إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. فقه المواريث - أدلة توريث ذوي الأرحام

فقه المواريث - أدلة توريث ذوي الأرحامللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وردت بعض آثار وأحاديث ضعيفة في توريث ذوي الأرحام، وقد احتج بها الحنفية والحنابلة على مذهبهم في ذلك، والبعض يرى أنها تصلح حجة في توريثهم تعلقاً بها واسترواحاً إلى كلام بعض السابقين كابن التركماني وابن القيم في الاحتجاج بها.

    1.   

    الأدلة من السنة على توريث ذوي الأرحام

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم! لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم! زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم! صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! شرعنا في مدارسة توريث ذوي الأرحام، وقلت: سنتدارس هذا المبحث ضمن ثلاثة أقسام:

    أولها: في تعريف ذوي الأرحام، وقد انتهينا من ذلك، وبينت منزلة الرحم عند الله عز وجل وأن قطيعتها أيضاً من أعظم الكبائر.

    والأمر الثاني: في توريث ذوي الأرحام واختلاف أئمتنا الكرام في هذه المسألة، وقلت: إن الأقوال تنقسم إلى قولين، ويمكن عند التفصيل تعود إلى ثلاثة أحوال كما سنتدارس ذلك إن شاء الله.

    والمبحث الثالث وهو آخر المباحث: كيفية توريث ذوي الأرحام على القول بتوريثه.

    كنا نتدارس إخوتي الكرام! المبحث الثاني، ألا وهو توريث ذوي الأرحام واختلاف أئمتنا الكرام في ذلك، فذكرت أن مذهب أبا حنيفة والإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه يقولان بتوريث ذوي الأرحام إذا لم يوجد عاصب مطلقاً ولم يوجد صاحب فرض من النسب، فإذا وجدت التركة وليس هناك عاصب ولا صاحب فرض من النسب، ووجد أحد ذوي الأرحام يأخذ المال.

    وهكذا إذا وجد أحد الزوجين ولم يوجد عاصب ولا صاحب فرض من النسب فصاحب الزوجية يأخذ فرضه والباقي يرثه ذوو الأرحام، فلو مات عن زوجة وخالة للزوجة الربع وللخالة بقية المال.

    وكنا نتدارس أدلة هذا القول: قلت: استدلوا بآيات القرآن الكريم وبأحاديث نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام وبأقوال الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان.

    أما آيات القرآن فانتهينا منها فقلت: قرر الله هذا في كتابه فجعل أصحاب القرابات أولى من بعضهم: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ [الأحزاب:6]، وجعل الله جل وعلا علة الإرث القرابة: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:7].

    وقلت: من فرض الله له نصيباً مقدراً يقدم، فإذا لم يكن هناك صاحب فرض مقدم فلا ينبغي أن يخرج المال عن القرابة، فيقدم القرابة على الصلة العامة التي بين الميت وبين المؤمنين فلا نعيد المال إلى بيت المال؛ لأنه يوجد قريب وهو أولى بقريبه من عموم المؤمنين.

    الدلالة الثانية: دلالة السنة المطهرة، وذكرت حديث أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وأعيد الكلام على حديث أمنا عائشة ، ثم نسرد الأحاديث التي تدل على هذا، وليست العمدة في توريث ذوي الأرحام من دلالة السنة على حديث أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها فقط، إنما هناك أحاديث كثيرة في ذلك: ‏

    الحديث الأول في توريث ذو الأرحام

    الحديث الأول كما قلت: حديث أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وبينت إخوتي الكرام! تخريجه. قلت: رواه الإمام الترمذي وحسنه، ورواه الإمام النسائي في السنن الكبرى، كما رواه الإمام الطحاوي والدارقطني ، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي ، ولفظ الحديث: عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارثٌ من لا وارث له).

    وفي بعض روايات الحديث: (الخال وارث من لا وارث له)، رواه الإمام الترمذي وقال: حديث حسن غريب.

    لكن تقدم معنا إخوتي الكرام! أن الحديث اختلف في وصله وفي إرساله، فالإمام الترمذي قال: أرسله بعضهم ولم يذكر فيه عن عائشة رضي الله عنها، ثم قال الإمام الترمذي : وقد اختلف فيه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -يعني: في توريث ذوي الأرحام- فورث بعضهم الخال والخالة والعمة، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام، أما زيدٌ فلم يورثهم وجعل الميراث في بيت المال.

    هذا الاختلاف الأول في الحديث: متصلاً ومرسلاً، وهو في الحالتين مرفوع، لكن مرفوع مرسل أو متصل، لذكر أمنا عائشة رضي الله عنها ...

    وهناك خلاف آخر في الحديث: روي مرفوعاً وموقوفاً على أمنا عائشة رضي الله عنها من كلامها دون أن يرفع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، فالرواية الموقوفة رواها الإمام الدارمي، والبيهقي في السنن الكبرى وعبد الرزاق في مصنفه، وهكذا الإمام الدارقطني ، وقال البيهقي : هذا هو المحفوظ من قول أمنا عائشة رضي الله عنها موقوفاً عليها. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص كما تقدم معنا: رجح الدارقطني والبيهقي وقفهما.

    قلت: أما البيهقي فرجح هذا، وأما الدارقطني فلا يوجد هذا في السنن، إنما روى الرواية الموقوفة عن أمنا عائشة رضي الله عنها، ولم يقل هذه الرواية هي المعتمدة، وهي المحفوظة وهي المرجحة كما فعل الإمام البيهقي عليهم جميعاً رحمة الله.

    وتقدم معنا إن الإمام ابن التركماني في تعليقه على سنن البيهقي في الجوهر النقي قال: قلت: الرفع زيادة ثقة فوجب قبولها، وعليه الحديث مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو أيضاً متصل كما تقدم معنا، وهو ثابت حسن.

    ختمت الكلام على هذا الحديث بكلام الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمات رب البرية، وقلت: قاله في تعليقه على تهذيب السنن (4/172) يقول: هذا الحديث ثابت صحيح، وما وجه إليه من كلام في حال الإرسال والوقف في حال الوقف والرفع لا يضر على طريقة منازعينا لوجهين اثنين:

    الوجه الأول: قال: إنهم يحكمون بزيادة الثقة، وقد زاد في الوصل وفي الرفع فيجب قبول زيادته.

    الأمر الثاني يقول: على التسليم بأن الحديث مرسل، وليس فيه ذكرٌ لأمنا عائشة رضي الله عنها إنما رفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام من قبل التابعي فهو مرسلٌ عمل به أكثر أهل العلم كما قال الإمام الترمذي .

    ومثل هذا حجة عند من يرى المرسل حجة، والجماهير احتجوا بالمرسل، والإمام الشافعي احتج به بشروط منها: أن يعمل به أكثر أهل العلم، أو أن يفتي بموجبه صحابي، والحاصل هنا كذلك، وعليه فينبغي أن يحتج منازعونا -وهم المالكية والشافعية- بهذا الحديث، وأن يورثوا ذوي الأرحام؛ لأن الحديث حجة عندهم، فزيادة الثقة مقبولة، وإذا سلم أنه مرسل فقد عمل وأفتى بموجبه أكثر أهل العلم فوجب قبوله، والعلم عند الله عز وجل.

    ثم قلت إخوتي الكرام! ليس هذا الحديث هو العمدة فقط من دلالة السنة حتى نقول: لا يوجد إلا هذا، واختلف فيه إرسالاً ووصلا ووقفاً ورفعاً، بل عندنا أحاديث كثيرة، لعلها تصل إلى العشرة تقرر هذا وفيها هذه الدلالة، وأن ذوي الأرحام يتوارثون وبعضهم أولى ببعض من سائر المؤمنين في المال والإرث، والعلم عند رب العالمين.

    الحديث الثاني في توريث ذوي الأرحام

    الحديث الثاني: حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه وأرضاه رواه الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن وابن ماجة في السنن، والنسائي في السنن الكبرى.

    ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، ورواه ابن الجارود والإمام الطحاوي والبيهقي في السنن الكبرى وسعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة في المصنف.

    وأصل الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما، فهو في المسند والصحيحين وسنن ابن ماجة والنسائي من رواية أبي هريرة ، كما أنه ثابت من رواية جابر وأنس بن مالك رضي الله عنهم وأرضاهم.

    لكن نحن نريد هذه الدلالة التي في الحديث؛ لأن ذوي الأرحام وأن الخال يرث لا توجد في رواية الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، لكن معنى الحديث: (أنا أولى بكل مؤمن) ثابت.

    ولفظ حديث المقدام عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أنا بكل مؤمن ومؤمنة، فمن ترك ديناً فإلي، ومن ترك مالاً فلورثته، وأنا مولى من لا مولى له، آخذ ماله، وأفك عانه) بحذف الياء وأصلها: (عانيه) وفي بعض الروايات: (وأفك عانيه) يعني: أسيره، وما يتعلق بذمته، ويلزم بسبب جناياته، يعني: الغرم بالغنم، كما أنني آخذ ماله -ويأخذه ليس لنفسه لبيت المال- فهو ولي المؤمنين.

    أيضاً: إذا كان على المؤمن جنايات فيحملها وإذا عليه تبعات أداها.

    ثم قال: (والخال مولى من لا مولى له، يرث ماله ويفك عانه).

    وفي رواية: (الخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويفك عنه عانه ويرثه)، والحديث صحيح.

    قال الحافظ في التلخيص (2/93): نقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة أنه قال: حديث المقدام حسن، وقد أعله البيهقي لوجود اضطراب فيه، وهذا مدفوع كما قال الإمام ابن القطان والإمام ابن التركماني في الجوهر النقي.

    وما نقله الإمام البيهقي عن ابن معين أنه كان يبطل حديث الخال، وهو حديث المقدام هذا: (الخال وارث من لا وارث له، يرث ماله ويفك عانه) فقال ابن معين : ليس فيه حديث قوي، ما قاله ابن معين مردود بكلام من هو أقوى من ابن معين . والحديث نص على تحسينه وتصحيحه جم غفير من المحدثين منهم: ابن حبان والحاكم والذهبي ، وابن حجر ، وأبو زرعة ، وأبو داود ، والإمام ابن الجارود وابن القطان ، وابن التركماني وغيرهم.

    (الخال وارث من لا وارث له، يرث ماله يعقل عنه، يفك عانه) رواية ثانية عن سهل بن حنيف رضي الله عنه وأرضاه، رواها الإمام أحمد في المسند والترمذي في السنن، وابن ماجة في سننه أيضاً، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه، والدارقطني ، والبيهقي ، والطحاوي ، وابن الجارود ، وابن أبي شيبة في المصنف، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح.

    ولفظ الحديث أن سهلاً قال: رمى رجلٌ رجلاً بسهم فقتله، وليس له وارث إلا خالٌ، فكتب أبو عبيدة رضي الله عنه وأرضاه إلى سيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين، يستشيره في ذلك ويستفتيه: قتل إنسان وليس له وارث إلا خال فماذا نفعل؟ فكتب إليه عمر رضي الله عنه وأرضاه، وأرسل الكتاب مع سهل بن حنيف يقول عمر : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له).

    وعليه إخوتي الكرام! هو من رواية عمر لو قلنا بدل سهل بن حنيف يعني: سهل بن حنيف يرويه في القصة التي وقعت، وإن كان سهل بن حنيف رواه في التفصيل بعد أن جاءنا ذكر عمر ، لكن أدق أن نقول: الرواية الأولى: عن أمنا عائشة ، والثانية عن المقدام ، والثالثة عن عمر رضي الله عنه وأرضاه.

    والذي ينقلها عن عمر سهل بن حنيف رضي الله عنهم أجمعين.

    والحديث -كما قلت- قال عنه الترمذي : هذا حديث حسن صحيح، وهنا في جامع الأصول (9/118) نسب الحديث إلى الترمذي فقط لأنه لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي ، لعله صحيح، لكن في الحاشية على تعليق المعلق يقول: وهو حديث حسن، وكما قلت لكم مراراً إخوتي الكرام! لو نقل كلام الترمذي لكان أحلى، الترمذي يقول: هذا حديث حسن صحيح، يعني: يرى المعلق أنه حديث حسن هذا موضوع آخر، إنما الترمذي يقول: هذا حديث حسن صحيح.

    رواية رابعة: عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، رواها الدارقطني في سننه (4/99) والبيهقي في السنن الكبرى (3/115) والدارمي في سننه (2/380) عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخال وارث من لا وارث له).

    والحديث ضعفه الإمام البيهقي في سننه، وعلق على كلامه الإمام ابن التركماني في الجوهر النقي فقال: أقل أحواله أن يكون شاهداً لحديث المقدام المتقدم.

    الآن تقدم أن الثلاثة الأحاديث صحيحة: حديث أمنا عائشة رضي الله عنها، والمقدام ، وحديث سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه.

    فحديث أبي هريرة فيه ضعف في إسناده، فهو شاهد لما تقدم، وتلك الأحاديث ترفعه.

    الرواية الخامسة: رواية مرسلة عن طاوس مرفوعاً إلى نبينا صلى الله عليه وسلم.

    ورواه سعيد بن منصور في سننه (1/72) عن طاوس مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخال وارث من لا وارث له)، والحديث رواه شيخ الإسلام وعبد الرزاق في مصنفه (10/185) عن ابن طاوس عن رجل مصدق عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الرجل المصدق الذي يظهر -والعلم عند الله- أنه صحابي، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (الخال وارث من لا وارث له).

    يعني: لو سلمنا أنه ليس بصحابي، فالذي يظهر أنه تابعي مصدق، وهو من أهل الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث يبقى مرسلاً، والحديث المرسل إذا تقوى بمتصل ضعيف ينجبر ويتقوى، فكيف إذا وجد متصل صحيح، فهذه رواية خامسة.

    وصفوة الكلام: أن الحديث ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام: (الخال وارث من لا وارث له) هذا ثابت، فهذه خمس روايات، ثلاث متصلة صحيحة مرفوعة، وواحد متصل مرفوع لكن إسناده ضعيف، وهو حديث أبي هريرة ، وواحد مرسل.

    فصفوة الكلام أن الحديث ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد قرر هذا شيخ الإسلام الإمام الهمام الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في تهذيب السنن (4/171) فقال: قول بعضهم: إن الأحاديث -يعني: في توريث الخال وذوي الأرحام- ضعاف، كلام فيه إجمال، فإن أريد بذلك الكلام أنها ليست في درجة الصحاح التي لا علة فيها فصحيح، ولكن هذا لا يمنع من الاحتجاج بها، ولا يوجب أن تنحط عن رتبة الحسن، بل هذه الأحاديث وأمثالها هي الأحاديث الحسان، فإنها قد تعددت طرقها، ورويت من وجوه مختلفة، وعرفت مخارجها، ورواتها ليسوا بمجروحين ولا متهمين، وقد أخرجها ابن حبان في صحيحه وحكم بصحتها.

    أقول: ليس ابن حبان فقط، هذه مختصرة، وقد تقدم معنا أن الحاكم أيضاً أخرجها وأهل السن والإمام أحمد .

    قال: وليس في أحاديث الأصول ما يعارضها، وقد رويت عن المقدام ، وعمر ، وأمنا عائشة .

    اختصر على هذه الروايات، مع أنه مروي أيضاً عن أبي هريرة ، وروي مرسلاً من طريق طاوس رضي الله عنهم وأرضاهم، هذا ملخص كلام الإمام ابن القيم حول هذا، يعني: من قال إن هذه ضعيفة فقل له: هذا الكلام فيه إجمال، ماذا تقصد بأنه ضعيف؟ يعني: هي ليست في مستوى الأحاديث الصحيحة التي في درجة الصحيحين، وأنه لا يوجد كلام حولها، إن كنت تقصد هذا فهو صحيح، لكن هذا لا يوجب أن تنحط عن رتبة الحسن، وألا يحتج بها، فهذه الأحاديث رواتها لم يعرف فيهم جرح ولا اتهام فيه، عرفت مخارجها، تعددت طرقها، فهذه هي التي عنون عليها أئمتنا بأنها هي الأحاديث الحسان، فالحديث الحسن لا يخرج عن هذا التعريف، وعن واقع أحاديث توريث ذوي الأرحام.

    وإذا كنت تقصد أنها ضعيفة حتى عن رتبة الحسن فليس كذلك، إنما هذه أحاديث متوسطة بين الصحيح وبين الضعيف، وهي الأحاديث الحسان التي يحتج بها، وعليه لابد من التعويل عليها والأخذ بمدلولها، وقد نص شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري (12/30) على أن حديث: (الخال وارث من لا وارث ) حديث حسن، ولا ينحط عن رتبة الحسن بحال، هذا أقل أحواله.

    وتقدم معنا أنه في التلخيص حكى التصحيح أيضاً، إنما في فتح الباري يقول: الحديث لا ينحط عن رتبة الحسن.

    إذاً: هذه خمسة أحاديث في حديث واحد بطرقه ورواياته: (الخال وارث من لا وارث له).

    الحديث الثالث في توريث ذوي الأرحام

    حديث ثالث فيه أيضاً تلك الدلالة وذلك المعنى وتقرير ذلك الحكم، رواه الإمام الدارمي في سننه (2/381) في المكان المتقدم، وسعيد بن منصور في سننه وعبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي شيبة في المصنف (11/265)، وانظروا أيضاً السنن الكبرى للبيهقي فالحديث فيه، ورواه الإمام الطحاوي ، ولفظ الحديث: عن واسع بن حبان بفتح الحاء حبان بن منقذ وهو بفتح الحاء.

    والحديث رواه أيضاً عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن يحيى بن حبان ، فـعن واسع وعن يحيى قالا: توفي ثابت بن الدحداح وكان آتياً -وهو الذي لا يعرف له أصل- فكان في بني العجلان، فمات ولم يترك عقبا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـعاصم بن عدي : (هل تعلمون له فيكم نسباً؟ فقال عاصم : ما نعرفه يا رسول الله! فدعا ابن أخته وهو أبو لبابة ابن عبد المنذر فأعطاه ميراثه).

    هذا توريث لذوي الأرحام، لأن الخال يرث من ابن اخته، فكذلك الابن الأخت يرث أيضاً من الخال، فقد سألهم: هل تعلمون له نسباً؟ قالوا: ما نعرف له يا رسول الله! يعني: نزح من بلاد لا يعلم نسبه ولا أسرته، فمعه أبو لبابة ابن عبد المنذر وهو ابن أخته ولكن لا يعلم لذاك نسب عن طريق العقوبة، ولم يتزوج فليس له عقب، فدعا ماله إلى ابن أخته.

    وفي سنن الدارمي (2/366) عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه التمس من يرث ابن الدحداح فلم يجد وارثاً، فدفع مال ابن الدحداح إلى أخواله، ولعله -والعلم عند الله- قصة ثانية؛ لأن تلك وردت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أيضاً من تلك الأسرة يعني: من أسرته من جهته ممن هاجر معه وهم أولاد ابن الدحداح، فواحد أيضاً في زمن عمر رضي الله عنه من تلك الأسرة الذين هاجروا أيضاً لم يترك وارثاً فدفع عمر رضي الله عنه ماله إلى أخواله.

    قال البيهقي في السنن الكبرى عن حديث واسع المتقدم إنه منقطع، وواسع مختلف في صحبته، يعني: حكم عليه بالانقطاع لوجود اختلاف في صحبة واسع، فهو ينقل هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولابد من أن يكون صحابياً.

    قال الحافظ ابن حجر في التقريب في ترجمة واسع بن حبان : هو صحابي ابن صحابي. وقيل: ثقة من الثانية، يعني: مختلف في صحبته؛ لكن الذي يظهر -والعلم عند الله- ثبوت صحبته، وعليه فالحديث متصل.

    إذاً: هذا اعتراض أول من البيهقي ، يقول: واسع بن حبان مختلف في صحبته فالحديث منقطع.

    اعتراض ثان يورده البيهقي في السنن الكبرى، يقول: وأجاب عنه الشافعي في القديم فقال: واسع بن حبان قتل في موقعة أحد قبل أن تنزل الفرائض. يعني: كأنه يقول: هذه علة في الحديث، فإذا كان هو قتل قبل أن تشرع المواريث، فكيف هنا سأل عمن يرثه وهل له عقب أو لا؟ ثم بعد ذلك دفع المال إلى ابن أخته.

    قال الإمام ابن التركماني : ذكر الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب عن الواقدي قال: قال بعض أصحابنا الرواة: إن واسع بن حبان برئ من جراحاته التي أصيب بها في موقعة أحد، ومات على فراشه من جرح أصابه، أصابه جرح وشفي منه ثم انتقض ذلك الجرح وعاد إليه مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية، والحديبية بعد العام السادس للهجرة، والفرائض كانت قد فرضت وشرعت، وعليه فهو يقال له: من شهداء أحد، ومن صنفه من شهداء أحد؛ لأنه أصيب بجراحات في تلك الموقعة وبقيت في جسمه بعد أن شفي منها، ثم انتقض عليه جرحٌ منها كان سبب قتله، فصار في شهداء أحد، لكن لم يمت في العام الثاني في موقعة أحد.

    ويشهد لما قاله الواقدي نقلاً عن الرواة من أهل العلم، ما ثبت في صحيح مسلم والسنن الأربع إلا سنن ابن ماجة من رواية جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بفرس فركبه حين انصرف من جنازة ابن الدحداح ونحن حوله. وهذا يقرر أنه توفي على فراشه ولم يستشهد في موقعة أحد.

    وقال ابن الجوزي في الكشف عن مشكل ما في الصحيحين: اختلف الرواة في موت ابن الدحداح ، فقال بعضهم: إنه توفي يوم أحد. وقال آخرون: بل جرح يومئذٍ وبرئ ومات على فراشه مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية، وهذا أصح، وعليه فالحديث ثابت.

    الحديث الرابع في توريث ذوي الأرحام

    الرواية الرابعة: رواه الإمام ابن وهب في الجامع عن ابن شهاب بلاغاً مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وابن شهاب من صغار التابعين، وعليه بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام راوٍ أو راويان، وإذا كان بينهما راويان فالحديث معضل، وإذا كان راوٍ فهو مرسل.

    عن ابن شهاب بلاغاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العم أبٌ إذا لم يكن دونه أب، والخالة أمٌ إذا لم يكن دونها أم)، والحديث لاشك أنه ضعيف، يعني: إما معضل أو مرسل، لكن يتقوى بما تقدم من باب جمع الروايات التي فيها توريث ذوي الأرحام، هذه رواية سابعة.

    رواية ثامنة: رواها أبو داود بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ابن أخت القوم منهم). قال الحافظ في الفتح: يحتمل الحديث معنيين:

    المعنى الأول: منهم في المعاونة والانتصار والبر والشفقة ونحو ذلك.

    الثاني: منهم، أي: حكمه حكم ذوي الأرحام الذين يرثون كما يرث العصبة، والحديث صحيح.

    الرواية التاسعة: ثابتة في صحيح البخاري وسنن النسائي ومسند الإمام أحمد من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ابن أخت القوم من أنفسهم).

    وبوب الإمام البخاري في صحيحه باباً على هذا الأثر فقال في كتاب الفرائض: مولى القوم من أنفسهم، وابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم، فإذا كان ابن أخت القوم من أنفسهم، فينبغي أن يقدم على عموم القرابة والصلة التي بين هذا الميت وبين المسلمين، فينبغي أن يرث ماله دون بيت المال، فهو منهم بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أنفسهم، ويحتمل معنيين: في البر والنصرة والشفقة والمودة والرحمة والإخاء، وهو منهم أيضاً في الإرث، فكما يتوارث القرابات فيما بينهم يرث هذا أيضاً؛ لأنه قريب وصاحب رحم.

    هذه إخوتي الكرام أدلة متعددة منها ما يصرح بأن الخال وارث، ومنها ما يصرح بأن ابن الأخت وارث، ومنها ما يقرر أن مولى القوم من أنفسهم، وأن ابن الأخت منهم ومن أنفسهم، والعلم عند الله جل وعلا.

    هذه أدلة القول الأول من السنة المطهرة، وهي أدلة في الجملة ثابتة قطعاً وجزماً.

    1.   

    فهمان مردودان لحديث: (الخال وارث)

    إخوتي الكرام! قبل أن ننتقل إلى الدلالة الثالثة، هذه الدلالة الثانية -لا إله إلا الله- هذه الدلالة الثانية حولها رأيان مردودان بعيدان، قبل أن ننتقل للدلالة الثالثة.

    الفهم الأول: احتمالات بعيدة لابن العربي

    الرأي الأول: ذهب إليه أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي (8/255) ونقله عنه الحافظ في الفتح (12/30)، وخلاصة هذا القول: أنه يريد أن يؤول تلك الأحاديث على فرض ثبوتها، قال أبو بكر بن العربي : ذهب أبو حنيفة عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا إلى توريث ذوي الأرحام، وناقض.

    ما هو سبب المناقضة عند أبي حنيفة ؟ لا أعلم، استمع لكلام أبي بكر بن العربي : ثم قال: وليس لهم حديث يصح فلا نطول به! طيب الحديث عندك في سنن الترمذي وأنت تشرح سنن الترمذي : (الخال وارث من لا وارث له)، قال: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الخال وارث من لا وارث له)، فيحتمل، ثم أوردت ثلاثة احتمالات:

    أولها: يحتمل أن يكون معناه من باب السلب، أي: لا وارث للميت إن كان خاله وارثاً، هذا كما تقول: الصبر حيلة من لا حيلة له، فليس الآن الصبر حيلة، هو رغم أنفه سيصبر، وهنا لا يريد أن يسمي الخال وارثاً يأخذ المال، إنما من لم يترك وارثاً من صاحب فرض أو عصبة فلا وارث له، فالخال ليس بوارث، وهكذا الخالة والعمة وما شاكل هذا.

    أي أنه مثلما تقول: التراب مال من لا مال له، أي: ليس هذا بمال، وهنا كذلك: هذا ليس بوارث، فهو من باب السلب، أي: سلب صفة الوارثة عن الخال، هذا التأويل الأول.

    التأويل الثاني: قال: يحتمل أن الخال يكون وارثاً إذا كان عصبة، فهو خال لكنه في الحقيقة عاصب.

    والمعنى الثالث: قال: المراد بالخال السلطان، ويسمى خالاً في اللغة، وعليه السلطان هو الوارث، وينتقل إليه المال.

    وهذه التأويلات الثلاثة مردودة باردة، وهي في نفسها متناقضة، وجاء يقول عن قول الفقيه الملة: إنه ناقض نفسه، فمن الذي ناقض أنت أم أبو حنيفة ؟ استمع لمناقشة ابن القيم لكلام أبي بكر بن العربي .

    قال الإمام ابن القيم في تهذيب السنن (4/172): أما قوله: يحتمل أنه أريد بالخال.. الخال إذا كان عصبة فهو وارث من أجل التعصيب لا من أجل الخئولة، قال الإمام ابن القيم : هذا كلام باطل ينزه عنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يحمل عليه، قال: لما يتضمنه من اللبس، فإنه إنما علق الميراث بكونه خالاً، أما إذا كان عاصباً فهذا معلوم، فإذا كان سبب توريثه كونه ابن عم أو مولى فعدل عن هذا الوصف الموجب للتوريث إلى وصف لا يوجب التوريث، وعلق به الحكم، فهذا ضد البيان، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم ينزه عن مثل ذلك.

    الاحتمال الثاني الذي قاله: يراد منه السلب، كما تقول: الصبر حيلة من لا حيلة له، والتراب مال من لا مال له، يعني: ليس له مال، قال الإمام ابن القيم : هذا بعيد، وهو خلاف المتبادر من تسميته وارثاً، لأنه قال: (الخال وارث من لا وارث له).

    أقول أنا أيضاً: هذا قصورٌ أيضاً من ابن العربي ومن قال بهذا القول.. جاء هذا القصور بسبب عدم تتبع روايات الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرح في بعض الأحاديث بقوله: (يرث ماله)، كما تقدم معنا، ولم يقل فقط: (الخال وارث من لا وارث له)، حتى تقول: هو ليس بوارث كما تقول: التراب مال من لا مال له، قال: (يرث ماله، ويفك عانه)، فإذاً: هو وارث يرث حقيقة، وليس هذا من باب السلب، إنما هو وارث حقيقة.

    الأمر الثالث الذي يرد الاعتراض الثاني وأنه من باب السلب: فهم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فقد استدلوا بذلك الحديث وذلك اللفظ الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم على توريث ذوي الأرحام، وبذلك كتب سيدنا عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة كما تقدم معنا أن يورث الخال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخال وارث من لا وارث له)، وذلك لما قتل رجل ولم يترك إلا خاله، وعليه ذلك الفهم باطلٌ مردود بعيد.

    وأما الاحتمال الثالث: أن المراد من الخال السلطان؛ لأنه خال المسلمين، قال الإمام ابن القيم : هذا خلاف المتبادر أيضاً من لفظ الخال.

    وأنا أقول أيضاً: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بينهما، بين السلطان وبين الخال في حديث واحد، مما يدل على أن الخال غير السلطان، فقال: (أنا مولى من لا مولى له)، وقلت: هو، أي: الإمام الأعظم وينوب عنه من يأتي بعده عليه الصلاة والسلام: (أرث ماله، وأفك عانه، والخال وارث من لا وارث له، يرث ماله ويفك عانه)، فميز النبي عليه الصلاة والسلام في حديث واحد بين الخال وبين السلطان، فالقول بأن الخال يطلق على السلطان والمراد منه هنا السلطان، أي: أن يؤول المال إلى بيت المال بناءً على توريث الخال، ليس ذاك بصحيح، إنما يؤول المال إلى القرابات؛ لأنه ذكر السلطان والخال في حديث واحد وفرق بينهما.

    يضاف إلى هذا كما قلت: أيضاً الاعتبار الثالث في رد احتمال ابن العربي الثاني، ألا وهو فهم الصحابة، فهم ما فهموا من لفظ الخال السلطان، إنما فهموا من الخال الذي هو عن طريق القرابة والرحم، والعلم عند الله جل وعلا.

    قال الإمام ابن القيم بعد رد ما تقدم من كلام الإمام ابن العربي عليهم جميعاً رحمة الله: فعلم بهذا بطلان هذه التأويلات.

    الفهم الثاني: تخصيص الخال بالحديث دون غيره من ذوي الأرحام

    القول الثاني: ذهب بعض العلماء إلى أن الخال يعتبر وارثاً على خصوصه من بين ذوي الأرحام، لورود هذه الأحاديث فيه، وغض الطرف عن ما ورد في أحاديث أخرى من كون ابن لأخت أيضاً وارثاً كما تقدم معنا، وغض الطرف أيضاً عن المعنى الذي من أجله ورث الخال، ألا وهو أنه قريب صاحب رحم، فليس هو بذي فرض ولا عصبة، فما ينطبق عليه ينطبق على غيره.

    وقد تبنى هذا القول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في أضواء البيان (2/424) فقال: أظهر الأقوال دليلاً عندي أن الخال يرث من لا وارث له، يعني: لما رأى صحة الأحاديث كما تقدم معنا، ولا يمكن ردها، وتأويلها بما أولها به ابن العربي لا يمكن قبوله، فقال: إذاً: الخال وارث، لكن دون غيره من ذوي الأرحام، لثبوت ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام للحديثين المذكورين، والأحاديث ليست حديثين، فقد تقدم معنا ثلاث روايات صحيحة مرفوعة متصلة من رواية أمنا عائشة ، والمقدام ، وسيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين.

    ورواية أبي هريرة فيها ضعف لأنها رواية مرسلة، عدا بعد ذلك عن الشواهد الأخرى التي تقدمت معنا دون لفظ: (الخال وارث من لا وارث له).

    قال: لثبوت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام للحديثين المذكورين دون غيره؛ لأن الميراث لا يثبت إلا بدليل، وعموم الآيتين مذكورتين تقدمتا معنا في أول دلالة هذا القول: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأنفال:75]، وقول الله: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ [النساء:7]، يقول: وعموم الآيتين المذكورتين لا ينهض دليلاً على توريث ذوي الأرحام؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله قد أعطى كل ذي حقٍ حقه فلا وصية لوارث)، وقد تقدم معنا إخوتي الكرام الحديث ضمن مباحث الفرائض فيما مضى.

    إخوتي الكرام! هذا القول أيضاً بعيدٌ مردود كما قلت، وإنما جاء أيضاً لعدم تتبع الروايات، فليس فيها الخال فقط، بل فيها أيضاً أن ابن الأخت وارث، وما ينطبق عليه ينطبق على جميع ذوي الأرحام، ولذلك الحكم الفيصل في هذا: أن الصحابة عندما اختلفوا في توريث ذوي الأرحام على قولين:

    قول بتوريثهم مطلقاً، وقول بعدم توريثهم، ولا يوجد أحد فرق بين الخال وغيره. مما يدل على أن هذا الفهم فهم متأخر بعيد، وإن قال به إمام جليل عليهم جميعاً رحمات رب ذي الجلال، لكن الصحابة على قسمين: سيأتينا زيد بن ثابت لا توريث لذوي الأرحام لا لخالٍ ولا لغيره، ومن عداه كما سيأتينا توريث ذوو الأرحام الخال وغيره، لا يوجد قول للسلف بأن الخال يرث دون غيره، وعليه فالتفريق بين الخال وغيره من ذوي الأرحام لا دليل عليه.

    نعم وردت الأحاديث بأن الخال وارث، ووردت بأن ابن الأخت وارث، وما ينسحب عليه ما ينحسب على سائر القرابات؛ لأن الخال وابن الأخت ليس واحداً منهما بذي فرض ولا عصبة، فالعلة في الخال وفي ابن الأخت وفيما شاكلهما علة واحدة، وهي أنه قريب، فالخال لا نورثه عن طريق التعصيب ولا عن طريق الفرض، فما ينبغي أن يأخذه الخال لأنه قريب، ينبغي أن تأخذه الخالة، وأن تأخذه العمة والجد الفاسد، وبنت البنت وما شاكل هذا من ذوي الأرحام.

    وعلى هذا كما قلت: قول السلف الكرام من الصحابة والتابعين ممن ورثوا الخال، ما فرقوا بين الخال وغيره، نعم يوجد قول بعدم توريث ذوي الأرحام على سبيل العموم للخال ولغيره، أما التفرقة بين الخال وغيره فما قال بهذا أحد من سلفنا فيما أعلم، والعلم عند الله عز وجل.

    1.   

    الآثار الواردة عن السلف في توريث ذوي الأرحام

    الدلالة الثالثة: وهي آخر الدلالات للقول الأول: الآثار عن الصحابة الأخيار والتابعين الأبرار رضي الله عنهم أجمعين.

    أولها: أثر سيدنا عمر رضي الله عنه، وهو ثابت عنه ثبوت الشمس في رابعة النهار، وهو ممن أمرنا بالاقتداء به، وهو ثاني الخلفاء الراشدين عليه وعلى جميع الصحابة رضوان رب العالمين.

    تقدم معنا إخوتي الكرام! أنه كتب إلى أبي عبيدة رضي الله عنهم بأن يدفع مال الرجل الذي مات وليس له وارث إلا الخال، أن يدفع هذا المال إلى خاله لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الخال وارث من لا وارث له).

    وقلت: إن الحديث في سنن الترمذي بسند حسن صحيح من طريق سهل بن حنيف ، وتقدم معنا في المسند، وسنن الترمذي ، وابن ماجة ، وصحيح ابن حبان ، وسنن الدارقطني والبيهقي ، ورواه الطحاوي ، وابن الجارود ، وابن أبي شيبة وقلت: إن الحديث صحيح صحيح، هذا قضاء سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه.

    كما تقدم معنا أيضاً قضاء عمر رضي الله عنه في ابن الدحداح عندما دفع ماله إلى أخواله.

    هذان قضاءان لسيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه، أيضاً نقل عنه في ذلك أقوال ثابتة متعددة في توريث ذوي الأرحام منها:

    ما رواه الإمام الدارمي ، وسعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة في المصنف، والدارقطني في السنن، والبيهقي في السنن الكبرى من رواية زياد، قال: أتي عمر رضي الله عنه في عمة وخالة مات إنسان ولم يترك غيرهما، فأعطى العمة الثلثين وجعلها بمنزلة الأب، وأعطى الخالة الثلث وجعلها بمنزلة الأم.

    قال الإمام ابن التركماني في تعليقه على سنن البيهقي (6/217) ذكر الطحاوي أن رواية زياد عن عمر صحيحة متصلة رضي الله عنهم أجمعين.

    وزياد نسب في إحدى روايتي سنن سعيد بن منصور ، نسب إلى ابن أبي مريم ، أي زياد بن أبي مريم ، وزياد بن أبي مريم وثقه الإمام العجلي ، وهو من رجال سنن ابن ماجة ، قال الحافظ في التقريب: وجزم أهل بلده بأنه غير ابن الجراح ، يعني: غير زياد بن الجراح ، وزياد بن الجراح ثقة روى له الإمام النسائي .

    زياد بن أبي مريم وزياد بن الجراح هما شخصان، وقد قال ابن حبان وبعده الدارقطني : هما شخص واحد، يعني: زياد بن الجراح هو زياد بن أبي مريم ، والحافظ ابن حجر يقول: هذا وهم، أهل بلده يقولون: إنه غير ابن الجراح ، وزياد بن الجراح ثقة روى له النسائي ، وزياد بن أبي مريم ثقة روى له ابن ماجة .

    والحافظ ابن حجر يقول في تهذيب التهذيب: هذا وهم، ولذلك في ترجمة زياد بن الجراح وهو قبل ترجمة زياد بن أبي مريم في التقريب بعد أن ترجمه وقال: ثقة، وحديثه في سنن النسائي قال: وقيل: هو زياد بن أبي مريم كما سيأتي.

    وعند زياد بن أبي مريم قال: إنه ثقة في التقريب، وأنه من رجال ابن ماجة ، قال: قال أهل بلده: إنه غير ابن الجراح ، لكن زياداً نسب في رواية الدارقطني بأنه زياد بن أبي سفيان ، وهو المعروف بـزياد ابن أبيه وحوله كلام من ناحية ثبوت صحبته أولاً، والثاني: من ناحية عدالته إن لم يكن صحابياً، فهل هو ثقة وروايته تقبل أم لا؟

    فالإمام الذهبي تعرض له في الميزان والحافظ ابن حجر علق على كلام الإمام الذهبي في لسان الميزان (2/493).

    أصل الكلام وفي بدايته للإمام الذهبي في الميزان يقول: زياد ابن أبيه الأمير لا يعرف له صحبة، مع أنه ولد عام الهجرة، قال ابن حبان في الضعفاء: ظاهر أحواله المعصية، وقد أجمع أهل العلم على ترك الاحتجاج بمن كان كذلك، ومعصيته هي معصية الأمراء الظالمين الجبارين كما سيأتينا.

    قال ابن عساكر : لم ير النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم في عهد أبي بكر ، وولي العراق من معاوية رضي الله عنهم أجمعين، يروي عنه ابن سيرين وعبد الملك بن عمير وجماعة، ثم أورد هذا الأثر الذي معنا: عن الشعبي قال: أتي زياد في رجل توفي وترك عمته وخالته؟ فقال: هل تدرون كيف قضى فيها عمر ؟ قالوا: لا. قال: جعل العمة بمنزلة الأخ، والخالة بمنزلة الأخت، فأعطى العمة الثلثين والخالة الثلث، والرواية التي تقدمت معنا: جعل العمة بمنزلة الأب؛ لأنها تدلي بالأب، وجعل الخالة بمنزلة الأم.

    نهاية القضائين واحد: ثلثان وثلث، لكن هما هي بمنزلة الأخت والأخ، أو بمنزلة الأب والأم؟

    يقول: وهو زياد ابن أبيه ، ويقال له: زياد بن عبيد أيضاً، فلما استلحقه معاوية وزعم أنه أخوه قيل: زياد بن أبي سفيان . انتهى كلام الإمام الذهبي في الميزان.

    ثم علق عليه بعد ذلك الإمام ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، يعني: بما يبين جوره وظلمه، فقال: هو من نمط مروان بن الحكم والمختار بن أبي عبيد ، والعجب أن هؤلاء الثلاثة أنسابهم متقاربة، وكذا نسبتهم إلى الجور في الحكم، وكل منهم ولي الإمارة.

    يقول بعد ذلك: وكان زياد قوي المعرفة جيد السياسة وافر العقل، وكان من شيعة علي رضي الله عنه، هذا في أول الأمر، ثم انقلب على علي ، وكان يسب علياً رضي الله عنه ويقتل أتباع علي ، يقول: فلما استلحقه معاوية صار أشد الناس على آل علي وشيعته، وهو الذي سعى في قتل حجر بن عدي ، وهو الذي يقال له: حجر الخير ، وكان من فضلاء الصحابة، ولما قتله دعا عليه عبد الله بن عمر رضي الله عنه فعجل الله قتله، وكان ابن عمر رضي الله عنه يقول: اللهم إن كنت جعلت القتل كفارة لمن يموت به فلا تقتله، يعني: لا يموت قتلاً وإنما يموت موتاً، فظهر فيه الطاعون ومات وأراح الله منه المسلمين.

    يقول: وقد تحامل على حجر بن عدي ، وكانت وفاته (سنة 53) من الهجرة، وهو على إمرة العراق لـمعاوية وأخباره في التاريخ شهيرة.

    فإذا كان من رواية زياد بن أبي سفيان ، يقال: إن أبا سفيان في الجاهلية لما نزل الطائف طلب وليدة مومسة بغية ليجتمع بها في تلك الليلة، وكان العرب في الجاهلية يفعلون هذا، فلما عاشرها تلك الليلة حملت منه فولدت زياداً ، فلما رأى معاوية رضي الله عنه عندما آلت الخلافة إليه ما في زياد من الحنكة والذكاء والمهارة، قال: هذا ابن أبي واستلحقه، وهو ليس عن طريق النسب كما قلت، إنما يقال: حصل في تلك الليلة دون زواج في الجاهلية والعلم عند الله جل وعلا.

    على كل حال إذا لم يكن صحابياً وهو كذلك فهو تابعي، فيبقى بعد ذلك تحت ميزان الجرح والتعديل، يعني: أئمتنا أجمعوا على أن من كان هذا حاله لا يحتج بخبره لوجود هذه المعصية عنده.

    إخوتي الكرام! بالنسبة لـحجر بن عدي الذي يقال له: حجر الخير ، انظروا ترجمته في سير أعلام النبلاء.

    يقول: كان شريفاً أماراً، وهو من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، أميراً مطاعاً أماراً بالمعروف مقدماً على الإنكار، من شيعة علي رضي الله عنه، شهد صفين أميراً، وكان ذا صلاح وتعبد، ثم أنكر على زياد ابن أبيه ما حصل من الجور والظلم، ثم بعد أن قتل كما قلت دعا عليه ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

    يقول: كان ابن عمر في السوق فنعي إليه حجر فأطلق حبوته وقام وقد غلب عليه النحيب، وهكذا دعت أمنا عائشة رضي الله عنها على زياد فاستؤصل بعد ذلك وأراح الله الأمة منه.

    وترجمة زياد أيضاً في سير أعلام النبلاء (3/494).

    أقول: بلغ ابن عمر أن زياداً كتب إلى معاوية : إني قد ضبطت العراق بيميني وشمالي فارغة، وسأله أن يوليه الحجاز ليضبط الحجاز والعراق، فقال ابن عمر : اللهم إن تجعل في القتل كفارة فموتاً لـابن سمية لا قتلاً، يعني: لئلا تكفر عنه أوزاره، وتدخر له ذنوبه عندك، قال: فخرج في أصبعه الطاعون فمات.

    قال الحسن البصري : بلغ الحسن بن علي أن زياداً يتتبع شيعة علي بالبصرة فيقتلهم فدعا عليه.

    يقول: وله أخبار طويلة، وولي المصرين في الآخر، يعني الكوفة والبصرة، ثم ختم ترجمته عن الشعبي : أتي زياد في ميت ترك عمة وخالة؟ قال: قضى فيها عمر أن جعل الخالة بمنزلة الأخت، والعمة بمنزلة الأخ، فأعطاهما المال.

    كما قلت: هذا مروي من طريق زياد، لكن إن كان ابن أبي مريم كما تقدم معنا هو ابن أبي مريم فقلت: إنه ثقة.

    أما موته بالطاعون وكونه شهادة لهذه الأمة، لكن هو دون منزلة الشهادة، يعني: ولعل الله أراد أن يغفر لهذا الإنسان وعلمه عند الرحمن، لكن لم يحصل شرف الشهادة، يعني: القتل في سبيل الله، ثم هل هذا الطاعون أيضاً يكون عقوبة في حق أفراد؟ هو في الأصل أنزل عذاباً على الأمم السابقة، وجعله الله لهذه الأمة رحمة، فالله أعلم بحال عباده عندما يؤولون إليه.

    لكن حقيقة دخل هؤلاء في نوع من الظلم والجور لا تتحمله الجبال فضلاً عن البشر، وكيف يريق دم صحابي رضي الله عنه وأرضاه مع ستة معه وهو سابعهم، من أجل أنهم اعترضوا عليه ظلمه وجوره؟! ومعاوية رضي الله عنه وأرضاه عندما دخل على أمنا عائشة من بلاد الشام ليسلم عليها في المدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه، أول ما كلمته في حجر : كيف قتلت حجراً ؟ فقال: دعيني وحجراً نختصم أمام الله، يعني: لا تكلميني فيه، فأعرضت عنه، حجر من الصحابة تقتله، وهو من خيار الصحابة وفضلائهم، ثم قال معاوية في قتله صلاح العامة..

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.