إسلام ويب

فقه المواريث - توريث ذوي الأرحامللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذوو الأرحام من القرابات، لكنه اسم مختص عند الفقهاء في الفرائض بالأقارب الذين ليسوا وارثين بفرض ولا تعصيب، وأما في اللغة فيطلق على أوجه متعددة ترجع إلى القرابة، وقد أمر الله تعالى في كتابه بصلة الرحم وحذر من قطيعتها، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن اختلف الفقهاء في أصل توريث ذوي الأرحام على قولين، كما اختلفوا في دلالات الأدلة على ذلك أو ثبوتها.

    1.   

    تعريف ذوي الأرحام لغة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! بقي معنا آخر مباحث الفرائض ألا وهو توريث ذوي الأرحام، وهذا المبحث سنتدارسه ضمن ثلاثة أمور:

    أولها: في تعريف ذوي الأرحام لغة واصطلاحاً.

    الثاني: في توريث ذوي الأرحام، واختلاف أئمتنا الكرام في توريث ذوي الأرحام وأدلتهم إن شاء الله.

    وآخر المباحث وهو ثالثها: في كيفية توريث ذوي الأرحام على القول بتوريثهم عند أئمة الإسلام.

    المبحث الأول كما قلت إخوتي الكرام: تعريف ذوي الأرحام:

    الأرحام: جمع رحم، والرَّحِمُ والرُّحْمُ بمعنىً واحد، يطلق على القرابة.

    وأصله كما قال علماء اللغة: رحم المرأة الذي حصل فيه الحمل وتكون الجنين بتقدير رب العالمين، قال الراغب الأصفهاني في المفردات: وأطلق على القرابة رحماً لكونهم خارجين من رحم واحدة، ولأنه بينهم تراحم خاص.

    وقد استعمل الله في كتابه الأرحام -جمع رحم- الذي هو رحم المرأة الذي تكون فيه الجنين، استعمل الأرحام بمعنى القرابة، وأطلق أيضاً على العطف والرحمة والتراحم بين الأقارب.

    أما الاستعمال الأول وهو إطلاق الأرحام على رحم المرأة فورد في آيات كثيرة، قال الله جل وعلا في سورة آل عمران: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ [آل عمران:5-6]، هنا الأرحام جمع رحم، والمقصود رحم المرأة.

    وهكذا قول الله جل وعلا في سورة الرعد: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد:8].

    وهكذا قول الله جل وعلا في سورة لقمان: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34] سبحانه وتعالى.

    إذاً: أرحام جمع رحم، وهو رحم المرأة الذي تكون فيه الجنين بإذن رب العالمين.

    واستعمل لفظ الأرحام بمعنى القرابات، قال الله جل وعلا في أول سورة النساء: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، فالمراد من الأرحام هنا: القرابات، وسموا بذلك لأنهم خرجوا من رحم واحدة، ولأنه بينهم تراحم وتعاطف.

    وهكذا قول الله في آخر سورة الأنفال وفي أوائل سورة الأحزاب: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأنفال:75]، وتكملة الآية من سورة الأحزاب: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الأحزاب:6]، أولى ببعض في الإرث وفي المال واستحقاقه، والمراد هنا من أولي الأرحام المراد: القرابات، وليس المراد منه الآن هنا رحم المرأة، وأولو الأرحام: أي أصحاب القرابات.

    واستعمل الله هذا أيضاً في سورة الممتحنة، قال الله جل وعلا: لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الممتحنة:3]، والأرحام هنا: جمع رحم، وقلت: الرِّحِم والرُّحم بمعنىً واحد، والمراد منه هنا القرابة. فقوله: لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ [الممتحنة:3] أي: قراباتكم.

    هذه ثلاث آيات أيضاً بمعنى القرابات كما ذكرت هناك ثلاث آيات هناك بمعنى رحم المرأة.

    واستعمل الله كما قلت هذا اللفظ بمعنى التراحم والتعاطف بين القرابات، استعمله الله جل وعلا في سورة الكهف فقال جل وعلا: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف:80-81]، فكل من الرُحم والرِّحم بمعنىً واحد، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكوفيون الأربعة هؤلاء سبعة بإسكان الحاء: رُحماً، والثلاثة الباقون المصريان والشامي: (رُحُما) وأقرب رُحُماً، وهما لغتان بمعنىً واحد.

    ما المراد بالرُّحم هنا؟ القرابة موجودة سواء بين الابن الكافر والابن المؤمن، لأنهم خرجوا من رحم واحد، المراد منه أقرب رحماً أي: أقرب تراحماً وبراً وعطفاً وحنواً وشفقة، وعليه؛ الرَّحِم الرُّحم بمعنى رحم المرأة، وبمعنى القرابة، وبمعنى التراحم الذي يحصل بين القرابات، أطلق على القرابة رحماً، لأنهم خرجوا من رحم واحدة، ولحصول التراحم الخاص بينهم، والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    وجوب صلة الرحم في الشرع

    إخوتي الكرام! التراحم بين القرابات مطلوب، وقطيعة الرحم من أشنع الذنوب، ولا أريد أن أفيض في تقرير الأحاديث التي تدل على ذلك، إنما سأذكر حديثاً واحداً في مطلع مبحثنا يدل على وجوب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، وأن من قطعها قطعه الله، فأذكر حديثاً واحداً وأتتبع رواياته بإذن الله جل وعلا.

    رواية أبي هريرة لحديث صلة الرحم

    ثبت في المسند والصحيحين وسنن النسائي الكبرى، والحديث رواه الإمام الطبري في تفسيره وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وعبد بن حميد في مسنده وابن مردويه في تفسيره والبيهقي في شعب الإيمان والحكيم الترمذي ، وانظر رواية الصحيحين في جامع الأصول (6/487)، وانظروا العزو إلى بقية الروايات في الدر المنثور (6/64)، والترغيب والترهيب أيضاً (3/339)، والإمام السيوطي في الدر المنثور أورد هذا في تفسير سورة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام عند قول الله: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23].

    ولفظ الحديث من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الرحم شجنة) بضم الشين وكسرها، شُجنة شِجنة (من الرحمن)، ومعنى الشِجنة والشُّجنة بالضم والكسر: القرابة، ومعنى الشجنة والشُّجنة: العروق المتشابكة، والمراد منها هنا: عروق متشابكة مشتبكة، المراد هنا القرابات يشتبكون كاشتباك العروق.

    وقوله: (شُجنة، شِجنة من الرحمن) كأنه يريد أن يقول: هي جزء من الرحمن، من أي شيء؟ من اسمه كما سيوضح هذا الحاكم في روايته، يقول: هي من الرحمن أي: من اسم الرحمن، لا من ذاته سبحانه وتعالى، إنما من اسمه الرحمن، رحم: مأخوذة من الرحمن.

    (قال الله جل وعلا: من وصلكِ وصلته، ومن قطعكِ قطعته).

    وفي بعض الروايات في الصحيحين: (إن الله لما خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قالت الرحم فأخذت بحقو الرحمن) والحقو معناه في اللغة: مشد الإزار، ويطلق على الإزار، ويطلق على الخاصرة.

    (فأخذت بحقو الرحمن فقالت: هذا مقام العائذ بكِ من القطعية، فقال الله جل وعلا: من وصلكِ وصلته، ومن قطعكِ قطعته، أما ترضين أن أصل من وصلكِ وأقطع من قطعكِ؟ قالت: بلى، قال: فذلك لكِ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: اقرءوا إن شئتم: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23]).

    كما قلت هذه الرواية في المسند والصحيحين وغيرهما، وفي بعض روايات المسند والمستدرك (4/57) وقال: صحيح على شرط مسلم وأقره، (قال الله: أنا الرحمن وهي الرحم، شققت لها اسماً من اسمي، من وصلها وصلته، ومن دسها بكته) أي: قطعها. اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    وفي بعض روايات المسند أيضاً، ورجال الإسناد رجال الصحيح غير محمد بن عبد الجبار وهو ثقة كما قال الإمام الهيثمي في المجمع (8/150): قلت: له حديث في الصحيح غير هذا، يعني هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه مروي في الصحيحين لكن بغير هذا اللفظ، قلت له: حديث في الصحيح غير هذا، وانظروه في الترغيب والترهيب أيضاً في المكان المشار إليه (3/339)، وعزاه إلى ابن حبان أيضاً وقال: إسناده جيد قوي.

    وهذه الرواية أيضاً رواها الحاكم في المستدرك وابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي في السنن الكبرى ولفظها: (إن الرحم شجنة من الرحمن، تقول: يا رب! إني قطعت، إني ظلمت، إني أسيء إلي، فيجيبها الله جل وعلا: ألا ترضين أن أصل من وصلكِ وأقطع من قطعكِ؟)، والحديث كما قلت إخوتي الكرام رجاله رجال الصحيح وإسناده جيد قوي. وهذه رواية أبي هريرة .

    معنى (أخذت بحقو الرحمن)

    وقوله: (بحقو الرحمن)، هذا مما نورده ولا نفسره، وتفسيره قراءته كما قال أئمتنا، يعني دائماً ما يتعلق بصفات الرب لا داعي أن نقول: هذا من باب التمثيل، ولا أن نقول: هناك إزار وحقو حقيقة، هذا لا يعلمه إلا المتصرف به سبحانه وتعالى.

    إخوتي الكرام! عندما توصف الروح بالدخول والخروج لو قال إنسان: كيف دخلت وكيف خرجت؟ نقول: هذا من عالم آخر، لله المثل الأعلى، وعندما قال:( الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) يعني كيف الجنود ومجندة، هل يعني أنها مستعدة ومسلحة؟ كيف هذا؟ يا عبد الله! هذا عالم آخر، وما يذكر دائماً في إطار المغيبات فتفسيره قراءته، هكذا كان أئمتنا يقولون، فلا داعي بعد ذلك أن نقول: هذا من باب التمثيل، ولا داعي أن نقول بعد ذلك: هناك مماثلة بين الخالق والمخلوق! دعنا من التأويل ودعنا من التمثيل، نقرأ اللفظ ونمشي وهكذا كان سلفنا، حقيقة ما كانوا يستشكلون أو أنهم كانوا يقفون عند هذه وأمثالها، مثل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] وهنا (أخذت بحقو الرحمن)، الحقو يفسر معناه في اللغة، الحقو في اللغة: مشد الإزار، يطلق على الإزار، وعلى الخاصرة، أما (أخذت بحقو الرحمن) وبكيفية يعلمها الله ولا نعلمها، والمراد من ذلك لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى، لا أريد أن نقحم أنفسنا في هذه الأمور، اقرأ وأمر وانتهى الأمر.

    تخريج حديث عائشة وابن عوف في صلة الرحم

    الرواية الثانية إخوتي الكرام رواية سيدتنا أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها كما قلت ثابتة صحيحة، رواها ابن أبي شيبة في مصنفه وهي في الصحيحين أيضاً، ورواها البيهقي في الأسماء والصفات والحاكم في المستدرك عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله).

    وفي بعض روايات الحاكم : (الرحم شجنة من الرحمن) قال الحاكم : أراد شُجنة من اسم الله، الاسم الذي هو الرحمن، من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله. هذه رواية ثانية.

    الرواية الثالثة: ثابتة عن سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه في مصنف ابن أبي شيبة ، ورواه أبو داود والترمذي في السنن والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى والبخاري في الأدب المفرد.

    ولفظ الرواية: عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: أنا الله الرحمن -وفي رواية: أنا الرحمن-، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته)، وفي بعض الروايات: (ومن بتها بتته).

    والحديث رواه البزار عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه، لكن في إسناد البزار جماعة قال عنهم الإمام الهيثمي : مجهولون لم أعرفهم، والرواية ثابتة كما تقدم معنا؛ قال الإمام الهيثمي في المجمع (8/151): وله -أي: لـعبد الرحمن بن عوف - في سنن أبي داود وغيره غير هذا الحديث.

    ولفظ رواية البزار عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تنادي الرحم يوم القيامة: إن من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله).

    وتقدم معنا أنه لما خلق الله الخلق قالت الرحم: هذا وأعطاها الله ذلك، وهكذا يوم القيامة ينطق الله الرحم القرابة فتقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله.

    والحديث إخوتي الكرام! رواه الحكيم الترمذي أيضاً عن عبد الرحمن بن عوف كما في الدر المنثور (6/65)، ولفظ الحديث عن نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام قال: (ثلاث تحت العرش: القرآن يحاج عن العباد، والرحم تنادي: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله، والثالث: الأمانة).

    هذه روايات سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه.

    تخريج رواية سعيد بن زيد وعبد الله بن عمرو لحديث صلة الرحم

    الرواية الرابعة: رواية سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم وأرضاهم، روايته في المستدرك (4/157) ولم أقف على من خرج هذه الرواية إلا على المستدرك الحاكم ، والإمام السيوطي في الدر عزا هذه الرواية إلى المستدرك فقط في المكان المشار إليه قريباً.

    ولفظ الحديث: (الرحم شُجنة من الرحمن، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته) بمعنى الروايات المتقدمة. هذا في المستدرك.

    والرواية الخامسة: رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين ثابتة في سنن أبي داود والترمذي ورواها الحاكم في المستدرك، ورواها ابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي في السنن الكبرى.

    ولفظ الرواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شُجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله).

    ورواية عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم أجمعين رواها الإمام أحمد في المسند أيضاً والطبراني في معجمه الكبير، قال الإمام الهيثمي في المجمع في المكان المشار إليه: ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي ثمامة الثقفي وقد وثقه ابن حبان ، وأبو ثمامة خرج له أبو داود في سننه وحكم عليه الحافظ في التقريب بأنه مجهول الحال، والرواية كما تقدم معنا ثابتة، لكن في إسناد المسند هذا العبد الصالح أبو ثمامة الثقفي .

    وفي بعض روايات حديث عبد الله بن عمرو في المسند وصحيح ابن حبان عن نبينا عليه الصلاة والسلام: (إن الرحم معلقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافئ).

    والحديث رواه البخاري في الأدب المفرد أيضاً من رواية عبد الله بن عمرو بلفظ: (الرحم شجنة من الرحمن، من يصلها وصله الله، ومن يقطعها قطعه الله، لها لسان طلق ذلق يوم القيامة تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله). اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    والجملة الأولى إخوتي الكرام من رواية عبد الله بن عمرو : (الرحم معلقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافئ) ثابتة في المسند وصحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي أيضاً، لكن الزيادة بعد ذلك: أن من وصلها وصله الله، هذه ليست في صحيح البخاري من رواية عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم أجمعين.

    قال الإمام الحاكم عقب رواية أبي هريرة المتقدمة، وهي الرواية الأولى، قال: وقد روي هذا الحديث بأسانيد واضحة عن عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعائشة وابن عمرو وقد ذكرنا رواية الأربعة مع رواية أبي هريرة فصارت خمساً.

    ثم قال عقب الرواية الأخيرة وهي رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين: وهذه الأحاديث كلها صحيحة، وإنما استقصيت في أسانيدها بذكر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ لئلا يتوهم متوهم أن الشيخين لم يهملا الأحاديث الصحيحة. وأقره الإمام الذهبي على ذلك.

    هو يقول: أنا بالغت في سرد روايات هذا الحديث وبيان من رواه من الصحابة -وهم خمسة- لئلا يتوهم متوهم أن الشيخين البخاري ومسلم عليهم جميعاً رحمة الله لم يهملا الحديث الصحيح، يعني: لم يتركا شيئاً من الأحاديث الصحيحة في كتابيهما، بل تركا أحاديث كثيرة صحيحة ما خرجاها في الصحيحين وليس المراد بالإهمال هنا الإعراض، إنما يعني ترك أحاديث كثيرة صحيحة لم يخرجاها في الصحيحين، وتقدم معنا أن رواية أبي هريرة في الصحيحين، ورواية أمنا عائشة في الصحيحين، ورواية الثلاثة بعد ذلك ليست في الصحيحين: رواية عبد الرحمن بن عوف ورواية سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ورواية عبد الله بن عمرو ، لذلك يقول: استقصيت في بيان طرق هذا الحديث ومن رواه من الصحابة لئلا يتوهم متوهم أن الشيخين لم يهملا الأحاديث الصحيحة.

    هذه روايات خمس ذكرها الحاكم وبينت من خرجها، وليت الحاكم بالغ في الاستقصاء فبين من روى هذا الحديث من غير هؤلاء الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين.

    إخوتي الكرام! روي هذا الحديث أيضاً عن سيدنا أنس رضي الله عنه وأرضاه، رواه البزار بسند حسن كما في المجمع في المكان المتقدم، ولفظ الحديث: (إن الرحم شجنة متمسكة بالعرش تكلم بلسان ذلق تقول: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني).

    وفي بعض روايات البزار لهذا الحديث من رواية سيدنا أنس رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تبارك وتعالى: أنا الرحمن الرحيم، وإني شققت للرحم اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن بتكها بتكته)، والبتك هو القطع، بتها، بتكها، هذا في رواية البزار بسند حسن كما قال الإمام الهيثمي في المجمع. اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    تخريج رواية ابن عباس لحديث صلة الرحم

    الرواية الثانية عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، والروايات ستزيد معكم على العشر مع الروايات الخمس المتقدمة، والحديث متواتر قطعاً، واسمعوا الآن للروايات التي ستأتي معنا، الحاكم ذكر خمساً وقال: إنه استقصى، وليته زاد على الخمس خمساً وزيادة أيضاً.

    فالرواية الثانية رواية سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في مسند الإمام أحمد والبزار ومعجم الطبراني الكبير كما في المجمع، وفي الإسناد صالح مولى التوأمة ، قال الإمام الهيثمي : وقد اختلط، وبقية رجاله رجال الصحيح، وصالح هو صالح بن نبهان مولى التوأمة رضي الله عنه وأرضاه، قال الحافظ في ترجمته: صدوق وقد اختلط، وتوفي سنة خمس أو ست وعشرين بعد المائة، وحديثه في السنن الأربع إلا سنن النسائي ، قال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عن صالح كرواية ابن أبي ذئب وابن جريج رضي الله عنهم أجمعين، لأنهم رووا عنه قبل اختلاطه وتغير عقله، وبقية رجال الإسناد رجال الصحيح، وسيأتي لفظ الحديث كالرواية المتقدمة سواءً بسواء.

    ولفظ الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن الرحم شجنة آخذة بحجزة الرحمن)، وهناك: (بحقو الرحمن)، (تصل من وصلها وتقطع من قطعها)، هكذا (تصل) في كشف الأستار في زوائد البزار ، وفي المجمع: (يصل من وصلها، ويقطع من قطعها)، وإذا لم يكن في ضبط الشيخ الأعظمي في كشف الأستار تصحيف أو تحريف (تصل) فيصح تقدير المعنى: أي الرحم تدعو بالوصل لمن وصلها وبالقطيعة لمن قطعها، أو: الرحم شجنة من الرحمن، يصل الرحمن من وصلها ويقطع من قطعها.

    إخوتي الكرام! قبل أن نذهب إلى الرواية الثالثة رواية أيضاً عبد الله بن عباس رضي الله عنهما رواها الحكيم الترمذي كما في الدر المنثور والحاكم في المستدرك (2/302) بسند صحيح على شرط الشيخين وأقره؛ لكن موقوفة على ابن عباس في الكتابين من كلامه، وله حكم الرفع قطعاً وجزماً.

    لفظ رواية الحكيم الترمذي كما في الدر المنثور: (الرحم معلقة بالعرش، فإذا أتاها الواصل بشرت به وكلمته، وإذا أتاها القاطع احتجبت عنه).

    ولفظ رواية الحاكم : (إن الرحم لتقطع وإن النعمة لتكفر، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء أبداً، ثم قرأ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63]). قال عبد الله بن عباس : وقال النبي صلى الله عليه وسلم.. هنا الآن موقوف في أول الحديث من رواية الحاكم وهنا الرفع: (الرحم شجنة من الرحمن، وإنها لتجيء يوم القيامة تتكلم بلسان طلق ذلق، فما أشارت إليه بوصل وصله الله، وما أشارت إليه بقطع قطعه الله، تقول: هذا وصلني فيصله الله، وهذا قطعها فيقطعه الله) وعليه هنا رواية الحاكم أيضاً مرفوعة من رواية سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

    تخريج رواية عامر بن ربيعة وأم سلمة لحديث صلة الرحم

    الرواية الثالثة: رواية عامر بن ربيعة رواها الطبراني في معجمه الكبير وأبو يعلى في مسنده والبزار ، وفي الإسناد عاصم بن عبيد الله ضعفه الجمهور كما قال الهيثمي في المجمع، وقال العجلي : لا بأس به، وقد حكم عليه الحافظ في التقريب بأنه ضعيف وتوفي سنة (132)، وخرج حديثه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد وأهل السنن الأربعة.

    ولفظ الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله عز وجل: الرحم شجنة مني) أي: من اسمي الرحمن كما تقدم معنا، (الرجم شجنة -قطعة- مني، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته).

    وفي رواية البزار : (من يصلها أصله، ومن يقطعها أقطعه).

    الرواية الرابعة من الروايات الزائدة على الخمس: رواية أمنا المباركة أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، رواها الإمام الطبراني في معجمه الكبير وابن أبي شيبة في مصنفه، وفي إسناد الحديث موسى بن عبيدة الربذي تقدم معنا حاله مراراً في مواعظ سنن الترمذي ، قال عنه الهيثمي في المجمع: ضعيف، وبذلك حكم عليه الحافظ ابن حجر في التقريب فقال: ضعيف لا سيما في عبد الله بن دينار ، وكان عابداً، وهو من رجال الترمذي وسنن ابن ماجه القزويني عليهم جميعاً رحمة الله.

    ولفظ الحديث عن أمنا أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرحم شجنة آخذة بحجزة الرحمن تناشده حقها، فيقول الله لها: ألا ترضين أن أصل من وصلكِ وأن أقطع من قطعكِ؟).

    وفي رواية: (تقول الرحم: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله).

    وفي رواية: (يقول الله للرحم: من وصلكِ وصلني، ومن قطعكِ قطعني)، هذه رواية أمنا أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها.

    تخريج رواية جرير بن عبد الله لحديث صلة الرحم

    الرواية الخامسة رواية جرير بن عبد الله البجلي ، رواها الطبراني في معجمه الكبير والأوسط كما في المجمع بإسناد الحكم بن عبد الله وهو أبو مطيع البلخي ، قال عنه الحافظ الهيثمي : متروك، وقال الإمام الذهبي في المغني في ترجمته (2/183): تركوه.

    والذي يظهر والعلم عند الله أنه من عباد الله الصالحين لكن كان فيه بدعة وهي بدعة الإرجاء، والإرجاء الذي كان فيه إن كان إرجاءً يسيراً فلا حرج في اتصافه بذلك الإرجاء كما تقدم معنا، أي إن كان يقول: العمل ليس من مسمى الإيمان لكن وجوده ينفع وعدمه يضر، وإذا كان يقول: لا ينفع مع الكفر طاعة ولا يضر مع الإيمان معصية وعليه فليفعل الإنسان ما شاء إذا اعتقد ونطق؛ فهذا ضلال ضلال!

    في لسان الميزان الحافظ ابن حجر نقل عن الإمام العجلي (2/335) عن العقيلي قال: كان مرجئاً صالحاً في الحديث، إلا أن أهل السنة أمسكوا عن الرواية عنه، انظر الرواية التي بعدها، قال الجوزجاني : كان أبو مطيع من رؤساء المرجئة ممن يضع الحديث ويبغض السنن.

    يقول المعلق في الفوائد البهية نقلاً عن كتاب العبر للذهبي عن أبي داود : بلغنا أنه من كبار الأمارين بالمعروف والناهين عن المنكر.

    أقول -وهو المعلق على الكتاب والطبعة هندية- : من كان هذا شأنه فكيف يكون مبغضاً للسنن؟ فلعل هذا تحامل عليه من المحدثين لكونه من فقهاء أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليهم أجمعين. انتهى الحسن النعماني . يعني المعلق على هذا الحسن النعماني .

    حقيقة إذا كان هذا حال وشأن الإنسان: أنه أمار للمعروف، نهاء عن المنكر، تقي صالح، فكيف بعد ذلك سيبغض السنن؟ فلعل بغض السنن عند من وصفه بذلك أنه من فقهاء الرأي -كما يعبرون- ومن أهل الاجتهاد، وليس هذا بغضاً للسنة.

    على كل حال! فحال هذا العبد الصالح كما قلت، وليس له رواية في الكتب الستة، حكموا عليه بالضعف، لكن العقيلي كما في اللسان يقول: كان مرجئاً صالحاً في الحديث إلا أن أهل السنة أمسكوا عن الرواية عنه، وكنت ذكرت كرامة لهذا العبد الصالح ضمن محاضرات الفرائض السابقة في عدم الرد، وقلت: نقل هو كلاماً صالحاً في عباد بن كثير الذي نقل عن خارجة بن زيد عن زيد أنه كان لا يرد على أحد من الورثة شيئاً. وعباد بن كثير تقدم معنا أنه ضعيف، والإمام الحكم بن عبد الله أبو مطيع البلخي حكى كرامة لـعباد بن كثير وقال: كان عندنا ثقة، وقلت: هذا التوثيق معتبر لو جرى من موثق ومن ثقة، لكن أبو مطيع هو المسكين حوله كلام، فإذا جاء المتروك ليوثق ضعيفاً لا ينفعك، فلا ينفع الضعيف توثيق المتروك.

    فتقدمت معنا أن عباد بن كثير أخرج من قبره بعد سنين ولم يتغير منه إلا شعرات وقال: هذا يدل على الكرامة، يقول: وكان عندنا ثقة، عند هذا غالب ظني قرأت لكم قصة أبي مطيع البلخي وكيف جهر بالحق عندما جاء منشور من الخليفة بقراءة ولاية العهد لولده الصغير وفيها: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم:12] وذهب إلى الأمير في المنطقة قال: كيف يقرأ كتاب الخليفة وفيه هذا؟ وهذه الآن مضاهاة لهذا الولد بنبي الله يحيى على نبينا وعليه الصلاة والسلام الذي آتاه الله الحكم صبياً؟ ثم الأمير قال: لا أستطيع أن أرد أمر الخليفة لكن إذا اعترضت أنت لا أمنعك، فقام يوم الجمعة على المنبر وبدأ يبكي ويقول: وصل الاستخفاف بدين الله أننا نقول هذا لأولادنا، ثم قال: من قال لصبي: إن الله آتاه الحكم غير يحيى فهو كافر، وبدأ يردد هذا وضج الناس بالبكاء، فانصرف المبعوثان من قبل الخليفة وما استطاعا أن يقرأا الكتاب على رؤوس الناس. تقدم معنا هذا!

    فالذي عنده هذا الصدع بالحق وهذه الجرأة أيقال بعد ذلك إنه يضع الحديث ويبغض السنن؟ الحقيقة تحتاج المسألة لتحقق، والعلم عند الله جل وعلا.

    هنا يقول: فيه أبو مطيع الحكم بن عبد الله وهو متروك، وكما قلت العقيلي يقول: كان رجلاً صالحاً لكنه كان مرجئاً، وأهل السنة أمسكوا عن الرواية عنه.

    ولفظ الحديث كما قلت من رواية جرير بن عبد الله عن نبينا رسول الله عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه قال: (إن الله كتب في أم الكتاب قبل أن يخلق الخلق: إنني أنا الرحمن الرحيم، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته).

    تخريج رواية جابر وثوبان لحديث صلة الرحم

    الرواية السادسة: رواية سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه رواها الإمام البيهقي كما في الدر المنثور، ولفظ الرواية عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الرحم معلقة بالعرش لها لسان ذلق تقول: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني).

    والرواية السابعة: رواية سيدنا ثوبان مولى نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، رواها البزار كما في كشف الأستار (2/376)، والبيهقي في الأسماء والصفات، وفي إسناد الحديث يزيد بن ربيعة الرحبي ، قال الهيثمي في المجمع (8/149): متروك، وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به. هذا كلام الهيثمي في ترجمته، ولم يخرج أحد من أهل الكتب الستة لـيزيد بن ربيعة الرحبي وهو مترجم في المغني في الضعفاء (2/748)، قال الذهبي : قال البخاري : أحاديثه مناكير، وقال النسائي : متروك. وقال أبو حاتم وغيره: ضعيف.

    ولفظ حديث ثوبان رضي الله عنه وأرضاه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ثلاث معلقات بالعرش: الرحم تقول: اللهم إني بك فلا أقطع، والأمانة تقول: اللهم إني بك أخاف أن أضيع، والنعمة تقول: اللهم إني بك أخاف أن أُكفر)، الرحم تخاف أن تقطع، والأمانة تخاف أن تضيع، والنعمة تخاف أن تكفر، فكيف إذا اجتمعت؟ رحم قطعت وأمانة ضيعت ونعمة كفرت؟ نسأل الله العافية وحسن الخاتمة.

    تخريج رواية ابن عمر لحديث صلة الرحم

    آخر الروايات رواية ثامنة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، رواها البزار كما في كشف الأستار (4/103)، والبيهقي كما في الترغيب والترهيب، وقد رمز الإمام المنذري في الترغيب والترهيب (3/343) وذكرها أيضاً (3/243)، أي أعاد الحديث مرتين في كتابه في المكان الأول حول الترهيب من مواقعة الحدود وانتهاك المحرم فقال: وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما .. إلخ، ثم أعاده في موضوع الترغيب في صلة الرحم والترهيب من قطعها.

    فقال: رواه البزار والبيهقي واللفظ له وما تكلم هنا، بينما في المكان الثاني يقول: رواه البزار واللفظ له، مع أنه في المكان الأول ذكر لفظ البيهقي ، وأما هنا فذكر لفظ البزار فقال: رواه البزار واللفظ له والبيهقي ، يقول: وتقدم لفظه في الحدود، وقال البزار : لا نعلم من رواه عن التيمي يعني سليمان التيمي ؛ لا سليمان بن مسلم بن يسار وهو بصري مشهور، لكن صدره بلفظ (روي) للإشارة إلى ضعفه، وأذكر لكم ما في الإسناد إن شاء الله.

    إذاً: لا نعلم من رواه عن التيمي يعني: سليمان التيمي لا سليمان بن مسلم وهو بصري مشهور. الآن نبين لكم سليمان بن مسلم الخشاب الذي في إسناد الحديث وفيه ضعف شديد.

    على كل حال! حديث في مسند البزار ورواه البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطابع معلق بقائمة العرش) أي الذي يطبع به على القلوب، بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ [النساء:155].

    (الطابع معلق بقائمة العرش، فإذا اشتكت الرحم وعمل بالمعاصي واجترئ على الله، بعث الله الطابع فيطبع على قلبه فلا يعقل بعد ذلك شيئاً).

    قال الإمام الهيثمي: فيه سليمان بن مسلم وليس هو التيمي إنما هنا الخشاب ، قال البزار : بصري مشهور، قال الهيثمي : وهو ضعيف جداً. وقد نقل الإمام الذهبي في المغني تركه عن ابن حبان وغيره، فقال: تركه ابن حبان وغيره.

    رواية أخرى لحديث صلة الرحم

    فهذه ثمان روايات مع الروايات الخمس المتقدمة، وكلها تدور حول معنىً واحد، ألا وهو: أن الرحم شُجنة -شِجنة- من اسم الرحمن، من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله؛ هي كلها كما قلت تدور حول هذا المعنى.

    ولا أريد أن أذكر الأحاديث الأخرى التي تدل على فضل صلتها وتحريم قطعها وهي كثيرة وفيرة، منها ما في المسند والصحيحين وسنن الترمذي وأبي داود وغير ذلك من دواوين السنة عن جبير بن مطعم عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)، الأحاديث كما قلت كثيرة، إنما تتبعت فقط هذه الرواية ومن رواها، فـالحاكم ذكر لها في مكان واحد خمس روايات عن خمسة من الصحابة الكرام، وزدت عليها ما وقفت عليه، والعلم عند الله جل وعلا.

    إخوتي الكرام! قبل أن ننتقل إلى تكميل بحثنا في رواية سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رواية أخرى لم أذكرها وهي صحيحة في المسند والبزار ، وتقدم معنا أن رواية سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رواها الحاكم في المستدرك.

    أيضاً إخوتي الكرام كما قلت هي في المسند والبزار ، قال الإمام الهيثمي في المجمع : رجال المسند رجال الصحيح غير نوفل بن مساحق وهو ثقة، ونوفل بن مساحق ثقة كما حكم عليه الإمام الهيثمي ، وبذلك أيضاً حكم عليه الإمام ابن حجر في التقريب فقال: ثقة د، أي: من رجال أبي داود فقط. وقال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه أحمد ورجاله ثقات.

    ولفظ رواية سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في رواية المسند والبزار غير رواية الحاكم التي تقدمت معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق، وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن، فمن قطعها حرم الله عليه الجنة يوم القيامة) كرواية جبير بن مطعم : (لا يدخل الجنة قاطع رحم)، هذه تكملة لرواية سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل .

    1.   

    أقسام القرابة التي تجب صلتها

    إخوتي الكرام! يدخل تحت لفظ القرابة ثلاثة أقسام، وقد أمرنا بصلتهم في شريعة ربنا الرحمن:

    النوع الأول: قرابة عن طريق الرحم والنسب، وهم الذين خرجوا من رحم واحدة، وبينهم صلة أكيدة زائدة.

    النوع الثاني: قرابة عن طريق المصاهرة:

    أيضاً هي قرابة، لكن هناك قرابة نسب وهنا قرابة مصاهرة، ويدخل في ذلك الأختان وهم القرابات من جهة المرأة، والأحماء وهم القرابات من جهة الزوج.

    والنوع الثالث: قرابة عن طريق الرضاعة:

    ما خرجوا من رحم واحدة لكن هؤلاء كلهم يشملهم لفظ القرابة: قرابة نسب ورحم، قرابة مصاهرة، قرابة رضاع، هؤلاء كلهم أنت مأمور بصلتهم ولهم حقوق زائدة على الحقوق العامة.

    نعم تتفاوت حقوق القرابات كما قرر أئمتنا الكرام، فالقرابة المحرمة أي: المحرمة للتناكح بين القريبين إذا كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى؛ هذه أعلى القرابات، وأولاها ما كان من جهة النسب، يعني: أم الزوجة بينك وبينها قرابة محرمة، وأمك التي ولدتك بينك وبينها قرابة محرمة، فلا يجوز أن تنكح أمك ولا أم زوجتك، لكن أيهما أعلى؟ أمك قطعاً، وأعظم الناس حقاً على الرجل أمه التي ولدته وإن كانت تلك بمنزلة الأم.

    فإذاً: أعلى القرابات القرابة المحرمة، وأولاها ما كان من جهة النسب، فأمك، ابنتك، أختك، كل هذا من جهة النسب، وهي تقدم على القرابة التي من جهة المصاهرة وإن كانت قرابة محرمة، وهكذا أبو الزوجة له حق أكيد عليه وهو بمنزلة الوالد، لكن الوالد الذي هو عن طريق النسب وتسبب في خروجك أولى من عمك الذي هو والد زوجتك؛ لكن ذاك ينزل منزلة الوالد.

    إذاً: القرابة المحرمة أعلاها، وما كان من جهة النسب أولاها، ولا توارث إلا في قرابة النسب فقط وبين الزوجين خاصة.

    إذاً: الإرث في قرابة النسب، ولذلك إرث الرد وذوي الأرحام لا يدخله الزوجان، فالشاهد من قرابة المصاهرة لا يرث غير الزوج، ومن قرابة الرضاع لا يرث أحد على الإطلاق، أما القرابة التي هي قرابة رحم ونسب فيرث بها واحد وعشرون صنفاً عن طريق الفرض والتعصيب، والورثة جملتهم خمسة وعشرون، اثنان عن طريق العتاقة واثنان عن طريق المصاهرة الزوجية، بقي معنا واحد وعشرون عن طريق النسب، هؤلاء كلهم لهم إما فروض مقدرة أو عصبات، ومن عداهم وهم ذوو الأرحام يرثون أيضاً من عمة وخالة وبنت أخ و.. و.. و.. لأنهم يدلون بقرابة رحم ونسب، وليس حالهم كقرابة المصاهرة أو كقرابة الرضاع، ولذلك في الإرث قرابة واحدة هي التي ترث: قرابة النسب والرحم، ويستثنى من جميع القرابات الأخرى الزوجين فيرثان بالمصاهرة.

    1.   

    تعريف ذوي الأرحام في الاصطلاح

    تعريف ذوي الأرحام في الاصطلاح، هذا كله تقدم معنا في التعريف اللغوي وفي منزلة الرحم وشأنها.

    قال أئمتنا الكرام: المراد من ذوي الأرحام: كل قريب عن طريق الرحم والنسب ليس بذي فرض ولا عصبة.

    فهم غير من تقدم ذكرهم من الورثة الذين يرثون فرضاً أو تعصيباً، وهم واحد وعشرون صنفاً، من عدا هؤلاء من القرابات عن طريق الرحم والنسب من ذوي الأرحام، فهم: كل قريب عن طريق الرحم والنسب ليس بذي فرض ولا عصبة.

    هذا تعريف أئمتنا الكرام، وانظروا اللباب في شرح الكتاب من كتب الحنفية، بذلك عرفه الحنفية، وهكذا المالكية كما في حاشية الدسوقي (4/416)، والروضة للإمام النووي عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا (7/5)، والمغني لـابن قدامة (7/82).

    وعلى هذا مشت كتب الفرائض، فكلهم يقولون في تعريف ذوي الأرحام: كل قريب عن طريق النسب والرحم ليس بذي فرض ولا عصبة. انظروا العذب الفائض (2/15)، وإن شئتم انظروا في سائر كتب الفرائض، يعني هذه كتب المذاهب الأربعة نصت على هذا التعريف، وهذا كتاب من كتب الفرائض.

    قال الإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في مجموع الفتاوى (22/260): من شأن أهل العرف إذا كان الاسم عاماً لنوعين أنهم يفردون أحد نوعيه باسم ويبقى الاسم العام مختصاً بالنوع الآخر.

    فما الاسم العام عندنا هنا؟

    ذوو الأرحام اسم عام، فلما أفردوا أحد نوعي القرابات باسم خاص وقالوا: هذا صاحب فرض، هذا عصبة؛ جعلوا الاسم العام خاصاً بمن ليس بصاحب فرض ولا عصبة، يقول: هذا هو شأن أهل العرف. إذا كان الاسم العام يشمل نوعين أو أكثر ماله اسم خاص خرج الآن من العام بهذا اللقب، وبقي العام اسماً لذلك الذي ليس له اسم خاص، وهنا الآن أصحاب الفروض خرجوا الآن من ذوي الأرحام مع أنهم أولى بهذا الاسم من غيرهم، فالبنت ليست من ذوي الأرحام، مع أنها أولى بالرحم من بنت العم، لكن صار لها اسم خاص، لأنها وارثة فرضاً أو تعصيباً، نقول: وراثة، فالوارث له اسم خاص، فبقي الاسم العام لغير من له اسم خاص، فبقي اسم ذوي الأرحام يشمل كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة.

    قال كما في لفظ ذوي الأرحام: فيعم جميع الأقارب، من يرث بفرض وتعصيب ومن لا فرض له ولا تعصيب، قال الإمام ابن تيمية : فلما ميّز ذوو الفروض والعصبات، صار في عرف الفقهاء ذلك اللفظ -وهو ذوو الأرحام- مختصاً بمن ليس له فرض ولا عصبة.

    هذا فيما يتعلق إخوتي الكرام بالتعريف اللغوي والاصطلاحي.

    1.   

    أقوال العلماء في توريث ذوي الأرحام وأدلتهم

    ثانياً: توريثهم واختلاف علمائنا في ذلك مع بسط الأدلة.

    لعلمائنا الكرام في توريث ذوي الأرحام قولان، هذان القولان في المذاهب الأربعة، وبتفصيلهما -أي: بتفصيل القولين- تتعدد الأقوال إلى ثلاثة في المآل كما هو الحال في الرد: يرد على أصحاب الفروض النسبية بقدر حقوقهم غير الزوجين أو لا يرد، وعلى القول بأنه لا يرد أيضاً قالوا: لا يرد إذا انتظم بيت المال، وإذا لم ينتظم يرد، فصار القول الثاني قولين، وهنا كذلك: قول: نورث ذوي الأرحام، قول: لا نورثهم، ثم الذين قالوا لا نورثهم قالوا: هذا فيما إذا انتظم بيت المال، وإذا لم ينتظم نورث ذوي الأرحام ولا نضع هذا المال في بيت المال لما حصل فيه من ضلال.

    القول الأول في توريث ذوي الأرحام

    القول الأول: ذهب إلى توريث ذوي الأرحام إذا لم يوجد عاصب مطلقاً، ولم يوجد أحد من أصحاب الفروض النسبية؛ لأنه تقدم معنا حتى بالرد على أحد الزوجين قلنا: توريث ذوي الأرحام يقدم.

    إذاً: لابد من هذين القيدين: لا يوجد أحد من العصبة مطلقاً لا سببي ولا نسبي، ولا يوجد أحد من أصحاب الفروض النسبية؛ لأنه لو وجد يقدم الرد على توريث ذوي الأرحام، يعني لو وجدت جدة من النسب تأخذ المال فرضاً ورداً، وبنت العم لا تأخذ شيئاً، والخالة لا تأخذ شيئاً، والعمة لا تأخذ شيئاً، والجد الفاسد لا يأخذ شيئاً.. وهكذا، لكن إذا لم يوجد عاصب سببي أو نسبي، ولا يوجد أحد من أصحاب الفروض النسبية، فلا نورث ذوي الأرحام.

    وعليه؛ لو مات وترك زوجة وخالة، الخالة الآن تقدم على الزوجة فيما سوى الفرض، فالزوجة تأخذ فرضها ولا تحرم منه بحال؛ لكن بقية المال لا تأخذ الزوجة منه شيئاً، بل إلى العمة، أو إلى الخالة، أو إلى الجد الفاسد؛ لأنهم من ذوي الأرحام، فهم أولى بهذا المال بنص القرآن: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأحزاب:6].

    قال بهذا القول السادة الحنفية كما في الاختيار (5/105) ورد المحتار (6/791).

    وعبارة الاختيار: عامة الصحابة على توريث ذوي الأرحام، وهو مذهبنا، وقال بهذا الإمام أحمد .

    إذاً: إمامان من الأئمة الأربعة قالا بتوريث ذوي الأرحام بالشرطين المتقدمين.

    قال الإمام ابن قدامة في المغني (7/83): كان أبو عبد الله -يعني الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه- يورث ذوي الأرحام إذا لم يكن ذو فرض ولا عصبة، ولا أحد من الورثة إلا الزوج والزوجة.

    إذاً: هذا مذهب الإمام أحمد وقبله الإمام أبو حنيفة ، وهو مذهب أهل الكوفة قاطبة، ولذلك نسب هذا القول إلى أهل الكوفة دون تقييد ذلك بـأبي حنيفة الإمام ابن حجر في الفتح (12/30) فقال: ذهب الكوفيون وأحمد وإسحاق إلى توريث ذوي الأرحام.

    وكما قلت مراراً إخوتي الكرام: ما خرج عن المذاهب الأربعة لا علاقة لنا به، يذكر أحياناً فقط من باب بيان ما في الكتب؛ لكن ما خرج عن المذاهب الأربعة لا علاقة لنا به أبداً، الكوفيون أبو حنيفة رضي الله عنه إمامهم، فمن خالف منهم إن كان ضمن المذاهب الأخرى فقوله يدخل في قول المذاهب الأخرى، وإذا كان عنده شذوذ خرج به عن المذاهب الأربعة فقوله له ولا علاقة لنا به، يعني: أهل الكوفة قاطبة يقولون بذلك، لكن كما قلت: أبو حنيفة رضي الله عنه هو إمام أهل الكوفة قال بهذا، والإمام أحمد قال بهذا، مذهبان من المذاهب الأربعة قالا بتوريث ذوي الأرحام، وحجتهم كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام والآثار الكثيرة الثابتة الصحيحة المستفيضة عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وحقيقة الأدلة أقوى وأقوى وأقوى بكثير من أدلة القول الثاني، وسيأتينا أدلة القول الثاني ما اعتمدوا إلا على زيد من الصحابة رضي الله عنه وأرضاه وانتهى الأمر، لكن هنا عندنا عدد كثير وجم غفير من الصحابة قالوا بهذا كما ستسمعون إن شاء الله.

    الدليل الأول لتوريث ذوي الأرحام

    الدلالة الأولى: كتاب الله جل وعلا، قال الله جل وعلا: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الأحزاب:6].

    وقال جل وعلا: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:7].

    قال علماؤنا الكرام: عموم هاتين الآيتين يحتم الإرث للقرابات، وعليه أولاً: يقدم القريب في الإرث إذا كان صاحب فرض محدد، فيقدم على غيره فيأخذ فرضه وبقية المال إذا لم يوجد غيره؛ لأن الله قال: مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:7]، فترك بنتاً لها النصف، فإن وجد بعد ذلك وارث آخر يستحق أعطيناه، وإلا يوجد نقدمها على غيرها، فقوة قراباتها تقدم على غيرها، فإذا ترك بنتاً وترك عمة، العمة ليست من أصحاب الفروض، بما أن هذه صاحبة فرض لقوة قرابتها، أخذت فرضها وأخذت بقية المال، القريب لا ينبغي أن يخرج المال عنه إذا وجد صاحب قرابة، لكن كما رتب الله نفعل، الذي قدمه نقدمه، فإذا وجد صاحب الفرض هو المقدم فيأخذ المال فرضاً ورداً، وإذا وجد القريب الذي لا فرض له فلا يخرج المال عنه، لا ينبغي أن يخرج المال إلى بيت المال؛ لأن الله يقول: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ [النساء:7] وتقدم معنا أن علة الميراث الأساسية هي القرابة.

    فإذاً: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:7] قلت سابقاً: هذه العلة هي أقوى أسباب الإرث، وكل ما عداها يمكن أن يزول إلا هذا، فالتوارث عن طريق النكاح ممكن أن يزول، فإذا طلقت الزوجة ما بقي بينك وبينها صلة فلا ترثها ولا ترثك، وأما هنا فلا مجال أن تطلق ابنك أو ابنتك أو أن تتبرأ من أمك.

    فإذاً: هنا هذه علة قوية في الإرث، وهي سبب الإرث الأصلي، فالمال لا ينبغي أن يخرج عن القريب، فإن كان صاحب فرض قدم، إذا لم يكن صاحب فرض فلا ينبغي أن يخرج المال عنه، لكن إذا لم يكن هناك صاحب فرض يأتي يقول: أنا قريب، والله نص على إرثه بصيغة مجملة في كتابه، فإذا وجد من قدمه الله عليه هو أولى، ما وجد فلا ينبغي أن يخرج المال عنه.

    فالقرابات مهما كانوا أولى بمال بعضهم من المؤمنين والمؤمنات، هذه هي دلالة القرآن الكريم.

    الدليل الثاني لتوريث ذوي الأرحام

    الدلالة الثانية: دلالة السنة المطهرة عن نبينا إمام البررة عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    ثبت في سنن الترمذي والسنن الكبرى للنسائي ، والحديث رواه الإمام الطحاوي والدارقطني في السنن والحاكم في المستدرك ، انظروا -إخوتي الكرام- جامع الأصول (9/617) لتروا رواية الترمذي ، وانظروا المستدرك (4/144) رواية أمنا عائشة الفرع الثامن في ذوي الأرحام.

    قال الحاكم : إسناده صحيح على شرط الشيخين وأقره عليه الذهبي .

    ولفظ الحديث: عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الله ورسوله صلى الله عليه وسلم مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له).

    قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب، وقد أرسله بعضهم فلم يذكر فيه عن عائشة .

    قال: واختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في توريث ذوي الأرحام، فورث بعضهم الخالة والعمة، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام، أما زيد رضي الله عنه وأرضاه فلم يورثهم وجعل الميراث في بيت المال.

    إذاً: الحديث روي متصلاً مرفوعاً من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها، وروي مرسلاً بإسقاط أمنا عائشة رضي الله عنها، وأمر ثالث: روي موقوفاً على أمنا عائشة رضي الله عنها من قولها، رواه الدارمي في سننه (2/367)، والبيهقي في السنن الكبرى (6/215)، وعبد الرزاق في مصنفه (10/285) والدارقطني في السنن (4/85) موقوفاً على أمنا عائشة رضي الله عنها من قولها.

    قال البيهقي : هذا هو المحفوظ من قول أمنا عائشة رضي الله عنها موقوفاً عليها. وإلى قوله أشار الحافظ في التلخيص (3/93) فقال: رجح الدارقطني والبيهقي وقفه. أما الدارقطني فما رجح الوقف إنما رواه موقوفاً، أما البيهقي فقد رواه كما تقدم معنا وقال: هذا هو المحفوظ، كأنه يشير إلى تضعيف رواية الرفع.

    نقول: نعم البيهقي رجح لكن هذا الترجيح رده أئمتنا، قال ابن التركماني في الجوهر النقي في التعليق على سنن البيهقي : قلت: الرفع زيادة ثقة فوجب قبوله.

    وقال الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في تهذيب السنن (4/172): هذا الاختلاف في الحديث على طريقة منازعينا -أي: الذين لا يستدلون به على توريث ذوي الأرحام ولا يقولون بتوريث ذوي الأرحام- لا يضر لوجهين:

    الوجه الأول قال: إنكم تحكمون بزيادة الثقة وقد زاد فيجب قبول زيادته. يعني: في الإرسال وفي الوصل، أرسل ووصل، وقف ورفع، الحديث مروي من طريق مرسل، ومن طريق موقوف، ومن طريق متصل مرفوع، فأنتم تحكمون بزيادة الثقة فينبغي أن تقولوا: إن الرواية المرفوعة المتصلة ثابتة صحيحة، وصححها الحاكم وأقرها الذهبي ، وقال الترمذي : هذا حسن غريب، نعم اختلف بعد ذلك في وصله، في إرساله، في وقفه..

    ونكمل الأدلة فيما يأتي، والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.