إسلام ويب

فقه المواريث - ميراث الخنثى [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الخنثى المشكل إما أن يرجى انكشاف حاله أو لا يرجى، وله حالات يرث فيها باتفاق، وأما الحالات التي هي محل خلاف فللعلماء في كيفية توريثه ومن معه في حالتي رجاء اتضاحه وعدمه أربعة مذاهب: أن يعامل بالأضر وحده، أن يعامل الجميع بالأضر ويوقف المشكوك فيه إلى الاتضاح أو الصلح، التنصيف في توريثه، والراجح والأسد التفصيل؛ فإن كان يرجى الاتضاح عومل ومن معه بالأضر، وإن كان لا يرجى ورث بالتنصيف.

    1.   

    أحوال الخنثى وكيفية توريثه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس كيفية توريث الخنثى، ووقفنا إلى هذا العنوان، بعد أن تدارسنا مقدمة في بيان معنى الخنثى في اللغة والاصطلاح، وفي الآثار الواردة في توريثه، ثم سننتقل بعد ذلك في هذه الموعظة المباركة إلى كيفية توريثه حسب ما قرر أئمتنا الكرام في المذاهب الأربعة المتبعة.

    إخوتي الكرام! الخنثى له ثلاثة أحوال، الحالة الأولى: إن ظهرت فيه علامة أحد الصنفين الذكورة أو الأنوثة، فكيفية توريثه واضحة، إن ظهر أنه ذكر يورث على أنه ذكر، وإن ظهر أنه أنثى يورث على أنه أنثى، فهذه لا تحتاج إلى أن نبحث فيها.

    الحالة الثانية: إذا لم تظهر فيه إحدى علامات الصنفين، وأمكن أن تظهر فيه في المستقبل، فهذا هو الخنثى الذي يرجى انكشاف حاله، كيف سنورثه؟ سأتينا الكلام فيه إن شاء الله.

    الحالة الثالثة: إذا لم يمكن أن تظهر فيه إحدى علامات الصنفين الذكورة أو الأنوثة فهو مشكل، إما لأنه مات وهو صغير، أو بلغ وبقي الإشكال فيه، ليس له لا آلة ذكورة ولا آلة أنوثة، بلغ ولا زالت الفضلات إما تخرج من الدبر أو تخرج من فتحة كما تقدم معنا من السرة أو من قريب السرة، فليس له إحدى صفتي الذكورة أو الأنوثة، فهو مشكل، لا يمكن انكشاف أمره، إما مات وهو صغير أو بلغ دون أن تظهر فيه إحدى العلامات.

    الحالة الأولى تقدم معنا ولن نبحث فيها، بقي معنا الحالة الثانية والثالثة، إذا كان خنثى ويرجى انكشاف حاله، أو خنثى ولا يرجى انكشاف حاله، كيف سنورثه؟

    الحالة الثانية والثالثة: الخنثى فيهما لا يخرج عن كونه ذكراً أو أنثى، وتقدم معنا أن الله جعل الخلق صنفين ذكوراً وإناثاً فهو في حقيقة أمره إما أنه ذكر وإما أنه أنثى، فإذاً لا يخرج عن كونه ذكراً أو أنثى، وهو في هاتين الحالتين يرجى انكشاف حاله ولا يرجى، وإرثه بالذكورة والأنوثة ولا يخرج أيضاً عن ثلاثة أحوال إجمالاً:

    1.   

    إرث الخنثى بحالتيه

    الحالة الأولى: إما أن يرث بهما، يعني: إن قدرناه ذكراً ورث، وإن قدرناه أنثى ورث، وهذه الحالة الأولى لها ثلاثة أحوال أيضاً:

    أ- أن يرث بهما متساوياً، إن قدرته ذكراً أو أنثى وسيأتينا أمثلة لهذا.

    ب- الحالة الثانية: يرث بهما متفاضلاً، والذكورة أفضل من الأنوثة.

    جـ- الحالة الثالثة: عكس الثانية، يرث بهما تفاضلاً، وإرثه بالأنوثة أفضل من إرثه بالذكورة.

    إذاً: هذه الحالة الأولى من الأحوال الثلاثة، لا يخرج إرثه عن ثلاثة أحوال إجمالاً، وإذا فصلتها فستصبح ستة كما سيأتينا.

    الحالة الأولى: أن يرث بهما، ولها ثلاثة أحوال مفصلة وهي حالة أولى إجمالياً.

    الحالة الثانية: يرث بواحدة منهما، ولها حالتان: إما أن يرث بالذكورة فقط، ولا يرث بالأنوثة، أو العكس، يرث بالأنوثة ولا يرث بالذكورة، يعني: إن قدرته ذكراً ورث، وإن قدرته أنثى لا يرث، أو إن قدرته أنثى ورث، وإن قدرته ذكراً لا يرث، وستأتينا أمثلة على هذا مفصلاً، هذه حالة ثانية، ولها حالتان، فتحصل لنا خمسة أحوال تفصيلية.

    الحالة الثالثة الإجمالية: لا يرث بهما، إن قدرته ذكراً لا يرث، وإن قدرته أنثى لا يرث، فهذه معروف حكمها إن شاء الله، والحالة الأولى من الحالة الأولى يرث بهما متساوية معروف حكمه وسيأتينا إن شاء الله الكلام على هذا.

    1.   

    أحوال الورثة مع الخنثى

    والورثة مع الخنثى لهم أيضاً عدة أحوال كأحوال الخنثى:

    الحالة الأولى: أن يرثوا معه متساوياً في حالتيه، يعني: إن قدرته ذكراً أو إن قدرته أنثى الورثة معه لن يختلف نصيبهم، لن يختلف إرثهم، ولن يختلف حظهم.

    الحالة الثانية: أن يرثوا معه متفاضلاً، هذه لها حالتان: إن قدرته ذكراً يكون أنفع للورثة، والحالة الثانية إن قدرته أنثى يكون أنفع للورثة الذين هم معه.

    الحالة الثالثة: أن يرثوا معه في حال دون حال، كما هو حال الخنثى، أحياناً يرث لو كان ذكراً ولا يرث لو كان أنثى، وهنا إن قدرته أنثى ورث الورثة، وإن قدرته ذكراً لم يرثوا.

    والحالة الأخيرة: لا يرثون معه مطلقاً، سواء كان ذكراً أو أنثى، كما لا يرث هو سواء كان ذكراً أو أنثى، بعض الورثة الذين مات الميت وتركهم، سواء كان الخنثى ذكراً أو أنثى لن يرثوا، فالأمر واضح في حقهم، وهذه الأحوال التي ذكرناها يوجد فيها ما هو مجمع عليه، فنذكر المجمع عليه ثم ننتقل إلى تفصيل المذاهب الأربعة في توريث الخنثى ومن معه إن شاء الله.

    1.   

    المجمع عليه من أحوال الخنثى مع الورثة

    وقد أجمع العلماء على الحكم في حالتين من الأحوال المتقدمة.

    الحالة الأولى: إذا ورث الخنثى بحالتيه متساوياً نعطيه نصيبه كاملاً، هذا بالاتفاق، يعني: إن قدرته ذكراً أو أنثى سيرث بنسبة واحدة، فنعطيه ولا داعي لأن نوقف شيئاً، وهكذا الورثة الذين معه إذا ورثوا متساوياً في حالتي الخنثى نعطيهم أيضاً نصيبهم الذي تساوى في حال ذكورية الخنثى وفي حال أنوثته، وسيأتينا بهذا أمثلة إن شاء الله.

    الحالة الثانية: إذا كان الخنثى لا يرث بهما، سواء كان ذكراً أو أنثى، وهكذا من معه لا يرث في حالتيه، سواء قدرته أنثى أو ذكراً، فلا نعطيهم شيئاً، وهذا أيضاً متفق عليه.

    بقي معنا كما تقدم إذا كان سيرث بهما متفاضلاً، يرث بالذكورة أكثر أو بالأنوثة أكثر، أو كان سيرث بواحد منهما فقط بذكورة أو بأنوثة. فهذه أربعة أحوال: أن يرث بهما تفاضلاً وله حالتان: وأن يرث بواحد منهما وله حالتان: أن يرث بالذكورة أفضل من الأنوثة، وأن يرث بالأنوثة أفضل من الذكورة، فما الحكم في هذه الأحوال الأربعة؟

    إخوتي الكرام! مثال على ما تقدم من أنه يرث بهما متساوياً، وهذا مجمع عليه، ولا يرث بهما أيضاً في حالتيه وهذا مجمع عليه، لننتقل إلى المختلف فيه؛ لأن هذه أمثلة كما قلت مجمع عليها، فنأتي بالأمثلة عند المختلف فيه، فلو مات عن أبوين وبنت وولد ابن خنثى، قُدِّر ولد الابن ابن ابن أو بنت ابن، كيفما شئت إرثه متساوٍ، ونطلق الولد لأنه شامل للذكر والأنثى، فإذا قدرته ذكراً فللأب السدس فقط دون تعصيب، والأم لها السدس، والبنت لها النصف، وولد الابن على أنه ابن ابن عصبة، إما إذا قدرته أنثى فللأب السدس مع التعصيب إن بقي شيء، والأم لها السدس، والبنت لها النصف، وولد الابن إن قدرته أنثى -بنت ابن- لها السدس تكملة للثلثين، فالإرث بهما متساوي، أنت هنا لو وزعت المال، فأصل المسألة من ستة وسدسها واحد، ونصفها ثلاثة للبنت، بقي واحد، والسدس أيضاً تكملة للثلثين واحد، فما بقي شيء للأب تعصيباً.

    الشاهد أنه هنا أخذ نصيبه متساوياً في الحالتين، فنعطيه نصيبه ولا نوقف شيئاً، وهكذا الورثة بالإجماع، الحكم في هذه الحالة واحد إن قدرته ذكراً أو أنثى سيرث بهما متساوياً، فأعطه نصيبه كاملاً، لا داعي الآن أن نعمل جامعة، لو أردت أن تعمل جامعة خنثى تقول: بين الستة والستة تماثل نكتفي بواحد منهما، هذه الجامعة كما سيأتينا في إخراج الجامعة ستة اقسمها على ستة تكون النتيجة واحداً اضرب الآن نصيب كل وارث واحد في ستة تكون النتيجة ستة.

    والأمر متساوٍ في الحالتين، ونقتصر على مسألة واحدة.

    حالة ثانية لا يرث فيها الخنثى، سواء قدرته ذكراً أو أنثى، كما لو ماتت عن زوج وأختين شقيقتين وولد أب خنثى، أما مع شقيقة واحدة فستأخذ التي لأب السدس تكملة للثلثين، فالزوج له النصف لعدم الفرع الوارث، والأختان لها ثلثان، فلو قدرته ذكراً عصبة لا يبقى له شيء، المسألة من ستة، نصفها ثلاثة ثلثاها أربعة، اثنان اثنان، قدره أنثى لن يرث شيئاً؛ لأن الثلثين أخذهما الأختان الشقيقتان، والزوج له النصف، فلا ترث شيئاً؛ لأنها محجوبة بالأختين الشقيقتين، والمسألة أيضاً من ستة، ثم عالت إلى سبعة، فلا يرث إن قدرته ذكراً وإن قدرته أنثى.

    وأما مع شقيقة واحدة، فإن قدرته ذكراً لم يرث؛ لأنه عصبة ولم يبق له شيء، نصف ونصف انتهت المسألة، وإن قدرته أنثى فسيرث السدس تكملة للثلثين، سيرث بإحدى حالتين.

    1.   

    المختلف من أحوال الخنثى مع الورثة

    ننتقل إلى المختلف فيه، الأحوال الأخرى وهي أربعة اختلفت فيها المذاهب الأربعة على أربعة أقوال، كل مذهب له فيها قول وحكم، ففيها مجال للاجتهاد، فاستمع لاجتهادات الأئمة في هذه المسألة:

    معاملة الخنثى وحده بالأضر

    أول المذاهب مذهب الإمام أبي حنيفة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، قال أبو حنيفة كما في الاختيار لتعليل المختار، في مبحث الخنثى في الجزء الثالث صفحة ثمان وثلاثين، وفي الجزء الخامس صفحة مائة وخمس عشرة، وهو من كتب الحنفية المعتمدة، نقول: يعامل الخنثى وحده بالأضر، فنعطيه أقل النصيبين وأسوأ الحالتين، وعليه فعندنا أربعة أحوال: ورث بهما، لكن الذكورة أكثر فنعطيه ميراث أنوثة، وأما إذا ورث بهما لكن الأنوثة أكثر فنعطيه ميراث ذكورة، وإذا ورث بالذكورة ولم يرث بالأنوثة فلا نعطيه شيئاً، ورث بالأنوثة ولم يرث بالذكورة فلا نعطيه شيئاً، نعامل الخنثى وحده بالأضر، فنعطيه أسوأ الحالتين، ونعطي بقية الورثة نصيبهم، قال: لأن المزاحم للخنثى وهم الورثة نصيبهم متيقن سبب استحقاقه، فلا يجوز إبطاله ولا نقضه بالشك، فنعطي للخنثى القدر المتيقن، وهو أقل الأمرين وأسوأ الحالتين.

    ثم قالوا: وإذا اتضح خلاف ذلك في المستقبل نقض الحكم وردت الجهالات إلى السنة، كما ينقض حكم القاضي إذا تبين أنه بخلاف الواقع أو صادم نصاً، وهنا القضاء ليس مبنياً على اجتهاد بل هو مبني على واقع حال الخنثى، فإن وافق قضاء القاضي حال الخنثى الذي انكشف في المستقبل فبها ونعمت، وإذا لم ينكشف فالقضاء كما صدر، وإذا مدت الحياة لهذا الخنثى وانكشف أمره على خلاف قضاء القاضي، فيرث بإحدى حالتيه ولا يرث بالأخرى وما ورثه وزع على الورثة، هذا قضاء أبي حنيفة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، يعامل الخنثى وحده بالأضر، فيعطيه المتيقن الذي سيأخذه، فإن أخذ بهما تفاضلاً يعطيه الأقل، وإن أخذ بواحد منهما لا يعطيه أبداً، وفي الحقيقة سيصبح هناك اختلاف كبير في حل المسألة، فالمال قد يأخذه الورثة كله ولا يأخذ الخنثى شيئاً، ولو كان خنثى ذكراً لأخذ المال كله، فيختلف على حسب هذا التقدير.

    فمثلاً الحالة الأولى: إذا كان لا يرث الخنثى في إحدى حالتيه لا نورثه.

    عندنا زوجة وولد أخ شقيق يعني ابن أخ أو بنت أخ، خنثى وعم لأب أو شقيق فالحكم كله واحد، هنا سيرث بالذكورة دون الأنوثة، فإذا ورث بالذكورة دون الأنوثة لم نورثه شيئاً؛ لاحتمال أن يكون أنثى، إن قدرت الخنثى ذكراً فهو ابن أخ، فالزوجة لها الربع لعدم الفرع الوارث، فهو عصبة، والعم محجوب بالخنثى الذي هو ابن أخ، وإن قدرته أنثى اختلف الأمر، فالزوجة لها الربع، ولا يرث شيئاً لأنه من ذوي الأرحام والعم عصبة، المسألة هنا من أربعة الزوجة واحد والعم له ثلاثة، ولا داعي أيضاً لجامعة عند أبي حنيفة ، عامل الخنثى بالأضر، لا تعطه شيئاً أعط ربع المال للزوجة، والثلاثة أرباع للعم، فإذا استبان خلاف هذا يأتي الخنثى بعد ذلك ويقول للعم: أعد إليّ هذا المال، فأنت أخذته بغير سبب شرعي، إذا استبان أنه ذكر نقض الحكم، هذا قضاء أبي حنيفة .

    عكس هذه كما لو ورث بالأنوثة دون الذكورة.

    مثالها: مات عن أم وأخت شقيقة وأخت لأب، هذه سترث، فإن بدلنا عن الأخت لأب ولد أب خنثى فإن قدرته ذكراً لم يرث وإن قدرته أنثى فسيرث، وتعول المسألة وتعول المسألة أيضاً مع زوج وأخ لأم، وإن شئت أخ لأم آخر، فما دام أن الفروض انتهت، فلا داعي للعول كثيراً.

    وهذا إذا قدرته ذكراً لن يرث، سيأخذ بالتعصيب، لكن لن يبقى له شيء، الأخ لأم له السدس، والأم لها السدس لوجود جمع من الإخوة، والأخت الشقيقة لها النصف، وهذا عاصب، فهو أخ لأب، والزوج له النصف لعدم الفرع الوارث، فالمسألة من ستة، سدسها واحد، الأخ لأم لها سدسها واحد وللأم كذلك، ونصفها ثلاثة للأخت الشقيقة، والزوج له النصف ثلاثة، فلم يبق له شيء، ولو قدرته أنثى فسترث، الأخ لأم له السدس، والأم لها السدس، والأخت الشقيقة لها النصف، والأخت لأب لها السدس تكملة للثلثين، والزوج له النصف، هناك عالت إلى ثمانية، وهنا ستعول إلى تسعة، فهنا لم يرث على أنه ذكر، وورث على أنه أنثى، والأمثلة كثيرة، لكن تلك مسألة تركيبها في الأصل غلط.

    الأولى: صحيحة زوجة، والأخ ورث على أنه ذكر، ولا يرث على أنه أنثى، وهنا العكس ورث الخنثى على أنه أنثى ولا يرث على أنه ذكر، تركيب المسألة عندي في هذا غلط، المسألة الآن سهلة، فالأمثلة كثيرة، والمثال من الحالة الأولى التي لها حالتان أيضاً، يرث في إحدى حالتيه، فلا نورثه شيئاً.

    الحالة الثانية: يرث بهما متفاضلاً، فإن كانت الذكورة أنفع أعطيناه ميراث الأنوثة، وإن كانت الأنوثة أنفع أعطيناه ميراث الذكورة، يرث بهما متفاضلاً، عند الحنفية فإن كانت الذكورة أفضل فسنعطيه ميراث الأنوثة، كما لو مات عن بنت وولد خنثى أي ابن أو بنت وعم شقيق، فإن قدرته ذكراً فالبنت مع الابن عصبة، والعم محجوب، والمسألة من عدد رؤوسهم ثلاثة، البنت واحد، والولد اثنان، وإن قدرته أنثى فسيرث أيضاً، فإن كان بالذكورة أفضل فنعطيه ميراث أنوثة، والعم عصبة، المسألة من ثلاثة واحد واحد لكل بنت الذي هو خنثى وأخته فلهما الثلثان، والعم له واحد، فالأقل والأسوأ له نعطيه إياه؛ لأن هذا ثابت، فإن ظهر أنثى لم يزد عليه فهذا نصيبه، وإن ظهر ذكراً فيسترد نصيبه من الورثة، وأما العم فنصيبه ثابت بيقين هو عم، فنعطيه نصيبه.

    الحالة الثانية من الحالة الثانية: يرث بهما متفاضلاً، لكن إرثه بالأنوثة أكثر من إرثه بالذكورة، فنعطيه ميراث الذكورة على أنه ذكر كما لو ماتت عن زوج وأم وأخ لأم وولد شقيق خنثى، سواء كان شقيق الميت أختاً أو أخاً؛ لأنه لو كان لأب فقط تقول ولد لأب، ولو كان لأم فسيستوي إرثه، فتعطيه السدس، سواء كان ذكراً أو أنثى، وهنا ولد شقيق يرث بالأمرين، لكن بالأنوثة أفضل، والذكورة تضره، فالزوج له النصف لعدم الفرع الوارث، والأم لها السدس لوجود جمع من الإخوة، وأخ لأم له السدس، والخنثى إن قدرته ذكراً فله السدس عصبة.

    قدره أنثى، الزوج لا زال له الفرض، وهو النصف، والأم لها السدس، والأخ لأم له السدس، وهذه لها النصف، لأنه يصبح أخ أخت شقيقة، فالمسألة من ستة أيضاً، نصفها ثلاثة، وسدسها واحد، سدسها واحد ونصفها ثلاثة فعالت إلى ثمانية، فعلى أنه ذكر ورث بهما، لكن أقل مما لو كان أنثى، فنعطيه الأضر، نعطيه هذا، نعطيه السدس فقط، ونعطي من معه نصيبهم من مبلغ عول المسألة ثمانية، وهذا يضر الورثة، هذا وهو ينتفع، فأنت تدخل الضرر عليه فقط، فتعامله بأسوأ حالتيه فتعطيه الميراث المتيقن كما تعطي أولئك نصيبهم حسب سبب الإرث الثابت، هذا عند أبي حنيفة.

    وسيأتينا أن صاحبا أبي حنيفة خالفاه في ذلك، يأتينا قولهما إن شاء الله عند سرد الأقوال الآتية بعون الله جل وعلا، على حسب الترتيب الزمني لا على حسب التفضيل عند ربنا جل وعلا، فهو أعلم بعباده كلهم، والطيبون المباركون خيرون ميمونون، نسأل الله أن يشفعهم فينا يوم الدين إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    التنصيف في توريث الخنثى

    ننتقل إلى مذهب الإمام مالك عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهو المذهب الثاني، الإمام مالك ورث الخنثى بحالتيه، وأعطاه نصف كل منهما عملاً بالشبهين، يقول: هو يرث على أنه لو كان ذكراً ورث ولو كان أنثى ورث، ونحن لا نعلم هل هو ذكر أو أنثى؟ فنورثه بحالتيه، فإن ورث بهما نعطيه نصف ذكورة ونصف أنوثة، وإن ورث بواحدة منهما ولم يرث بالأخرى نعطيه نصف التي ورث بها فقط، والباقي ما يرث بها، فإن ورث بهما نعطيه نصف كل منهما، نجمع النصفين ونعطيه نصيبه، وإن ورث بواحد منهما فلا نعطيه هذا الميراث كاملاً، نعطيه نصفه، لاحتمال أن يكون فيه الصفة الأخرى، تورثه بحالته فتجعل له مسألتين كما سيأتينا، ذكورة وأنوثة، ثم تعطيه نصف هذه ونصف هذه، فإن ورث بهما أعطيته نصفه في الحالتين اللتين ورث بهما، وإن ورث بواحد منهما تعطيه نصف هذه الحالة، عملاً بالشبهين، نحن لما أشكل علينا أمره نجعله كأنه يحمل الذكورة والأنوثة، ونورثه بهما، فإن ورث بهما متساوياً فالحكم متفق عليه، أو متفاضلاً، فنعطيه نصف نصف.

    ووافق مالكاً على ذلك أبو يوسف ومحمد عليهم جميعاً رحمة الله من تلاميذ أبي حنيفة ، أما قول محمد بن الحسن فهو كقول الإمام مالك شبراً بشبر وذراعاً بذراع، وأما قول أبي يوسف فيختلف عنه كما سيأتينا إن شاء الله، هو يوافقه في الجملة، وأما في التفصيل فيخالف، حتى صاحبه محمد بن الحسن والإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله، أشير إلى الاختلاف عند طريقة الحل بعون الله.

    مثاله: بنت وولد خنثى وهو ابن أو بنت، وأم وعم شقيق، انظر لكيفية الحل عند الإمام مالك وطريقة الحل وضابطها سأذكره في نهاية سرد أقوال المذاهب الأربعة، والآن انتبهوا فقط كيف سنحل المسائل، نقدره أولاً ذكراً:

    البنت لها مع الابن عصبة، والأم لها السدس، والعم محجوب، المسألة من ستة، سدسها واحد، بقي معنا خمسة، والرؤوس ثلاثة، ثمانية عشر مصح المسألة، للبنت خمسة والخنثى له عشرة، فإن قدرناه أنثى فللبنتين الثلثان، والأم لها السدس، والعم عصبة، فالمسألة من ستة، اثنان اثنان لكل بنت وواحد واحد لكل من الأم والعم، فورث بحالتين متفاضلة.

    الإمام مالك ووافقه الصاحبان، قول محمد بن الحسن كقوله تماماً، يقول نورثه بحالتيه: انظر بين المسألتين بالنسب الأربعة، وحاصل النظر بالتماثل أو التوافق أو التباين، أو التداخل نضربه بحالتي الخنثى، اضرب ثمانية عشر في اثنين، تحصل جامعة الخنثى، اقسمها على المسألتين ستة، اقسمها على ثمانية عشر النتيجة اثنان، خمسة في اثنين عشرة، هذه عشرة، اثنين في ستة اثني عشر، المجموع؟

    فالأم نصيبها متساوٍ في الحالتين، فأخذت النصيب كاملاً، من الذي تغير؟ البنت، والخنثى والعم، لأن العم ما ورث في إحدى الأحوال، والبنت اختلف إرثها، والخنثى، أما الأم فأخذت النصيب متساوياً في الحالتين ما نقصت عن السدس، يخرج الناتج معك ستة وثلاثون عند الإمام مالك، هذا إن ورث بهما.

    سواء كانت الذكورة أفضل أو الأنوثة أفضل، ما لنا علاقة به، ورث بهما تورثه بالحالتين، فبعد أن تنظر بين المسألتين بالنسب الأربعة تضربها بحالتي الخنثى؛ حتى تتخلص من الكسور، فمثلاً: إحدى عشرة إذا لم نضربها باثنين فسيخرج خمسة ونصف، والإمام أحمد جمع بين المذاهب الأربعة بعد أن استبعد قول أبي حنيفة بأن رآه بعيداً، وفيه شيء من التنازع، أخذ بقول الشافعي وقول الإمام مالك، لكن بقول الشافعي في حالة وبقول الإمام مالك في حالة، الإمام مالك له قول واحد سواء الخنثى يرجى انكشاف حاله أو لا يرجى، يسوي بينهما، وهكذا الإمام أبو حنيفة في الحالة الأولى، سواء الخنثى يرجى انكشاف حاله أو لا يرجى، وهكذا الشافعي يسوي بين الخنثى، إلا الإمام أحمد فهو الذي فصل كما سيأتينا، فحكم الخنثى عند أبي حنيفة تقدم معنا، كيفما كان حاله، يرجى أو لا يرجى، في الأحوال الأربعة، سواء يرث بهما متفاضلاً أو يرث بواحد منهما، وهكذا عند الإمام مالك عليهم جميعاً رحمة ربنا، الحكم عنده واحد، يرجى أو لا يرجى، يرث بهما أو بواحد منهما.

    الآن يرث بهما، ومثال أن يرث بواحد منهما، أي: إن كان أنثى يرث وإن كان ذكراً لا يرث، لو ذهبنا لأولاد العم والإخوة لأب، هؤلاء قطعاً في أحد التقديرين لا يرثون، فولد الأخ الشقيق، وولد الأخ لأب، إن قدرت.. بدل الأخ لأب عماً، فرتبة الإخوة في العصبة تقدم على أبناء الإخوة في جميع الأحوال، أما العمومة فبعدها، إن قدرت هذا ذكراً فالمال كله له، والعم محجوب، المسألة من واحد، وإن قدرته أنثى فالمال كله للعم، والخنثى محجوب ليس له شيء، فهذا عند الإمام مالك يرث بإحدى حالتيه ولا يرث بالثانية، بين الواحد والواحد تماثل نكتفي بواحد منهما في إخراج الجامعة، نضربها في الحالتين فيصبح المجموع اثنين، وتجرى بقية العملية فيكون الحاصل بينهما بالتساوي، العم له نصف المال، وولد الأخ الخنثى له نصف المال، هذا عند الإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله.

    إن كان يرث بالحالتين أعطيناه نصف كل منهما، وإن كان يرث بحالة واحدة أعطيناه نصفها، هذا عند الإمام مالك ، لأجل أن نعمل الشبهين، بما أنه يشبه الذكر، ويشبه الأنثى، وفيه ذكورة وأنوثة، وأمره مشكل علينا، فنورثه بهما، وهذا هو قول محمد بن الحسن تماماً، أما أبو يوسف عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا فله تفصيل ذكر في كتب الحنفية في الجزء الخامس صفحة مائة وخمس عشرة في الاختيار لتعليل المختار، وتفصيله فيه شيء من الغرابة.

    فمثلاً يعني: شيء، في هذه المسألة ومسألة أخرى، لو مات وترك بنتاً وولداً خنثى فقط، فهذه تقدم الحل معنا عند الإمام مالك، ومعه محمد بن الحسن تماماً، وأما أبو يوسف فيقول: خمسة للخنثى من اثني عشر وسبعة للابن، إذاً معه ابن ليس بنت فلا يضر، وهذه المسألة التي ذكرت في كتب الحنفية الحكم فيها عند محمد بن الحسن وعند أبي يوسف متفق عليه، وعند الإمام مالك، عند أبي يوسف يقول: ثلاثة للخنثى من سبعة، وأربعة للابن، يعني المسألة من سبعة، كيف ركبها؟! يقول: لو كان الخنثى ذكراً لكان المال بينهما نصفين، ولو كان أنثى لكان المال الذي بينهما أثلاثاً، يعني: الخنثى يأخذ الثلث، والذكر يأخذ الثلثين يقول: فاستحقاق الخنثى للثلث متيقن، والزيادة عليه وهو السدس -من ثلث إلى نصف يوجد سدس- مشكوك فيه، فيقول: نقسم هذا المشكوك فيه فقط بينه وبين أخيه.

    ولو قدرنا المسألة من ستة، فالثلث اثنان، والنصف ثلاثة، الذكر له ثلاثة، والأنثى له اثنان، صحيحة هذه؟ انتهينا، بقي معنا نحن الآن، من أجل أن نساوي بينهما واحد، نزيد لهذا واحداً ولهذا واحداً، ليحصل التساوي بينهما، فذاك كما تقدم معنا يأخذ ثلاثة بيقين، وهذا لو كان ذكراً لأخذ ثلاثة، وبما أنه أنثى يأخذ اثنين، بقي معنا ذاك الواحد، ولا يمكن أن يخرج له نصف، ولا يمكن أن نجعل كسوراً في المسألة فنضاعفه، فنعطي لهذا بدل الاثنين ثلاثة، وإلا فالأصل أن يأخذ اثنين ونصف، وذاك يأخذ ثلاثة ونصف فيصبح ستة، وبما أنه لا يمكن الانقسام فسنضعف الواحد، ونقسم المشكوك فيه بينهما، لا أنه نعطيه نصف هذه ونصف هذه مطلقاً، لا، الثلث بالنسبة لولد الخنثى الذي هو اثنين من ستة متيقن فيه، وذاك لم ينقص عن ثلاثة متيقن، فهذا المتيقن وهذا المتيقن يقول: أخرجه من البحث، بقي الخلاف في السدس من سيأخذه،؟ هو لو كان الخنثى أنثى لأخذ هذا الواحد الابن، يعني: صار له أربع وستة، ولو كان الخنثى ذكراً لأخذ هذا الواحد هو وصار ثلاثة وثلاثة، فنقسم الواحد بينهما، ضعفنا الواحد، فجعلنا المسألة من سبعة وليس في المسألة عول، فهي ليست في الأصل فروض حتى تعول.

    وفي الحقيقة فيها دقة، وهذا القول معتبر فلا يوجد نص، يقول: هذا الزائد المشكوك فيه نقسمه بينهما، لا نجعل له حالة وحالة، لكن الذي يظهر والعلم عند الله أن إعمال الشبهين مطلقاً هو الأصل؛ لأنك ستجعله ذكراً وتجعله أنثى، لا تأتي بهذا الزائد وتقسمه بينهما، يقول هو في الأصل، يحتمل أن يكون ذكراً ويحتمل أن يكون أنثى، فننزل الشبهين منزلة الحقيقة، هذا الأصل، فقول الإمام مالك، وقول محمد بن الحسن فيما يظهر أقوى وأسد والعلم عند الله، أن تقول: يرث بهذه ويرث بهذه، ثم تعطيه نصف كل منهما أو نصف واحد منهما إذا لم يرث إلا به.

    معاملة الخنثى والورثة بالأضر

    القول الثالث: قول الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وقوله وقول الإمام مالك والإمام أحمد كلها متفقة اتفاقاً شديداً من حيث الظاهر وقول الإمام أبي حنيفة في هذه المسألة في منتهى الغرابة، وأنا أعجب حقيقة لهذا الإمام المبارك وهو الإمام في العقليات والاجتهاد والاستنباط، كيف جاء هنا وترك ما يدل عليه العقل في الظاهر والعلم عند الله جل وعلا؟! فالأصل أنك: إما أن تعامل الخنثى ومن معه معاملة واحدة بالأضر، أو بقسمة نهائية كما فعل الإمام مالك، أو بتفصيل كما قال الإمام أحمد، أما أن تأتي إلى الخنثى فقط فتعامله بالأضر فإذا لم يرث في إحدى حالتيه حجبته، طيب لم؟ وقد يرث وهذا المال الذي أخذه ذاك الوارث وهو العم كله، افرض أنه تصرف به فيما بقي منه ريال، من أين سيعود عليه هذا الوارث بالمال، فتقع خصومة، فكلام الإمام الشافعي ككلام أبي حنيفة، لكن يقول: في جميع الورثة، نعامل الخنثى والورثة بالأضر، فمن لا يرث من الورثة في بعض أحوال الخنثى لا نورثه، وإذا كان الخنثى لا يرث في بعض حالتيه فلا نورثه، وإذا كان الخنثى يرث الأضر في بعض حالتيه نعطيه الأضر، وإذا كان بعض الورثة يأخذ أقل في تقدير إحدى حالتي الخنثى نعطيه الأضر، قال: والباقي يوقف حتى يتضح حال الخنثى، فإن ظهر حال الخنثى تبين حال الموقوف، فأعطينا كل واحد حقه، وإذا أرادوا أن يصطلحوا فلا حرج، يقول: ولا بد من التسامح وتغتفر الجهالة في مثل هذا الصنف للضرورة، لو قالوا هذا الذي بقي، لا داعي لأن نتركه سنين طويلة، تعالوا نصطلح عليه، كل واحد يأخذ قسماً، فاتفقوا على طريقة معينة فعند الإمام الشافعي يجوز الصلح مع وجود جهالة من أجل ضرورة في هذه المسالة.

    فإذاً يعامل الخنثى ومن معه بالأضر، وحقيقة هو قول سديد كقول الإمام مالك وقول الإمام أحمد ، فهذا القول أسد الأقوال، ومع أن أحمد في الفقه هو أقل الأئمة الأربعة فقهاً واستنباطاً رضي الله عنهم أجمعين، إلا أنه في هذه المسألة أعلاهم فقهاً واستنباطاً، ولا يقولن قائل: أنت دائماً تقدم مذهب أبي حنيفة ! في الحقيقة أبو حنيفة في هذه المسألة فيما يظهر لي والعلم عند الله غريب بعيد، وعند الحنفية لو اختلف قول الصاحبين مع صاحب المذهب فالمفتي يخير في الفتيا، إن شاء أن يفتي بقول أبي حنيفة أو بقول صاحبيه.

    وعمل المذهب قول الإمام أبي حنيفة وعليه مشت متونهم، متون الحنفية كلهم على هذا.

    لكن في الحاشية وفي الشروح فصلوا، وذكروا كلام أبي يوسف ومحمد ، والمسألة اجتهادية، لا يوجد الآن أصول بنيت عليها حال الخنثى فيحتمل أن يكون ذكراً أو يكون أنثى، فبقي عندنا قاعدة: اليقين لا يزول بالشك، يقول: هذا إذا كان أنثى مثلاً في إحدى حالتيه لم يرث، هذا يقين، فتأتي تورثه بعد ذلك، يعني: هذا شك والأصل ألا يرث، وأولئك يقولون: سبب استحقاقهم للإرث يقين كيف تترك المتيقن بالمشكوك، يعني: حال الخنثى أنت تجزم بأنه سيرث تقول: لا، فتقول إذاً خذ باليقين في الحالتين، أي: اليقين في الخنثى ألا تورثه، واليقين في الورثة أن تورثه، هذه أسباب الإرث موجودة، فمثلاً كما تقدم معنا ولد أخ خنثى وعم لو كان أنثى لم يرث، وإن كان ذكراً فسيرث، فهل هو ذكر أو أنثى؟ مشكوك فيه، واضح هذا؟ لكن العم ذكر مقطوع به، فإذاً عندنا وارث سبب استحقاقه للإرث ظاهر، وعندنا وارث مشكوك في سبب استحقاقه للإرث وهو خنثى، فكيف يقول: نحن نترك المقطوع به الظاهر الواضح لمشكوك، وعليه لا نورث الخنثى مطلقاً إذا كان هذا أضر له، وإن ورث بحالة أخرى، ونورث العم، يعني: هو من ناحية النظر العقلي كلام مقبول، لكن ممكن أن يقال: هذا أيضاً كونه أنثى مشكوك فيه، يعني: الشك في حالتيه على حد سواء، فكيف أخذتم، بأنه أنثى دون أنه ذكر، والشك في حالتيه يعتبر، وبما أن كلاً من الشبه قائم فيه، ونسبتهما فيه واحدة، فالأصل أن لا نغلب شبهاً على شبه، نعم لا نحرم أيضاً الورثة، فإما أن نحتاط للجميع، ففي هذه الحالة ولد أخ خنثى، وعم، نقول: لا يقسم المال، كله موقوف حتى يتضح الحال، أو يصطلح الخنثى مع عمه، كما قال الإمام الشافعي وهو قول معتبر، وأما قول الإمام مالك حسب المباشرة فيزيل كل منازعة ويقول: نورثه على أنه ذكر وأنثى ونعمل الشبهين، كأنه يحمل الصفتين، والورثة معهم أيضاً كذلك على حسب هاتين الحالتين، المقصود أنهم ما عاملوا صنفاً واحداً بالأضر، إما نعامل الجميع بالأضر، وإما نورثه ونورث من معه بنسبة واحدة، وإما نحتاط للجميع، أما أننا فقط نأتي إلى الخنثى ونقول: أنت فقط لك أسوأ حالتيك، والورثة يختلفون عنه، فهذا غير صحيح.

    يوقف الباقي حتى يتضح حال الخنثى أو يحصل الصلح فيه، كيفما حصل بتفاضل أو تساوي، ولا بد من التواهب، كل واحد يقول: أنا قبلت بذلك ووهبتك حقي إن كنت أخذت مني شيئاً، قال: ويغتفر الجهل في هذه المسألة للضرورة، وعمدة الإمام الشافعي في ذلك أنه يأخذ باليقين حتى يزول الإشكال بالاتضاح، أو ينحل بالاصطلاح، حتى يزول الإشكال بالاتضاح لحال الخنثى، أو ينحل بالاصطلاح.

    نأتي بمثال الآن لننظر كيف سيفعل الإمام الشافعي، الإمام الشافعي ليس عنده يعني جامعة الخنثى تضرب بحالتين، لأنه لم يقسم قسمة نهائية، وعليه فحاصل النظر تثبته كما هو، انتبه مثلاً: ماتت عن بنت وولد ابن خنثى، وبنت ابن وأب وأم البنت لها النصف، على أنه ذكر، ولد ابن وبنت الابن عصبة، الأب له السدس فقط، والأم السدس، والزوج الربع لوجود الفرع الوارث، المسألة من اثني عشرة، المسألة من ستة نصفها ثلاثة، وسدسها واحد، بقي معنا واحد والرؤوس ثلاثة، ثلاثة في ستة ثمانية عشر، ثلاثة في ثلاثة تسعة للبنت، واحد في ثلاثة ثلاثة، اثنان واحد، ثلاثة ثلاثة، طيب قدره على أنه أنثى، هل سيرث بهما متساوياً؟ لا سيختلف.

    إذا كان أنثى فسيرث السدس، إذا أنثى سيرثان، لكن سيختلف حاله مع أخته، فيأخذ الآن السدس، ما يضر، المسألة الآن: البنت لها النصف، وللأختين السدس تكملة للثلثين، والأب السدس مع التعصيب ما بقي شيء، والأم لها السدس، المسألة من ستة، وتصح من اثني عشر، ستة واحد واحد واحد، جميعهم مع الخنثى لم يختلف نصيبهم، لكن الاختلاف سيكون فقط بين الخنثى وأختها، والباقي سيأخذون نصيبهم كاملاً، ولتحصيل جامعة الخنثى، بين الاثني عشر والثمانية عشر توافق في الستة، يتفقان في السدس، خذ سدس أحدهما، ثمانية عشر اقسمها على ستة في اثني عشر يساوي ستاً وثلاثين، اقسمها على اثني عشر من ثلاثة، وعلى ثمانية عشر من اثنين، فنعطي الأضر، فإذا كان النصيب واحداً في الحالتين يأخذه، سواء الخنثى أو الورثة، اثنين في اثنين أربعة، واحد وثلاثة ثلاثة، أيهما أضر؟ نصف الثلاثة.

    واحد في اثنين اثنين، واحد في ثلاثة ثلاثة، أيهما أضر؟ اثنان، هنا أعطيناه هذه الحالة، وهنا هذه الحالة، بالنسبة للخنثى ورثناه من هذه المسألة، وبالنسبة لأخته ورثناه من هذه المسألة، أما هؤلاء لم يختلفوا، ثلاثة في اثنين ستة، هذا الأب، لم ثلاثة؟ صححت، ما يضر، ثلاثة في اثنين ستة، واحد في ثلاثة الأقل، ثلاثة في اثنين ستة، واحد في ثلاثة ثلاثة، اجمع الآن والباقي نتركه موقوفاً، ثلاثة ستة ثمانية، وثلاثة إحدى عشر، وثمانية عشر تسع وعشرون، بقي معنا سبعة في السهام موقوفة، حتى يتضح الحال أو يحصل الاصطلاح، هذا عند الإمام الشافعي، فاحتاط للخنثى ولمن معه، ولذلك جامعة الخنثى عند الإمام الشافعي لا تحتاج إلى أن تضرب في حالتي الخنثى؛ لأننا سنورث الخنثى ومن معه من إحدى المسألتين فقط، ولا يخرج معنا كسر قطعاً، فنعطيه نصف لهذه ونصف لهذه، سنورثه إما من هذه، وإما من هذه، أيهما أضر؟ نعطيها للخنثى ولمن معه.

    والأموال الموقوفة توضع عند ولي الأمر، عند المسئول، عند بعض الورثة، المقصود هذه مثل التركة قبل أن تقسم أين توضع؟ الورثة يحافظون عليها، المقصود لا يتملكها واحد، فهؤلاء الورثة لو قدموا وكان مثلاً هذا السدس عقاراً أو داراً أو مالاً، يحفظ عند أمين حتى يظهر حال الخنثى، أو يحصل اتفاق، لو قدر أن الخنثى مات، أيضاً هذا يبقى موقوفاً إلى يوم القيامة يأتي ورثة الخنثى مع الورثة السابقين يختلفون، فنقول: إن اصطلحتم نعطيكم، ما اصطلحتم يبقى موقوفاً.

    وهذه إن كان لها مالك معين معلوم، فالأصل أن يخرج منها زكاة، لكن الإشكال أنه لا يمكن هؤلاء منها، فإن كان المال ليتيم في الأصل، فمال اليتيم عند الحنفية لا تجوز فيه الزكاة، ولا تجب عليه الزكاة حتى تجب عليه الصلاة، على كل حال موضوع الزكاة هذه تبحث بعد ذلك بأدلتها في حينها وموضعها.

    للأب والأم كما مر سدس من ستة، واحد واحد، صححنا المسألة، فالواحد ما انقسم هذا الآن اعتبرناه بنتاً، وهذا بنتاً، فإذاً لتصحيح المسألة نضرب اثنين في ستة: اثني عشر، وسيتغير الموقوف، فهنا يصبح الآن معنا ثلاثة في اثنين ستة، اثنان في ثلاثة: ستة، أنا عندما حللتها، يعني: استشكلت فيها لكن أمامي هذا فقلت بالأقل، وإلا هذا لم يختلف أيضاً؛ لأن ما سقط نصيبهم مثل البنت، أو ليس كذلك؟ هو تصحيح المسألة لما صححناها، لازم نضرب نصيب الأب الذي هو واحد في جزء السهم الذي هو اثنين في ستة: اثني عشر، والآن هنا يصبح ستة وستة اثني عشر، أربعة عشر سبعة عشر خمساً وثلاثون، هذا الموقوف، واحد، فإن خرج الابن الخنثى ذكراً يأخذ هذا الواحد، ويصبح الآن هنا اثنين في اثنين أربعة، الواحد له، وإن خرج أنثى فواحد في ثلاثة ثلاثة، وواحد في ثلاثة ثلاثة، تأخذه أخته، يعني: إما له وإما لأخته، يعني: هنا بالنسبة للأب تصحيح المسألة كان هنا غلط، الأصل أن نضرب نصيبه في جزء السهم عندما صححنا المسألة، فيبقى واحد موقوفاً.

    التفصيل بين من يرجى انكشاف حاله ومن لا يرجى

    المذهب الرابع وهو آخرها قول الإمام أحمد عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، جمع بين أقوال المذاهب، لكن نزل كل قول على حالة، وهو أسد الأقوال، ولا يلزم فيه أي إشكال، فقال: للخنثى حالتان كما تقدم معنا:

    الحالة الأولى: يرجى فيها انكشاف حاله، فنعامل الخنثى ومن معه بالأضر كما تقدم من مذهب الإمام الشافعي، لأننا بإمكاننا أن نتعرف على مستحق هذا الباقي، لا زلنا نأمل انكشاف حال الخنثى، فعلام نقسم المال قسمة نهائية؟ سنحتاط له ولمن معه، فنترك هذا الباقي موقوفاً حتى يتضح حال الخنثى.

    الحالة الثانية: لا يرجى فيها انكشاف حال الخنثى، فنأخذ بمذهب الإمام مالك قطعاً للمنازعة، ولئلا نحذف المال عن مستحقيه، هذا في الحالة الثانية، وهذا القول فيه احتياط في الأمرين، وفي حالتي الخنثى، وبه قضى ابن عباس رضي الله عنهما، والشعبي وابن أبي ليلى، ونقله الإمام ابن قدامة في المغني في الجزء السابع صفحة خمس عشرة ومائة عن أهل المدينة، ومكة، قال: وهو قول الثوري وغيرهم رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، ونسبه إلى أبي يوسف أيضاً، وأبو يوسف تقدم معنا قوله من كتب الحنفية.

    قال الإمام ابن قدامة: ولم نعرف في الصحابة منكراً لهذا القول، وهذا القول يترجح بعدة أمور:

    أولها: لأن حالتي الخنثى تساوتا فوجد التسوية بين حكميهما، قال الإمام ابن قدامة: كما لو تداعا شخصان داراً، وهي تحت تصرفهما، ولا بينة لواحد منهما، فنقسمها بينهما، وعندنا اليد أقوى دليل على الملك، لو واحد منهما يتصرف فيها، وهي تحت يده، لقدمت الآن قرينة الحال، لكن لو قدرنا اثنين يسكنان داراً ويزرعان أرضاً، كل منهما قال: لي ولم يوجد بينة، فنقسم هذه الدار وهذه الأرض بينهما، وهنا كذلك، يحتمل أن يكون أنثى ويحتمل أن يكون ذكراً فنورثه بهما ونعمل الحالتين، وفي هذا رد على قول الحنفية رحمة الله عليهم أجمعين.

    الدليل الثاني والتعليل الثاني الذي يرجح هذا القول وفيه أيضاً رد على مذهب الحنفية.

    يقول الحنابلة: ليس توريث الخنثى بأسوأ أحواله بأولى من توريث من معه بذلك.

    أي فتخصيص الخنثى بهذا الحكم تحكم لا دليل عليه، كما لو يحتمل أن يكون أنثى لا يرث، أو ذكراً لا يرث، يحتمل أيضاً أن يكون معه لا يرث على أنه ذكر أو على أنه أنثى، فعلام عاملته هو بالأضر دون من معه؟ هذا تحكم لا دليل عليه.

    الدليل الثالث عندهم، وفيه رد على قول الإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله، قالوا: لا سبيل إلى الوقف؛ لأنه لا غاية له حتى ننتظر، وفيه تضييع المال مع تعيين استحقاق الورثة له وفتح لباب المنازعات، نحن تيقنا أن الورثة سيستحقون هذا المال، فكيف نوقفه ولا نعطيه وارثاً؟ هذا كما تقدم، إن كان الخنثى لا يرجى انكشاف حاله الأمر واضح، أما أن تتركه إلى ما لا نهاية له، في الحقيقة كما قلت يعني: هذا تضييع للمال.

    الدليل الرابع عندهم وفيه رد على قول المالكية أيضاً، قال: إننا نحتاط لهذا القول في الأمرين، فإن كان الخنثى يرجى انكشاف حاله، فينبغي أن نتوقف، لنعلم مستحق المال بيقين، وإن كان لا يرجى انكشاف حاله، فلا بد من حسم المنازعات وتوزيع المال حسب ما في وسعنا والعلم عند ربنا، وهذا هو الذي قاله الإمام أحمد والحنفية، وعليه فكيفية التوريث واضحة، إن كان يرجى انكشاف حاله تجعل جامعة للخنثى دون أن تضربها بحالتيه، وتعطيه ومن معه الأسوأ والأضر، وإن كان لا يرجى تجعل جامعة ثم تضربها بحالتي الخنثى وتعطيه ما يرثه في الحالتين مقسوم على اثنين.

    والقول الذي نسب للإمام الشعبي أنه يعطي الخنثى نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى، ويورثه بحالتيه، ثابت في سنن الدارمي في الجزء الثاني صفحة خمس وستين وثلاثمائة، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه في الجزء الحادي عشر صفحة خمسين وثلاثمائة عن الإمام الشعبي أنه سئل عن مولود ولد وليس بذكر ولا أنثى، وليس لهما ما للذكر ولا للأنثى؟ وقالوا له: إنه يخرج من سرته كهيئة البول والغائط؟ فقال: أعطوه نصف حظ الذكر ونصف حظ الأنثى، يعني: يورثوه في حالتيه، واجمعوا يعني ميراثه فيهما ثم اقسموه على هاتين الحالتين، وأما قول ابن عباس فلم أقف عليه في كتب الأثر.

    كيفية إخراج الجامعة في مسائل الخنثى؟

    إن كان الخنثى يرجى انكشاف حاله، فنجعل له مسألتين، مسألة على أنه يرث بالذكورة، ومسألة على أنه يرث بالأنوثة، نفس قول الإمام أحمد ، والباقي يدخل فيه دال على أنه لم يخرج عنه، وننظر بين المسألتين بالنسب الأربعة، وحاصل النظر هو جامعة الخنثى، ثم من كان له شيء في المسألتين، فإن تساوى نصيبه في الأولى والثانية، أعطيناه واحداً منه، والمختلف نعطيه منه الأقل، وإذا كان بعض الورثة لا يرث في إحدى التقديرين، فلا نعطيه شيئاً، ونترك الباقي موقوفاً حتى يظهر حال الخنثى، هذا قول الإمام أحمد في الخنثى إذا كان يرجى انكشاف حاله، وقول الإمام الشافعي في جميع أحوال الخنثى.

    الحالة الثانية: إذا كان لا يرجى انكشاف حال الخنثى، نجعل مسألتين كما تقدم للخنثى ولمن معه، ثم ننظر بين المسألتين بالنسب الأربعة كما تقدم، وحاصل النظر يضرب بحالتي الخنثى، يعني: يضرب باثنين، لتخرج جامعة الخنثى، ثم نقسم الجامعة على المسألتين. ومن له شيء في كل مسألة أخذه مضروباً فيما فوقها؛ لأنه جزء سهم لها ثم جمعنا ما يستحقه في المسألة الأولى والثانية وقسمناه على اثنين، وإذا كان لا يرث إلا في مسألة واحدة قسمناه أيضاً على اثنين، هذا قول الإمام أحمد في الخنثى إذا كان لا يرجى انكشاف حاله، وهو قول الإمام مالك في الخنثى مطلقاً.

    بعد أن جمعنا ما يستحق في المسألتين قسمناه على اثنين، فإن كان يأخذ في مسألة واحدة ضربنا ماله فيها في جزء سهمه، وفي الثانية لا شيء له، وإن ورث في المسألتين نقسم نصيبه على اثنين بعد أن نجمعهما، وإذا ورث في مسألة واحدة نقسمه على اثنين لا بد، هذا إذا كان لا يرجى انكشاف حاله، وعند الإمام مالك في جميع أحوال الخنثى، والحالة الأولى إذا كان يرجى انكشاف حاله، وعند الإمام الشافعي في جميع أحوال الخنثى، وأما عند أبي حنيفة فتقدم معنا، يعامل هو وحده فقط بالأضر، وعليه فلا داعي لا لجامعة خنثى ولا لتعدد مسائل..

    والحمد لله رب العالمين.