إسلام ويب

فقه المواريث - الرد على الزوجين [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف أهل العلم في القول بالرد على قولين، ولكل قول دليله، وكان مما احتج به الفريقان ما نقل عن الصحابة؛ لأن الصحابة اختلفوا -كذلك- على قولين ولهذا لا يصح تضليل أحد القولين أما الترجيح بالدليل فمطلوب لمن تأهل لذلك.

    1.   

    سبب اختلاف الفقهاء في حكم الرد

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! اختلاف المذاهب الأربعة في هذه المسألة الواضحة مبني على اختلاف الصحابة الكرام بناءً على الحجج المتقدمة، وهي كما تقدم معنا: هل يقيد الإطلاق في قول الله جل وعلا: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأحزاب:6]، والأحاديث التي نصت على أن من ترك مالاً فلورثته وأقاربه وأرحامه، هل تقيد بنصوص المواريث المحددة للورثة أنصباء مقدرة؟ أو يعمل بكليهما؟ بالمقيد ويقدم، فإذا بقي شيء لا نخرج عن الحكم المطلق كما تقدم معنا.

    قلنا: النصوص التي حددت أنصباء مقدرة هذه نقدمها في العمل، فنجعل للبنت النصف وللزوجة الثمن وللجدة السدس، هذا هو المقدر، ولا ندخل أحداً معه، لكن إن بقي شيء نقول: لا نخرج عن إطلاق قول الله: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأحزاب:6]، فالتقديم اتفقنا عليه، لكن هل نقدمه ونقول: هذا التقييد قيد ذلك الإطلاق، فذاك الإطلاق لا يعمل به؟ أو نقدمه فإذا بقي شيء نعمل المطلق؟

    فتقدم معنا أن أبا حنيفة والإمام أحمد أعملا النصوص كلها، قال: نعمل بالتقييد إذا اجتمع ذوو الأرحام والورثة حتى نعرف كيف نورثهم، لكن إذا بقي شيء نعمل بالإطلاق مع التقييد.

    الإمام الشافعي ومالك كما تقدم معنا يقولون: هذه النصوص قيدت ذلك الإطلاق، إن بقي شيء يرد إلى بيت المال.

    لم تردونه إلى بيت المال؟

    قالوا: الغنم بالغرم، بيت المال هو الذي يتكفل بمصالح المسلمين، فمن عجز من المسلمين يأخذ ما يكفيه من بيت المال زواجاً وبناء بيت وقضاء حاجة وتحصيل مركب، هذا كله يؤمن له من بيت المال، وله حق في بيت المال أن يرعى، وإذا عجز وكبر يفرض له ما يكفيه دون أن يتعرض لسؤال قريب أو غريب، هذا بيت المال وضع للمصالح العامة، وهنا يوجد بنت لها النصف فقط كما فرض الله، والباقي كما أن بيت المال إن عجزت هذه البنت ولم يكن عندها شيء يفرض لها ما يكفيها، أيضاً الآن لا داعي أن نعطيها الباقي، بل نرده إلى بيت المال؛ لأنه مصلحة عامة يليه أمر المسلمين، كما أنهم ينتفعون به ينبغي أن ينتفع به إذا ما وجد لمالهم مستحق معين، وعليه نعمل كما قلت النصوص التي فرضت أنصباء محددة للورثة، ونقيد الإطلاق في قول الله: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأحزاب:6]، ( من ترك مالاً فلقراباته وأرحامه )، نقيد هذا بما تقدم، والزائد يرد إلى بيت المال.

    فإمامان أعملا النصوص كلها، وإمامان قيدا الإطلاق بالتقييد الوارد في بعض النصوص، هذا العمل الذي فعله الأئمة الأربعة هو الذي فعله الصحابة فاستمع لأقوالهم.

    1.   

    نقل أقوال السلف القائلين بالرد

    ما نقل عن علي رضي الله عنه في القول بالرد

    ذهب إلى القول بالرد جم غفير من الصحابة الطيبين وأئمة التابعين منهم وفي مقدمتهم أقضى هذه الأمة، وهو مدينة العلم سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، وقد ثبت ذلك عنه من طرق متعددة متعاقبة.

    ففي سنن سعيد بن منصور (1/60) والدارمي (2/361) ومصنف عبد الرزاق (10/286)، وهذه الصفحات لن أكررها في النقول الآتية إما أن تتقدم معك صفحة أو تتأخر صفحة هذا مكان الرد فيها، وفي السنن الكبرى للبيهقي (6/244): عن الشعبي قال: كان علي رضي الله عنه وأرضاه يرد على كل وارث الفضل -يعني: الزائد- بحسابه، أي بحساب ما ورث. ولفظ البيهقي : بحصة ما ورث، غير المرأة والزوج.

    وتقدم معنا: أنه لم يكن أحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يرد على الزوجة والمرأة.

    وفي لفظ الدارمي : على كل ذي سهم إلا المرأة والزوج، يعني: كان علي يرد على كل ذي سهم إلا المرأة والزوج.

    هذا من طريق الشعبي .

    وثبت في سنن سعيد بن منصور ومصنف ابن أبي شيبة (11/275، 277): عن النخعي قال: كان علي رضي الله عنه يرد على جميع الورثة إلا الزوج والمرأة.

    ونقل هذا ابن أبي شيبة أيضاً في مصنفه وعبد الرزاق في مصنفه عن منصور قال: بلغني عن علي رضي الله عنه أنه كان يرد على كل ذي سهم إلا الزوج والمرأة.

    إذاً من طريق الشعبي والنخعي ومنصور ، وثبت هذا عن الإمام أبي جعفر الباقر محمد بن علي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في مصنف ابن أبي شيبة : أن علياً كان يرد على ذوي السهام من ذوي الأرحام. فخرج الزوجان، لأنه تقدم معنا أن الرد على أصحاب الفروض النسبية.

    وثبت في سنن الدارمي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن قوماً اختصموا إلى علي في ولد المتلاعنين، ويكون ذلك عندما يقذف الزوج زوجته -نسأل الله العافية- بالزنا وتحصل الملاعنة بينهما فهما متلاعنان، وسمي هذا لأن كل واحد يحلف أربعة أيمان بالله أنه صادق في ما قال وأن صاحبه كاذب فيما قال، وأن عليه لعنة الله جل وعلا إن كان كاذباً فيما يقول، فمتلاعنان.

    يقول عن ابن عباس : أن قوماً اختصموا إلى علي رضي الله عنهم أجمعين في ولد المتلاعنين، فجاء عصبة أبيه يطلبون ميراثه، عصبة الأب وهم لو قدرنا الإخوة الذين هم أعمام لهذا الولد، أو قدرت أبناء لهذا الأب يصبحون إخوة لأب لذاك؛ لأنه ليس له عصبة من جهة أمه.

    فإذاً: جاء عصبة الأب يطلبون الميراث، فقال علي رضي الله عنه وأرضاه: إن أباه قد كان تبرأ منه، فليس لكم من ميراثه شيء، فقضى بميراثه لأمه، وجعلها عصبة له.

    وتقدم معنا: ( المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه )، وقلت: إن الحديث صحيح كما تقدم معنا من كلام نبينا على نبينا وعلى صحبه صلوات الله وسلامه.

    قلت: وفي ذلك دلالة على الرد في السنة، وهنا دفع علي رضي الله عنه المال كله لأمه وجعلها عصبة له مع أنها لا تستحق إلا الثلث، والباقي ينبغي أن يرد إلى بيت المال على حسب قول الشافعية والمالكية في الأصل، وإن قلت: صار الاتفاق على الرد بعد ذلك.

    ما نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه في الرد

    إذاً: هذه نقول عن سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، وثبت هذا أيضاً عن عبد الله بن مسعود .

    وفقه السادة الحنفية نهايته دائماً إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وتقدم معنا قضاؤه في المرأة المفوضة التي مات زوجها ولم يفرض لها ولم يدخل بها؛ قضى عبد الله بن مسعود وأخذ به الحنفية، والقضاء ثابت عن خير البرية عليه الصلاة والسلام، لكن فقههم ينتهي إلى عبد الله بن مسعود ، فهل هو أيضاً من أصحاب الرأي؟ لأن أصحاب الكوفة هم أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، علقمة ، الأسود ، بعد ذلك التلاميذ: النخعي والشعبي ، وينتهي الأمر إلى أبي حنيفة رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.

    إذاً: ثبت القضاء بذلك عن عبد الله بن مسعود في سنن سعيد بن منصور في المكان المتقدم، والسنن الكبرى للبيهقي وسنن الدارمي ، لكن التفصيل الذي قال به ما أخذ به أحد من المذاهب الأربعة لوجود ما يعارضه من مذاهب الصحابة ومن القواعد العامة في الرد، فاستمعوا لتفصيله رضي الله عنه وأرضاه.

    عن الشعبي قال: كان ابن مسعود رضي الله عنه يرد على كل وارث الفضل بحساب ما ورث، غير أنه لم يكن يرد على بنت ابن مع ابنة الصلب، ولا على أخت لأب مع أخت لأب وأم -وهي الشقيقة- ولا على جدة -لا يرد عليها مطلقاً- إذا وجد أحد القرابات أصحاب الفروض، إلا أن لا يكون وارث غيرها، ولا على إخوة لأم مع أم شيئاً، ولا على الزوج ولا على المرأة.

    إخوتي الكرام! انتبهوا لقضاء عبد الله بن مسعود في هذه المسائل الأربع: بنت وبنت ابن، على قضاء المذاهب الأربعة وقضاء سيدنا علي وجمهور الصحابة: البنت لها النصف، بنت الابن السدس تكملة الثلثين، المسألة من ستة، للبنت ثلاثة ولبنت الابن واحد، مجموع السهام: أربعة، قلنا: الرد ضد العول، ستة تلغيها وتجعلها أربعة.

    على قضاء عبد الله بن مسعود : المسألة من ستة، بنت الابن لها واحد، والبنت لها الباقي فرضاً ورداً؛ لأنه كان لا يرد على بنت ابن مع البنت، يقول: البنت أولى بالرد لأنها أقرب.

    وهكذا لا يرد على أخت لأب مع أخت شقيقة، نفس المسألة، الأخت الشقيقة لها النصف والأخت لأب لها السدس فقط، والباقي يرد على الشقيقة وحدها.

    ولا يرد على الجدة مطلقاً، فلو مات وترك جدة وبنتاً، فالجدة لها السدس والباقي للبنت.

    فكان لا يرد على الجدة إذا كان معها وارث غيرها، فإذا لم يكن إلا هي يعطيها المال فرضاً ورداً، وسيأتينا إذا كان معها الإخوة لأم تفصيل هذا ممن بعده هل يرد على الجدة معها أو لا وهل نجعل الجدة كمنزلة الأم؟ هذا يأتينا عما قريب إن شاء الله.

    والإخوة لأم -هذا الرابع- لا يرد عليهم مع الأم؛ لأنهم ورثوا بسببها، فإذا وجد إخوة لأم وأم، الإخوة لأم لهم الثلث والأم لها الثلثان فرضاً ورداً. وقلت: هذا القضاء انفرد به رضي الله عنه وأرضاه.

    وثبت في سنن سعيد بن منصور ومصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة عن أبي إسحاق الشيباني قال: قيل للشعبي : إن أبا عبيدة -وهو ولد سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين- قضى في رجل ترك ابنته أو أخته فأعطاها المال كله، فقال الشعبي : قد كان من هو خير من أبي عبيدة -وهو عبد الله بن مسعود والده- يفعل ذلك، كان ابن مسعود يفعله.

    يعني: القول بالرد هو قول عبد الله بن مسعود ، نعم له التفصيل السابق الذي خالف به من قال بالرد من الصحابة، وأما الزوج والزوجة فقلنا محل اتفاق.

    وثبت هذا النقل عن عبد الله بن مسعود من طريق الإمام النخعي في سنن سعيد بن منصور ومصنف ابن أبي شيبة ، قال النخعي : كان عبد الله لا يرد على ستة: بنت ابن مع البنت، أخت لأب مع أخت شقيقة، الجدة إذا كان معها وارث غيرها، الإخوة لأم مع الأم، والزوج والزوجة.

    فقلت -القائل هو النخعي -لـعلقمة : نرد على الإخوة لأم مع الجدة؟

    يعني ابن مسعود يقول: لا نرد على الإخوة لأم مع الأم، والأصل ألا يرد على الجدة إذا وجد وارث، وإخوة لأم لا يرد عليهم إذا وجدت أم، فهل نرد على الإخوة لأم مع الجدة؟ أي ننزل الجدة منزلة الأم؟

    فقال له علقمة : إن شئت.

    يعني قضاء ابن مسعود في هذه المسألة غير واضح، يقول: لا نرد على الإخوة لأم مع الأم، ولا نرد على الجدة إذا وجد وارث غيرها، طيب ماذا نفعل الآن؟ قال: إن شئت، فعليه قضاء عبد الله بن مسعود أو علقمة فيما فهمه من قضاء عبد الله بن مسعود في هذه المسألة مع قضاء جمهور الصحابة واحد، أخ لأم، وجدة، الأخ لأم له السدس، والجدة لها السدس، المسألة من ستة لكل واحد واحد، على القول بالرد عليهم جميعاً المسألة من اثنين لكل واحد نصف المال؛ لأنه هنا إن أردت أن لا ترد على الإخوة لأم بناءً على أن الجدة تنزل منزلة الأم فهي ستأخذ خمسة من ستة وهو يبقى على السدس، وإن أردت أن لا ترد على الجدة لوجود وارث معها ستعطي الجدة السدس والخمسة للأخ لأم، فصارت مشكلة، فـالنخعي رضي الله عنه وأرضاه عندما ينقل عن ابن مسعود أنه لا يرد على ستة منهم هؤلاء الأربعة استشكل الإخوة لأم مع الجدة.

    حقيقة الجدة أعلى من الأم، فالإخوة لأم ما أدلوا بالجدة، وعليه الرد عليهم جميعاً معتبر، فقال: إن شئت رد على الجميع. لا إله إلا الله! اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    وفي سنن الدارمي عن النخعي أيضاً عن عبد الله أنه قال في ابنة وابنة ابن، البنت لها نصف وبنت الابن السدس، وما بقي فرد على البنت.

    وفي سنن سعيد بن منصور عن النخعي قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين- : الأم عصبة من لا عصبة له، والأخت عصبة من لا عصبة له.

    والمراد من التعصيب هنا أن تأخذ ما يأخذه العصبة، وتقدم معنا العصبة عند الانفراد يأخذ كل المال، وعليه لو مات وترك أماً فلها المال كله، ولو ترك أختاً فلها المال كله، ولو ترك جدة فلها المال كله على حسب قضاء عبد الله بن مسعود كما تقدم معنا، وهذا قضى به علي رضي الله عنه وأرضاه.

    إذاً: هذان الصحابيان قالا بالرد.

    قبل أن ننتقل للصحابي الثالث وثبت هذا القضاء عن عبد الله بن مسعود من طريق تلميذه علقمة رضي الله عنهم أجمعين كما في سنن سعيد بن منصور والدارمي ومصنف ابن أبي شيبة ، قال علقمة : ورث ابن مسعود الإخوة من الأم الثلث، وورث بقية المال للأم، وقال: الأم عصبة من لا عصبة له، لكنه لا يفعل هذا في أم وبنت!

    أم وبنت، الأم هناك سيعطيها السدس والبنت النصف ثم ترد على الجميع، بمقدار سهامهما؛ لأن البنت تدلي بنفسها، وهكذا الأم، بخلاف الإخوة لأم، فقرابتهم متأخرة بما أنهم بسبب الأم لا يرد عليهم مع الأم، بل يعطيهم فرضهم وانتهى الأمر.

    يعني لو مات وترك أماً وأخاً لأم، فالأخ لأم له السدس والباقي للأم عند عبد الله بن مسعود ، وهذا لم يعمل به أحد من المذاهب الأربعة.

    أريد فقط أن أقرر قوله، فهو يقول بالرد وعنده تفصيل بعد ذلك خالف به جمهور الصحابة، وتركه الحنفية لوجود ما يعارضه من أقوال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وهذا محض اجتهاد منه رضي الله عنه وأرضاه. اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    وهذا القضاء أيضاً نقله إبراهيم النخعي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود كما في مصنف ابن أبي شيبة ، وعليه هو من طريق الشعبي والنخعي ومسروق وعلقمة ، كما تقدم معنا في النصوص أن عبد الله بن مسعود يقول بالرد؛ لكن عنده تفصيل لا يرد على ستة أصناف، صنفان متفق عليهما من الصحابة، وأربعة أصناف هذا اجتهاد من عبد الله بن مسعود في مبحث الرد.

    ما نقل عن ابني عباس وعمر من القول بالرد

    الصحابي الثالث والرابع: ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، قالا بالرد، ثبت ذلك في سنن الدارمي (2/364) قد تتقدم صفحة وتتأخر صفحة لا يضر ذلك.

    من طريق نافع عن ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين قال: إذا تلاعنا -يعني: الزوجين- فرق بينهما، ولم يجتمعا، ودعي الولد لأمه فيقال له: ابن فلانة، وهي عصبته يرثها وترثه، ومن دعاه لزنية جلد.

    والآن يقضي في ولد المتلاعنين، لكن محل الشاهد فيه أن الأم عصبة يرثها وترثه، فإذاً يرد على الأم لأنها أم، وهي أم ولو لم يكن تلاعن.. المقصود أنها أم على جميع الأحوال، فالأم لها فرض مقدر هنا يقول: تأخذ إذا لم يكن له عصبة ولم يكن له عصبة الآن من النسب قطعاً وجزماً؛ لأن العصبة تكون من جهة الذكورة ولا تكون العصبة من جهة الأنوثة إلا في المعتقة، وهنا لم يكن له عصبة، نقول: أمه عصبته، فإن ترك إخوة لأم ورثوا منه مع أمه، لكن هذه الأم هي التي ستأخذ الباقي فرضاً ورداً.

    وأما إذا ترك ابناً، فأمه الآن صار لها فرضها السدس والباقي لأولاده.

    وهكذا ثبت كما قلت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بنحو ما تقدم.

    من قال بالرد من التابعين

    وهذا القول قال به من التابعين الإمام الشعبي كما في سنن الدارمي (2/361) قال الشعبي في رجل مات وترك ابنته لا يعلم له وارث غيرها، قال: لها المال كله فرضاً ورداً.

    وقال بهذا سفيان الثوري وعبد الله بن عبيد بن عمير كما في سنن الدارمي ، قال عبد الله بن عبيد بن عمير : ( كتبت إلى أخ لي من بني زريق أسأله: لمن قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن الملاعنة؟ فكتب إلي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به لأمه، هي بمنزلة أمه وأبيه ). قال سفيان كما في هذا الأثر: المال كله للأم هي بمنزلة أبيه وأمه.

    وهذا القضاء ثابت عن الحسن البصري أيضاً في سنن الدارمي ، قال الحسن : ترثه أمه، يعني: ابن الملاعنة.

    وثابت عن مكحول وعن عطاء في سنن الدارمي ، الآن صار هؤلاء عشرة من السلف: أربعة من الصحابة وستة من التابعين رضي الله عنهم أجمعين يقولون بالرد، وهذا الذي أخذ به الإمام أحمد وقبله أبو حنيفة عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه.

    1.   

    القول بعدم الردّ

    القول الثاني: لا يعطي وارثاً أكثر من ما فرض له ويرد الباقي إلى بيت المال، فكما يتكفل بيت المال بالمسلمين يعود إليه ما فضل عن الوارثين؛ لأن الغنم بالغرم، فبيت المال يكفلهم ويأخذون منه احتياجهم، فإذا فضل شيء عن الورثة يرد إلى المصالح العامة، وهذا أيضاً منقول عن الصحابة، وبناء عليه يخرج المذاهب الأربعة عن قضاء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وسأذكر من قال بهذا من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    حكم الالتزام بالمذاهب الأربعة

    لعلكم تذكرون أنه منذ فترة سأل بعض الإخوة سؤالاً يقول: ما هو الدليل على الالتزام بالمذاهب الأربعة؟

    قلت: ائتنا بمسألة فيها نص من كتاب وسنة وقضاء صحابي ليست في المذاهب الأربعة، والاستقراء هذا أقوى الأدلة وأوضحها وأظهرها، لا يوجد مسألة فيها نص من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام وقضاء الصحابة إلا وهي في المذاهب، إذاً الخروج عن هذا مضيعة، أما موضوع التمثيل فسهل، كل إنسان يأتي.. نقول: يعني أنا أقصد بالتمثيل التخيل العقلي والفرض الذهني، يعني ممكن يوجد مسألة.. ممكن هات مسألة، ممكن مثلاً، عندما تقول له: مثل يقف حيراناً.

    وقوع طلاق الحائض هل عليها دليل في الكتاب؟ هل قال الله: طلاق الحائض ما يقع؟ هل عليها دليل من السنة؟ هل قضى بها الصحابة؟ بقي اجتهاد منه مردود عليه وعلى أمثاله، ابن تيمية وغيره مع حبنا له لا يعقل أن يقدم على المذاهب الأربعة بحال من الأحوال، وتقديمه على المذاهب الأربعة ضلال، وليعلم هذا المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، وليس معنى هذا أننا نضلله، انتبه! فنحن نتقرب إلى الله بحبه، لكن عندما يأتي اجتهاد مردود من عالم هو أهل للاجتهاد نرد خطأه ونستغفر له؛ لكن ليس معنى أنه أتى بدليل لا من كتاب ولا من سنة، ومن باب أولى لا من إجماع ولا، بل حكي الإجماع من قبل ابن المنذر وابن عبد البر على أن طلاق الحائض واقع، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال من الشيعة وأمثالهم، فبقي من قال بهذا وهو من أهل الهدى نقول: معذور، واضح هذا؟ أما بعد ذلك ما الدليل؟ يأتي بعمومات، العمومات تصلح أن تكون دليلاً في قضية؟ (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) قالوا: الطلاق في الحيض بدعة، إذا كان بدعة فلا يقع، هل هذا دليل عندك خاص بالمسألة وهو أن ابن عمر أمر بمراجعتها، لو لم يقع الطلاق لما أمر بالمراجعة، لو قيل له الطلاق لاغ راجعت أو لم تراجع لا قيمة لطلاقك، أوليس كذلك؟ لكن قال: (مره فليراجعها)، وهو دليل على وقوع الطلاق إذا كنا نفهم الألفاظ النبوية.

    الأمر الثاني: في سنن الدارقطني أنها حسبت عليه تطليقة، ففيها: (قال: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! أرأيت إن طلقتها ثلاثاً؟ قال: كانت تبين منك وتكون معصية)، ماذا تريد أكثر من هذا؟ هذا لابد منه.

    أما القضية أنه بدعة ولا يقع، يقول ابن قدامة: هذا ليس بقربة وطاعة حتى تلغى فيه المبتدعة ويقال لا يتقرب إلى الله بالبدعة، هذا معاملة له على حسب ما صدر منه.

    أي: هذا تصرف، ورتبنا على هذا التصرف أثراً، هل نتقرب إلى الله بطلاق الحائض فنقول: هذا بدعة! هذا كلام الإمام ابن قدامة شيخ الإسلام في المغني.

    من أيامنا موضوع النية لما ذكرتها وقلت ابن قدامة يقول بها.. لو قلت المذاهب الثلاثة يستحبون التلفظ بها ويجيزون من باب مواطأة اللسان للقلب، الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية عندهم يكره التلفظ بالنية فيما فرضه النية.

    عل كل حال! ابن قدامة يقرر هذا في المغني، بعض الناس -وأنا ذكرت حتى في الخطبة- نقل عن الإمام ابن تيمية وابن القيم أن التلفظ بها بدعة، وقلت: هذا تعليله كذا وكذا كما ذكرت، كأن بعض الناس سمع أن ابن قدامة لا يقول بدعة، قال: وابن تيمية يقول بدعة، قال: أين ابن قدامة من ابن تيمية ؟ قلت: ماذا يقصد؟ ابن قدامة أعلم من ابن تيمية ، إن كان يقصد هذا فصحيح، وإن كان يقصد خلاف هذا فهو مخطئ.

    ابن قدامة أعلم من ابن تيمية ، وانتبه! ليس معنى هذا -يعلم الله- تنقيصاً لـابن تيمية ، ولا يوجد ذرة من ذراتي إلا وتترحم وتترضى على هذا الإمام، لكن ينبغي أن نعرف أيضاً قدرنا وأن نقف عند حدنا، أما الإمام ابن قدامة فهذا محل إجماع عند العلماء بالثناء عليه والاحترام والتبجيل والتقدير والتوقير، فحاله بين أئمة المسلمين كحال أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، ما يخالف مهتد في تقديم أبي بكر ، وأما حال الإمام ابن تيمية فكحال علي رضي الله عنه وأرضاه، اختلف الناس في أمر علي من الصحابة ومن بعدهم، ولا أقول موضوع التنقيص من علي وسبه، هذا لا يقول به إلا ناصبي خبيث، لكن تقديم أبي بكر وحاله لا نتكلم حوله على الإطلاق، ولذلك تقديم الشيخين محل إجماع بين المهتدين، ثم عندما تأتي لـعثمان ، لـعلي ، وهل الصواب مع علي ، هذا نازعه من هو أحياناً في درجته أو يقرب منه، أما في زمن أبي بكر رضي الله عنه السماء صافية وتمطر مطراً نافعاً ولا يوجد مشكلة في قضية من القضايا، وإذا تكلم أبو بكر فالكل سمعاً وطاعة، لابد من أن نميز، فالإمام ابن قدامة بين العلماء كـأبي بكر بين الصحابة، هذا محل إجماع بين سائر الطوائف.

    أما الإمام ابن تيمية كما قلت حسبه أن يكون كـعلي رضي الله عنه وأرضاه، لا تنقيصاً له، وكما قلت: والله نتقرب إلى الله بحبه سراً وجهراً، لكن ينبغي أن نقف أيضاً عند حدنا، فذاك قال له: أين ابن تيمية وابن قدامة ، قلت: ماذا يقصد؟ يقصد يعني ابن قدامة أعلى؟ على العين والرأس، هذا الذي نريده، أولاً سبقه بالزمن توفي سنة (620هـ) الإمام ابن قدامة ، وذاك سنة (728هـ)، أوليس كذلك؟ بعده بأكثر من مائة سنة، والأمة كلما تقدمت عصورها فيها خير ...

    الأمر الثاني: هذا الإجماع الذي حصل على هذا الإمام ما حصل في ذلك الإمام، ابن تيمية نازعه ممن هو في درجته من أئمة الإسلام، والكل إن شاء الله مأجور عند ذي الجلال والإكرام، لكن ليس حاله كحال ابن قدامة !

    فقلت: يا عبد الله! إن كان يقصد هذا فلا بأس، وإن كان يقصد خلافه فهو مخطئ، وبعض الناس يعني قال له بعد ذلك ابن تيمية لا يوجد مثله ولا في الصحابة، قلت: أخشى بعد ذلك يقول: ولا في النبيين، على نبينا وآله وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، هذا هنا جرى مبحث هنا بعد خطبة الجمعة، قلت: هذا هو الغلو، والله لو كان ابن تيمية حياً وسمع قائل هذه المقالة لهجره طول حياته إلا أن يحدث توبة إلى الله عز وجل. ابن تيمية لا يوجد مثله ولا في الصحابة؟! يا إخوة! علام الغلو؟ اتقوا الله في أنفسكم وضعوا كل شيء في موضعه!

    وأقول: لا يمكن أن تتبع قولاً له دليل يخرج عن المذاهب الأربعة، أنا قلت مراراً وذكرت هذا في محاضرات: عندما أصلي أجهر بالبسملة، هذا أحوط وأورع وأقوى بالدليل اتباعاً للإمام الشافعي ، لكن ما خرجت، على ما عليه أهل المذاهب، هذا لا يمكن بحال، طيب أرفع يدي عند الرفع من الركوع وعند القيام من القعود الأول وهذا ليس عليه الحنفية، ليس معنى هذا أنني إذا درست المذهب الحنفي يعني أنه ملزم بنصوصه والخروج عنه ضلال، ما قلت الخروج عنه ضلال، قلت: الخروج عن المذاهب الأربعة ضلال، وطالب العلم بعد ذلك يبحث في الأدلة ويقارن ويتبع ما يشهد له الدليل، لكن لا يمكن أن يشهد دليل لمسألة ليست في المذاهب الأربعة.

    والصورة الثانية: لو قدر أنه يوجد واحد في الأمة ما عنده أهلية للبحث، قال: لا أتحول عن المذهب الشافعي لو قطعت رقبتي، ماذا نقول عنه؟ مهتد، هذا الذي نريده في الأمة، أما أنت يا أخي فابحث في الدليل وجزاكم الله خيراً وما أحد منعكم، لكن لا تخرجوا عن هذه الأمة في مذاهبها الأربعة.

    والأمر الثاني: من انتمى لمذهب لا تضللوه، هذا الذي نريد، أما تأتينا اجتهادات من هنا وهناك ما بين الحين والحين تبنيها على حديث، وبعد فترة تقول: الحديث ما ثبت عندي! نقول: أنت جئت تلعب يا عبد الله في دين الله! فلابد من أن نتقيد بما كانت عليه هذه الأمة المباركة المرحومة، الإمام النووي -كما ذكرت إخوتي الكرام مراراً- شافعي المذهب رجح نقض الوضوء من الجزور، بخلاف المذهب، هذا حال أئمتنا، ووالله ما واحد منهم جعل المذهب ديناً متبعاً، بمعنى أنه معصوم من الخطأ، لا ثم لا، ولا يقول أيضاً عند الترجيح ذاك مأخوذ من توراة أو إنجيل، يقول: هذا الاستدلال فيما يبدو لي أنه مرجوح والراجح كذا، لكن ذاك معتبر وهذا معتبر، وهذا إخوتي الكرام لابد من وعيه، وهذا حال أئمتنا.

    فطلبة العلم في كل عصر حتماً يبحثون في الأدلة وينظرون، وعندما يرى أن هذا القول يشهد له الدليل حقيقة فهو أحوط، يعني يصلي الإنسان صلاة: عند المالكية لو ترك البسملة.. بل مكروه ذكر البسملة في الفريضة، وعند الشافعي إذا ترك البسملة بطلت صلاته، عند المالكية: إذا أتى بالبسملة الصلاة ليست باطلة، لكن فيها كراهة، والله لأن يقال عن صلاتي مكروهة أحسن من أن يقال إن صلاتي باطلة!

    ثم بعد ذلك إذا جهر بالبسملة فالحنفية يكره عندهم الجهر بها، والشافعية يقولون: حكمها حكم الفاتحة؛ لأنها آية منها؛ لأنها ثابتة في مصاحف الكوفة، وهي آية من سورة الفاتحة، وعليه أعطيها حكم الفاتحة وأجهر بها مع الفاتحة، وهذا الذي أفعله.. وكم يعترض علينا من يعترض، ثم بعض الناس يقول: حنفي متعصب! قلت: والله لا خير فينا ولعنة الله علينا إذا لم نتعصب لأئمتنا، نتعصب لـأبي حنيفة، نتعصب للشافعي ، نتعصب لـمالك ، ونتعصب للإمام أحمد رضي الله عنهم أجمعين، ولا خير فينا إذا لم نتعصب لهم، أما ماذا تقصدون بالتعصب فأنتم بينوه لنا، فماذا تقصدون؟

    إخوتي الكرام! لابد من أن نتقي الله في أنفسنا، موضوع الفتيا لا نخرج به عن المذاهب الأربعة، والذي عنده -كما قلت ولا أزال- مسألة عليها نص من كتاب أو سنة وقضاء صحابي ليست في المذاهب الأربعة فليأتنا بها، أما كما قلت مجرد تخيل، فالتخيل ما أكثره! لا إله إلا الله!

    ما نقل عن أبي بكر الصديق من القول بعدم الرد

    إخوتي الكرام! هذا القضاء نسب إلى أفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهو أفضل خلق الله بعد نبينا والمرسلين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وهو الصديق الأكبر سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    ثبت هذا في مصنف ابن أبي شيبة (11/277) من طريق الشعبي قال: استشهد سالم مولى أبي حذيفة فأعطى أبو بكر ابنته النصف وأعطى النصف الثاني في سبيل الله عز وجل. أي: جعله في بيت المال وأنفق منه على الجهاد في المصالح العامة.

    فأعطى أبو بكر ابنته النصف وأعطى النصف الثاني في سبيل الله عز وجل، فما رد عليها المال.

    سالم مولى أبي حذيفة هذا استشهد في موقعة اليمامة التي حصلت عند ظهور قرن الشيطان، ومع ذلك يريدون أن قرن الشيطان يكون في العراق فقط، قرن الشيطان من الرياض إلى العراق، هذه البلاد كلها بلاد قرن الشيطان كما أشار إلى ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، وليس معنى هذا أن كل من فيها شيطان، لا ثم لا، فالإمام أحمد كان في بلاد العراق، بشر الحافي سيد الزهاد في هذه الأمة في بلاد العراق، لذلك قلت: معنى أنها قرن الشيطان: أن الإنسان يحترز غاية الاحتراز فهذه بيئة موبوءة، يحصن نفسه ويتقي ربه، ليس معنى هذا أن من فيها فهو شيطان كما توهم من توهم في هذه الأيام، فأراد أن ينفي هذه المعرة عن بعض البلدان، وأراد أن يحكم بعد ذلك على غيرها بأن كل من فيها إذاً هو شيطان.

    ولذلك من تفقه من بلاد الرياض وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يقول: تفقه على كتب الإمام ابن تيمية وهو شامي، هكذا يقول!

    وهذا أخذ من كتب الإمام أحمد وهو عراقي، انظر أيضاً للغلو، هذا موجود وقرأت عليه من كتب، يقول: هذا عداده من عداد الشاميين لأنه تفقه على كتب الإمام ابن تيمية وابن القيم .... هذه المضيعة التي تعيشها الأمة في هذه الأيام، والله لأن ننتسب للإمام أحمد أعلى من أن ننتسب للإمام ابن تيمية عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه. هذا القضاء الأول.

    ما نقل عن زيد بن ثابت من القول بعدم الرد

    القضاء الثاني منقول عن زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، وهو إمام الفرضيين، أفرض هذه الأمة قال بعدم الرد، ثبت هذا في سنن سعيد بن منصور ومصنف عبد الرزاق والقضاء عنه ثابت في ذلك من عدة طرق متعاقبة: من طريق الشعبي قال: ما رد زيد على ذوي القرابات شيئاً قط.

    وفي سنن سعيد بن منصور ومصنف عبد الرزاق والسنن الكبرى للبيهقي في الأمكنة المتقدمة من طريق الشعبي عن خارجة بن زيد بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين، قال خارجة : رأيت أبي يرد فضول المال عن الفرائض على بيت المال، ولا يرد على وارث شيئاً.

    وفي رواية قال خارجة : كان أبي يعطي أهل الفرائض فرائضهم، ويجعل ما بقي في بيت المال.

    وفي سنن الدارمي عن سعيد بن المسيب عن زيد رضي الله عنهم أجمعين قال في ميراث ابن الملاعنة: لأمه الثلث، والثلثان لبيت المال.

    وهذا على خلاف قضاء من قضى ممن تقدم ذكرهم من عبد الله بن مسعود وغيره رضي الله عنهم أجمعين.

    وفي السنن الكبرى للبيهقي من طريق المغيرة عن أصحابه قال: كان زيد إذا لم يجد أحداً من هؤلاء -يعني: العصبة- لم يرد على ذي سهم، ولكن يرد على الموالي، فإن لم يكن موال فعلى بيت المال.

    أي إذا كان يوجد عاصب من النسب رد عليه، وإلا يوجد نظر العاصب من جهة الولاء، فإن لم يوجد إلا أصحاب فروض أخذوا فروضهم والباقي بيت المال، يعني: يقدم العصبة النسبية، ثم السببية، ثم بيت المال.

    وفي مصنف ابن أبي شيبة عن النخعي قال: كان زيد يعطي كل ذي فرض فريضته، وما بقي يجعله في بيت المال.

    وفي سنن الدارمي عن محمد بن سالم عن خارجة ، وعن الشعبي عن خارجة عن زيد : أنه أتي بابنة أو أخت -يعني: أتي ليقضي في هذه المسألة- فأعطاها النصف، وجعل ما بقي في بيت المال.

    ما نقل عن التابعين من القول بعدم الرد

    هذان صحابيان: أبو بكر وزيد ، قالا بهذا رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين، وقال بهذا أيضاً جم غفير من التابعين.

    روى البيهقي في السنن الكبرى (6/259) والأثر في موطأ الإمام مالك (2/522)، وإذا كان عندكم شرح الزرقاني فهو في الجزء الثالث من شرح الزرقاني (ص:123) عن الإمام مالك عليه رحمة الله أنه بلغه أن عروة بن الزبير كان يقول في ولد الملاعنة وولد الزنا: إذا مات ورثته أمه.

    إخوتي الكرام! بالنسبة ولد الملاعنة أي: التي لاعنت ونسب الولد إليها، ويصح أن يقال: بالفتح على أنه ولد الملاعنة، أي: الملاعنة التي حصلت بين الزوجين.

    قال في ولد الملاعنة وولد الزنا: إنه إذا مات ورثته أمه حقها في كتاب الله عز وجل، وهي ترث إما ثلثاً وإما سدساً، وإخوته لأمه يأخذون حقوقهم، إما الثلث وإما السدس على حسب الجمع أو الانفراد. ويرث البقية موالي أمه إن كانت مولاة.

    يعني: إذا كانت أمه في الأصل معتقة فيأخذ البقية عصبته السببية وهم موالي أمه، وإن كانت أمه عربية ورثت حقها، وورث إخوته لأمه حقوقهم، وكان ما بقي للمسلمين.

    إذاً: نصف المال سينصرف إلى الأم والأخوة لأم، فإذا كان الأخ لأم واحداً فالأم لها الثلث، وله السدس، والمجموع نصف المال، وإذا كان إخوة لأم أكثر من واحد فلهم الثلث والأم لها السدس، والمجموع نصف المال، يعني: نصف المال بين الأم والإخوة لأم، والنصف الثاني لبيت المال. إذاً: هنا ورثت حقها وورث إخوته لأمه حقوقهم، وكان ما بقي للمسلمين.

    قال الإمام مالك : وبلغني عن سليمان بن يسار مثل ذلك، قال مالك : وعلى ذلك أدركت أهل العلم ببلدنا. إذاً: نقل هذا عن عروة بن الزبير وعن سليمان بن يسار ، ثم نقله عن أهل العلم قاطبة ببلده في بلدة خير خلق الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    ولذلك الإمام البيهقي اختصر الأثر فقال: عن مالك بلغه عن عروة وسليمان بن يسار أنهما سئلا.. إلى آخر الأثر الذي مر معنا.

    إذاً: هؤلاء من أئمة التابعين، عروة وسليمان بن يسار ، والإمام مالك يطلق بعد ذلك يقول: أهل العلم ببلدنا كلهم على هذا، أنهم لا يردون على أصحاب الفروض النسبية شيئاً، إنما يعطونهم فروضهم والباقي لبيت المال.

    1.   

    ذكر ثلاثة آثار تبين اختلاف الصحابة في الرد

    وحاصل الكلام أن الخلاف في هذه المسألة واقع بين الصحابة الكرام في أمرين اثنين:

    الأول: في وقوع الرد وحصوله.

    والثاني: على من يرد على القول بالرد؟ أيضاً فيه خلاف، وتقدم معنا آثار عن عبد الله بن مسعود أنه استثنى ستة لا يرد عليهم، مع أنه يقول بالرد على ذوي الفروض النسبية.

    هذا عدا الزوجين فقد قلنا: ذاك محل اتفاق بين الصحابة أنه لا يرد عليهم، وجاء متأخرو الحنفية ففتحوا الأمر ووسعوا بين القواعد الشرعية، وقالوا: بما أن الأمور فسدت في العصور المتأخرة، فكما رددنا على ذوي الفروض النسبية بمقدار فروضهم إذا لم يكن لأحد الزوجين قريب من أرحامه من أصحاب الفروض من عاصب نرد الباقي إلى أحد الزوجين أيضاً.

    إذاً: خلاف أيضاً في من يرد عليهم، وسأوضح هذا بثلاثة آثار، ثم بعد ذلك ننتقل إلى كيفية حل المسائل على القول بالرد:

    الأثر الأول في خلاف الصحابة في مسألة الرد

    الأثر الأول إخوتي الكرام! انظروا اختلاف الصحابة في الرد وفيمن يرد عليهم: رواه سعيد بن منصور في سننه في (1/60) والدارمي في سننه (2/362) والبيهقي في السنن الكبرى (6/244، 258) أيضاً عن الإمام الشعبي ، والأثر رواه عبد الرزاق في مصنفه (10/286) عن الشعبي وعن منصور ، والأثر سيأتينا ذكره في اختلاف الصحابة في قضية فيها رد.

    والأثر رواه سعيد بن منصور أيضاً في سننه في المكان المتقدم، وابن أبي شيبة في مصنفه (11/276) عن النخعي .

    إذاً: صار معنا ثلاثة: الشعبي ومنصور والنخعي أنهم قالوا: كان علي رضي الله عنه يرد على كل ذي سهم بقدر سهمه إلا الزوج والمرأة. هذا القضاء كان يقول به أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه.

    وقوله: (إلا الزوج والمرأة) هذا محل اتفاق بين الصحابة، ما كانوا يردون على أحد الزوجين شيئاً.

    لا زلنا نتابع الأثر نظراً للاختلاف، فهؤلاء الثلاثة يقولون: وكان عبد الله لا يرد على أختٍ لأم مع أم.

    ولا على بنت ابن مع بنت الصلب، ولا على أخت لأب مع أخت لأب وأم، ولا على جدة إلا ألا يكون وارث غيرها، ولا على امرأة - وهي الزوجة- ولا على زوج.

    فهذه ستة أصناف لا يرد عليهم عبد الله بن مسعود . زاد البيهقي في رواية قال: وكان زيد لا يرد على وارث شيئاً, ويجعله في بيت المال.

    هذه ثلاثة أقضية من الصحابة في قضية واحدة، فـعلي يرد على أصحاب الفروض النسبية بمقدار فروضهم إلا الزوجة، وعبد الله بن مسعود يرد إلا على ستة، اتفق مع علي في اثنين, وزاد عليه بأربع، وزيد لا يرد مطلقاً. هذا كما قلت: قضاء في وقوع الرد فيه اختلاف، وفيمن يرد عليه فيه اختلاف. هذا أثر أول.

    وفي مصنف ابن أبي شيبة في المكان المتقدم عن الشعبي قال: كان عبد الله يرد على الابنة والأخت والأم إذا لم تكن عصبة، وكان زيد لا يعطيهم إلا نصيبهم. هذا كله يدخل في الأثر المتقدم.

    الأثر الثاني في خلاف الصحابة في مسألة الرد

    أثر ثان في قضية ثانية هي أيضاً ضمن مباحث الرد: رواها سعيد بن منصور في سننه والدارمي في سننه والبيهقي في السنن الكبرى عن الإمام الشعبي قال: قال علي رضي الله عنه في ابن ملاعنة مات وترك أمه وأخاه: لأخيه السدس، ولأمه الثلث, وما بقي يرد عليهما على قدر أنصبائهما.

    وقال عبد الله : لأخيه السدس, وما بقي فهو لأمه.

    لأنه تقدم معنا أنه لا يرد على الإخوة لأم مع الأم, فالمسألة من ستة على قضاء عبد الله بن مسعود , ثلث وسدس صحيح، لكن الأخ لأم لا يزيده على واحد, والرد كله يكون على الأم. انظر كيف اختلف القضاء. هذا قضاء عبد الله , قال عبد الله : لأخيه السدس, وما بقي لأمه, هي عصبته.

    وقال زيد : لأمه الثلث, ولأخيه السدس, وما بقي فلبيت المال.

    قضاء زيد أن المسألة من ستة، للأم الثلث اثنان, والسدس للأخ لأم واحد, وثلاثة لبيت المال.

    هذه أقضية مختلفة في مسألة واحدة.

    الأثر الثالث في خلاف الصحابة مسألة في الرد

    المسألة الثالثة أيضاً والأثر الثالث: رواه الدارمي (2/362) عن قتادة : أن علياً وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين قالا في ابن الملاعنة ترك جدته وإخوته لأمه, للجدة الثلث, وللإخوة لأم الثلثان, هذا على حسب الرد، وتقدم معنا عبد الله لا يرد على الإخوة لأم مع الأم، أما مع الجدة فتقدم أن علقمة قال: إن شئت ورثتهم. وعليه هنا الآن جدة وأخ لأم، الجدة أعطاها الثلث, أي: باعتبار الرد, والأصل أن فرضها السدس, انتبه كيف سيئول إلى السدس. وهذان الثلث, المسألة من ستة للجدة واحد, والثلث اثنان للإخوة لأم، رد المسألة إلى ثلاثة, فالجدة أخذت ثلثاً, والإخوة لأم ثلثين, فقوله: للجدة الثلث ليس فرضاً, فلا يشكلن عليك القضاء, يريد أن يقول: مآل ما سيكون للجدة الثلث، ومآل ما سيكون للإخوة لأم الثلثان, فهم أخذوا اثنين من ثلاثة, وهي أخذت واحداً من ثلاثة. هذا قضاء علي وعبد الله بن مسعود .

    وقال زيد : للجدة السدس, وللإخوة لأم الثلث, وما بقي فلبيت المال. هذه أيضاً أقضية مختلفة في هذه المسائل التي وقعت في زمن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    وكما قلت إخوتي الكرام! الأدلة تحتمل القولين، ولا يوجد قضاء صريح عن نبينا عليه الصلاة والسلام في مسائل الرد, هل نرد أو لا؟ إنما يوجد عمومات استنبط منها من قال بالقول بالرد, كما في قوله: (ولا يرثني إلا ابنة)، من قول سيدنا سعد رضي الله عنه وأرضاه. وقد تقدم معنا في الأثر, فأقره النبي عليه الصلاة والسلام, فمن قال بالرد يقول: (لا يرثني) يعني: يأخذ كل المال، وأولئك يقولون: (لا يرثني) بمعنى الفرض المقدر. المقصود أن الجميع عمومات استدل بها من قال بالرد أو من قال بعدمه, فأولئك الذين لا يردون يقولون عندنا تقييد, فكل إطلاق بعد ذلك يقيد بهذا، فآية: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأنفال:75] على العين والرأس, بمعنى: أن البنت تأخذ النصف عندما توجد مع غيرها من الورثة، أما أننا نعطي البنت كل المال, والله جعل لها النصف فكيف سنعطيها كل المال؟ فهي أولى من غيرها بالنصيب المقدر لها.

    وأولئك يقولون: بالنصيب المقدر لها عند اجتماعها مع غيرها, فإذ انفردت بقيت الآية على إطلاقها: أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأنفال:75].

    خلاصة الكلام: القولان معتبران, لكن فيما يظهر -والعلم عند الله- حسب قواعد الشريعة العامة أن القول بالرد أولى، وأن الغنم بالغرم، وكما يحصل العول على هؤلاء فينبغي أن يحصل النفع, وصلتهم ببعضهم أقرب وأولى من صلة هؤلاء بعموم المسلمين, والعلم عند رب العالمين.

    والذي أراه والعلم عند الله: أن قول الحنفية في كيفية توريث الورثة بالرد أيضاً هو أسد الأقوال في هذه المسألة, أننا نرد أيضاً على الزوجين وإن لم يجر القضاء بذلك عند المذاهب الأخرى، لكن الحنفية اعتمدوا هذا, وقلت لكم: هو أيضاً معتبر، كما أن الشافعية والمالكية لم يقولوا بالرد أصالة, وقالوا به لفساد بيت المال, فلنقل به في حق الزوجين لفساد بيت المال، فالعلة واحدة, وصلة الإنسان بزوجه مهما كانت بعيدة أولى من صلة هذه الزوجة بعموم المسلمين وببيت المال, فيبقى أيضاً بينهما انتفاع خاص, فينبغي أن ينتفع بمالها بعد موتها, وتنتفع بماله بعد موته بالقيود التي وضعها الحنفية, وهي كما قلت: ألا يوجد أحد من ذوي الأرحام, فالتوريث بذوي الأرحام من غير أصحاب الفروض النسبية يقدم على الرد على الزوجين، ولا يوجد صاحب فرض من أصحاب الفروض النسبية, ولا يوجد عاصب من النسب من باب أولى, أو عاصب مطلقاً من السبب؛ لأن العصبة يأخذ ما أبقته الفروض, والعلم عند الله جل وعلا.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.