إسلام ويب

فقه المواريث - إرث من عمي موتهم [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • احتج القائلون بتوريث من عمي موتهم بعضهم من بعض بقاعدة مقررة في الفرائض، وهي أن الأصل حياة كل واحدٍ منهم، وموته مشكوك فيه، كما استدلوا بآثار ضعيفة، لكن يعضد بعضها بعضاً، والراجح ما عليه الجمهور من المنع من توريثهم لآثار عدة، واحتكاماً إلى قاعدة مقررة في الفرائض أيضاً وهي أنه لا إرث مع الشك وحياة هؤلاء مشكوك فيها هل تأخر بعضهم عن بعض أم لا، وتختلف بعد ذلك طريقة العمل على القولين.

    1.   

    أدلة القائلين بتوريث من عمي موتهم بعضهم من بعض

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    سنتدارس من عمي موتهم، وتوريثهم من بعضهم، تقدم معنا أن جمهور العلماء في المذاهب الثلاثة الحنفية والشافعية، والمالكية، ومعهم الإمام أحمد في أحد القولين ذهبوا إلى أن هؤلاء لا يرث بعضهم من بعض في صوره الثلاث التي تقدمت معنا، وعندنا صورتان مجمع عليهما كما تقدم معنا، قلنا: لو علمنا سبق واحد منهم بالموت، فالمتأخر يرث بالإجماع، ولو علمنا أنهم ماتوا في وقت واحد، فلا يرث بعضهم من بعض بالإجماع، وبقي كما تقدم معنا ثلاث صور، علمنا أنهم ماتوا متفاوتين متلاحقين دون أن نعلم ترتيبهم، علمنا أن واحداً منهم تقدم، ثم جهلناه ونسيناه، لم نعلم شيئاً هل تلاحقوا بالموت أو ماتوا معاً، ما عندنا علم بذلك، هذه الصور الثلاث، قلت: عند الأئمة الثلاثة ومعهم الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله في أحد القولين لا يرث بعضهم من بعض، وحجة الجمهور كما تقدم معنا أمران:

    الأمر الأول: لا إرث مع الشك، وحياة هؤلاء مشكوك فيها، هل تأخر بعضهم عن بعض لنورث بعضهم من بعض؟ والأمر الثاني آثار وردت سردتها وبينت درجتها.

    القول الثاني: ذهب إليه الإمام أحمد في أحد قولين، وقلت لكم عليه مذهب الحنابلة، وعليه جرت متونهم، أن الأموات في هذه الصور الثلاث يرث بعضهم من بعض، من تليد المال لا من طريفه، وتقدم معنا تفصيل في ذلك، ومتى لا يتوارثون حتى عند الحنابلة، إذا قامت بينة وتعارضت مع بينة أخرى، وكل واحد يدعي تأخر صاحبهم بالموت، تقدم معنا، قلنا: إذا تعارضت الدعوتان ولا يوجد بينة أو يوجد بينة لكن تعارضت البينتان فتتساقطان ولا يرث أيضاً هؤلاء الأموات بعضهم من بعض، ويكون الإرث للورثة الأحياء فقط، وحجتهم أمران:

    الأمر الأول: الاحتكام إلى قاعدة مقررة في الفرائض، ألا وهي أن الأصل حياة كل واحد من هؤلاء، وموته مشكوك فيه، فإذاً نعمل بالأصل فنورث بعضهم من بعض، فإن قيل لنا: لم لم نورثهم من الطريف أيضاً بعضهم من بعض؟

    قلنا: هذا يلزم منه محذور فتركناه للضرورة، وهو أن يرث الإنسان نفسه، وأمر آخر هو ورث صاحبه لأنه عاش بعده، وذاك مات قبله، فإذا أردنا أن نورث صاحبه منه يلزم نقيض هذا، وعليه لا يتوارث بعضهم من بعض من الطريف، ويتوارث بعضهم من بعض من التليد، هذا دليلهم الأول، العمل بالأصل، وهو أن حياة كل منهم ثابت بيقين.

    الأمر الثاني: آثار وردت في ذلك وقفت عندها وقلت لكم سأذكرها في هذه الموعظة إن شاء الله، ثم نأخذ مسألة على هذا القول بعون الله جل وعلا، لنرى كيف سيختلف الحل على حسب هذا المذهب عن مذهب الجمهور اختلافاً كبيراً، آثار وردت في ذلك، أولاً لم يثبت في ذلك أثر مرفوع عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وأما ما ورد في العذب الفائض في الجزء الثاني صفحة سبع وتسعين، من أنه روى إياس بن عبد المزني وهو من الصحابة الكرام، روى إياس المزني أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن قوم وقع عليهم بيت، فقال: ( يرث بعضهم بعضاً ) هذا يورده صاحب العذب على أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بذلك، لكن كما قلت: لا يثبت في هذا الباب شيء مرفوع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، قال الإمام ابن قدامة في الموجز في الجزء السابع صفحة ثمان وثمانين ومائة، والصحيح أن هذا إنما هو عن إياس نفسه قضى إياس بن عبد المزني به، وليس مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وأثر إياس كما قال الإمام ابن قدامة رواه سعيد بن منصور، ورواه غيره أيضاً انظروا في سنن سعيد بن منصور في الجزء الأول صفحة خمس وثمانين أثر إياس الموقوف عليه، إنما وهم من وهم من الفرضيين في رفعه، ولم يرفعه أحد من المحدثين، ورواه عبد الرزاق في مصنفه أيضاً، في الجزء العاشر صفحة سبع وستين ومائتين، وابن أبي شيبة في مصنفه في الجزء الحادي عشر صفحة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، ورواه الدارقطني في السنن أيضاً في الجزء الرابع صفحة أربع وسبعين، وأشار إليه الإمام البيهقي في السنن الكبرى في الجزء السادس صفحة اثنتين وعشرين ومائتين، فقال: قال الإمام أحمد وروي عن إياس بن عبد المزني يورث بعضهم من بعض، قال الإمام البيهقي : وقول الجماعة أولى، أي: قول جمهور الصحابة بعدم توريث هؤلاء من بعضهم أولى، وقول الجماعة أولى، وإياس بن عبد كما قلت لكم إخوتي الكرام صحابي يكنى أبا عوف، يعد في أهل الحجاز، وحديثه مروي في السنن الأربعة، ولفظ أثره في الكتب المتقدمة عن أبي المنهال قال: سمعت إياس بن عبد يسئل عن قوم سقط عليهم بيت فماتوا، فالمسئول هو إياس، وليس نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد روي القول بذلك، أي: بتوريث بعض هؤلاء من بعض، من ماتوا في موت جماعي عن سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه، لكنه منقطع الإسناد، وروي بإسناد فيه مبهم ومجهول، لكن تعدد الطرق واختلاف المخارج، تدل على ثبوت هذا القضاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، أثر منقطع، وأثر فيه مبهم، وأثر فيه مجهول، وسأورد لكم الآثار عن سيدنا عمر رضي الله من طرق مختلفة متعددة، يعتضد بعضها ببعض، فتثبت هذه الآثار، ويتقوى بعضها ببعض، فيثبت هذا القضاء بالجملة عن سيدنا عمر، والعلم عند الله جل وعلا، يبقى بعد ذلك المجال للتفريق بين هذه الآثار وتلك وهذا في المرحلة الثانية إن شاء الله.

    فمن هذه الآثار ما رواه البيهقي في السنن الكبرى في المكان المتقدم عن الشعبي عن عمر رضي الله عنه وأرضاه، أنه ورث بعضهم من بعض من تلاد أموالهم، وفي رواية قال ابن أبي ليلى : ورث عمر رضي الله عنه هؤلاء من تلاد أموالهم، وروي الأثر عن قتادة رضي الله عنه قال: ورث عمر رضي الله عنه وأرضاه أهل طاعون عمواس بعضهم من بعض فإذا كان يد أحدهما ورجله على الآخر ورث الأعلى من الأسفل، ولم يورث الأسفل من الأعلى، يعني: هم في بيت واحد يتساقطون، فإذا رأى يد الواحد فوق صاحبه وقريبه، ورجله فوق صاحبه وقريبه، يورث الأعلى إنما يدل على تأخر حياته وموته، وأنه عاش بعده، فيورث الأعلى من الأسفل، ولا يورث الأسفل من الأعلى، وإذا لم توجد هذه القرينة يورث بعضهم من بعض من تلاد أموالهم كما تقدم معنا، هذه آثار ولكن منقطعة، الشعبي لم يدرك سيدنا عمر رضي الله عنه، وهكذا قتادة، لكن كما قلت آثار يعتضد بعضها ببعض، أثر ابن أبي ليلى وأثر قتادة ، وأثر الشعبي، وسيأتينا غيرهم إن شاء الله.

    قال الإمام البيهقي في السنن: وهاتان الروايتان منقطعتان، وقد قيل هذا كلام البيهقي عن قتادة عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن لؤي، وهو أيضاً منقطع، وقبيصة أيضاً لم يدرك سيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين، ثم قال: فما روينا عن عمر أي: فيما تقدم، أنه لا يرث بعضهم من بعض أشبه يشير بذلك إلى طريق عباد بن كثير وتقدم معنا الكلام على هذه الرواية من طريق أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين، أن عمر رضي الله عنه كتب أنه لا يورث بعضهم من بعض، هذه بعض الآثار، ومنها ما رواه سعيد بن منصور في الجزء الأول صفحة أربعٍ وثمانين عن النخعي أيضاً الأثر منقطع عن النخعي عن عمر رضي الله عنهم أجمعين، أنه قال في أناس ماتوا جميعاً لا يدرى أيهم مات قبل صاحبه، قال: يورث بعضهم من بعض، هذا أثر آخر، يورث بعضهم من بعض، والنخعي لم يدرك عمر قطعاً وجزماً؛ لأنه ولد سنة خمسين للهجرة، بينه وبين عمر مدة.

    ولد سنة خمسين للهجرة، وأدخل على أمنا عائشة رضي الله عنها وهو صغير، وتقدم معنا وهم ابن حبان عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا نحو النخعي ، وهناك أمر تذكرونه عند ترجمته وهو أن أقوى المراسيل مراسيل النخعي هذه صحيحة، قلت: وخص ذلك البيهقي بمراسيله عن ابن مسعود ، قال البيهقي : أقوى المراسيل مراسيل النخعي لكن فيما رواه عن ابن مسعود إنه أخذه عن أشيخه يعني: ابن مسعود . لكن في وهم ابن حبان يقول الإمام ابن حبان : إن النخعي سمع من المغيرة بن شعبة، وقلت: هذا وهم كما نبه ذلك عليه الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، فقال: ابن حبان نفسه قرر أن المغيرة توفي سنة خمسين، وأن النخعي ولد سنة خمسين، فكيف سيسمع منه.

    1.   

    تعاضد الآثار الدالة على التوارث بين من عمي موتهم

    على كل حال: هذا أثر أيضاً منقطع، ينضم إلى الآثار المتقدمة، لكن هذه الآثار المنقطعة حتماً سيعتضد بعضها ببعض، فإسنادها صحيح إلى هؤلاء، فـالنخعي والشعبي وعندنا قبيصة، وعندنا ابن أبي ليلى الآثار التي تروى حتماً سيعتضد بعضها ببعض في نهاية الأمر على أنه سيأتينا آثار أخرى في ذلك إن شاء الله.

    وروى سعيد بن منصور أيضاً والدارمي في سننه في الجزء الثاني صفحة تسع وسبعين وثلاثمائة، والأثر رواه ابن أبي شيبة في مصنفه في المكان المشار إليه آنفاً عن الشعبي، أن بيتاً في الشام وقع على قوم في عهد عمر رضي الله عنه وأرضاه، فورث عمر بعضهم من بعض، وهذا فيه انقطاع، لكن في رواية المصنف لـابن أبي شيبة من طريق الشعبي عن عبيدة وعبيدة مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وأدرك سيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين، والأثر رواه سعيد بن منصور أيضاً، وعبد الرزاق في مصنفه، عن الشعبي قال: وقع الطاعون بالشام طاعون عمواس فجعل أهل البيت يموتون، فكتب في ذلك إلى عمر رضي الله عنهم أجمعين، فكتب أن يورث بعضهم من بعض، ورواية عبد الرزاق في المصنف أن عمر ورث بعضهم من بعض من تلاد أموالهم، لا يورثهم مما يرث بعضهم من بعض شيئاً، ما زال الأثر عن الشعبي لكن بصيغة أخرى في هذه الكتب.

    أثر آخر كما قلت فيه رجل مبهم، والمتقدم معنا ما بين انقطاع وما بين إبهام وجهالة، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه في المسائل المتقدمة عن سماك عن رجل عن عمر رضي الله عنهم أجمعين أنه ورث قوماً غرقوا ورث بعضهم من بعض، والأثر رواه ابن أبي شيبة في مصنفه أيضاً عن أبي حصين أن قوماً غرقوا على جسر منبج، فورث عمر بعضهم من بعض، منبج بلدة من بلاد الشام تبعد عن حلب قرابة ثمانين كيلو متراً، وهي قريبة من نهر الفرات، قال سفيان: قلت لـأبي حصين من الشعبي سمعته؟ قال: نعم، فأعاد الأثر إلى الشعبي ، هناك عن سماك عن رجل، وهذه الآثار عن سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه كما قلت مخارجها مختلفة ما بين انقطاع وإبهام وجهالة، لكن يعتضد بعضها ببعض فتكتسب قوة، والعلم عند الله جل وعلا، وروي هذا أيضاً عن سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، كما تقدم معنا، وروي عن علي خلاف ذلك، ففي مصنف عبد الرزاق في الجزء العاشر صفحة خمس وتسعين ومائتين، من رواية جابر بن يزيد الجعفي عن الشعبي أن عمر وعلياً قضيا في القوم يموتون جميعاً، لا يدرى أيهم يموت قبل صاحبه أن بعضهم يرث بعضاً، وجابر الجعفي فيه ضعف، ويضاف إلى هذا انقطاع في رواية الشعبي .

    وثبت في سنن سعيد بن منصور ومصنف ابن أبي شيبة من رواية الشعبي عن الحارث الأعور بإسناد متصل لكن الحارث الأعور فيه ضعف، عن علي رضي الله عنه أن أهل بيت غرقوا في سفينة فورث علي بعضهم من بعض، وتقدم معنا أيضاً في القول الأول رواية عن سيدنا علي رضي الله عنه، والإمام البيهقي قالا: القضاء الثاني عن علي أثبت والرواية تقدمت معنا في مصنف ابن أبي شيبة، ورواها عبد الرزاق والدارمي، تقدمت معنا أن رجلاً وابنه، أو أن أخوين ماتا فورث علي رضي الله عنه بعضهما من بعض، تقدم معنا هذا، وقال البيهقي : القضاء الثاني عن علي بأن بعضهم لا يرث من بعض أثبت، وروي أيضاً أثر توريث علي في هؤلاء بعضهم من بعض عن قتادة في مصنف ابن أبي شيبة.

    وروي أيضاً من طريق إبراهيم النخعي أيضاً في مصنف ابن أبي شيبة أن علياً رضي الله عنهم أجمعين ورث ثلاثة غرقوا في سفينة بعضهم من بعض، وأمهم حية، فورث أمهم السدس من صلب مال كل واحد منهم؛ لأنها بوجود جمع من الإخوة ترث السدس، ثم ورثها السدس مما ورث كل واحد من صاحبه كل واحد سيرث من أخويه، ثم ورثها الثلث مما ورث كل واحد من صاحبه، وجعل ما بقي للعصبة.

    هذا في موطأ مالك، والأثر رواه عبد الرزاق في مصنفه، لكن جعل ذلك من قضاء النخعي، وهو منقطع؛ لأن النخعي ولد سنة خمسين، وعلي توفي سنة أربعين، الإسناد إلى النخعي متصل، لكن بعد ذلك النخعي حينما يرفع هذا القضاء إلى سيدنا علي فبينه وبينه واسطة قطعاً، من الذي نقل لك هذا عن علي، لكن عبد الرزاق في المصنف حكى هذا القضاء عن النخعي، فالإسناد ثابت إليه، فهو من قضاء التابعين، وقال بهذا جمع غفير، ونقله عبد الرزاق في مصنفه عن ابن أبي ليلى، أن عمر وعلياً قضيا بذلك، فالأثر أيضاً منقطع، وعليه عندنا قضاء عن صحابيين في هذه المسألة عن عمر كما تقدم معنا والإسناد إليه منقطع، وفي الطرق المتصلة كما تقدم معنا، يوجد مجاهيل ومن هو مبهم، لكن إذا اجتمعت الآثار يعتضد بعضها ببعض، وهكذا الآثار المروية عن سيدنا علي رضي الله عنه، نعم ورد هذا عن جمع غفير من التابعين، وثبت عنهم أنهم قضوا بذلك، وأن هؤلاء الأموات يرث بعضهم من بعض من تلاد المال لا من طريفه، وهذا ما أخذ به الإمام أحمد بن حنبل عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، ومن جملة من قال بذلك من التابعين أولهم إبراهيم النخعي، والأثر عنه ثابت بذلك، وقد تقدمت الرواية في مصنف ابن أبي شيبة في الثلاثة الذين ماتوا وهم إخوة جعلها من قضاء النخعي لا من قضاء سيدنا علي، وقضاؤه بذلك ثابت أيضاً في غير تلك المسألة، كما في مصنف ابن أبي شيبة، في الجزء الحادي عشر صفحة أربع وأربعين وثلاثمائة وست وأربعين وثلاثمائة، ومروي عنه في سنن سعيد بن منصور صفحة ست وثمانين من الجزء الأول.

    قال النخعي: يورث كل واحد منهما من صاحبه، ولا يورث واحد منهما مما ورث من صاحبه شيئاً، قال منصور الراوي عن النخعي، ولا يضرك بأيهم بدأت إذا ورثت بعضهم من بعض، تقدر أن هذا سبق، وتورث صاحبه منه، ثم تعكس فتقدر أن ذاك سبق وتورث صاحبه منه، لا يضرك بأيهم بدأت إذا ورثت بعضهم من بعض، يعني: لا يشترط أن تجعل الأب مات قبل الابن، أو الأخ الأكبر مات قبل الأصغر، وهذا القضاء منقول عن الشعبي أيضاً، كما في مصنف ابن أبي شيبة في المكان المتقدم صفحة سبع وأربعين وثلاثمائة من المجلد الحادي عشر، ومنقول عن شريح القاضي، كما في مصنف عبد الرزاق، وأخبار القضاة لـوكيع بن الجراح الإمام في الجزء الثاني صفحة سبع وأربعين ومائتين في ترجمة شريح وهو في ثلاثة مجلدات، جمع أخبار القضاة، وهو كتاب نافع عظيم، جمع أخبار القضاة إلى زمنه في ثلاث مجلدات عند ترجمة شريح نسب هذا القضاء إليه، وأنه يورث الذين يموتون بموت جماعي بعضهم من بعض، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه في المكان المتقدم، وهكذا سعيد بن منصور، والقضية التي قضى فيها وكيع هي امرأة وابنها ماتا في الفرات، أي: غرقا في نهر الفرات، فقال شريح: ورثوا كل واحد منهما من صاحبه، ولا تردوا على واحد منهما مما ورث من صاحبه، يعني: لا تردوا عليه شيئاً من الإرث والمال، كل واحد يرث من صاحبه، وما ورثه منه لا يرثه ذاك منه مرة ثانية، إنما يرثون من تلاد أموالهم.

    وهذا القضاء قضى به حميد الأعرج أيضاًمن التابعين كما في مصنف عبد الرزاق هؤلاء أربعة وخامسهم عبد الله بن عتبة بن مسعود وكان قاضياً لـابن الزبير فورث الغرقى بعضهم من بعض، كما في مصنف ابن أبي شيبة في المكان المتقدم، ومصنف عبد الرزاق، وأخبار القضاة لـوكيع.

    1.   

    الراجح في مسألة توارث من عمي موتهم

    هذه آثار متعددة، لكن فيما يظهر -والعلم عند الله- أن الآثار المتقدمة في القول الأول أقوى وأكثر، فتقدم عليها، يضاف إلى ذلك أن القول الأول قال به الجمهور، حتى الإمام أحمد عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا قال به في أحد قولين، وإذا لم يكن هناك نص صريح في المسألة، والحجج تكافأت، تأخذ بما عليه الأكثر، فعندنا مرجح للقول الأول، هناك الآثار أقوى، وأما بعد ذلك فالحجة المستنبطة من قواعد الفرائض، ففي الحقيقة الحجتان متكافئتان، هذا يقول لا توريث مع الشك، وهذا يقول لا حجب مع الشك، هذا حق وهذا حق، فالحجتان في كل من القولين اطرحهما، كأنها غير موجودتين، هذه تكافؤ هذه، فسقطتا أيضاً، بقي معنا الآثار، الآثار هناك أقوى وأثبت وأكثر في ذلك، وتقدم معنا أنه ثبت في أسانيد صحيحة في المستدرك وغيره، في قصة أم كلثوم وابنها زيد وغير ذلك، آثار صحيحة ثابتة ثبوت الشمس في رابعة النهار، وتلك وقعت في زمن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه كما تقدم، وأن هذا القضاء منقول عن سيدنا أبي بكر ، وعن عمر وعن علي ، وقضى به زيد بن ثابت قولاً واحداً، فإذاً هناك القضاء عن الصحابة به أشهر وأكثر وأثبت من القضاء بالقول الثاني، وعليه: فهناك الآثار أقوى فتقدم، وبقي معنا مرجح ثاني وهو أنه قال به الجمهور، حتى من قال بالقول الثاني قال بالقول الأول، لما رأى أن الأمور متقاربة متكافئة متساوية، قال بهذا وقال بهذا، فحقيقة: القول الأول فيما يظهر أقوى، وهو أن لا يورث بعضهم من بعض، وأن يرث كل ميت ورثته الأحياء فقط، وعلى قول الإمام أحمد كيف سيكون الحل؟ هنا مسألة نأخذها على قول الجمهور ما أيسر الحل فيها، وعلى قول الإمام أحمد ما أصعبه وما أتعبه، فانتبهوا لذلك.

    أبوان وابن يعني: إذا انتهينا من هذه المسألة في هذه يعني: بقية الوقت من هذه المحاضرة هذه بركة، وهي على حسب الإمام أحمد هي التي ستتعبنا فقط، أما على حسب الجمهور لن تأخذ معنا خمس دقائق كما ترون، أبوان وابن ماتا في حادث غرق، في موت جماعي وعمي علينا موتهم، فلم نعلم سبق بعضهم، ولا تأخر بعضهم، وترك الأب أباً وأماً، وأنا أريد أن أثبت أيضاً من يرثهم من أجل أن يكون اشتراك الحل علينا، وتركت الأم كذلك أباً وأماً، وترك الابن ابناً فقط، على قول الجمهور المسألة ما أيسرها كما قلت، ولا تحتاج إلى كلفة، الميت الأول الأب، ورثته أب وأم، ومن ورثة زوجته لا يرثه أحد، إنما من ورثة ابنه يرثه ابن الابن الذي مات معه، الابن لا يرثه الآن على قول الجمهور، لكن ابن الابن حي، إذاً ترك الأب أباً وأماً وابن ابن، المسألة كما قلت ما أسهلها على قول الجمهور، ولا تحتاج إلى هذا الحل، هذا له السدس فقط، وهذه لها السدس فقط، وهذا عاصب، المسألة من ستة، واحد واحد لكل واحد من الأبوين، والباقي لابن الابن، ولا تحتاج أكثر من هذا، وهكذا الحال مع الأم وورثتها، ومعنا بعد ذلك الابن ترك ابناً واحداً وجدتين؛ لأن أم أمه وأم أبيه كل منهما جدة وارثة وجدّاً، جده والد أبيه يرث، ووالد أمه يدلي بأنثى فلا يرث، فللجدتين السدس، والجد له السدس أيضاً فقط لوجود فرع وارث ذكر، المسألة من ستة واحد للجدتين، وواحد للجد، وأربعة للابن، وتصح المسألة بعد ذلك من اثني عشر، هذا قول الجمهور، خذ الآن الحل على مذهب الإمام أحمد، سنجعل ثلاثة حلول، كل حل .. من أوله إلى آخره.

    وانظر كيف سيختلف الإرث معنا في هذه المسألة:

    هنا لا يضر أن نقدم بعضهم على بعض، فإذا قدرنا سبق الأب بالموت فإننا نقسم تليده على ورثته الذين ماتوا معه وعلى ورثته الأحياء، وأما الطريف فلا يرثه إلا الأحياء، فيكون قد مات عن زوجةٍ وأبٍ وأم وابن فالمسألة من أربعة وعشرين للزوجة الثمن، ولكل من الأبوين السدس، والباقي ثلاثة عشر للابن عصبة.

    وهلكت الأم عن أبٍ وأم وابن ابن، المسألة من ستة لكل من الأبوين السدس، والباقي أربعة للابن عصبة.

    وتقسيم طريف الابن كالتالي سيخلف جدّاً وجدتين وابناً، المسألة من ستة واحد للجدات، وواحد للجد، والباقي أربعة للابن، وتصح المسألة بعد ذلك من اثنين عشر.

    ولا يرث طريف الأم إلا ابن الابن.

    وجملة العمل باختصار، ولا يخفى بعد ذلك التفاصيل أن نقدر أحد الميتين أو الأموات مات أولاً، ثم نقسم تلاد ماله على من يرثه من الأحياء ومن مات معه، فما حصل لكل واحد ممن مات معه، ويسمى الطريف فيقسم على ورثته الأحياء بعد أن نجعل لهم مسألة ونقسمها عليهم، فإن انقسم عليهم صحت مسألتهم مما صحت منه الأولى، وإن لم ينقسم نظرنا بينه وبين مسألتهم كنظرنا بين الفريق وسهامه -وقد تقدم- فإن باينها أثبتنا جميعها، وإن وافقها أثبتنا وفقها، ثم بعد ذلك نقسم طريف الميت الثالث إن كان على الأحياء من ورثته بعد أن نجعل لهم مسألة ونقسمها عليهم، فإن انقسم عليهم صحت مسألتهم مما صحت منه الأولى، وإن لم تنقسم نظرنا بينه وبين مسألتهم كنظرنا بين الغريق وسهامه، فإن باينها أثبتنا جميعها، وإن وافقها أثبتنا وفقها، ثم إن كان هناك ميت رابع قسمنا طريفه على الأحياء من ورثته وعملنا كما سبق..

    وهكذا إلى أن تنتهي الأموات، ثم ننظر بين المثبتات من المسائل أو وفقها بالنسب الأربع فما حصل بعد النظر فهو كجزء السهم يضرب في مسألة الميت الأول، فما حصل فمنه تصح مسألة الميت الأول، ومسائل الأحياء من ورثة من مات معه، ومن له شيء من الأولى أخذه مضروباً في جزء السهم، ومن له شيء من المسائل الأخيرة أخذه مضروباً في سهام مورثه أو وفقها، ثم بعد هذا ننتقل إلى الميت الثاني فنقدر أنه مات أولاً ونعمل في تلاد ماله وطريف من مات معه مثل عملنا في الميت الأول، وهكذا نعمل إن وجد ثالث فأكثر.

    لا أرى حاجة إلى أمثلة أكثر من هذا، بقي معنا مبحث ثانٍ كما قلت الرد وذوي الأرحام، نشرع في مدارسة الرد في المحاضرة الآتية إن شاء الله، إنما الآن انتهينا من هذه الطريقة، والحل فيها كما قلت على حسب الحالة الثانية من حالات المناسخة، فإن كانت الحالة الثانية مفهومة فهذه مفهومة، وإذا لم تكن مفهومة، فإلى الله المشتكى.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اجعل هذا الشهر الكريم أوله لنا رحمة، وأوسطه لنا مغفرة، وآخره عتقاً لرقابنا من النار، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات،وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.