان أبوهم واحداً وأمهم واحدة، فلأن الخلاف إنما هو في ذكر وأنثى أبوهما وأمهما واحد، أما إذا اختلف آباؤهم وأمهاتهم كالأخوال والخالات المتفرقين، والعمات المفترقات، وإذا أدلى كل واحد منهم بغير من أدلى به الآخر كابن بنت وبنت بنت أخرى، فلذلك موضع آخر سيأتينا.

    الحالة الثانية: يدلي جماعة بشخص لكن تختلف منزلتهم ممن أدلوا به، فاجعل المدلى به كالميت، واقسم المال بينهم كأنه تركهم.

    كما لو مات عن ثلاث خالات متفرقات، أو ثلاثة أخوال متفرقين.

    خالة شقيقة، خالة لأب، خالة لأم، يدلون الآن لأم لكن منزلتهم مختلفة؛ الخالة الشقيقة أخت شقيقة، وهذه أخت لأب، والخالة لأم أخت لأم، الأم ماتت وتركت أختاً شقيقة لها النصف، وتركت أختاً لأب، سيكون لها السدس تكملة للثلثين، والأخت لأم لها السدس أيضاً، المسألة من ستة، ترد إلى خمسة.

    أن تدلي جماعة بجماعة

    الحالة الثالثة: أن تدلي جماعة بجماعة، فاقسم المال بين من أدلوا به، فما صار له أعطي للمدلي، كما سبق، فإن كان واحداً أخذه، وإن كانوا جماعة قسم عليهم على حسب التفصيل المتقدم.

    مثال: كما لو مات عن بنت بنت، وبنتي بنت ابن، أي: بنت بنت، وبنت بنت ابن، بنت بنت، الآن أدلى جماعة بجماعة، بنت البنت تدلي ببنت، وبنتا بنت ابن، البنتان هنا أمهما واحدة، طيب اجعل الآن الميت كأنه مات وترك بنتاً وبنت ابن، البنت لها النصف، وبنت الابن السدس، تكملة للثلثين، المسألة من ستة، للبنت ثلاثة ولبنت الابن واحد ترد إلى أربعة، ثم هذا الذي صار للبنت تعطيه لبنت البنت، والذي صار لبنت الابن تعطيه لبنتي بنت الابن، لكن الواحد لا ينقسم عليهما، نصحح المسألة، بين الواحد والاثنين مباينة، اثنين في أربعة بثمانية، اثنان في ثلاثة ستة لبنت البنت، واثنان في واحد باثنين، لكل واحدة واحد.

    أدلى جماعة بجماعة، نقسم المال بين من أدلوا به، كما لو مات الميت وتركهم على حسب قواعد الإرث معنا، ثم ما أخذه أولئك الورثة قسم على من أدلوا به وهم ذوو الأرحام، فإن كان واحداً أخذه، وإن كان جماعة قسمناه بينهم.

    مثال آخر: لو مات وترك خالة وابن بنت، الخالة بمنزلة الأم، وابن البنت بمنزلة البنت، الأم لها السدس لوجود الفرع الوارث، والبنت لها النصف، المسألة من ستة، ترد إلى أربعة، ابن البنت له ثلاثة، والخالة لها واحد.

    1.   

    كيفية التوريث إذا كان ذوو الأرحام بعضهم أقرب من بعض

    إذا كان بعض ذوي الأرحام أقرب إلى الوارث المدلى به من بعض، فلهم حالتان:

    الحالة الأولى: أن يكون بعضهم أقرب من بعض، والجهة واحدة، يعني: هذا ابن بنت، وذاك ابن ابن بنت، إذاً: الجهة واحدة، لكن يكون بعضهم أقرب إلى الوارث المدلى به، فالقريب يحجب البعيد.

    كما لو مات وترك ابن بنت بنت، وبنت بنت ابن.

    الآن الجهة واحدة وهي جهة أولاد الميت، وهي الفرع الوارث، فهذا يدلي بفرع وارث، وهذا يدلي بفرع وارث، هنا الآن تنزل كل واحد درجة، فأيهما أقرب إلى الوارث أخذ المال وحجب من بعده، فابن بنت البنت إذا نزلته درجة يصبح بنت بنت، وهي ليست وارثة، وهذه لو نزلتها درجة تصبح بنت ابن وهي وارثة، فبنت البنت محجوبة، وبنت الابن لها كل المال فرضاً ورداً.

    هذا عندنا يكون في جهة واحدة، بعضهم أقرب إلى الميت من بعض، فالقريب يسقط البعيد بالاتفاق، هذا إذا كانت الجهة واحدة، وهذا سيأتينا ضبط الجهات بثلاث جهات عند مذهب أهل التنزيل، يختلف عن ضبط الجهات عند مذهب الحنفية؛ لأن هناك يورثونهم عن طريق القرابة فيختلف.

    الحالة الثانية: إذا كان بعضهم أقرب من بعض، لكن يدلون بجهتين مختلفتين، هؤلاء من جهة وهؤلاء من جهة، فالأقرب من الوارثين لا يسقط الأبعد مهما بعد ما دامت الجهة مختلفة، كما لو مات عن ابن بنت، وابن بنت خالة، ابن بنت، وابن بنت خالة، فلو هذا ابن بنت بنت لسقط، لكن هنا ابن بنت خالة، الخالة الآن تدلي بأم، فصار جهة أمومة وجهة بنوة، فاختلفت فلا يسقط القريب البعيد، فنقول: هذا يدلي ببنت، سواء كان قريباً أو بعيداً ما لنا علاقة به ما دامت الجهة مختلفة، وهذا يدلي بأم مباشرة، فالمال إذاً بين من أدلوا به، البنت لها النصف والأم لها السدس، المسألة من ستة، ترد إلى أربعة.

    الشاهد أن ابن بنت الخالة ما سقط بابن البنت، مع أن ذاك أقرب منه، فهو كما لو مات وترك بنتاً وأماً، لكن إذا كانت الجهة واحدة، فالقريب يسقط البعيد، هذا أيضاً لا بد من الانتباه له، وهذا يدعونا إلى معرفة جهات ذوي الأرحام عند مذهب أهل التنزيل.

    ذوي الأرحام عند أهل التنزيل

    جهات ذوي الأرحام ثلاثة، كما في العدة شرح العمدة (325)، وهي: البنوة والأبوة والأمومة، وانظروا هذه الجهات أيضاً في العذب الفائض شرح عمدة الفرائض (2/22).

    أما البنوة فيدخل فيها أولاد البنات، وأولاد بنات الابن مهما نزلوا، هذه كلها جهة واحدة، وهي جهة الفرع الوارث.

    وتقدم معنا أن لفظ الولد شامل للذكر والأنثى، وعليه ابن بنت، بنت بنت مهما نزل، ابن بنت ابن، بنت بنت ابن مهما نزل، هذا كله جهة البنوة، جهة الفرع الوارث.

    جهة الأبوة، وهي الجهة الثانية، يدخل فيها العم لأم، وهو أخو الأب من أمه، والعمات مطلقاً، الشقائق، والعمات لأب، والعمات لأم، وأخوال الأب -ليس أخوال الميت- وخالاته مطلقاً -يعني: خال الأب الشقيق، خال الأب لأب، خال الأب لأم، خالة الأب الشقيقة، خالة الأب لأب، خالة الأب لأم- وبنات الإخوة والأخوات مطلقاً، أي: سواء شقيقات أو لأب أو لأم، أو لأم.

    وبنات أولادهم مهما نزلوا، والأجداد الساقطون والجدات الساقطات من جهة الأب، أي: أبو أم الأب جد فاسد؛ لأنه ذكر أدلى بأنثى؛ وتقدم معنا تعريف الجد الصحيح الوارث عند مبحث الجد والإخوة، وأنه هو الذي لم يدخل في نسبته للميت أنثى، أي الذي لا يدلي إلى الميت بأنثى، فخرج بذلك الجد الفاسد الذي لا يرث، وهو من أدلى بأنثى، أي: من كان في نسبته للميت أنثى فهو جد فاسد كأبي الأم وأبي أم الأب، وهكذا الجدة أم الأب مهما علت صحيحة، وأم أبي أم الأب؛ لأنها أدلت بذكر بين أنثيين هي إحداهما، وتقدم أيضاً معنا هذا عند أصحاب السدس في تعريف الجدات الصحيحات الوارثات، والجدات الفاسدات اللاتي لا يرثن، والله أعلم.

    على كل حال! الأجداد الساقطون والجدات الساقطات من جهة الأب، وأولاد العمات، وبنات الأعمام، هؤلاء كلهم يدلون بالأب، فهم جهة أبوة.

    مات وترك عمة شقيقة، عمة لأب، ابنة عمة لأم، العمة الشقيقة تعتبر أختاً شقيقة، العمة لأب أختاً لأب، وابنة العمة لأم محجوبة بمن هو أقرب منها إذ الجهة واحدة، لأنهم يدلون بجهة الأبوة، فأنت الآن تنزل كل واحد درجة.

    بنت العمة تدلي بعمة، والعمة ليست وارثة.

    العمة لأب ليست وارثة لكن تدلي بالأب الذي هو وارث.

    وعليه ابنة العمة سقطت؛ لأن أمها ليست وارثة، فإذاً أخت شقيقة لها النصف، وأخت لأب لها السدس تكملة للثلثين، المسألة من ستة، ترد إلى أربعة، وبنت العمة سقطت، وهكذا، هذا الآن الجهة الثانية وهي جهة الأبوة.

    الجهة الثالثة: جهة الأمومة، يدخل فيها الأجداد الساقطون، والجدات السواقط من جهة الأم، كما يدخل أعمامها وعماتها وعمات أبيها، وعمات أمها، وأخوالها، وخالاتها، وأخوال وخالات أبيها وأمها، كلهم يدلون من جهة الأم.

    إذاً: أجداد وجدات من جهتها، أعمامها وعماتها وعمات أبيها، وعمات أمها، وأخوالها وخالاتها، وأخوال وخالات أبيها وأمها، كل هؤلاء يدلون بالأم، أما تختلف منازلهم هذا موضوع آخر، هذه يقال لها جهة الأمومة.

    هذه ثلاث جهات: بنوة، أبوة، أمومة، إذا اختلفت جهات ذوي الأرحام لا يسقط القريب البعيد مهما كان قرب هذا وبعد ذلك، إنما الآن جهة مختلفة كل جهة لها نصيب مقدر، فإذا كانوا من جهة واحة فالقريب يسقط البعيد.

    مدى اعتبار جهة العمومة في توريث ذوي الأرحام

    لا تعتبر جهة العمومة في توريث ذوي الأرحام، لما يلزم عليها من محذور مردود.

    يعني: ليس عندنا جهة بنوة وأبوة وأمومة وعمومة، كما سيأتينا، وليس عندنا جهة أخوة، بل جهات ثلاث فقط لم؟ لأنه يلزم من هذا محذور، ما هو المحذور؟

    يلزم تقديم بنت العمة على بنت العم، أي لو اعتبرنا جهة العمومة لزم أن نقدم بنت العمة على بنت العم، كما يلزم أن نقدم بنت العم من الأم على بنت العم من الأب.

    إخوتي الكرام! الآن بنت عم لأم، وبنت عم شقيق، عم شقيق يدلي الآن بأبيك، لكن هو أخ شقيق لأبيك عن طريق أبيه وأمه، وبنت عم لأم تدلي بأبيها لكن عن طريق الأخ الذي من أمه، لو أردت أن تجعل العمومة، فالعمومة لا يمكن أن تدخل فيها العم لأم؛ لأن العم لأم في الأصل ليس بوارث، هذا سيدلي بالأب فقط، وهذا سيدلي بالعم الذي قلنا عمومة.

    إذاً هذه ستدلي بالأب، وهذه ستدلي بالعم، وجهة الأبوة أقوى من جهة العمومة فتسقط بنت العم الشقيق ببنت العم لأم، وهذا لا يمكن. واضحة؟ هذه بنت عم لأبوين تدلي بعم، لو جعلنا جهة العمومة؛ لأننا إذا أدخلنا جهة العمومة سيدخل فيها عم شقيق، وعم لأب، والعم لأم يبقى أنه لا يدلي فليس بوارث، العم لأم يدلي بالأب، العم الشقيق هذا يدلي بنفسه، فلو جعلت بنت العم تدلي بعم، لحجبت لأنه العم يحجب بالأب، فنحن الآن نلغي الوارث الذي أدلت به، ونقول: تدلي بالأب، سواء كانت تدلي بعم شقيق، أو بعم لأب، أو بعم لأم، فنقول في هذه المسألة: بنت عم شقيق، وبنت عم لأم، يدليان بالأب، لكن بنت العم الشقيق تدلي بوارث، وهو العم الشقيق، وبنت العم لأم تدلي بغير وارث، وهو العم لأم، فالمال كله لبنت العم الشقيق، لسبقها إلى الوارث، كما نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام النووي عليه رحمة الله في روضة الطالبين (6/55)، وأقرأ عليكم كلامه الآن، وهكذا نص على ذلك الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم الفرضي في كتابه العذب الفائض شرح عمدة الفرائض، فالجهة هنا واحدة، وهي الأبوة، والمال للأسبق، والتي سبقت هنا هي بنت العم الشقيق، قال الإمام النووي عليه رحمة الله في روضة الطالبين: فرع: أولاد الأخوال والخالات والعمات والأعمام لأم، هؤلاء يقولون: أنهم ينزلون منزلة آبائهم ومنزلة من أدلوا به، ثم يقولون في آخر هذا الفرع، يقول: إذا اجتمع مع هؤلاء -يعني: مع أولاد الأخوال، والخالات والعمات والأعمام لأم- إذا اجتمع مع هؤلاء بنات الأعمام من الأبوين، أو من الأب، ولم تختلف الدرجة -يعني: بنت عم لأم، وبنت عم شقيق- فبنات الأعمام أولى بسبقهن إلى الوارث، إذا اجتمع واحد من أولاد الأخوال والخالات والعمات والأعمام لأم مع بنات الأعمام الأشقاء، وبنات الأعمام لأب، فبنات الأعمام أولى لسبقهن إلى الوارث.

    وقال الشيخ إبراهيم الفرضي في العذب الفائض (2/22): إن كانوا من جهة واحدة، وكان بعضهم أقرب من بعض، فيقدم قريب تلك الجهة وهو الأسبق إلى الوارث، ثم قال عليه رحمة الله: فلو مات عن بنت بنت أخ شقيق أو لأب، أو بنت عم شقيق أو لأب، فالمال كله لبنت العم سواء كانت بنت عم شقيق أو بنت عم لأب لم؟ قال: لأنها تلقى الوارث في ثاني درجة، ولا شيء لبنت بنت الأخ الشقيق؛ لأنها تلقى الوارث بثالث درجة.

    إخوتي الكرام! لو جعلنا جهة عمومة في توريث ذوي الأرحام لترتب على هذا محذور، وهو إسقاط بنت العم لأم بنت العم الشقيق أو لأب، فيصبح الأمر عكس الأول الصحيح، وهذا غير صحيح.

    وإيضاح ذلك: أن بنت العم لأم تدلي بأب؛ لأن العم لأم ليس بوارث بالاتفاق، أما بنت العم الشقيق فتدلي بعم شقيق؛ لأن جهة العمومة شاملة للعم الشقيق أو للعم لأب كما تقدم معنا في مبحث التعصيب، وعليه إذا أدلت بنت العم لأم بالأب، وأدلت بنت العم الشقيق بالعم، فستقدم بنت العم لأم على بنت العم الشقيق في الإرث؛ لأن جهة الأبوة مقدمة، ولا يرث أحد من جهة العمومة بوجود أحد من جهة الأبوة، فإذا وُجد أب أو جد، لا يرث أحد من الأعمام الأشقاء أو لأب، كما هو مجمع عليه، ولذلك لا يوجد جهة عمومة في توريث ذوي الأرحام لما يترتب على ذلك من محذور، فالقوي سيسقط بالضعيف، والأقرب إلى الوارث سيسقط بالبعيد، وهذا غريب مردود بعيد، والعلم عند الله المجيد.

    وهكذا إخوتي الكرام! سيترتب على القول بوجود جهة العمومة في توريث ذوي الأرحام محذور ثاني عند الكرام، ألا وهو إسقاط بنت العمة بنت العم، فبنت العمة تقدم وترث، وبنت العم تسقط ولا ترث، وهذا مردود.

    وإيضاح ذلك: أن بنت العمة الشقيقة تدلي بالأب بالاتفاق، وبنت العم الشقيق تدلي بالعم الشقيق، ومن المعلوم أن جهة الأبوة تقدم على جهة العمومة، فلا إرث لبنت العم مع بنت العمة على هذا القول، والصواب الصحيح عكس ذلك، فلا إرث لبنت العمة مع بنت العم، ولذلك نقول: بنت العمة وبنت العم يدليان بالأب، وبما أن بنت العم أسبق إلى الوارث، فلها كل المال، وسقطت بنت العمة فلا شيء لها؛ لأن بنت العمة وإن أدلت بالأب كبنت العم فلا شيء لها حسب قواعد الإرث؛ لأن بنت العمة تزيد بطنا وتتأخر درجة، والإرث للمتقدم إلى الوارث كما تقدم، ولذلك ترث بنت العم دون بنت العمة، ولولا إلغاء جهة العمومة في توريث ذوي الأرحام، للزم سقوط القريب بالبعيد، وهذا مردود بعيد والعلم عند الله المجيد.

    مدى اعتبار جهة الأخوة في إرث ذوي الأرحام

    إخوتي الكرام! وكما لا يصح أن نجعل في توريث ذوي الأرحام جهة العمومة لما يترتب عليها من تقديم بنت العم من الأم على بنت العم الشقيق، وتقديم بنت العمة على بنت العم، فلا يصح أيضاً أن نجعل في توريث ذوي الأرحام جهة أخوة، فالجهات ثلاث فقط كما تقدم معنا: بنوة أبوة أمومة، ولو جعلنا جهة أخوة للزم منها محذور أيضاً كما لزم في جهة العمومة.

    والمحذور في جهة الأخوة هو: إسقاط بنت الأخ ببنت العمة، فتقدم بنت العمة وتسقط بنت الأخ، والأمر بالعكس كما سبق، فنقول بنت العمة الشقيقة تدلي بأب، وكذلك بنت الأخ الشقيق تدلي بأب، لكن بنت الأخ الشقيق تدلي بوارث، وهو الأخ الشقيق، وبنت العمة تدلي بغير وارث وهي العمة، فالمال كله لبنت الأخ الشقيق لسبقها إلى الوارث كما تقدم في بنت العم لأم وبنت العم الشقيق تماماً، فهناك جعلنا المال لبنت العم الشقيق دون بنت العم لأم.

    إخوتي الكرام! لو جعلنا جهة إخوة لترتب على ذلك محذور، وهو إسقاط بنت العمة الشقيقة بنت الأخ الشقيق، فتقدم بنت العمة الشقيقة وترث، وتؤخر بنت الأخ الشقيق فلا ترث، وهذا غير صحيح.

    وإيضاح ذلك كما تقدم: لو أثبتنا جهة الأخوة لوجب أن نقول: بنت العمة تدلي بأب، وبنت الأخ الشقيق تدلي بأخ، وجهة الأبوة تقدم على جهة الأخوة، فلا إرث للأخ بوجود الأب، وعليه لا إرث لبنات الإخوة مع بنات العمات، وهذا باطل، فقرابة بنت الأخ أقوى من قرابة بنت العمة، وبنت الأخ أسبق إلى الوارث من بنت العمة، وعليه فالمال كله لبنت الأخ، ولا ترث بنت العمة مع بنت الأخ، والعلم عند الله جل وعلا.

    إخوتي الكرام! الضابط في ذلك وغيره أمران تقدما معنا فليكونا على بالكم على الدوام:

    أولا: جهات ذوي الأرحام ثلاث: بنوة.. أبوة.. أمومة.

    ثانياً: إذا كان بعض ذوي الأرحام أقرب إلى الوارث المدلى به من بعض فلهم حالتان.

    الحالة الأولى: إذا كانوا من جهة واحدة، فالقريب يسقط البعيد، وعليه تسقط بنت العم لأم ببنت العم الشقيق، كما تسقط بنت العمة الشقيقة ببنت العم الشقيق أو لأب، وتسقط أيضاً بنت العمة ببنت الأخ كما تقدم معنا، وقد تقدم معنا تفصيل هذا وتعليله.

    الحالة الثانية: إذا كانوا من جهتين فلا يسقط وارث من جهة بوارث من جهة أخرى، فالتساقط يكون في الجهة الواحدة لا في الجهات المختلفة المتعددة، والعلم عند الله جل وعلا، فلو مات وترك بنت بنت، وخالة، وبنت عمة، الجهات الآن مختلفة، بنوة، أمومة، أبوة، فبنت البنت تدلي بالبنت، فهي من جهة البنوة، الخالة تدلي بأم (أمومة)، بنت العمة تدلي بأب (أبوة)، يكون المال كالآتي: بنت البنت لها النصف، وهو نصيب من أدلت به وهي البنت؛ لأنها تنزل منزلتها، والخالة لها السدس، وهو نصيب من أدلت به، وهي الأم؛ لأنها تنزل منزلتها، وبنت العمة لها الباقي، وهو نصيب من أدلت به وهو الأب، وهي تنزل منزلته، فالمسألة من ستة، كأنه مات عن بنت وأم وأب، ثلاثة لبنت البنت، وواحد للخالة، واثنان لبنت العمة، والعلم عند الله عز وجل.

    1.   

    تلخيص ميراث ذوي الأرحام إذا لم يوجد أحد الزوجين

    هذه الحالة الأولى، نلخصها إخوتي الكرام:

    إذا لم يوجد أحد الزوجين مع ذوي الأرحام على مذهب التنزيل:

    إن وجد فرد واحد أخذ المال كله من أي جهة كانت.

    الحالة التالية: وجد جماعة لكن يدلون بشخص لهم حالتان:

    الحالة الأولى: تستوي منزلتهم ممن أدلوا به، فالمعتمد عند الحنابلة أن المال بينهم بالسوية، دون تفضيل للذكر على الأنثى، هناك قول بالتفضيل، وهو الذي قال به الشافعية والمالكية، وهناك قول بالتفضيل في صورة واحدة بين الخال والخالة.

    الحالة الثانية من الحالة الثانية: أدلى جماعة بشخص واختلفت منزلتهم، فنجعل من أدلوا به كأنه مات وتركهم، فمن يحجب حجب ومن يرث يرث، كما تقدم معنا بالنسبة لثلاث خالات متفرقات الكل وارثات، لكن بنسب مختلفة، وبالنسبة لثلاث أخوال متفرقين خالان وارثان وهو الشقيق والخال لأم، والخال لأب محجوب.

    الحالة الثالثة: أدلى جماعة بجماعة، نقسم المال بين من أدلوا به، كأن المدلى به هو الوارث، فما أصابه وما أخذه وما حصله نقسمه على المدلين بهذا القريب الوارث، فإن كان فرداً أخذه، وإن كانوا جماعة قسمناه بينهم.

    ثم قلت: إذا كانت الجهة واحدة فالقريب يسقط البعيد، وإذا كانت جهة مختلفة فالقريب لا يسقط البعيد مهما بعد.

    ثم بعد ذلك هذا يدعونا إلى معرفة جهات ذوي الأرحام، وهي ثلاث جهات: بنوة، أبوة، أمومة، فلا يوجد عندنا أخوة ولا عمومة لما يترتب عليهما من محاذير، والعلم عند الله الجليل.

    1.   

    توريث ذوي الأرحام مع أحد الزوجين عند أهل التنزيل

    الحالة الثانية: إذا وجد أحد الزوجين مع ذوي الأرحام، فبالاتفاق يأخذ صاحب الزوجية فرضه، وهو ما بين نصف وربع، ولا يوجد ثمن لأنه إذا وجد فرع وارث أخذ المال الباقي كله، فرضاً ورداً، أو تعصيباً على حسب حاله.

    إذاً: إما نصف في حق الزوج، وإما ربع في حق الزوجة، لا يمكن للزوج أن يأخذ الربع، ولا للزوجة أن تأخذ ثمناً.

    إذاً: يأخذ صاحب الزوجية فرضه كاملاً، وما بقي فإن كان صاحب الرحم فرداً واحداً فله الباقي من أي جهة كانت: بنوة، أبوة، أمومة، فلو ماتت وتركت زوجاً وبنت بنت، الزوج له النصف، وبنت البنت لها الباقي، وهكذا لو ترك زوجة وخالة، الزوجة لها الربع، والخالة لها الباقي، كأنها أم أخذت الباقي فرضاً ورداً.

    إذاً: إن كان فرداً واحداً فالحل واضح ميسور، وهو أن له ما بقي، وإن كان صاحب الرحم جماعة من صنف واحد، فالمسألة من عدد رؤوسهم، كما تقدم معنا، كما لو ماتت وتركت زوجاً وخمس خالات شقيقات، الزوج له النصف، والخالات لهن الباقي، المسألة من اثنين، واحد لا ينقسم على خمسة، خمسة في اثنين عشرة، للزوج خمسة ولكل واحدة من الخالات واحد.

    الحالة الثالثة: إذا كان لصاحب الرحم جماعة من أصناف متعددة فاجعل لهم -أي: لذوي الأرحام- مسألة كما عرفت فيما سبق وتقدم معنا، لا بد الآن من مسألة الزوجية فنعطيه فرضه، ثم نقول: الباقي لذوي الأرحام، ونجعل لهم مسألة، ثم ننظر بين ما بقي من مسألة صاحب الزوجية، وبين مسألة ذوي الأرحام، فلا يخلو الحال من ثلاثة أحوال: إما أن ينقسم الباقي على مسألتهم كما تقدم معنا في المناسخات وفي الرد، فتصح مسألة ذوي الأرحام جامعة للمسألتين من مسألة مخرج صاحب الزوجية.

    وإن وافقت نأخذ وفق مسألة ذوي الأرحام فنضعها فوق مسألة صاحب الزوجية، ونضربها فيها فتخرج معنا جامعة.

    وإن باينت نأخذ جميع المسألة، ونضعها فوق مسألة صاحب الزوجية، ونضربها فيها فتخرج جامعة، ومن له شيء أخذه مضروباً فيما فوقه، وإليكم الأمثلة على ذلك:

    أولاً: مثال الانقسام: مات عن زوجة وخال، وبنت أخت لأم، الزوجة لها الربع لعدم الفرع الوارث، وهؤلاء لهم الباقي، نجعل لهم مسألة، الخال ننزله منزلة الأم، وهنا منزلة أخت لأم، الأم لها الثلث، والأخ لأم له السدس، فالمسألة من ستة ترد إلى ثلاثة، الباقي هنا معنا في مسألة الزوجية ثلاثة، ثلاثة على ثلاثة منقسمة، وعليه تصح الجامعة لذوي الأرحام مما صحت منه مسألة صاحب الزوجية، المسألة من أربعة، واحد في واحد واحد، وهنا اثنين في واحد اثنان، واحد في واحد واحد، هذا إذا انقسمت.

    مثال الموافقة: مات عن زوجة، وبنت بنت، وثلاث بنات ابن.

    الزوجة الآن لها الربع، ولهن الباقي، المسألة من أربعة للزوجة واحد الباقي ثلاثة.

    بنت البنت تدلي ببنت، وثلاث بنات ابن يدلين ببنت ابن، إذاً هنا عندنا ثلاث وليست بنت ابن واحدة، بل بنات ابن متفرقات، يعني: متعددات، بنت ابن، وبنت ابن، وبنت ابن، كأن الميت مات في الأصل وترك بنتاً وثلاث بنات ابن، البنت لها النصف، بنات الابن لهن السدس تكملة للثلث، المسألة من ستة، نصفها ثلاثة، وسدسها واحد، ترد إلى أربعة، واحد لا ينقسم على الثلاثة، نصحح المسألة ثلاثة في أربعة: اثنا عشر، لبنت البنت، ولكل تسعة واحدة من بنات بنت الابن واحد، عندنا هنا ثلاثة، توافق الاثني عشر في الثلث، ثلاثة على ثلاثة واحد، اثنا عشر على ثلاثة أربعة، نأخذ وفق هذا ونضعه فوق مسألة الزوجية: أربعة في أربعة بستة عشر، هذه هي الجامعة، واحد في أربعة، أربعة للزوج، تسعة في واحد تسعة لبنت الابن، ولكل من الباقيات واحد.

    مثال التباين: مات عن زوجة وابن بنت ابن، وخال شقيق، وخال لأب.

    الزوجة لها الربع، وهؤلاء الباقي، المسألة من أربعة لها واحد ولهم ثلاثة.

    اجعل هؤلاء منزلة من أدلوا به: ابن بنت ابن، وخال شقيق، وخال لأب، الخالان أدليا بالأم، وهو أدلى ببنت ابن، اقسم المال كما لو مات وترك بنت ابن وأماً، بنت الابن لها النصف، والأم لها السدس، فمسألتهم من ستة نصفها ثلاثة لبنت الابن وسدسها واحد للأم، ترد إلى أربعة.

    نصيب الأم للأخ نستخرج الجامعة، نجد بين الثلاثة والأربعة مباينة، نضع الثلاثة هنا، والأربعة هنا، ثم نضرب أربعة في أربعة بستة عشر، الزوجة لها أربعة، وهنا بنت الابن لها ثلاثة في ثلاثة تسعة، والأم وهو للخال، واحد في ثلاثة: ثلاثة.

    الآن نصيب الأم سنوزعه على من يرثها، نجد أنه يرثها أخ شقيق، وأخ لأب محجوب، الأخ الشقيق عاصب والأخ لأب محجوب.

    الشاهد هنا بين الثلاثة والأربعة مباينة، وضعنا الثلاثة المتبقي من مسألة صاحب الزوجية فوق مسألة ذوي الأرحام، وجميع مسألة ذوي الأرحام فوق مسألة صاحب الزوجية فخرج الجامعة لذوي الأرحام.

    هذا إن أدلى جماعة كما قلت بجماعة من أصناف متعددة، فنعطي لصاحب الزوجية فرضه، والباقي لذوي الأرحام، ثم نجعل لهم مسألة كما تقدم معنا، وننظر بين بين المتبقي من مسألة صاحب الزوجية، فهو انقسام أو موافقة أو مباينة كما تقدم معنا، هذا كله فيما يتعلق بمذهب ذوي التنزيل.

    المذهب الثالث وهو قول السادة الحنفية عليهم وعلى جميع الأئمة المسلمين عليهم رحمات رب العالمين، وهو مذهب القرابة، إن شاء الله في المحاضرة الثانية بعون الله ننتهي، إن شئتم بعد ذلك محاضرة أخرى، في مسائل وتمارين، لكن محاضرة واحدة ننتهي من مذهب الحنفية بإذن رب البرية.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.