إسلام ويب

فقه المواريث - الحسابللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعتمد الفرائض على معرفة علم الحساب؛ إذ به يستطيع الفرضي معرفة أصول المسائل وكيفية استخراجها، وكيفية توزيع الأسهم وقسمة التركات، ولهذا نوه به العلماء، ووجب على الفرضي معرفته والعلم به، ففي تأصيل المسائل نستخرج أقل عدد يمكن أن يستخرج منها فرض المسألة، ومما ينبغي معرفته النسب الأربع بين الأعداد وهي: التماثل، والتداخل، والتوافق والتباين.

    1.   

    أهمية علم الحساب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين. اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد: فقد انتهينا من باب الجد والإخوة، ووصلنا إلى باب الحساب، وهذا ما سنتدارسه في هذه الموعظة إن شاء الله.

    أهمية هذا المبحث وفائدته أن بالحساب يتحقق العدل عند أولي الألباب، وبه يصل صاحب الحق إلى حقه بلا ارتياب، وبه تُضبط الأمور على وجه الصواب، ولذلك نوَّه أئمتنا بفضل الحساب عند هذا الباب في كتب المواريث، ففي العذب الفائض في الجزء الأول صفحة ثلاث وعشرين ومائة، قال المؤلف رحمه الله: إن فضل الحساب مشهور، ونفعه في غاية الظهور، وقد دل القرآن المجيد على شرف منزلته وشهد العقل بتمام فضيلته، ثم سرد أبياتاً من الشعر لطيفة ظريفة فقال:

    إن الحساب من العلوم جليل وعلى دقيقات الأمور دليل

    فهذا علم جليل، وعلى دقيقات الأمور دليل، يوصلك إلى الأمور الدقيقة الخفية، على النقير والقطمير، ويضع كل شيء في موضعه، فهذا له سدس وهذه لها ربع وتلك لها ثلث، ولا يمكن أن نقسم الترك إلا بواسطة علم الحساب.

    فاحرص على علم الحساب فإنه برياضة المستصعبين كفيل

    يعني: من يصعب عليه حفظ الأشياء وفهمها إذا مُرِّن بواسطة علم الحساب ذكى عقله -من الذكاء- وتفتح، وصار عنده وعي، فهو الذي يشحذ الذهن ويقويه، وعلم الرياضيات -حقيقة- يقوي العقل.

    قوله: برياضة المستصعبين كفيل، يعني: من يستصعب الأشياء فهو لا يهضمها ولا يفهما لو مُرِّن بواسطة علم الرياضيات سيفهم، وهذا مثل الإنسان إذا عنده خمول في بدنه لو مُرِّن بالرياضة صار عنده نشاط، ورياضة العقل بعلم الحساب فهو عندما يحفظ جدول الضرب ويعرف عمليات الجمع والطرح والتقسيم يتفتح الذهن، وإلا إذا قلت له: خمسة بخمسة كم؟ يقول: ما أعلم، وكيف صارت خمسة وعشرين؟ يقول: لا أدري، وثلاثين تقسيم ستة تقول: ما أعلم، إذا ما تعلم أنت بليد من البلادة، فأين ذهنك؟

    وهكذا إنسان تقول له: تعال نمشي خطوات يقول: لا، نحتاج إلى سيارة، كما يقع كثيراً هذه الأيام، فالجسم لابد له من رياضة ولابد للعقل من رياضة، ورياضة العقول علم الحساب.

    فاحرص على علم الحساب فإنه برياضة المستصعبين كفيل

    هذا يروضهم ويذكيهم ويشحذ أذهانهم.

    لولا الحساب لعلم كل فريضة لم يعلم التحريم والتحليل

    يعني: لا تستطيع أن توصل إلى كل ذي حق حقه إلا بعلم الحساب.

    إذاً: هذا منزلة علم الحساب، ويكفي دليلاً على منزلته وفضله ورفعة قدره أن الله سيجمعنا إلى يوم الحساب، وهو الذي سيحاسب الأولين والآخرين سبحانه وتعالى في ذلك اليوم العظيم، إذاً: سنجتمع في يوم الحساب ويحاسبنا الكريم الوهاب، فكما أن الحساب يوصل إلى كل ذي حق حقه في هذه الحياة هكذا عند بعثتنا بعد موتنا، عندما نقوم بين يدي ربنا، قال الله جل وعلا في سورة الأنبياء: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] .

    وقال جل وعلا في سورة غافر: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر:15-17].

    وهكذا قول الله جل وعلا في سورة الأنعام: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:61-62].

    إذا عندك سرعة أيضاً في الحساب وجواب على البديهة كما يقال فهذا كمال، وهذا الذي وصف به ربنا جل وعلا بأنه سريع الحساب، وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]، لكن أي محاسب سبحانه وتعالى؟ إنه أكمل الحاسبين، وهو سريع الحساب، وأسرع الحاسبين، قال أئمتنا: إن الحساب كمال وسرعة الحساب مدح بلا إشكال، كيف لا وقد وصف به ذو العزة والجلال سبحانه وتعالى.

    تيسير الله لحساب الزمان

    وقد امتن الله على عباده بأن يسر لهم الأمور التي يعرف بها حساب الأيام والسنين والشهور، فقال جل وعلا في سورة يونس: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [يونس:5].

    ونظير هذه الآية قول الله جل وعلا في سورة الإسراء: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [الإسراء:12]، انتبه لآية يونس: جعل الشمس ضياء، وهنا جعلنا الليل والنهار آيتين، الليل فيه آية عظيمة وهي القمر، والنهار فيه آية عظيمة وهي الشمس، وهناك جعل الشمس ضياء والقمر نوراً، وترتب على هذين الأمرين على الشمس والقمر ترتب على هذا معرفة الأيام والسنين والشهور من الأيام القمرية والأيام الشمسية، ولولا أن الله جعل هذين النيرين -الشمس والقمر- لما أمكنك أن تضبط المدة، وصعب هذا على الناس غاية الصعوبة، فإذا استقرض إنسان شيئاً من إنسان وقال: الوفاء في وقت كذا، ولا يوجد ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر يضبطان المواقيت وبسببهما نحدد المواعيد كيف سيكون الأمر؟ سيكون في غاية الصعوبة، يعني متى سنعلم أن الوقت قد انتهى وحان موعد السداد؟ لا نعرف، لكن بواسطة الشمس وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [الإسراء:12].

    دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية بتعلم الحساب

    وقد روي عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه دعا لـمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين بأن يعلمه الله الكتاب والحساب، وروي الحديث كما سأذكره لكن في إسناده لين، الحديث رواه البزار والطبراني كما في مجمع الزوائد في الجزء التاسع صفحة ست وخمسين وثلاثمائة، وهو في مسند الإمام أحمد في الجزء الرابع صفحة سبع وأربعين ومائة، وفي المسند والبزار ومعجم الطبراني الكبير من رواية العرباض بن سارية رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب)، ومعاوية كان من كتاب الوحي وهو خال المؤمنين، فهو أخ لأمنا أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين وعلى نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، والحديث جميع رجاله ثقات أثبات إلا الحارث بن زياد الشامي وهو من رجال أبي داود والنسائي ، قال الحافظ في التقريب: ليّن الحديث. وقال الإمام الهيثمي في المكان المشار إليه آنفاً: لم أجد من وثقه، ولم يرو عنه غير يونس بن سيف، ويونس بن سيف الحمصي من رجال أبي داود والنسائي أيضاً، حكم عليه الحافظ الذهبي في الكاشف بأنه ثقة، وقال الإمام ابن حجر في التقريب: مقبول. والإشكال ليس فيه، إنما يشير الهيثمي بقوله: لم يرو عنه غير يونس بن سيف إلى أن الحارث بن زياد مجهول، لم يرو عنه إلا راوٍ واحد، وبذلك حكم الذهبي على الحارث لا على يونس ، حكم عليه بالجهالة في المغني في الجزء الأول صفحة واحد وأربعين ومائة، قال: الحارث بن زياد مجهول، لم يرو عنه إلا يونس بن سيف ، وهكذا حكم عليه أيضاً في الميزان في الجزء الأول صفحة ثلاث وثلاثين وأربعمائة فحكم عليه بأنه مجهول.

    وقد بحثت في الأحاديث لأرى فها تنويها بأمر الحساب والدعوة به لبعض الصحابة فما وقفت إلا على هذا الحديث.

    الحسيب من أسماء الله تعالى

    ومن أسماء ربنا جل وعلا: الحسيب، وقد فُسر هذا الاسم المبارك لربنا جل وعلا بثلاثة أمور كلها ثابتة في العزيز الغفور سبحانه وتعالى:

    أولها: قيل: الحسيب هو الكافي، وحسبك هذا أي يكفيك، ومنه قول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ [آل عمران:173] يكفينا الله.

    ويطلق لفظ الحسيب على المحاسب الذي هو ماهر حاذق في الحساب، ومنه قول الله جل وعلا في سورة الإسراء: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:14] أي: محاسباً.

    ويطلق الحسيب أيضاً على الشريف وهو مأخوذ من الحسب، ومنه ما ثبت في الحديث الصحيح في المسند والكتب الستة إلا سنن الترمذي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)، المراد من الحسب: الشرف ورفعة القدر والمكانة وعلو النسب، وإنما سمي الشرف حسباً؛ لأن العرب كانوا إذا افتخروا يعدون خصال الشرف والمروءة والكرم والأريحية فيهم، فمن زادت خصاله في العد ارتفع على غيره في الحسب، فقيل للشرف حسب لأنه يحسب: الكرم، النجدة، المروءة، النخوة، الحياء، العفة، يقول: فينا وفينا وفينا ويعدد، فإذا زادت خصال الخير فيهم قيل لهذه القبيلة أو لهذا العرق أو لهذا الفخذ لهذا الحي: إنهم أهل حسب، يعني: مفاخر تحسب وتعد كثيرة فليس مفخرة أو مفخرتين، وعليه الحسيب من أسماء ربنا جل وعلا: هو الكافي، وهو المحاسب، وهو الشريف الكامل الذي يتصف بكل كمال، ويتنزه عن كل نقصان سبحانه وتعالى.

    المحصي من أسماء الله تعالى

    ومن أسماء الله جل وعلا أيضاً: المحصي، وكل هذا مرتبط بالحساب، حسيب محاسب محصي سبحانه وتعالى، قال جل وعلا في سورة الجن: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن:26-28]، وهذا الإحصاء لا يكون إلا إذا أحاط بعلم الحساب والله لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى.

    وقال جل وعلا في سورة المجادلة: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [المجادلة:6-7].

    فهو المحصي سبحانه وتعالى، قال أئمتنا: المحصي هو الذي يحفظ أعداد طاعاتك، وعالم بجميع أحوالك، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

    وكفى علم الحساب شرفاً -كما قلت- أن الله تمدح بأنه يتصف بالحساب وأنه سريع الحساب، وأنه الحسيب، وأنه المحصي سبحانه وتعالى؛ ولذلك قال بعض أئمتنا أبياتاً لطيفة رقيقة فيها الإشارة إلى هذا فقال:

    علم الحساب شريف ليس يحقره إلا غبي جهول فاقد البصر

    أهل العلوم بأسرها تجلله

    أي: تجله وتحترمه وتوقره وهم بحاجة إليه.

    لا يمتري فيه أهل صحة النظر

    وكل علم فللحساب مفتقر وما الحساب لغيره بمفتقر

    أي: علم الحساب لا يحتاج إلى علم آخر، إنما العلوم الأخرى هي التي تحتاج إليه.

    وحسبه مدحة وصف الإله به لنفسه في مواضع من السور

    أي: يكفي علم الحساب مدحاً وفضلاً ورفعة قدر أن الله مدح به نفسه في مواضع من سور القرآن.

    1.   

    تعريف علم الحساب

    بعد أن علمنا فائدته ومنزلته وأن العلوم بأسرها تحتاجه وهو لا يحتاجها إنما هي تحتاج علم الحساب نتكلم على تعريف علم الحساب.

    أما كلمة علم فتقدمت معنا عند علم الفرائض.

    الحساب: هو علم بأصول يتوصل بها إلى استخراج المجهولات العددية.

    يعني: يخرج لك المجهول من الأعداد، فمثلاً إذا أردنا أن نقول: اثنين في خمسة؟ الناتج مجهول أنت الذي ستحدده، فهذه العملية التي هي عملية الضرب تخرج المجهول الذي نبحث عنه بخمسة عشر، كذلك تسعة تقسيم ثلاثة؟ الناتج مجهول وبالحساب نعلم أنه ثلاثة عندنا علم الفرائض كله مجهولات، فلما نقول نصف وربع وثلث وثمن وبعد التركة كيف ستخرج هذا؟ هذا كله مجهولات، حدد لنا الآن الأرقام الدقيقة من هذه التركة.

    إذاً معنى الحساب: علم بأصول يتوصل بها إلى استخراج المجهولات العددية، ويراد بعلم الحساب عندنا في مبحث الفرائض ثلاثة أمور، فنحن لا نريد الآن الحساب بمعناه الواسع، فليس لنا علاقة بعمليات الحساب المتشعبة والدقيقة، نحن عندنا علم الحساب شامل لثلاثة أمور لتأصيل المسائل ولتصحيحها ولقسمة التركات على مستحقيها. فينبغي أن تحيط بهذه الأمور الثلاثة في الفرائض وإلا لا ينفعك لو حفظت نصوص الفرائض من أولها إلى آخرها: كيف ستخرج أصل المسألة، وكيف ستصححها، وكيف ستقسم التركة على مستحقيها، هذا هو علم الحساب الذي نريده في المواريث.

    فنحن إذا أصلنا وصححنا نأتي بعد ذلك بالتركة ونعطي كل ذي حق حقه، فمالنا ولعمليات الحساب الدقيقة؟ قد تلزم المهندسين، وقد تلزم الأطباء، وقد تلزم طلاب المدارس، أما نحن فعندنا هذه الأمور الثلاثة لابد من إدراكها، على أنه كما قال الفرضيون، وهذا أيضاً لا خلاف فيه: لا يمكن أن نتوصل إلى هذه الأمور الثلاثة إلا بمعرفة الحساب الذي يدرسه المهندسون وغيرهم وه العمليات الحسابية من جمع وطرح وتقسيم وضرب وبعد ذلك إخراج القاسم الأعظم المشترك، هذا كله إذا لم تعرفه ما يمكن أن تسير في عمليات حساب الفرائض على الإطلاق، فهل يمكن لهذه الأمور الثلاثة أن يعرفها الإنسان دون أن يعلم الضرب والتقسيم والناقص والزائد؟ لا يمكن على الإطلاق، وعليه لابد من أن يحيط بعلم الحساب، نعم لا يلزمه أن يكون متخصصاً فيه في جزئيات لا حاجة لنا بها في هذا العلم، لكن لابد من أن يحيط بقواعده الإجمالية.

    كذلك عمليات الجبر لابد أننا نعرف ما يحتاج إليه علم الفرائض وقد أشار صاحب كتاب عمدة الفرائض إلى هذه الثلاثة: تأصيل المسائل، تصحيحها، قسمة التركات على مستحقيها فقال:

    حسابها التأصيل والتصحيح لا علمه المشهور والصحيح

    أي: حسابها ـ حساب الفرائض ـ عندنا التأصيل والتصحيح وترك الأمر الثالث، لأنك إذا أصلت وصححت سهل عليك قسمة التركة كما سيأتينا.

    قوله: لا علمه، أي: لا علم الحساب الدقيق بجميع جزئياته وحيثياته، فتأتي وتحفظ النظريات الدقيقة.

    حسابها التأصيل والتصحيح لا علمه المشهور والصحيح

    قوله: (والصحيح) متعلق بالبيت الثاني وهو:

    أن الأصول تسعة فاثنان منها بباب الجد يوجدان

    يعني: سبعة أصول متفق عليها وعندنا أصلان اختلف فيهما، فالمؤلف هنا مال إلى اعتبارهما أصلين ولا يوجدان إلا في باب الجد والإخوة، وسيأتينا هذا ضمن تفصيل المسائل إن شاء الله.

    إذاً: الحساب باختصار: علم بأصول يتوصل بها إلى استخراج المجهولات العددية، وهو عندنا في علم الفرائض يستند على ثلاثة أمور: تأصيل المسائل، وسيأتي معنا التأصيل وكيف نخرج أصل المسألة، والتصحيح يعني كيف نخرج أصل المسألة، وقسمة التركات، ولا نفارق هذا المبحث إلى غيره حتى ننتهي من هذه الأمور الثلاثة، وسنبدأ أولاً بتأصيل المسائل.

    1.   

    تأصيل المسائل

    التأصيل في اللغة: مصدر أصلت العدد إذا جعلته أصلاً، والأصل هو ما يبنى عليه غيره، هذا معنى الأصل في اللغة، والمراد بالتأصيل عند الفرضيين: استخراج أقل عدد يخرج منه فرض المسألة أو فروضها بلا كسر، وإذا جاوزت العدد الأدنى إلى العدد الأعلى فأنت مخطئ في الفرائض وإن كان الحل صحيحاً، فانتبه لذلك.

    مثلاً: ماتت عن زوج وأخت شقيقة، للزوج النصف لعدم الفرع الوارث، والأخت الشقيقة لها النصف لوجود الشروط الأربعة؛ فلا معصب ولا مشارك ولا أصل ولا فرع وارث.

    إذاً: لدينا نصف ونصف وسيأتينا الآن ضمن التأصيل كيف نخرج أقل عدد يستخرج منه فرض المسألة أو فروضها بلا كسر.

    لدينا اثنان: واحد وواحد، ما يمكن أن تخرج أقل من اثنين، ولو وضع أربعاً فقال: اثنان في اثنين يساوي أربعة ثم نصف الأربعة اثنان لقيل: إنه جاهل بالتأصيل، نعم هذا الحل صحيح، لكن في الفرائض يعتبر غلطاً، لأنك الآن تكبر على نفسك العملية وتكثر الأعداد وكلما ازداد بعد ذلك الورثة وكثرت الأعداد وأخرجت أعداداً زائدة كلما أتعبت نفسك وعرضت نفسك للخطأ أكثر؛ لأن احتمال الخطأ في الأعداد القليلة أقل منه في الأعداد الكبيرة.

    فقد يكون توزيع الفروض صحيحاً، فكل شيء بحسابه، يعني لما يكتب نصفاً للزوج يوضع لها درجة ويقال: أحسنت، وضع نصفاً للأخت، يقال له: أحسنت، يأتي للتأصيل أخرج أربعة يقال: غلط؛ لأن أقل عدد معنا هنا اثنان، فإذا جاوزته غلطت.

    إذاً: التأصيل أن نستخرج أقل عدد يمكن أن يستخرج منه فرض المسألة أو فروضها بلا كسر فهنا أقل من اثنين لا يمكن، فهذا نقول: أصل المسألة، وسيأتينا كيفية الاستخراج، إنما هذا للتمثيل فقط، يعني: كيف سنخرج الأصل إذا كان معنا أصحاب فروض وعصبات، هذا كله سيأتينا ضمن مراحل البحث إن شاء الله.

    غالب ظني أنه تقدم معنا في كلام الإمام الزهري عندما دخل على عبد الملك بن مروان رحمة الله على المسلمين أجمعين فسأله عبد الملك عن رجل مات ترك زوجة وأماً وأباً فقال: لها الربع، وللزوجة الربع، وللأب النصف، فقال: أصبت الفرض وأخطأت اللفظ، يعني: الفرض صحيح لكن كلامك عند الفرضيين يعتبر لحناً وخطأً، فلا يجوز أن تقول: لها الربع، قل: لها ثلث الباقي؛ لأن الأم ليست من أصحاب الربع، لقد يمتحن الإمام الزهري في الفرائض ويصحح له.

    وهنا كذلك لو جاء وقال: سنجعل المسألة من أربعة، نقول: أصبت الفرض وأخطأت اللفظ، التأصيل غلط لكن الحل صحيح، ما صار في المسألة أي مشكلة، بدل من أن نجعل المسألة إلى قسمين جعلتها إلى أربعة أقسام لكن هذا تطويل من غير طائل، وكلفة بلا سبب ونهينا عن التكلف، فإذا أمكنك أن تصل إلى المطلوب من أقصر طريق فلا تطول على نفسك بلا فائدة.

    إذاً: معنى التأصيل: استخراج أقل عدد يخرج منه فرض المسألة أو فروضها من غير كسر.

    1.   

    تصحيح المسائل

    التصحيح: تفعيل من الصحة ضد السقم، والغرض من التصحيح إزالة الكسر من الأنصباء؛ لأن الأنصباء إذا لم تنقسم على مستحقيها من الورثة قسمة صحيحة، فينبغي تصحيح المسألة، فالكسر الذي في الأنصباء بمنزلة المرض والسقم، والفرضي الذي يزيل هذا المرض أو هذا السقم بمنزلة الطبيب، وعمله يقال له: تصحيح، يعني: جعل هذه الأنصباء العليلة السقيمة سليمة صحيحة، وخذ معنا هذه المسألة:

    ثلاث زوجات وابن، الزوجات لهن الثمن لوجود الفرع الوارث، والابن عصبة؛ لأنه أقرب العصبات وأقوى العصبات.

    في التأصيل سنخرج -كما قلنا- أقل عدد، وأقل عدد معنا ثمانية، ما يمكن أن نخرج غيره، واحد للزوجة وللابن سبعة، هذا واحد يقال له نصيب، وهذه كلها أنصباء، وقد صار عندنا كسر، ونحن في التأصيل لا نخرج كسراً، فإذا انقسمت الأنصباء على مستحقيها نصحح المسألة فإذا لم تنقسم نصححها مرة ثانية، فيكون ذاك أصل ثم يحتاج إلى تصحيح، فهذا الانكسار بمنزلة ـ كما قلنا ـ السقم والمرض والعلة، فنصحح هذه المسألة فنقول: بين الواحد والثلاثة مباينة، لأن الواحد لا ينقسم على الثلاثة فنأخذ كامل العدد ثلاثة ونضربه في ثمانية يكون الناتج أربعاً وعشرين، هذا أقل عدد للتصحيح، فلا يمكن أن نخرج أقل منه هنا، واحد في ثلاثة: ثلاثة، لكل واحدة واحد، وثلاثة في سبعة: واحد وعشرون للابن، انتهت المسألة.

    فإذاً: انكسار الأنصباء على مستحقيها هذا سقم ومرض، فيأتي الفرضي الذي هو طبيب علم الفرائض، فيزيل هذا السقم وهو الكسر بواسطة التصحيح فيجعل هذه الأنصباء منقسمة على مستحقيها قسمة صحيحة بلا كسر.

    ومعنى التصحيح عند الفرضيين: استخراج أقل عدد يتأتى منه نصيب كل مستحق من إرث أو وصية أو دين أو شركة من غير كسر، إذاً نخرج نصيب من يستحق شيئاً من هذه التركة سواء كان إرثاً، أو وصية، نفرض أنه أوصى بخمس ماله، كيف سنخرج هذا الخمس؟ من دين أو شركة، أو غيرهما، هذا كله يقال له: تصحيح، عندما لا ينقسم هذا النصيب على مستحقيه فهنا صارت علة وسقم فلابد من إزالته بعملية التصحيح التي ذكرناها.

    1.   

    أصول المسائل وكيفية استخراجها

    لهذه المسألة اجتماع واتفاق، واختلاف وافتراق.

    الإجماع والخلاف في عدد أصول المسائل

    أما الأول وهو الاجتماع والاتفاق فيكون في الأصول السبعة، فلا خلاف بين الفرضيين في أنها أصول وعلى هذا أجمعوا، بل لا يوجد أصل سواها مطلقاً عند من لم يورثوا الإخوة مع الجدة، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في أحد قوليه وعلى القول -كما سيأتينا- بتوريث الإخوة مع الجد يمكن أن يخرج معنا أصلان آخران لكن نحن الآن لدينا سبعة أصول هي محل اتفاق.

    إذاً: لابد أن يخرج معك أصل المسألة إذا عندك أصحاب فروض واحد أو أكثر، وهذه الأصول السبعة هي: اثنان وثلاثة وأربعة وستة وثمانية واثني عشر وأربع وعشرون، لابد من أن يخرج معك أصل المسألة واحد من هذه الأمور السبعة، والأصلان الآخران سيأتينا هذا عند مبحث الجد والإخوة أذكرهما.

    ومحل الثاني وهو الاختلاف والافتراق في أصلين وهما: ثماني عشرة وضعفه ست وثلاثون، على القول بتوريث الإخوة مع الجد، وهو مذهب الجمهور عليهم جميعاً رحمة الله، فهذا محل اختلاف، فذهب جمهور القائلين بتوريث الإخوة مع الجد وهم جمهور الجمهور إلى عدم اعتبار هذين أصلاً، إنما اعتبروهما مصحين لا أصلين، وأن ثماني عشرة أصلها ستة كما سيأتينا، وبالنسبة لست وثلاثون أصلها اثنا عشر، فاعتبروا الأصل ستة واثنا عشر وهي الأصول السبعة التي معنا.

    إذاً: جمهور القائلين بتوريث الإخوة مع الجد جعلوا هذين العددين ثماني عشرة وستاً وثلاثين مصحين لا أصلين، وحجتهم في ذلك أمران معتبران:

    أولهما قالوا: مدار الأصول -أي: أصول المسائل والفرائض- على الفروض المقدرة المذكورة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إذاً: لابد من نص، وبالنظر بين الفروض المقدرة في كتاب الله وهي ستة فروض لا يمكن أن يخرج معنا ثماني عشرة ولا أربع وعشرون إنما سيخرج معنا بالنظر للفروض المقدرة إما اثنان، ثلاثة، أربعة، ستة، ثمانية، اثني عشر، أربع وعشرون.

    سيقول قائل: أربع وعشرون من أين جاءت؟

    الجواب: أن عندنا السدس والثمن، وبينهما اتفاق في النصف متفقان في النصف، اقسم ثمانية على اثنين: أربعة، اضربها في ستة: أربع وعشرون، اقسم ستة على اثنين: ثلاثة، اضربها في ثمانية: أربع وعشرون، فهما يتفقان في النصف فقط، ولا يتفقان في شيء آخر، فلا يتفقان في الربع ولا في الثلث، يعني ما بينهما اتفاق في جزء شائع إلا في النصف، ينقسمان على اثنين، فاقسم أحدهما على اثنين واضربه في كامل الآخر، وإن شئت أن تقسم الأول أو الثاني، فيصبح معنا أربع وعشرون، وهكذا لو كان معنا ثلث وربع مباينة، ثلاثة في أربعة: اثنا عشر.

    أما بقية الأصول فمذكورة: ثمانية من ثمن، والستة من سدس، والأربعة من ربع، وثلاثة من ثلث، ومن ثلثين، والنصف من اثنين، وسيأتينا إن شاء الله كيف نخرج كل أصل.

    أما ثمان عشرة فلا توجد؛ لأنه يلزم أن يكون معنا ثلث الباقي في مسائل الجد والإخوة؛ فالأصل من سنة، فإذا خرج السدس لم يعد للباقي ثلث صحيح، فنحن إذا أعطينا الأم السدس يبقى خمسة، وهذه ليس لها ثلث باقي فنضرب مخرج ثلث الباقي وثلاثة وفي أصل المسألة ستة يحصل ثمانية عشر، ومنها تصح، فقالوا: هو مصح وليس أصلاً؛ لأن مدار الأصول على الفروض المقدرة في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وما عندنا نص بأن الإخوة مع الجد يرثون والجد له معهم ثلث الباقي في بعض الأحوال، وقد تقدم معنا أن هذا اجتهاد، وعليه نقول: هو مصح وليس بأصل.

    والدليل الثاني عند الجمهور قالوا: إن الأصل لا يختلف فيه، ويكفي في عدم اعتبار هذين العددين أصلين اختلاف العلماء فيهما: هل هما أصلان أو مصحان، والأصل لا خلاف فيه.

    فالقول -إذاً- بأنهما مصحان أقوى وأحوط وأسد وأضبط، هذا مذهب الجمهور من جمهور القائلين بتوريث الإخوة مع الجد.

    القول الثاني: إن هذين العددين أصلان، وعزي هذا القول إلى المحققين المتأخرين من الفرضيين، ومال إلى هذا صاحب كتاب العذب الفائض في الجزء الأول صفحة تسع وخمسين ومائة، وقرروا قولهم بأمرين أيضاً، فكما أن أولئك قرروا قولهم بأمرين هؤلاء قرروا اعتبار هذين الرقمين أصلين بأمرين:

    الأمر الأول: قالوا: اتفق العلماء على أن أصل كل مسألة هو أقل عدد يخرج منه فرض المسألة أو فروضها بلا كسر، كما اتفقنا على هذا في التأصيل، قلنا: التأصيل استخراج أقل عدد يستخرج منه فرض المسألة أو فروضها بلا كسر، وقام أقل عدد عندنا في هاتين المسألتين هو ثماني عشرة وست وثلاثون، فينبغي أن يكون هذان العددان أصلين لا مصحان، فثلث الباقي للجد لا يمكن أن يستخرج إلا من ثماني عشرة وإلا من ست وثلاثين، وعليه هذان الرقمان العددان أصلان؛ لأن هذا أقل عدد نستخرج منه فروض المسألة.

    الأمر الثاني: قالوا: لا يجوز أن نعتبر هذين مصحين؛ لأن التصحيح يكون عندما تنكسر السهام على الرءوس، أي: عندما تنكسر الأنصباء على الرءوس، أما إذا حصل الانكسار في الأنصباء، فليس هذا بتصحيح، بل الأصل غلط، ويجب إخراج أصل آخر لئلا يحصل انكسار في أنصباء الورثة، أي: فروضهم.

    الآن بيان هاتين المسألتين يظهر معك الحكم واضحاً جلياً.

    ضابط الأصلين ثمانية: عشر وستة وثلاثين

    ضابط هذين الأصلين أو المصحين وهما: ثمانية عشر وستة وثلاثون: الأول منهما ينبغي أن يكون في مسألة سدس وثلث باقي وما بقي من أم وجد وعشر إخوة أشقاء، الأم لها السدس لوجود جمع من الإخوة، والجد له الأحظ من أمور ثلاثة: السدس، ثلث الباقي، المقاسمة، والأحظ له ثلث الباقي قطعاً وجزماً، السدس يضره والمقاسمة تضره؛ لأنها تنقصه عن السدس فتعين له ثلث الباقي، انتهى، وهؤلاء يبقى لهم الباقي.

    على القول الأول نقول نحن: ثلث الباقي لا ننظر إليه، نخرج أصل المسألة من ستة، هذا أقل عدد يستخرج منه أصل المسألة من أجل أن نعطي الفروض بلا كسر، السدس واحد بقي خمسة، ثلث الباقي نحن لا ننظر إليه في الأصالة، لا نعتبره فرضاً ثابتاً؛ لأنه ليس بفرض مقدر، إن أمكن أن نستخرجه من الباقي فبها ونعمت وإلا نصحح المسألة، فالآن بقي معنا خمسة ليس لها ثلث، نضرب ثلاثة في ستة يصبح ثماني عشرة، هذه مصح عند الجمهور، يعني: ينبغي أن تخرج ستة ثم ثماني عشرة.

    الآن واحد في ثلاثة: ثلاثة من أم، بقي خمس عشرة ثلثها خمسة، بقي عشرة للإخوة لكل واحد واحد.

    القول الثاني الذي نسب إلى المحققين نفس المسألة: أم، جد، عشرة إخوة، انتبه كيف سيكون الحل.

    الأم لها السدس، والجد ثلث الباقي، وهؤلاء لهم الباقي، مباشرة ستخرج ثماني عشرة ولازم أن تخرج ستة أبداً؛ لأن السدس عندما تقول: إن خرج السدس واحد وبقي خمسة ليس لها ثلث باقي، فإذاً مباشرة تضرب ثلاثة في ستة ليخرج معك ثماني عشرة، وهذه مما ينبغي أن تحفظه وهي سدس وثلث باقي وما بقي، ما في عندنا إلا هاتين المسألتين، ثماني عشرة وست وثلاثون، هنا ثماني عشرة سدسها ثلاثة، بقي خمسة عشر ثلثها خمسة، بقي عشرة الحل هو هو، لكن هل سنخرج ستة ثم نصحح المسألة أو نجعلها ثماني عشرة؟ قولان، الثاني أن أصل لا مصح لأمرين:

    أولاً: الاتفاق أن الأصل هو استخراج أقل عدد يستخرج منه فرض المسألة أو فروضها بلا كسر، ونحن جعلنا هذا فرضاً، لا يمكن أن نستخرج هذا نصيبه وهي الخمسة من غير كسر إلا بثماني عشرة، فالستة لا نستطيع أن نستخرج منها ثلث الباقي؛ لأنه ستبقى خمسة ليس لها ثلث.

    الأمر الثاني قالوا: نحن لو أعطينا للجد ثلث الباقي من خمسة لم يحصل معنا عدد سليم صحيح؛ لأن نصيبه سيكون واحداً وكسراً، فالكسر حصل هنا في الأنصباء فقط، ومتى ما حصل انكسار في الأنصباء يعني ما أمكنك أن تخرج هذا الفرض نقول: هذا ليس بتأصيل، إذاً التأصيل عندك غلط، لأنك ما أخرجت أقل عدد يُستخرج منه الأنصباء بلا كسر، فهؤلاء يقولون: هذا فرض كما تقدم معنا باجتهاد ولا ينظر إليه عند التأصيل، إن خرج ثلث الباقي من ما بقي فبها ونعمت وإلا صححنا المسألة، وكما تقدم معنا: زوجة وأم وأب، الزوجة لها الربع، الأم ثلث الباقي ما اعتبرناه، بعد أن أعطينا للزوجة الربع جئنا للباقي، وهو ثلاثة، نقول: للم ثلث وهو واحد، أما هنا لو أمكن أن يبقى ثلاثة لكان الجد يأخذ واحداً ولا داعي لإخراج أصل آخر.

    والآن هل نقول عن ثماني عشرة أصل أو مصح؟ لا أرى في ذلك أي إشكال، سمها ما شئت، ما دامت النتيجة واحدة، يعني: لابد أن نصل لثماني عشرة، لم يتغير العدد معنا في النهاية، هذا ليس مثل الأولى، زوج وأخت اثنان تجعلها أربعة؛ فهناك تغير معك العدد وأكثرت بلا فائدة، أما هنا لن يتغير، هي هي، لكن الخلاف في التسمية.

    المسألة الثانية ضابطها: أن يكون أيضاً الركنان فيها: سدس وثلث الباقي، وضم إليها: ربع وما بقي، نحن قلنا ثماني عشرة يوجد فيها سدس وثلث باقي وباقي، وهنا سدس وثلث باقي وربع وباقي: زوجة وست إخوة أشقاء وأختان شقيقتان وجد وجدة، الزوجة لها الربع لعدم الفرع الوارث، والجدة لها السدس لعدم الأم، والجد له الأحظ من ثلاثة أحوال: من ثلث الباقي والسدس والمقاسمة، والأحظ له ثلث الباقي أيضاً، فالمقاسمة تضره والسدس يضره؛ لأنه بثلث الباقي سيأخذ أكثر فانتبه!

    بين الاثنين بين والستة والأربعة اتفاق في النصف، خذ نصف واحد منهما واضربه في كامل الآخر، نصف الأربعة: اثنان، في ستة: اثنا عشر، أو نصف الستة: ثلاثة، في أربعة: اثني عشر. هذا أصل عند جمهور القائلين بتوريث الإخوة مع الجد، أقول: ستصحح إلى ست وثلاثين، الربع للزوجة ثلاثة، والسدس اثنان، يبقى سبعة، فلو أعطيته السدس سيأخذ اثنين من اثني عشر، ولو أعطيته ثلث الباقي سيأخذ اثنين وزيادة؛ لأن ثلث السبعة أكثر من اثنين، وثلث الستة اثنان، وعليه فثلث الباقي أحظ من المقاسمة ومن السدس، والسبعة ليس لها ثلث صحيح؛ لأنها اثنان وكسر نقول: صحح المسألة، ثلاثة في اثني عشر: ست وثلاثون، هذا نقول عنه مصح، ثلاثة في ثلاثة: تسعة للزوجة، اثنان في ثلاثة: ستة للجدة، خمس عشرة من ست وثلاثين بقي واحد وعشرون، ثلثها: سبعة، والسبعة أكثر من السدس؛ لأن ستة في ستة: ست وثلاثون، بقي معنا أربعة عشر، هنا ستة إخوة، والأسهم اثنا عشر لكل واحد اثنان وهنا اثنان للأختان لكل واحدة واحد، فهذا يعتبر أصل اثنا عشر ويصحح إلى ست وثلاثين.

    عند المحققين من المتأخرين: ست وثلاثون ينبغي أن تخرجها مباشرة دون اثني عشر، وهي أصل؛ لأن هذا الفرض وهو ثلث الباقي سبعة لا يستخرج إلا من هذا العدد وهو أقل عدد يستخرج منه فروض المسألة؛ لأنك لو لم تأت بهذا العدد ووضعت اثني عشر لما أمكن أن تخرج هذا الفرض ولما أمكن أن تخرج النصيب صحيحاً بلا كسر، وإذا حصل الانكسار في الأنصباء لا يكون أصل تأصيلاً صحيحاً، نعم إذا كانت الأنصباء صحيحة وما انقسمت على الورثة نقول: صحح؛ لأن فروض المسألة التي أخرجتها ما انقسمت على من يأخذها، أما هنا الفروض ما أخرجتها فكيف ستصحح؟ نقول: تأصيلك غير سليم، فالمتقدمون يعتبرون اثني عشر أصلاً؛ لأن ثلث الباقي لا ننظر إليه في التأصيل؛ لأن الأصول مبناها على الفروض المقدرة في الكتاب والسنة وثلث الباقي للجد ما ورد فلا نعتبره، نؤصل المسألة كأنه غير موجود، فإذا أعطينا للفروض المقدرة نصيبها وأخذت أنصباءها؛ فإن بقي شيء له ثلث أعطيناه للجد، فإن لم يبق صححنا المسألة.

    أولئك يقولون: لا، نحن اعتبرنا هذا فرضاً، بما أنه فرض ينبغي أن نخرج له عدداً صحيحاً بلا كسر، فينبغي أن نأتي بأقل عدد في المسألة يستخرج منه نصيب الجد وأقل عدد ست وثلاثون في هذه وثماني عشرة في التي قبلها، وعليه؛ ست وثلاثون في مبحث الجد والإخوة ينبغي أن يوجد فيها سدس وثلث باقي وربع وباقي، وأصل ثماني عشرة سدس وثلث باقي وباقي.

    عرفت الآن الانكسار أين حصل؟ هنا الانكسار حصل في الأنصباء، فلو أخذ الجد نصيبه صحيحاً لم يحصل انكسار في الأنصباء على الرءوس؛ لأنه واحد، ما يمكن ينكسر عليه شيء أبداً، لو أعطيته سهماً أو أكثر يصح، لكن عندنا الانكسار في الأنصباء أي: ما أخرجنا أنصباء المسألة، أي: فروضها، إذا ما خرجت التأصيل عندنا غلط؛ لأننا قلنا في تعريف التأصيل: استخراج أقل عدد يستخرج منه فرض المسألة أو فروضها بلا كسر، وأنت ما أخرجت الفرض صحيحاً وعليه تأصيلك غلط، هذا كما قلت قول المحققين.

    فائدة الخلاف في اعتبار (18) و (36) أصلان أو مصحان

    الخلاف كما قلت في النهاية لا يبنى عليه أي أثر، إنما هو خلاف في التعبير وفي خطوة من خطوات الحل، هل نخرج ستة ثم ثماني عشرة أو نخرج اثني عشر ثم ستة وثلاثين؟ هل نقول هذا أصل أو مصح؟ هذا هو الخلاف، لكن النهاية لابد من أن تصل إلى ستة وثلاثين وإلى ثمانية عشر والتسمية لا تضر، والفرضيون اختلفوا، ولا يوجد كتاب من كتب الفرائض إلا ويوجد هذا الاختلاف بينهم، وبما أن الأمر لا يترتب عليه أثر فيا ليتهم اتفقوا على أحد القولين وأراحوا من بعدهم، يعني: لا داعي، دائماً خلاف في هذه المسألة ولا خلاف في الحقيقة، أصل أو مصح، أولئك قووا قولهم كما قلت بأمرين وهؤلاء قووا قولهم بأمرين، وكلا القولين معتبر والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    النسب الأربع بين الأعداد

    قبل أن ننتقل لكيفية استخراج أصول المسائل: أكتب فائدة مهمة ضرورية تلزم لاستخراج الأصول والتصحيح في المسائل الفرضية، هذه لابد من أن تحفظها كما تحفظ اسم الماء والهواء، لا أقول كما تحفظ الفاتحة؛ لأن حفظ الفاتحة لا ينبغي أن يتقدمه شيء.

    هذه الفائدة هي: قال علماء الافتراض الصلة بين الأعداد منحصرة في النسب الأربع عند أولي الرشاد: تماثل، تداخل، توافق، تباين، لا يمكن أن تخرج الصلة بين الأعداد عن هذه الأمور الأربعة، بهذه الأمور الأربعة نعرف التأصيل ونعرف التصحيح، وبدونها لا يمكن أن تؤصل ولا تصحح.

    النسبة الأولى: التماثل

    أما التماثل فمعناه في اللغة: التشابه في الصورة، ويراد به عند علماء الحساب: تساوي الأعداد في الكمية، ويقال للعددين المتماثلين: متساويان، مثل: اثنان واثنان، وثلاثة وثلاثة، وأربعة وأربعة، وستة وستة وما شاكلها هذه نقول عنها تماثل، ويقال له: تساوي، فعددان متساويان يعني متماثلان في الكمية.

    مثال: ماتت عن زوج وأخت شقيقة، للزوج النصف، وللأخت النصف، فمخرجهما من اثنين لكل واحد، فالنسبة بينهما تماثل، فنأخذ أحدهما ونجعله أصل المسألة.

    النسبة الثانية: التداخل

    ثانيها: التداخل وهو من الدخول ضد الخروج، ومعنى التداخل عند الفرضيين: أن ينقسم أكبر العددين على أصغرهما قسمة صحيحة بلا كسر، أو أن يفني أصغر العددين أكبرهما بطرحه منه مرتين فأكثر، مثل أربعة وثمانية، الأربعة داخلة في الثمانية، لأنك لو طرحت أربعة من ثمانية يبقى: أربعة، وأربعة ناقص أربعة: صفر، وأكبر العددين يقبل القسمة على أصغرهما، فثمانية تقسيم أربعة اثنان، ويقال لهما: متناسبان.

    مثال: مات عن بنت وأم وعم، البنت لها النصف لعدم المعصب والمشارك والأم لها السدس لوجود فرع وارث، والعم عصبة، عندنا اثنان وستة ما النسبة بينهما؟ هما غير متساويين في الكمية، بينهما تداخل؛ لأن الأكبر ينقسم على الأصغر، والأصغر يفني الأكبر بطرحه منه مرتين فأكثر، فستة ناقص اثنين: أربعة، أربعة ناقص اثنين: اثنين، اثنين ناقص اثنين: صفر، ستة تقسيم اثنين: ثلاثة، فماذا نفعل؟ نأخذ الأكبر ستة ونجعله أصل المسألة، النصف ثلاثة للبنت، والسدس واحد للأم، بقي معنا اثنان للعم.

    إذاً: في حالة التداخل نكتفي بالأكبر، في حالة التماثل نأخذ واحداً منهما، أو منها، فقد يكون معنا أكثر من عددين متماثلين، كما في مسألة ثلاثة أجداد، نأخذ سدساً واحداً والباقي نلغيه، وهذا يتصور كما سيأتينا ضمن مراحل البحث إن شاء الله.

    النسبة الثالثة: التوافق

    النسبة الثالثة: التوافق من الاتفاق ضد الاختلاف والافتراق، ويراد به عند علماء الحساب: أن ينقسم العددان على عدد آخر مشترك بينهما غير الواحد؛ لأن كل الأعداد تقبل القسمة على واحد، عندما أقول: ثلاثة وأربعة، ثلاثة تقبل على واحد والأربعة تقبل على واحد لكن ليس بينهما توافق وليس بينهما تداخل وليس بينهما تماثل، ما بينهما إلا تباين، إنما هنا عندنا ثمانية وستة يقبلان القسمة على عدد غير الواحد وهو اثنان، فنأخذ وفق أحدهما -هذا التوافق- فنضربه في كامل الآخر فيخرج معنا الأصل أو التصحيح كما سيأتينا في خطوات البحث إن شاء الله، هذه يقال لها توافق، ويقال لهما: مشتركان.

    النسبة الرابعة: التباين

    النسبة الرابعة وهي آخر النسب: التباين وهو التباعد، وهما عددان متفاضلان عند علماء الحساب ليس بينهما اشتراك، قال علماء الحساب قاعدة لا تتخلف عند أولي الألباب: كل عددين متتاليين متباينان، واحد واثنين متباينان، اثنين وثلاثة متباينان، ثلاثة وأربعة متباينان، وهكذا، وقد يوجد التباين بين غير الأعداد المتتالية أيضاً، لكن هذه قاعدة، يعني لو عندنا لو في المسألة ثلاثة وأربعة هما متتاليين إذاً متباينان، ولا يأتي معنا في مسائل الفرائض ثلث وثمن؛ لأنه لا يجتمع الثلث والثمن بحال، يجتمع السدس والثمن فيصبح بعد ذلك توافق لتكون أصل المسألة أربعاً وعشرين، لكن ثلث وثمن لا يجتمعان معنا في الفرائض أبداً؛ لأن الثلث يأخذه صنفان من الورثة: الأم والإخوة لأم، والثمن لا يمكن أن تأخذه الزوجة والزوجات إلا إذا وجد فرع وارث، وعليه إذا أخذت الزوجة والزوجات الثمن لم تأخذ الأم السدس، والإخوة لأم سيحجبون لأنه سيوجد فرع وارث؛ ولذلك لا يجتمع عندنا في الفرائض ثلث وثمن أبداً في مسألة من المسائل، أما السدس فيمكن بأن يكون للأم سدس لوجود الفرع الوارث وللزوجات ثمن، لكن ثلث وربع ممكن بسهولة، وهما متباينان، ومثاله:

    زوجة لها الربع، وأم لها الثلث، والأخ الشقيق عصبة، بين الثلاثة والأربعة تباين لا يتفقان في شيء بينهما ولا يقبلان القسمة إلا على واحد فقط، فنضرب كامل أحدهما في كامل الآخر، يكون الناتج اثني عشر، هذا أصل المسألة، ربعها: ثلاثة، وثلثها: أربعة، بقي معنا خمسة للأخ الشقيق.

    إذاً: التباين: عددان متفاضلان ليس بينهما اشتراك، وكل عددين متتاليين فهما متباينان ومتخالفان.

    إخوتي الكرام! نحتاج شيئاً من الإيضاح حول هذه المسألة، وماذا سنفعل في هذه النسب الأربع، اترك هذا لأول المحاضرة الآتية إن شاء الله، إنما هذه نسب أريد أن تحفظ وهي سهلة، فليس فيها تعقيد وإشكال لكن هي تلزمنا في جميع خطوات الحل، من تأصيل وتصحيح وكيف نخرج بعد ذلك الأصل ونصحح، فلتحفظ هذه النسب ضرورة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.