إسلام ويب

فقه المواريث - الرد على الزوجين [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لم يختلف صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أنه لا يرد على الزوجين ما بقي بعد الفروض من الميراث، وما نقل عن سيدنا عثمان رضي الله عنه من الرد على الزوج مؤول بأنه كان ابن عم الزوجة؛ لكن ذهب بعض متأخري الحنفية إلى الرد عليهما، وقد تكلم على ذلك العلامة ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار، وأتى فيها بتحقيق لا مزيد عليه.

    1.   

    الرد على الزوجين وكلام العلماء فيه

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد: إخوتي الكرام! كنا نتدارس مبحث الرد في الفرائض، وتقدم معنا إخوتي الكرام تعريف الرد في اللغة والاصطلاح، وأن القول بالرد قال به إمامان من أئمتنا الأربعة أهل المذاهب المتبعة، قال به الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله.

    قلت: وقد أخذ بهذا القول المتأخرون من المالكية والمتأخرون من الشافعية لفساد بيت المال، وعليه صار اتفاق المذاهب الأربعة بعد سنة مائتين من هجرة نبينا عليه الصلاة والسلام على القول بالرد كما قرر ذلك علماؤنا الكرام.

    قلت إخوتي الكرام: إن القول بالرد تشهد له آيات القرآن وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام وقواعد الفرائض، ثم قلت: لا داعي للقول بالتفرقة بين انتظام بيت المال وفساده كما ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي ومالك ، فأهل القرابات أولى بما بقي من المال بعد إعطاء ذوي الفروض فروضهم، فهم أولى بالمال من بيت المال كما قال الله جل وعلا: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ [الأحزاب:6] وهذه الأولوية لا دخل لها كما قلت بانتظام بيت المال أو بفساده.

    شروط الرد على الزوجين عند من يقول به

    الأمر الخامس وهو الذي كنا نتدارسه قلت: قد يرد مبحث انتظام بيت المال أو فساده في الرد على الزوجين؛ لأنه تقدم معنا أنه لا يرد على الزوجين، وبينت أن الرد عليهما على خلاف القياس، يضاف إلى هذا وهو الأصل: ما ورد نص في الرد عليه، والرد عليهما على خلاف القياس فلا يرد على أحد الزوجين، نعم إذا لم ينتظم بيت المال توجه الرد على أحد الزوجين لحصول صلة بينه وبين صاحبه وزوجه، وذلك أولى من أن نضع هذا المال في بيت المال الذي صار مآله إلى الإنفاق في ضلال، وهذا ما قرره السادة الحنفية رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، ونقل أيضاً عن بعض المتأخرين من الشافعية كالإمام الغزالي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: أنه يرد على أحد الزوجين في العصور المتأخرة لفساد بيت المال. هذا ذكرته خامساً، وسأقرأ لكم كلام أئمتنا في تقرير هذه القضية، ولذلك وضعت ثلاثة شروط للرد على أحد الزوجين:

    أولها: أن لا يوجد عاصب، وهذا متفق عليه.

    والثاني: أن لا يوجد صاحب فرض، وهذا متفق عليه؛ لأنه لو وجد يرد عليه.

    والأمر الثالث: أن لا يوجد قريب سواء كان صاحب فرض أو لا، وعليه فتوريث ذوي الأرحام من العمات والخالات أولى من الرد على أحد الزوجين، فلو مات وترك عمة وزوجة، فالزوجة لها فرضها والباقي للعمة لأنها تدخل في عموم: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ [الأحزاب:6] فبينها وبين الميت نسب ورحم بخلاف الزوجية، فإنها صلة سببية بوصلة النكاح.

    نقل كلام الحنفية في حكم الرد على الزوجين

    إذا لم توجد هذه الأمور الثلاثة فالرد على أحد الزوجين لقربه من صاحبه أولى من الرد على بيت المال، قرر هذا السادة الحنفية في كتبهم مثل: حاشية رد المختار على الدر المختار (6/788) وهو آخر أجزاء حاشية ابن عابدين، يقول عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في موضوع الرد عندما ينقل عن الشارح: قلت -هذا كلام الشارح- وفي الأشباه أنه يرد عليهما -يعني: الزوجين- في زماننا، لفساد بيت المال، وقد قدمناه في الولاء.

    يقول ابن عابدين : قوله: (وفي الأشباه) قال في الكنية من كتب الحنفية: ويفتى بالرد على الزوجين في زماننا لفساد بيت المال. وفي الزيلعي عن النهاية: ما فضل عن فرض أحد الزوجين يرد عليه، وكذا البنت والابن من الرضاعة، حتى نورثهما لوجود قرابة بينهما أولى من أن نضع المال في بيت الضلال، في الذي بدأ ينفق منه على المغنيات والفاجرين والفاجرات، وكذا البنت والابن من الرضاع مع أن هؤلاء ليسوا من الورثة يصرف إليهما.

    وقال في المستصفى: والفتوى اليوم بالرد على الزوجين، وهو قول المتأخرين من علمائنا، وقال الحداد : الفتوى اليوم بالرد على الزوجين. وقال المحقق أحمد بن يحيى بن سعد التسترازاني : أفتى كثير من المشايخ بالرد عليهما إذا لم يكن من الأقارب سواهما لفساد الإمام وظلم الحكام في هذه الأيام، بل يفتى بتوريث بنات المعتق..

    تقدم معنا الإرث عن طريق الولاء وقلنا: هو عصوبة، ولا تنتقل إلى البنات؛ لأنها لا تنتقل إلا إلى الأولاد الذكور، فالبنات يرثن لأجل وجود سبب -وليس قرابة- أقوى من وضع المال في بيت المال.

    إذاً: بل يفتى بتوريث بنات المعتق وذوي أرحامه، وكذا قال الهروي : أفتى كثير من المشايخ بتوريث بنات المعتق وذوي الأرحام. انتهى.

    بواسطته يقول: نص أبي السعود عن شرح ... قلت: وفي معراج الدراية في شرح الهداية: وقيل إن لم يترك إلا بنت المعتق يدفع المال إليها لا إرثاً، بل لأنها أقرب، وكذا الفاضل على الفرض بأحد الزوجين يدفع إليه بالرد، وكذا يدفع إلى البنت والابن من الرضاع، وبه يفتى لعدم بيت المال.

    وفي المستصفى: والفتوى اليوم على الرد على الزوجين عند عدم المستحقين لعدم بيت مال، إذ الظلمة لا يصرفونه إلى مصرفه، وهذا كما نقل عن بعض أصحاب الشافعي أنهم يفتون بتوريث ذوي الأرحام بهذا المعنى. انتهى.

    وقال الشارح في الدر المنتقى من كتاب الولاء: قلت: ولكن بلغني أنهم لا يفتون بذلك فتنبه.

    أقول -هذا كلام الإمام ابن عابدين -: ولم نسمع أيضاً في زماننا من أفتى بشيء من ذلك، ولعله لمخالفته للمتون فليتأمل، لكن لا يخفى أن المتون موضوعة لنقل ما هو المذهب، وهذه المسألة من ما أفتى به المتأخرون على خلاف أصل المذهب للعلة المذكورة، كما أفتوا بنظير ذلك في مسألة الاستئجار على تعليم القرآن مخالفين لأصل المذهب- عند الحنفية لا يجوز أن نستأجر أحداً لتعليم القرآن- والمتأخرون قالوا: يجوز.. سائر كتب الحنفية يقولون: وعليه الفتوى، هنا لا يجوز الاستئجار على الطاعات، والمتأخرون قالوا بالجواز وعليه الفتوى لظهور التواني وعدم الرغبة في عمل الخير لخشية ضياع القرآن، ولذلك نظائر أيضاً، وحيث ذكر الشراح الإفتاء في مسألتنا فليعمل به. -أي: ما دام المتأخرون قالوا بجواز الرد على أحد الزوجين فليعمل به- لا سيما في مثل زماننا، فإنه إنما يأخذه من يسمى وكيل بيت المال ويصرفه على نفسه وخدمه ولا يصل منه إلى بيت المال شيئاً.

    هذا تحقيق الإمام ابن عابدين يقول: وأنا أيضاً في زماني -وهو القرن الحادي عشر للهجرة- ما أدركت المشايخ يفتون بهذا، يقولون: السبب أن هذا مخالف لأصل المذهب، والجمع بين القولين: أن الكتب الموجودة لنقل المذهب، وفتيا المتأخرين للمصلحة التي حصلت ودفع مفسدة في وضع المال في بيت المال، وعليه فنجمع بين القولين: بأن ما في الكتب إخبار عن أصل المذهب، والفتيا بعد ذلك للمصلحة الطارئة، وهذا الذي اعتمده الإمام ابن عابدين ، وكما قلت: قال به بعض الشافعية، والعلم عند رب العالمين.

    ولا شك في وجاهة هذا القول وتعليله، لما بين الزوجين من صلة، وهو أولى من وضع المال في بيت المال، لما حصل في بيت المال من ضعف.

    الكلام على ما نقل عن سيدنا عثمان من الرد على الزوجين

    الحنفية نقلوا أيضاً هذا عن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، وقد بحثت في كتب الأثر فما وقفت على ما نقلوه عن سيدنا عثمان رضي الله عنه أنه رد على الزوجين أيام خلافته، هذا نقله الإمام ابن عابدين أيضاً قبل ما تقدم بصفحة (6/787)؛ يقول: وقال عثمان رضي الله عنه: يرد عليهما أيضاً، يعني: الزوجين. قاله المصنف وغيره، قلت: وجزم في الاختيار في تعليل المختار من كتب الحنفية بأن هذا وهم من الراوي فراجعه.يعني: هذا الذي نقلوه عن سيدنا عثمان رضي الله عنه وأرضاه.

    يقول ابن عابدين : يرد عليهما، قاله المصنف وغيره.

    يقول: وهذا موجود، نقله كثير من شراح السراجية والكنز؛ لكن في الاختبار في تعليل المختار (5/99).

    قال: هذا وهم من الراوي، فإنه إنما صح عن عثمان أنه رد على الزوج لا غير، أي: وليس على الزوجة، ثم أولوا فعله، يقول: وتأويله أن الزوج كان ابن عم للزوجة فورثه بطريق الفرض وهو النصف، ثم رد عليه الباقي لأنه عصبة، فوهم بعض الناس وظن أن عثمان رضي الله عنه رد على الزوجين، هو ما ورد الرد على زوجين، رد على الزوج العصوبة، يقول: فأعطاه الباقي بالعصوبة.

    وقال الإمام ابن قدامة في المغني (7/46): روي عن عثمان رضي الله عنه أنه رد على زوج، ثم أول ذلك ثلاث تأويلات:

    التأويل الأول ما في الاختيار لتعليل المختار قال: لعل الزوج كان عصبة، أي هو زوج وابن عم، هذا التأويل الأول.

    والثاني: لعله كان ذا رحم، أي وإن لم يكن ابن عم فلعله كان ابن عمة، وهذا الآن ليس من العصبات لكن المقصود أنه يرد عليه لأنه من ذوي الأرحام.

    والتأويل الثالث: أو لعل عثمان أعطاه من بيت المال الباقي لا على سبيل الميراث؛ لأنه وجده أولى الناس لأخذ هذا لفقره.

    وتقدم معنا من كلام الإمام ابن القاسم أن الذي يزيد عن أصحاب الفروض: ينبغي أن ينفق في مصالح المسلمين ولا يوضع في بيت المال، ويتصدق به عن المسلمين ولا يوضع في بيت المال، قال: وإذا كان القريب -يعني صاحب الفرض- فقيراً أعطاه لأنه من مصالح بيت المال، فهو أولى بصدقة قريبه، وهنا كذلك يقول ابن قدامة : لعله كان فقيراً فأعطاه عثمان الباقي، افرض مثلاً أن الزوجة تركت ألف ريال أو خمسمائة فأعطاه مائتين وخمسين وقال: خذ الباقي لك أيضاً من بيت المال صدقة، فأنت أولى الناس بهذا المال لأنك محتاج ولك حق في بيت المال.

    هذا كله بناءً على ثبوت الأثر عن سيدنا عثمان رضي الله عنه، وقلت لكم: أورده الفقهاء، وبعد بحث في كتب الأثر من المصنفات والسنن ما وقفت على فعل سيدنا عثمان ، والعلم عند الله جل وعلا.

    قال الإمام الطهطاوي في حاشيته (4/394): قال الملا عجم زادة في حاشيته على حاشية شرح السيد على السراجية يقول: وقد ضعفت هذه الرواية يعني -وهي رد عثمان على أحد الزوجين- بما نقل النخعي قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه يرد على الزوجين، وعلق على هذا التضعيف بقوله: وليس بشيء؛ لأن خبر المثبت أولى من خبر النافي إذا تعارضا.

    كلام حق لكن لو ثبت! يعني أنا أريد أين ثبت هذا الذي يحكى عن سيدنا عثمان رضي الله عنه، حقيقة ما وقفت عليه في كتاب، شيخنا عليه رحمة الله في شرح الرحبية عندما درسنا يقول: هذا موجود في المذكرة الإيضاحية أنه من مذهب عثمان رضي الله عنه، المذكرة الإيضاحية التي جعلت لتقرير وتوضيح مجلة الأحكام العدلية التي كان يحكم بها في آخر الدولة العثمانية على مذهب أبي حنيفة ، فالمذكرة الإيضاحية تبين مستندات هذه المواد قالوا -يعني: كان القانون في الدولة العثمانية بالرد على أحد الزوجين- بناءً على أنه مذهب عثمان رضي الله عنه- يقول: وفي المذكرة الإيضاحية أن هذا هو مذهب عثمان رضي الله عنه، وبه أخذ المتأخرون من الحنفية، وبناءً على هذا اعتمدته الدولة العثمانية في قانونها وأحكامها، لكن كما قلت: كله يبقى بواسطة نقل الفقهاء، أما في كتب الحديث فلا أقول لا يوجد، بل لم أقف بعد بحث وتحقيق، والإمام ابن قدامة ما عزا هذا أيضاً إلى كتاب، والإمام الطهطاوي هنا بعد أن نقل أن هذه الرواية ضعيفة بكلام إبراهيم النخعي قال: هذا ليس بشيء؛ لأن المثبت مقدم على النافي.

    كلام إبراهيم النخعي ثابت في مصنف ابن أبي شيبة (11/277)، قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد على المرأة والزوج شيئاً.

    فكلام إبراهيم النخعي في النفي وأنه لم يقل أحد من الصحابة بالرد على أحد الزوجين ثابت، لكن رد عثمان رضي الله عنه ما وقفت عليه، والفقهاء فقط يقولون: لو ثبت فلأنه كان أيضاً ابن عم، والرد على الزوجين ما نقل عن عثمان إنما نقل الرد على الزوج فقط، والإمام ابن قدامة يزيد في التعليل بثلاثة أمور، وعليه يصح أن نقول بالرد على الزوجة لأنها لو كانت بنت عم يجوز أن ترد عليها على أنها من ذوي الأرحام.

    على كل حال! ثبوت هذا عن سيدنا عثمان رضي الله عنه وأرضاه يحتاج إلى تحقيق وتثبيت، لكن لو ثبت هذا كلام الفقهاء نحوه، أما النفي عنهم فهذا وارد في مصنف ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي ، والعلم عند الله جل وعلا.

    نعم أفتى المتأخرون من الحنفية قاطبة بالرد على أحد الزوجين بالشروط الثلاثة المتقدمة لفساد بيت المال، وهذا هو الذي كان معتمداً في القضاء في آخر الخلافة الإسلامية العثمانية، والعلم عند الله جل وعلا.

    إذاً: قال بالرد إمامان وخالف فيه إمامان، والمعتمد عند المذاهب الأربعة القول بالرد في العصور المتأخرة.

    الآن القول بالرد على أحد الزوجين هو قول متأخري الحنفية وبعض الشافعية، الحنابلة ما قالوا بهذا ولا في كتبهم، بل يحكون الإجماع على عدم الرد على أحد الزوجين، ولا إجماع. والمالكية لا يقولون بالرد على أحد الزوجين أبداً.

    بقي كما قلت قول المتأخرين من الحنفية وقال به بعض الشافعية، لكن كما قلت: تعليلهم معقول مقبول، يعني إذا كان الشافعية والمالكية لا يقولون بالرد على أصحاب الفروض النسبية وقالوا به عند فساد بيت المال، فلنقل هذا أيضاً بناءً على قاعدتهم: لا يرد على أحد الزوجين كما تقدم معنا؛ لأن الرد عليهم على خلاف القياس، لكن بينهما سبب للاتصال، وهذا السبب يقدم على الحق العام، وعليه هما أولى بالرد من بيت المال حتى لو كانت منتظماً، فكيف وهو فاسد؟ فحقيقة قول الحنفية، وهذا كما قلت لكم محقق المذهب الإمام ابن عابدين يقول: فلنفت به في هذا الزمان، ولا يتردد في ذلك.

    يقول هنا: فمن أمكنه الإفتاء بذلك في زماننا فليفت به ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقول: الحاصل أن كلام المتون إنما هو عند انتظام بيت المال، وكلام الشروح عند عدم انتظامه، فلا معارضة بينهما، فمن أمكنه الإفتاء بذلك في زماننا فليفت به ولا حول ولا قوة إلا بالله، حقيقة الأمر كذلك.

    1.   

    الكلام على عدالة سلاطين الزمان

    قال ابن عابدين في موضوع تحريم الدخان، وهل هو مباح أو مكروه أو محرم؟ الدخان هي السجائر المعروفة، يقول: والتتن الذي حدث وكان حدوثه في دمشق في سنة (1015هـ) يدعي شاربه أنه لا يسكر، وإن سلم له فإنه مفتر وهو حرام في حديث أحمد ، وهو في سنن أبي داود عن أمنا أم سلمة رضي الله عنها قالت: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر ) إلى آخره، يقول هنا ينقل عن بعض الحنفية أنه يجب الامتناع عنه لما يتقرر من الأدلة؛ ولأن سلطان الزمان نهى عنه وطاعة ولي الأمر واجبة. هكذا ينقل.

    يقول هنا: قوله: ومع نهي ولي الأمر عنه حرم قطعاً. هذا في حاشية ابن عابدين .

    قال السيد العارف عبد الغني : ليت شعري أي أمر من أمريه يتمسك به، أمره الناس بتركه، أم أمره بإعطاء المكس عليه! الآن هو يأخذ ضريبة على التتن ويقول للناس: اتركوه، هذا مثلما في بعض البلاد ننصحك بالامتناع عنه لأنه ضار، لهذا لو كتبوا ننصحك بشربه لأنه نافع كان أحسن، يعني إذا كان ضاراً ما بقي عندكم عقول يا أهل الغباء والحماقة؛ لأنكم تأخذون ضرائب عليه وترخصون ببيعه، ثم تقولون ننصحك بالامتناع عنه لأنه ضار.

    هذا يكتب على كل علبة سيجارة، هنا انظر يقول: ليت شعري أي أمر من أمريه يتمسك به: أمره الناس بتركه أم أمره بإعطاء المكس عليه، وهو في الحقيقة أمر باستعماله -لأنه عندما يقول: هاتوا الضريبة عليه، كأنه يقول: مرخص لكم أن تستعملوه- على أن المراد من أولي الأمر في الآية العلماء في أصح الأقوال.

    هي في الحقيقة شاملة للصنفين، لكن كما قال الله: مِنْكُمْ [النساء:59]، ولذلك ما كرر لفظ (أطيعوا) فيها فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59] كل واحد منهما يطاع طاعة مطلقة بلا تقييد، ثم قال: وَأُوْلِي الأَمْرِ [النساء:59].

    لو قال: (وأطيعوا أولي الأمر منكم) لصارت طاعتهم مطلقة أيضاً، وإنما حذف (أطيعوا) لأن طاعة أولي الأمر ترد إلى طاعة الله وطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإذا أمر بشيء يخالف طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فلا طاعة له.

    ثم قال: مِنْكُمْ [النساء:59] وعليه ينبغي أن يكون من العلماء الربانيين الصالحين ومن الحكام المتقين، فإذا لم تكن فيه هذه الصفة وهو من عداد الظالمين الفاسقين، خرج عن عداد المؤمنين الكاملين فلا طاعة له علينا.

    يقول هنا: على أن المراد بأولي الأمر في الآية العلماء في أصح الأقوال كما ذكره العيني في آخر مسائل شتى من شرح الكنز -وهو تبيين الحقائق- ذكر في آخر مسائل شتى أن المراد من أولي الأمر: العلماء.

    يقول: وأيضاً هل منع السلاطين الظلمة المصرين على المصادرات وتضييع بيوت المال وإقرارهم القضاة وغيرهم على الرشوة والظلم يثبت حكماً شرعياً؟ وقد قالوا: من قال لسلطان زماننا: عادل؛ كفر!

    فأنت الآن تأتي تقول: أمر السلطان، إذاً صار الامتناع واجباً وتعاطيه حراماً لأن السلطان نهى عن الدخان، قال: نهى عنه ويأخذ المكس عليه، وأنت بعد ذلك تلزمنا بطاعتك، من قال لسلطان زماننا عادل فقد كفر!

    ثم قال المحقق ابن عابدين : أقول: ومقتضاه أن أمراء زماننا لا يفيد أمرهم في الجملة -هذا في الخلافة الإسلامية- وقد صرحوا في متفرقات القضاء -يعني متفرقات في كتاب القضاء- عند قول المتون: إذا أمرك قاض برجم أو قطع أو ضرب قضى فيه، وسعك فعله بقولهم لوجوب طاعة ولي الأمر، قال الشارح هناك: ومنعه محمد -وهو تلميذ أبي حنيفة - حتى يعاين الحجة، واستحسنوه في زماننا وبه يفتى.

    فطاعة ولي الأمر عندما يأمر ويقضي برجم، بقطع، بضرب، هذا في العصور الأولى يطاع لأن شريعة الله هي التي يحكم بها، الإمام محمد يقول: لا يطاع في العصور المتأخرة، والإمام محمد كان في القرن الثاني للهجرة، يقول: حتى تعاين الحجة، يعني: تعلم لم أمر القاضي ووافق ولي الأمر على رجمه أو قطعه أو جلده حتى تعاين الحجة، ولذلك وسعك أن لا تنفذ هذا.

    ثم يقول: وبه يفتى في زماننا.

    حكاية طريفة للإمام أبي حنيفة في مجلس المنصور

    لما كانوا في مجلس أبي جعفر المنصور واستدعي أبو حنيفة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا أراد بعض السفهاء أن يتحرش بـأبي حنيفة إمام الأتقياء، فقال له: أمير المؤمنين يأمر بضرب رقبة إنسان أو قطع يده أو جلده ننفذ أم لا؟ وأبو حنيفة أورع من أن يقول نفذ للفساد الذي حصل في الدولة العباسية مع عدم خروجها عن دائرة الإسلام، لكن أيضاً تغير مسلك الخلافة الراشدة، أعلى من أن يقول: نفذ، وإذا قال لا تنفذ أيضاً يعرض نفسه لورطة، قال: أمير المؤمنين يحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو بغيرهما؟ قال: بالكتاب والسنة، قال: نفذ كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام أينما كنت!

    كتاب وسنة على العين والرأس، أنا فقط أسأل عن هذه القضية: هل يحكم بالكتاب والسنة؟ قال: نعم، قال: نفذ الكتاب والسنة أينما كنت، سواء أمير المؤمنين أمر به أو غيره، فهذا يحتاج لتحقيق، فأنت الآن شهدت أنه يحكم بالكتاب والسنة فأنت وما توليت، أما نحن عندنا المسألة تحتاج لترو.

    حكم الخروج على السلاطين الظلمة

    أما الخروج على الظلمة والفسقة فالوضع بعد ذلك يحتاج إلى بيان واقع الحال، فإن كان واقعه على كفر وجب على الأمة أن تخرج إذا كان عندها استعداد للخروج بحيث إذا خرجت تحسم الأمور، وإذا لم يكن عندها استعداد، كما هو حالنا وحال المسلمين في هذه الأيام، فوضى لا نهاية لها، والخصومة التي بيننا أشنع من الخصومة التي بين المسلمين والكافرين، والناس الآن يتقربون إلى الشيطان في التطواف بين البلدان من أجل توزيع أشرطة ومنشورات ضد فلان وفلان من عباد الله المساكين، فهل هذه الأمة عندها الآن استعداد لتدخل في مصارعة؟ نسأل الله أن يحسن ختامنا.

    إخوتي الكرام! ينبغي أن لا يغيب عن بالنا أنه كما نكون يولى علينا، ولا يظن ظان أن الرعية على رتبة الصديقية وولي عليها من هو في درجة الزنديقية، فرضي الله عن الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا عندما قرر هذا في كتابه مفتاح السعادة ونقلته في عدد من المحاضرات، وقال: نحن في زمن لا يصلح أن يولى علينا فيه مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز ، فضلاً عن أبي بكر وعمر ، فولاتنا على قدرنا ونحن على قدرهم، ولا يظلم ربك أحداً!

    وأنا أقول: والله نحن في زمن لا يصلح أن يولى علينا مثل السلطان عبد الحميد فضلاً عن عمر بن عبد العزيز وعن معاوية وعن هارون الرشيد ، فلابد من أن يتناسب حال الرعية والراعي، وكما قال القائل:

    هذي العصا من تلكم العصية لا تلد الحية إلا حية

    وضع الرعية انحطاط لا نهاية له، وحكمت الأهواء في الشريعة الغراء باسم شريعة وباسم ما شئت بعد ذلك، فإذا كان هذا وضع الأمة وانحطاطها فلنفوض أمرنا إلى ربنا.

    بعض من يتاجرون بالسلفية في هذه الأيام ما ترك مسلماً على وجه الأرض من حي أو ميت إلا سبه وشتمه: هذا أشعري، وهذا شافعي، وهذا حنفي، وهذا متعصب، وهذا.. ولما جاء بعد ذلك لطاغوت بلاده ما بقي إلا أن يفضله على الله، حتى نسب إليه ما لله من جود ومن عدل ومن حكمة ومن رحمة وما بقي إلا أن يقول هو فوق الله والله جل وعلا دونه، والله هو الذي يستمد العون من هذا الطاغوت، ما بقي إلا أن يقول هذا!

    طيب يا عبد الله! اتسع صدرك لظلم هذا الظالم ومدحته بالباطل، وما اتسع صدرك لأن تسكت فقط عن عباد الله المؤمنين، لا أقول الآن أثن عليه، لكن اتركه، سيد قطب عليه رحمة الله مات، ماذا تريد منه الآن؟ جئت الآن فقط تتقرب إلى الشيطان بسبه ولعنه وتدعي بعد ذلك أنك رئيس قسم السنة في جامعة.. أعان الله هذه السنة التي تنتمي إليها، وأنت تمثلها في تلك الجامعة، وقصيدته موجودة في مدح من مدحه وفي ذم عباد الله الصالحين، هذه أحوال الأمة، فإذا كان هذا وضعنا يا إخوتي الكرام فنفوض أمرنا إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

    فهذا لابد من وعيه، ولذلك يقول أئمتنا: ولي الأمر إذا كفر وجب الخروج عليه بالإجماع، فمن أمكنه أن يزيله ولم يزله فإثمه عليه، ووزر الأمة كلها في رقبته، ومن لم يمكنه يقول الحافظ ابن حجر : فيجب عليه أن يهاجر، هذا باتفاق أئمتنا، وصارت البلاد لا تحكم فيها شريعة رب العباد، يقول: فمن عجز وجب عليه أن يكره وأن يصبر حتى يفرج الله عن عباده الموحدين، والهجرة الآن متعذرة.. يصبح حاله كالمستجير من الرمضاء بالنار، يعني: أين ستهاجر؟

    ثم النظام العالمي الذي فرض على البلاد هذه الحدود والوطنيات والجنسيات زاد البلاء بلاء، أين سيهاجر الإنسان؟ فما بقي إلا أن يكره ذلك بقلبه، وهذا فرض في حق كل مؤمن، ومن لم يكره الأوضاع التي تعيشها الأمة الإسلامية فليس في قلبه ذرة إيمان، ثم بعد ذلك إن استطاع أن ينكر بلسانه فهي زيادة خير، وهذا جهد المسلمين في هذا.

    وأما توسيع الأمر إلى ما هو أشد وأوسع من هذا فلا يعني إلا الانتحار فقط، لا يعني إلا -لا أقول انتحار الفرد- بل انتحار الأمة، الأمة تريد أن تجر نفسها إلى مذبحة عامة، فمع ما هي فيه من الضياع والتفرق والانحطاط وعدم الوعي الإسلامي تدخل في ذلك؛ هذا غلط، فمالنا إلا أن نلجأ إلى الله، وانتظار الفرج عبادة.

    فهذا أيضاً لابد من وعيه، وليس معنى هذا أنه إذا كفر أو فسق وجب الخروج على كل فرد أينما كان، لا، عندنا ضوابط شرعية لابد من وعيها، ونسأل الله أن يلطف بنا، وأن يفرج عنا، وأن يصلح أحوالنا أجمعين، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، والحمد لله رب العالمين.