إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. فقه المواريث - تعريف العول ووقت وقوعه

فقه المواريث - تعريف العول ووقت وقوعهللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العول يأتي في اللغة بعدة معان: الزيادة، النقصان، الارتفاع، الميل، كفاية العيال. واصطلاحاً: زيادة في السهام مع نقص في الأنصبة. وأصول المسائل باعتبار العول وعدمه أقسام، كذلك الورثة منهم من يدخل عليه العول ومنهم من ليس كذلك. والعول لم يقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما وقع في عهد عمر رضي الله عنه وبه قال، وتابعه الصحابة وخالفه ابن عباس فكان له قول آخر.

    1.   

    تعريف العول لغة واصطلاحاً

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    انتهينا من جزء من مبحث الحساب ألا وهو تأصيل المسائل، وكيف نخرج أصول المسائل، وقبل أن ننتقل إلى التصحيح بقي بحث لا زال متعلقاً أيضاً بتأصيل المسائل، ألا وهو بيان الأصول التي تعول، أو العول.

    يأتي العول في اللغة بمعنى: الزيادة، وبمعنى: النقصان، وبمعنى: الارتفاع، وبمعنى: الجور، وبمعنى: الميل، وبمعنى: الغلبة، وبمعنى: القيام بكفاية العيال، والإشراف عليهم والنفقة عليهم، إذاً: زيادة ونقصان وارتفاع وجور وميل وغلبة وقيام بكفاية العيال، هذه كلها معاني العول في لغة العرب، وعليه فلفظ العول مشترك، وهو من الأضداد أيضاً، فلما يأتي بمعنى الزيادة وبمعنى من النقصان صار من الأضداد، ثم هو مشترك لفظي اشتركت فيه معان متعددة.

    هذا معنى العول في لغة العرب، ومعناه عند الفرضيين، زيادة في السهام مع نقص من مقاديرها وهي الأنصبة، وهذا المعنى الاصطلاحي يحتوي على المعنى اللغوي، ففيه معنى الارتفاع، وفيه معنى الزيادة كما سأوضح، وفيه معنى الغلبة، وفيه معنى النقصان، وفيه معنى الميل، وفيه معنى الجور، لكن ليس فيه المعنى السابع وهو القيام بكفاية العيال، وبالمثال يتضح الحال.

    ماتت عن: زوج، وأخت شقيقة، وأخت لأب، وأخت لأم، وأخ لأم، وأم، الزوج له النصف لعدم الفرع الوارث، والأخت الشقيقة لها النصف لعدم المشارك والمعصب وعدم وجود الفرع الوارث، وعدم وجود أصل وارث من الذكور، الشروط الأربعة، والأخت لأب لها السدس تكملة للثلثين، والأخت لأم مع الأخ لأم الثلث لعدم وجود الفرع الوارث والأصل الوارث من الذكور، والأم لها السدس لوجود جمع من الإخوة.

    على حسب التأصيل قلنا: ننظر، فنكتفي بواحد من المتماثلين أو المتماثلات، ونأخذ الأكبر في حالة التداخل، ونضرب وفق أحدهما في كامل الثاني في التوافق ونضرب العددين ببعضهما في التباين.

    هنا عندنا اثنان، الاثنان متماثلة نكتفي بواحد، والاثنان بعد ذلك داخلة في الستة، والثلاثة داخلة في الستة نكتفي بالأكبر، وهو ستة، وستة وستة متماثلة نكتفي بواحد، أصل المسألة من ستة، نصفها ثلاثة، ونصفها ثلاثة، وسدسها واحد، وثلثها اثنان، وسدسها واحد للأم، صارت عشرة، فالزوج الآن سيأخذ أقل من الثلث ليس النصف.

    قلنا: المعنى الاصطلاحي زيادة في السهام، فأصبحت عشرة بدل ستة، ونقصت مقاديرها، فالثلاثة من عشرة أقل من الثلاثة من ستة؛ لأنه لو أخذ ثلاثة من ستة لأخذ نصف التركة، وهنا أخذ أقل من الثلث، فهنا زيادة في سهام المسألة، نقص من مقاديرها وهي الأنصبة.

    قلنا: ويأتي العول بمعنى الجور، وهنا حصل جور ونقص على هؤلاء؛ لأن هذا بدل من أن يأخذ النصف أخذ أقل من الثلث، فكأنه دخل عليه جور، لكن دون أن يكون في هذا الجور إثم، وحصل في ذلك أيضاً الميل، وحصل فيه الغلبة، كل هذه المعاني وجدت في المعنى الاصطلاحي، نعم المعنى السابع اللغوي وهو القيام بكفاية العيال ليس لنا علاقة به في التعريف الاصطلاحي.

    1.   

    حال الفرائض مع فروضها

    الفرائض هي المسائل، والفرائض بالنسبة لفروضها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: عادلة، وهي إذا جُمعت فروضها ساوت أصلها.

    مثل: ماتت عن زوج، وأخت لأب فقط، الزوج له النصف، والأخت لأب لها النصف، المسألة من اثنين؛ لأنه تماثل، بين مخرج النصفين، النصف واحد، والنصف الآخر واحد، اجمع الفروض تجدها تساوي أصل المسألة.

    القسم الثاني: ناقصة، وهي إذا جمعت فروضها نقصت عن أصلها.

    مثل: ماتت عن أم وأخت شقيقة، وأخ لأم، الأم لها السدس لوجود جمع من الإخوة، والأخت الشقيقة لها النصف، والأخ لأم له السدس، بين الستة والستة تماثل نكتفي بواحد منهم، بين الاثنين والستة تداخل نأخذ الأكبر، المسألة من ستة، سدسها واحد، ونصفها ثلاثة، وسدسها للأخ لأم واحد، اجمع السهام: خمسة، يعني: بدل أن تأخذ الأم واحداً من ستة تأخذ واحداً من خمسة، فبدل أن تأخذ سدس المال تأخذ خمسة.

    القسم الثالث: عائلة، عائلة بمعنى زائدة، وهي إذا جمعت الفروض زادت على أصل المسألة، كالمسألة السابقة التي أصلها ستة وجمعنا الفروض فصارت عشرة.

    إذاً: عادلة جمعت الفروض ساوت أصلها، ناقصة جمعت الفروض نقصت عن أصلها، عائلة جمعت الفروض زادت على أصلها.

    1.   

    أقسام أصول المسائل باعتبار العول وعدمه

    والأصول السبعة باعتبار العول والعدل والنقص تنقسم إلى أربعة أقسام:

    ما يتصور فيها العدل والنقص والعول

    القسم الأول: ما يتصور فيه الأمور الثلاثة: العدل والنقص والعول، يعني: يكون عادلاً وعائلاً وناقصاً، وهذا أصل واحد فقط من الأصول السبعة، وهو أصل ستة فقط، يكون عائلاً، وقد سبق التمثيل على العول والنقص، أما العدل فما أكثره، مثل: مات عن أم، وأخوين لأم، أخ لأم، صارت المسألة من ستة، التركة، لأنه هناك سدساً وهنا ثلثاً، ضع الآن أختاً شقيقة أو أختاً لأب، الأم لها السدس، والأخوان لأم لهما الثلث، والأخت الشقيقة لها النصف، المسألة من ستة؛ لأن بين الاثنين والثلاثة والستة تداخل، نكتفي بالأكبر، سدسها واحد، وثلثها اثنان، ونصفها ثلاثة، اجمع تراها عادلة، ساوت الفروض أصل المسألة.

    ما لا يكون إلا ناقصاً

    القسم الثاني: لا يكون إلا ناقصاً، وقد مر معنا هذا.

    ما يتصور فيها العدل والنقص دون العول

    القسم الثالث: يكون عادلاً وناقصاً، ولا يكون عائلاً، وهما: اثنان وثلاثة، يعني: لو مات وترك أختين شقيقتين وأختين لأم، ثلثان وثلث، المسألة عادلة، فإذا حذفت الأختين لأم يصبح معنا ثلثان، وتكون الفروض ناقصة.

    ما يتصور في الأصلين المصحين

    تنبيه: أصل ثمانية عشر وستة وثلاثين إذا اعتبرنا هذين أصلين لا يمكن أن يكونا إلا ناقصين مثل أربعة وثمانية، لكن بقي معنا من الأصول الثلاثة التي تعول اثنا عشر وأربعة وعشرون؛ لأن الستة يدخل عليه الأحوال الثلاثة، النقص والعدل والعول، أما اثنا عشر وأربعة وعشرون فيمكن أن تعول، ويمكن أن تكون ناقضة، لكن لا يمكن أن تكون عادلة، بينما ستة تكون عادلة وعائلة وناقصة، وعليه اثنا عشر وأربعة وعشرون عائلة، أو ناقصة، ولا يكونان عادلين أبداً.

    إذا كان أصل المسألة اثنا عشر فأنت بين أمرين إما أن تنقص الفروض عن أصل المسألة أو أن تزيد، ما يمكن أن تساوي الأصل، وهكذا أربعة وعشرون إما أن تنقص وإما أن تزيد، إما أن تدخل في النقص وهو في مسائل الرد وإما في العول، وعليه يمكن أن يقال:

    أولاً: أصل المسألة يمكن أن يكون عادلاً، إذا كان ستةً واثنين وثلاثة؛ لأنه تقدم معنا أن الستة يطرأ عليه الأحوال الثلاثة، والاثنان والثلاثة يكونان عادلان وناقصان، إذاً: الستة والاثنان والثلاثة أصول عادلة.

    ثانياً: يمكن أن يكون أصل المسألة ناقصاً، وهذا في جميع الأصول بلا استثناء، لكن يتعين النقص في أصلين لا يفارقهما هما: أربعة وثمانية.

    ثالثاً: الأصول العائلة، يمكن أن يكون الأصل عائلاً، هذا لثلاثة أصول فقط، وهي ستة واثنا عشر وأربعة وعشرون.

    إذاً: جميع الأصول السبعة يمكن أن تكون ناقصة، وثلاثة منها يمكن أن تكون عائلة، وثلاثة منها يمكن أن تكون عادلة.

    ضابط الأصول التي تعول

    للأصول التي تعول ضابطان كل منهما معتبر عند أئمتنا الكرام:

    أول الضابطين وأيسرهما: كل ما له سدس صحيح من الأصول السبعة يعول، وليس عندنا من هذه الأصول السبعة ما له سدس صحيح إلا ثلاثة أعداد: السدس له السدس، والاثنا عشر له السدس اثنان، والأربعة وعشرون له السدس أربعة، ما عدا هذا الثمن ليس له السدس، ومن باب أولى ما دون الستة من أربعة وثلاثة واثنين.

    الضابط الثاني: كل ما كان عدداً تاماً من الأصول يعول، والعدد التام هو إذا جمعت أجزاؤه الصحيحة غير المكررة ساوته أو زادت عليه، كالستة، خذ أجزاءها الصحيحة: لها سدس وهو واحد، ولها النصف ثلاثة، ولها ثلث اثنان، اجمع الأعداد: ستة، فهنا ساوت الأصل.

    أما اثنا عشر وأربعة وعشرون ستزيد، فاثنا عشر لها نصف ستة، ولها ثلث أربعة، ولها ربع ثلاثة، ولها سدس اثنان، النتيجة زائدة.

    وكذلك أربعة وعشرون، لها نصف اثنا عشر، ولها ثلث ثمانية، ولها ربع ستة، ولها سدس أربعة، ولها ثمن ثلاثة، زادت.

    خذ واحدة من الأصول الأخرى التي لا تعول، مثلاً ثمانية، الثمانية لها نصف، أربعة، ولها ربع اثنان، وليس لها أجزاء أخرى، صارت ستة، الستة لا تعول.

    الورثة الذين يدخل عليهم العول

    بقي معنا جزئية ترتبط بما سبق وهي: الورثة الذين يدخل عليهم العول.

    أما من الرجال فهم أربعة فقط، وهم: الأب، والجد والزوج والأخ لأم، غير هؤلاء لا يمكن أن تعول المسألة وفيها وارث ذكر.

    وأما النساء فيمكن أن يدخل العول على جميع النساء، إلا واحدة وهي لا يمكن أن تكون وارثة في مسألة فيها عول؛ لأنها لا ترث إذا كان هناك عول، بل تسقط وهي المعتقة عصبة، وإذا بقي شيء أخذته دون أن تعول المسألة، وعليه تسع نسوة يدخل عليهن العول، وأربعة رجال.

    انتهينا من هذا المبحث الثاني في بيان حال الفرائض مع فروضها وما يتعلق به.

    1.   

    متى وقع العول ودليل القول به

    لم يقع العول في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم، ولم يقع في زمن أبي بكر رضي الله عنه وعن الصحابة الكرام أجمعين، إنما وقع في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، وهذا ثابت بالأسانيد الصحيحة، روى ذلك الحاكم في المستدرك في الجزء الرابع صفحة أربعين وثلاثمائة بسند صحيح على شرط مسلم أقره عليه الذهبي، والأثر رواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى في الجزء السادس.

    والإمام الذهبي هو صاحب سير أعلام النبلاء، وصاحب كتاب الكاشف، وصاحب كتاب ميزان الاعتدال، وهو من الأئمة الكبار الكرام، وهو صاحب كتاب تاريخ الإسلام، وكتبه لا تحصى، ولعله لو أردنا أن نقرأها نموت قبل أن ننهيها قراءة، فكيف ألفها رحمة الله ورضوانه عليه، وهو من العلماء الذين جمعوا العلم والعمل مع الإنصاف.

    قال رحمه الله: ما فينا من يتقن معرفة المذاهب الأربعة فضلاً عن وجود مجتهد، هذا كلامه بالحرف في ترجمه الإمام مالك، هذا قوله عن نفسه وعن شيخه ابن تيمية وعن صاحبه ابن القيم، وعن صاحبه ابن كثير، وعن أئمة الإسلام في ذاك الوقت وهو القرن الثامن، كابن عبد الهادي وابن رجب وابن دقيق العيد والسبكي .

    ولذلك هو ألزم الناس بالفتيا ليس بالمذاهب الأربعة، بل بالمذهب الموجود في ذلك البلد، وقال: إذا رزقك الله إنصافاً وفهماً واطلاعاً مع طهارة في القلب ووجدت قولاً في المذهب الثاني خذ به بشرط أن يكون في مذهب من المذاهب الأربعة؛ لأنك تبعت إماماً آخر، لكن لا تفتي به، الزمه نفسك، وأما الفتيا فالتزم بما هو شائع بين المسلمين في ذلك المكان، هذا كلامه في السير كما نقلته في خطبة الجمعة في الجزء الثامن في ترجمة الإمام مالك، عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    وله كلام في معجم الشيوخ الكبير له، والله ينبغي أن ينقش على القلوب، ومن الظلم أن يكتب هذا في الورق، وسأذكره عما قريب لعله قد يصبح حوله ضجة كالضجة السابقة، ولعله سيقال عن الذهبي : مشرك وهو إمام الموحدين عليه وعلى أئمتنا رحمة رب العالمين، سيأتينا إن شاء الله هذا الكلام من باب الإنصاف والنور والوعي، وأنا أعجب بعد ذلك أناس الآن لهم مفهوم خاص، لا يكفي أنهم شذوا، إنما جعلوا شذوذهم في النار، وكما قال الإمام ابن رجب عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في رسالة فضل علم السلف على الخلف، ورسالة صغيرة الحجم، لكن كل كلمة فيها لها دلالات، يقول عليه رحمة الله: وكثير ممن يدعي السنة هو أشد عليها ممن يعاديها، يقول: فخرجوا عن المذاهب الأربعة وما التزموا بما عليه أئمة الإسلام، ثم ذكر بعد ذلك شذوذهم، يدعي للالتزام بالسنة وهو أشد عليها ممن يعاديها، أقول كما حصل من الظاهرية، الظاهرية الآن يدعون الكتاب والسنة، لكن بسبب شذوذهم لم يعتد بخلافهم في أمور الأحكام، ولذلك إذا ثبت الإجماع لا يقال: خالف ابن حزم ولا داود ولا غيره؛ لأنه لا يعتد بكلامهم على الإطلاق.

    لأنهم يفرقون بين النظير ونظيره، فيقولون: إذا بال الإنسان في الماء مباشرة نجسه، وإذا بال في قارورة وصبه فيه لا ينجسه، قالوا: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن) تقتضي المباشرة، ما هذا المستوى الذي وصلوا إليه؟! يقال: يا عبد الله! لكنه بول سواء باشرت أو بواسطة، فلا فارق بينهما، فهذا يدعي الرجوع إلى السنة، لكن هو أشد عليها ممن يعاديها.

    الإمام الذهبي عليه رحمة الله له تلخيص المستدرك وتعليق عليه، وله تلخيص سنن الكبرى للإمام البيهقي .

    أعود فأقول: وفي السنن الكبرى للإمام البيهقي في الجزء السادس صفحة ثلاث وخمسين ومائتين، والأثر روي مختصراً في سنن سعيد بن منصور في الجزء الأول صفحة أربع وأربعين، ولفظ الأثر من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، قال: أول من أعال الفرائض عمر بن الخطاب، وأيم الله! لو قدم عمر من قدمه الله، وأخر من أخره الله ما عالت فريضة، هذا ابن عباس رأيه، ورأيه مردود عليه، مع حبنا له وإجلالنا له رضي الله عنه وأرضاه، يقول: لو أن عمر قدم من قدمه الله، وأخر من أخره الله لما عالت فريضة، فقيل له: وأيها قدم الله، وأيها أخر؟ يعني: أي الفرائض؟ وأيهم أي الورثة؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: كل فريضة لن يهبطها -يعني: لن ينزلها- الله عن فريضة إلا إلى فريضة، فهذا ما قدم الله، يقول: إذا كانت الفريضة لا تنتقل إلا إلى فريضة فهي مقدمة، عندنا بعد ذلك فريضة تنتقل إلى تعصيب، وعندنا فريضة تنتقل إلى حجب، يقول: تلك مؤخرة، هذا فهم ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، كل فريضة لم يهبطها الله إلا إلى فريضة، يعني: الزوج نصف وربع، الزوجة ربع وثمن، الأم ثلث وسدس، ما يوجد تعصيب ولا حجب للأم، ما يمكن أن تحجب، فكل فريضة لم يهبطها الله إلا إلى فريضة، فهذه ما حكمها؟ قدمها الله، الجدة ماذا حكمها مؤخرة؛ لأنها ترث السدس وتحجب، فإذاً: قد يقول تأتي بمسألة تسقط من مرة الجدة ولا يوجد من يسقطها انتبه ماذا يعمل؟ يعني: لو أنه عند ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين كما سيأتينا وجدت الجدة في بعض المسائل هي وغيرها من ذوي الفروض المؤخرة يدخل النقص عليها فقط، ولا يدخل النقص على من ينتقل من فريضة إلى فريضة، وهكذا لو وجدت أخت شقيقة لها النصف، ولها التعصيب بالغير ومع الغير، إذاً تهبط من فرض إلى غيره، أما أم وزوجة وزوج، هؤلاء لا يهبطون إلا من فرض إلى فرض، نشرح كلامهم إن شاء الله.

    يقول هنا: كل فريضة لم يهبطها الله عن فريضة إلا إلى فريضة فهذا ما قدم الله، وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي، يعني: عن طريق التعصيب، فتلك التي أخر الله، ثم مثل فقال: كالزوج والزوجة والأم، هذا في القسم الأول مما قدم الله، والذي أخر كالأخوات والبنات، فإذا اجتمع من قدم الله ومن أخر بدئ بمن قدم، فأعطي حقه كاملاً، فإن بقي شيء كان لمن أخر، وإن لم يبقى شيء فلا شيء له.

    مسألة: ماتت عن زوج، وأم وأخت شقيقة، الزوج له النصف، والأم لها الثلث، كل منهما مما قدم الله فلا ينتقل إلى ما بقي، إنما من فريضة إلى فريضة، والأخت تنتقل إلى ما بقي، وقد تحجب لوجود ابن وأب، في هذه الحالة المسألة عائلة، فنقول: لها الباقي إن باقي شيء وإلا سقطت، المسألة من ستة، النصف ثلاثة، والثلث اثنان بقي واحد وهو السدس للأخت الشقيقة.

    فنحن نبدأ بمن قدم الله، الزوج قدمه الله فله الفرض كاملاً، والأم قدمها الله فلها فرضها كاملاً، والأخت أخرها الله، إذا بقي فرضها أعطيناها، ما بقي أعطيناها الباقي، يعني: أنت هنا تقول: النصف للأخت الشقيقة، ولما تأتي للتوزيع ثلاثة واثنين، بقي معك واحد، للأخت التي يطرأ عليها النقص، هذا عند ابن عباس.

    يقول: لو أن عمر رضي الله عنه ومعهم الصحابة الكرام رضوان الله عنهم أجمعين هدوا إلى هذا الرأي الذي فهمه ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، فقدموا من قدم الله، وأخروا من أخر الله لما عالت فريضة في الإسلام.

    وفي رواية في السنن الكبرى للإمام البيهقي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، وعبيد الله من التابعين توفي سنة أربع وتسعين وقيل: سنة ثمانية وتسعين وحديثه مخرج في الكتب الستة، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، وابن مسعود ليس عبد الله بن مسعود ، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، يعني: عتبة وعبد الله بن مسعود أخوان، قال عبيد الله : دخلت أنا وزفر بن أوس بن الحدثان، وزفر من التابعين الكرام، ويقال: له رؤية، وأما أبوه صحابي بلا خلاف، وزفر لم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة إلا الإمام النسائي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا بخلاف عبيد الله ، فتقدم معنا حديث في الكتب الستة، وكل منهما ثقة إمام عدل على هدى.

    إذاً: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وزفر بن أوس بن الحدثان دخلا على عبد الله بن عباس ، بعدما كف بصره، رضي الله عنه وأرضاه، بعد ما ذهب بصره، قال عبيد الله : فتذاكرنا معه الفرائض، في رواية ذكرنا معه فرائض الميراث، فقال ابن عباس رضي الله عنهما أجمعين: إن الذي أحصى رمل عالج عدداً -ورمل عالج أمكنة في البادية معروفة عند العرب فيها رمال كثيرة ووفيرة- لم يجعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، لأنه إذا ذهب نصف ونصف، فأين موضع الثلث؟ كهذه المسألة: زوج وأم وأخت شقيقة، نصف ونصف وثلث، فقال زفر بن أوس رضي الله عنهم لـعبد الله بن عباس : يا أبا العباس من أول من أعال الفرائض؟ يعني: هذا العول إذاً من أين جاء؟ وأنت تقول لا يوجد عول، فقال: أول من أعال الفرائض عمر رضي الله عنهم أجمعين. فقال له زفر متابعاً سؤله: ولم؟ أي: لم أعال عمر الفرائض؟ قال: لما تدافعت عليه وركب بعضها بعضاً، قال: يعني: عمر رضي الله عنهم أجمعين: والله ما أدري كيف أصنع بكم؟ ولا أعلم أيكم قدم الله وأيكم أخر؟ وما أجد في هذا المال شيئاً أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص، وعليه ففي المسألة السابقة بدل أن نجعل المسألة ستة نجعلها من ثمانية، ونقسم المال ثمانية أقسام، الزوج له ثلاثة من ثمانية، والأخت لها ثلاثة من ستة، والأم لها اثنان من ثمانية، معناه لها الثلث، ويدخل النقص على الحصص، فكل واحد ينقص من سهمه بمقدار سهامه، فالنقص الذي سيكون للزوج، أكثر من النقص الذي سيكون للأم؛ لأن سهامه أكثر، لكن هذا بالتساوي، أما ابن عباس فقد أدخل النقص على الأخت فقط فأعطاها الثلث بدل النصف، ولم يدخل النقص على بقية الورثة.

    قال ابن عباس رضي الله عنهما مقولته السابقة: وأيم الله! لو قدم عمر من قدمه الله، وأخر من أخره الله ما عالت فريضة قط، فقال له زفر : وأيهم قدم الله وأيهم أخر؟ فقال: كل فريضة لا تزول إلا إلى فريضة فتلك التي قدم الله، وتلك فريضة الزوج له النصف، فإن زال النصف فإلى الربع، لا ينقص منه، والمرأة لها الربع إن زال الفرض إلى الثمن، لا تنقص منه ولا تزول عنه، ثم قال: والأخوات لهن الثلثان والواحدة لها النصف، فإن دخل عليهن البنات كان لهن ما بقي، أو ليس كذلك أخوات مع البنات عصبات فهؤلاء الذين أخر الله، يعني: عندك الأخوات أخرهن الله، فلو أعطى عمر من قدم الله فريضته كاملة، ثم قسم ما يبقى بين من أخر الله بالحصص ما عالت فريضة.

    فقال له زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر ، قال: هبته والله، ولا يقصد من الهيبة هنا الخوف والفرق، إنما يقصد الإجلال، كأنه يقول هو كبيرنا وهو أميرنا وهو خليفة المسلمين، فنحن نجله، نترك رأينا لرأيه، وليس المراد أن هذا خوف بطشه وضربه، فـعمر أورع من أن يضرب من يتكلم بالحق، وابن عباس أعلم من أن يخاف أحداً في دين الله، هذا لا يتناسب مع هذين الرجلين، فـعمر رضي الله عنه إذا اعترض عليه أعرابي وهو على المنبر ينصت ويقول: لا سمع ولا طاعة، ولا يبطش به، ولا يسمعه كلمة.

    والنصح إخوتي الكرام لا بد منه، أما ما يقول بعض السفهاء في هذه الأيام ينسبون أنفسهم إلى السلف الكرام، ونسبتهم إلى الشيطان، يقول: إن من يتكلم بلسانه وينصح خروجه أشد من الخروج بالسيف، يعني: سنعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هذا سيد الشهداء حمزة ، وآخر يقوم إلى إمام جائر فيأمره وينهاه فيقتله، فصار إذا قام إلى الإمام الجائر وأمره ونهاه وذاك بطش به صار هذا خروجه أشد من الخروج بالسيف.

    يا جماعة، أنا أريد أن أعلم هل هؤلاء أتباع مسيلمة أو أتباع النبي عليه الصلاة والسلام؟ انظر للتلاعب بدين الله في هذه الأيام ممن يدعي أيضاً أنه سلفي، هي هذه البلية، عمر رضي الله عنه على المنبر يقول له أعرابي: لا سمع ولا طاعة ما يقول له اسكت، يقول: لم؟ يقول: أنت لا تسوي بينك وبين الرعية، تأخذ ثوباً طويلاً وتعطينا ثياباً قصيرة، ولا يجيبه ولا يبين له السبب يقول: أين عبد الله ، وولده يشرح القصة، ويقول: والدي أخذ كما أعطاكم وهو طويل كما ترون، ولو أراد أن يخيط الثوب الذي أخذه لما وصل إلى ركبتيه، يعني أنتم أحمدوا الله وصلت ثيابكم إلى منتصف ساقيكم أما هو فما يصل إلى ركبتيه فأعطيته ثوبي ليلبس ثوباً واسعاً جميلاً فضفاضاً يعني: يستر ساقيه، وهو الخليفة وبقيت أنا بلا ثوب، فما على أمير المؤمنين ثوبان ثوبه وثوب ولده، فقال بعد أن وضح الأمر: قل الآن نسمع ونطيع.

    عمر رضي الله عنه عنده شدة لكن في الحق، أما يأتي ابن عباس رضي الله عنهم أو يقول له: الرأي في... فـابن عباس أعلم من أن يخاف أحداً في دين الله رضي الله عنهم أجمعين، وعمر أعلى من أن يخيف من يقوم بالحق، وإنما هذا كما قال ابن عمر رضي الله عنهم -والحديث في الصحيحين وغيرهما- عندما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها فوقع الناس في شجر البوادي ووقع في نفسي أنه النخل فاستحييت)، وهذا حياء هيبة لا حياء خوف، قال: كنت عاشر عشرة أنا أصغرهم، فيهم أبو بكر وعمر لا يتكلمان وأنا أتكلم، فمن الأدب أن أسكت، وهنا كذلك يقول ابن عباس : أنا هبته، يعني: هذا الخليفة الملهم المحدث يقود الأمة بعد نبيها على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فهو سكت في زمن عمر ، لكن بعد أن انقرض عصر الخلفاء الراشدين أبدى رأيه في عهد معاوية وفي عهد دولة بني أمية.

    وهذا كما قال أئمتنا يدل على أن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين ليس عنده علم قطعي حقيقي ونص ثابت في عدم وقوع العول، وما عنده إنما هو رأي، ولذلك ترك رأيه لرأي من هو أعلم منه، وإلا لو كان عنده حجة لما استجاز له ولما أجاز لنفسه أن يسكت وأن لا يبلغ بالحجة، فما قاله اجتهاد، وما قاله الصحابة اجتهاد أيضاً، يعني: لا يوجد نص على هذا ولا على هذا، لكن اجتهاد الجماعة وفيهم عمر وعلي وعثمان يقدم على اجتهاد ابن عباس ولا نقصد بهذا تحقيراً، إنما غاية ما نريد أن نبين منزلة قول الخلفاء الراشدين الذين قالوا بهذا، فقول ابن عباس حتماً اجتهاد منه، واجتهاده على العين والرأس، لكن لا يعارض اجتهاد أولئك ولا يقدم على اجتهادهم، فبقي له رأيه ولهم رأي، وهذا أشار إليه أئمتنا في كتب الفرائض وانظروا اتضاحه في كتاب العذب الفائض في الجزء الأول صفحة خمس وستين ومائة، ونص كلامه يقول: وما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين ينبغي القطع بأن مستنده في إنكار العول كان رأياً واجتهاداً منه، وأنه ليس معه دليل ظاهر يجب المصير إليه، فإنه لو كان معه دليل لما سكت لعلمه بأن عمر كان أشد الناس في القيام إلى الحق، وأعظم ليناً بما عرف من أخلاقه.

    يقول: ومقتضى قوله -يعني: أن عمر - كان مهاباً أنه كان في زمنه -يعني: في زمن عمر - مخالفاً له، لكنه كان كاتماً لذلك.

    هذا أن بعض أئمتنا الكرام الكبار في القرن الثامن للهجرة وهو ابن الهائم ، ذكر أن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين أظهر قوله في عهد عمر لكن بلا مستند، نقل ذلك عنه صاحب العذب الفائض، فقال: قال الإمام ابن الهائم وهو محب الدين محمد بن أحمد بن محمد المصري ، توفي سنة ثمان وتسعين وسبعمائة للهجرة، يقول ابن حجر في ترجمته كان من آيات الله في سرعة الحفظ وجودة القريحة، وهو أذكى من رأيت من البشر مع الدين والتواضع ولطف الذات وحسن الخلق، أوضح ترجمته في شذرات الذهب في الجزء السادس صفحة خمس وخمسين وثلاثمائة، يقول ابن الهائم : الذي يظن بـابن عباس أنه أظهر قوله وصرح بالخلاف في زمن عمر وقابل عمر ، لكن بقي ابن عباس لم يترجح له صواب ما قالوا له ليرجع إليه، ولا فساد ما قاله ليرجع عنه، فبقي على قوله، لكن بعد أن أظهر هذا في زمن عمر رضي الله عنهم أجمعين، قال: أنا هذا رأيي، وعمر وازن رضي الله عنهم أجمعين بين القولين وارتأى رأي الجماعة.

    ولعل ابن الهائم أراد أن يبرئ ابن عباس من تهمة السكوت عن الحق، وقلت هنا ليس هذا سكوتاً عن الحق، غاية ما في المسألة أنه اجتهاد وهناك اجتهاد فهو قال أنا لا قيمة لاجتهادي مع اجتهاد هؤلاء فأسكت ما داموا على قيد الحياة، فلما امتدت به الحياة وجد أنه هو أعلم الحاضرين، فقال: أنا الآن أظهر قولي، هذا الذي يظهر، وهذا ليس فيه تهمة له، وأنه خاف أو فزع أو فرق من عمر رضي الله عنهم أجمعين، وليس فيه أيضاً تهمة على عمر، فالقول بأنه أظهر هذا في عهد عمر يحتاج إلى نقل؛ لأن المنقول أنه قال: هبته وما تكلم، هذا الذي يظهر والعلم عند الله جل وعلا.

    يقول صاحب العذب: وقول بعضهم سكت لوجود هيبة من الفاروق، ولما لوالده عليه من الحقوق وهو العباس ؛ لأن العباس أشار بالعول، يقول: هذا فيه نظر، فكيف يسكت عما ظهر له لأجل هذا وغير الصحابة لا يظن بهم هذا، فكيف بالصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين حتماً، يعني: إذا قلنا: إنه سكت من باب الفرق والخوف، أو داهن والده لأن لوالده له عليه حقوقاً فلم يرد أن يخالفه فسكت عن الحق الذي يعلمه، هذا حتماً باطل، لكن كما قلت مستند قوله اجتهاد، فإذا كان الأمر كذلك يوجد في الأمر سعة في ترك اجتهاد باجتهاد.

    قال ابن إسحاق فيما نقله عنه الإمام البيهقي في المكان المشار إليه آنفاً قال الزهري : وأيم الله لولا أنه تقدمه إمام هدى كان أمره على الورع ما اختلف على ابن عباس اثنان من أهل العلم.

    كأن الإمام الزهري يقول قول الإمام ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين له وجاهة وله اعتبار، لكن لولا أنه سبقه إمام هدى، وقال بخلاف قوله -وهو عمر رضي الله عنه- ما اختلف اثنان من أهل العلم على الأخذ بقول ابن عباس .

    وسيأتينا نقل الإمام ابن قدامة أنه وقع الإجماع بعد ذلك على العول، ولا يعلم قائل بمذهب ابن عباس رضي الله عنه انتهى. لا إله إلا الله.

    وهذا الذي نقل عن ابن عباس رضي الله عنه وعن الصحابة الأخيار أجمعين في المستدرك وسنن البيهقي وسنن سعيد بن منصور وثبت أيضاً ما يشبهه في نفي ابن عباس للعول، في دواوين الإسلام، ففي مصنف ابن أبي شيبة في الجزء الحادي عشر صفحة اثنتين وثمانين ومائتين وسنن سعيد بن منصور في المكان المتقدم، من رواية عطاء عن ابن عباس أنه قال: الفرائض لا تعول، وروى نحو ذلك الإمام الدارمي في سننه في كتاب الفرائض في الجزء الثاني صفحة تسعاً وتسعين وثلاثمائة، والأثر مروي أيضاً من طريق عمرو بن دينار، الأول عن عطاء في مصنف ابن أبي شيبة، وعمرو بن دينار في سنن سعيد بن منصور .

    ونقل ما يقرر أن عمر رضي الله عنه هو أول من أعال الفرائض عن عدة من الصحابة الكرام منهم زيد بن ثابت كما في سنن سعيد بن منصور في الجزء الأول صفحة ثلاث وأربعين، والسنن الكبرى للإمام البيهقي في المكان المتقدم عن زيد أنه قال: إن عمر رضي الله عنه هو أول من أعال الفرائض، ونقل هذا عن زيد رضي الله عنه وأرضاه، أنه أعال الفرائض أيضاً، وهذا مذهبه.

    ونقل العول أيضاً عن علي رضي الله عنه فقضى به وأعال الفرائض، ثبت ذلك في سنن سعيد بن منصور والسنن الكبرى للإمام البيهقي في المكانين المتقدمين أنه أتي علي رضي الله عنه برجل مات وترك أبويه وابنتيه وامرأته، الأب له السدس والتعصيب إن بقي شيء؛ لأن الوارث أنثى، والأم لها السدس، والبنتان الثلثان، والزوجة ثمن لوجود الفرع الوارث، بين الثلاثة والستة تداخل، وبين الستة والستة تماثل، وبين الستة والثمانية توافق، نضرب وفق أحدهما في كامل الآخر: أربعة وعشرون، سدس المسألة للأم أربعة، وثلثاها ستة عشر، ثمانية لكل بنت، والثمن ثلاثة، بقي أقل من السدس، فنعطي للأب السدس، عالت إلى سبعة وعشرين، فقال علي رضي الله عنه في هذه المسألة: صار ثمنها تسعاً، لأن الثلاثة من سبعة وعشرين تسع، هذا قضى به علي رضي الله عنه وأرضاه.

    ونقل القضاء بذلك عن ابن عوف عن جمع غفير من التابعين، منهم إبراهيم النخعي ، كما في السنن الكبرى للإمام البيهقي في المكان المتقدم وفي مصنف ابن أبي شيبة في الجزء الحادي عشر صفحة اثنتين وثمانين ومائتين عن علي .

    ونقل هذا عن إبراهيم النخعي ، ونقله عن علي وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت ، قال إبراهيم : إنهم أعالوا الفرائض، ونقل هذا عن شريح ، كما في سنن الدارمي في المكان المتقدم في الجزء الثاني تسع وتسعين وثلاثمائة، وهو في مصنف ابن أبي شيبة ، أنه قضى في مسألة فيها شقيقتان وزوج وأم وأخوان لأم، الأختان لهما الثلثان، والزوج له النصف، والأم لها السدس، والأخوان لهما الثلث، بين الثلاثة والستة تداخل، وبين الاثنين والستة تداخل، المسألة من ستة، ثلثاها أربعة اثنان اثنان، ونصفها ثلاثة، وسدسها واحد، ثمانية، المسألة من عشرة، هذا قضاء شريح رضي الله عنه وأرضاه.

    هذه المسألة بعد أن قضى بها شريح ذهب الزوج إلى العلماء وكلهم يخطئون شريحاً لكنه لا يتقي الله، فلم يذكر نص المسألة، يقول: أنا زوج ماتت زوجتي ولم تترك ابناً، ولا ابن ابن، ولا بنتاً ولا بنت ابن يعني: ما تركت فرعاً وارثاً كم لي، يقول: لك النصف، يقول: ما أعطاني شريح نصفاً ولا ثلثاً، كلهم يقولون: جار شريح جار في قضائه، كيف أنت زوج ولا يوجد فرع وارث ولا يعطيك النصف، قال: ما أعطاني نصفاً ولا ثلثاً؛ لأن الثلاثة من عشرة أقل من الثلث، فاستدعاه شريح رضي الله عنه وأنبه، وقال: أذكر للناس المسألة، يعني: زوجتك ماتت عن من ليروا القضاء.

    إذاً: هؤلاء كلهم قضوا بالعول كما تقدم معنا، نعم خالف في ذلك ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين وكان عطاء يميل إلى قوله في أول الأمر، وهل تركه بعد ذلك أم لا العلم عند الله، ثبت في سنن سعيد بن منصور في الجزء الأول صفحة أربع وأربعين عن عطاء قال: قلت لـابن عباس رضي الله عنهم أجمعين: إن الناس لا يأخذون بقولي ولا بقولك، ولو مت أنا وأنت ما اقتسموا ميراثاً على ما نقول، فغضب ابن عباس رضي الله عنه، وقال: فليجتمعوا الذين يخالفونني في العول، فلنضع أيدينا على الحجر الأسود، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين.

    والمباهلة من مسائل الفرائض وسميت بهذا الاسم لأن ابن عباس رضي الله عنه عندما قال بمذهبه قال: أباهلكم، قال أئمتنا: المباهلة مأخوذة من بهله إذا لعنه، يعني: كل واحد يأتي ويسأل ربه أن يجعل اللعنة على المبطل والكاذب أو من أبهله إذا أهمله، وأطلق هذا على كل دعاء يجتهد فيه الإنسان وإن لم يكن فيه التعان، فالله جل وعلا يقول في كتابه في آية المباهلة أيضاً بيننا وبين أهل الكتاب: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:61] وكما تقدم معنا هذه حدة تعتري الصالحين، فليلتمس لقائلها عذر، لكن لا يعول عليه في هذا القول، فتقدم معنا أنه كان يقول في متعة الحج: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام وتقولون: قال أبو بكر وعمر يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، وقلت لكم بعض الشباب في هذه الأيام يعتبرون هذا النص كأن له اعتباراً وأثراً، ولا اعتبار له ولا أثر، والله إننا نعيذ الشيخين برب الكونين من مخالفة نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن ليس الموضوع المخالفة، إن الشأن في فهم السنة، نعم أمر الصحابة أن يفسخوا حجهم إلى متعة، لكن هل هذا له حكمة أو لا، من صاحب النبي عليه الصلاة والسلام بينوا أن هذا خاص بهم، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: كانت المتعة رخصة لنا وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام خاصة، والسبب في هذا الترخيص قضاءً على عادة الجاهلية الموروثة أن التمتع بالعمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وأفسق الفسوق، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يستأصل هذا، وهي الحجة الوحيدة التي حجها مع أصحابه فأمرهم أن يفسخوا حجهم إلى عمرة، فهذا الذي حصل من الخلفاء الراشدين بعد ذلك حجوا مفردين، مدة خلافتهم رضي الله عنهم وأرضاهم، يستحيل أن يأخذوا بمفضول وأن يتركوا فاضلاً، وكلام ابن عباس رضي الله عنه ما ننكره، فالأمر صحيح لكن يبقى النظر في تأويل النص وتعليله وتأويله وفهمه.

    إذاً: قضاء عمر في العول هو الذي استقر عليه قول الصحابة وأجمعت عليه الأمة بعد ذلك وهو الحق، ويدل عليه أربعة أمور، منها: إطلاق نصوص المواريث في جعل المقادير محددة للوارثين، وذلك الإطلاق يقتضي عدم التفرقة بين الورثة حال اجتماعهم وحال انفرادهم، فإذا كان لأحدهم النصف والآخر النصف فهما متساويان، وليس هذا إذا انفرد تعطيه النصف كاملاً، وهذا إذا انفرد تعطيه النصف كاملاً، وإذا اجتمعا تعطي هذا السدس وذاك النصف.

    مثل: زوج وأخت، الزوج أعطيته النصف كاملاً والأخت قلت لها السدس؛ لأن العول يأتي عليها فقط، فإطلاق نصوص المواريث من الكتاب والسنة في جعل مقادير مقدرة للورثة يقتضي ذلك الإطلاق التسوية بين الورثة، هذا له نصف وهذا له نصف، فإذا أردت أن تضر هذه ينبغي أن تضر ذاك بتلك النسبة، هذا الإطلاق مقصده أن لا نفرق بين الورثة في حال اجتماعهم وفي حال افتراقهم.

    ولا يجوز تخصيص بعضهم بالنقص من غير حاجب شرعي، فذلك ترجيح بلا مرجح، وهو محال، وليس بعد هذا الاستدلال استدلال، وليس بعد هذا الاستنباط استنباط وليس بعد قوة هذا الدليل قوة.

    وبهذا نصل إلى آخر هذه المحاضرة، والحمد لله رب العالمين.