إسلام ويب

فقه المواريث - الجد والإخوة [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • باب الجد والإخوة من أعضل المسائل التي اختلف فيها أئمة الإسلام منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم إلى المذاهب الأربعة، وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يرى أن الجد أب يحجب الإخوة، أما عمر وعلي وزيد بن ثابت فاختلفت أقوالهم في ذلك، بل اختلفت أقوال الواحد منهم في ذلك، كما روى ذلك الأئمة في كتب السنة، وهذه الاختلافات ينقض بعضها بعضاً، حتى توقف بعض السلف في الحكم بين الجد والإخوة في الميراث.

    1.   

    اختلاف الصحابة في كيفية توريث الجد والإخوة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس باب الجد والإخوة وقلت: يراد بالجد هنا الجد الصحيح والإخوة الذين يدلون بأب، سواءٌ كانوا أشقاء أو لأب فقط.

    وتقدم معنا أن الأقوال الكثيرة في توريث الإخوة مع الجد تنقسم إلى قولين اثنين:

    القول الأول: أن الجد ينزل منزلة الأب، وعليه لا إرث لأحد من الإخوة من أي صنف كان مع الجد، وقلت: هذا قول صديق هذه الأمة رضي الله عنه وأرضاه أبي بكر ولم ينازعه في ذلك أحد مدة خلافته، وهذا القول هو الذي أخذ به فقيه الملة الإمام أبو حنيفة عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا، وقررت هذا القول فيما تقدم من عشرة أدلة.

    القول الثاني: يقول بتوريث الإخوة مع الجد، وإن اختلف أصحاب هذا القول في كيفية التوريث، لكنهم يقولون: بتوريث الإخوة مع الجد.

    هذا القول قال به جمهور الصحابة الكرام بعد صديق الإسلام أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، وبه أخذ أيضاً جمهور الأئمة الأعلام، وهو مذهب الشافعي ، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة، وهو المقرر عند المالكية عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه: أن الإخوة يرثون مع الجد، والجد لا يحجبهم، ويراد بالإخوة كما قلت مراراً: الأشقاء أو لأب، أما الإخوة لأم فاتفقنا وأجمعنا على أنهم يحجبون بالجد ولا يرثون معه، فهؤلاء يقولون بتوريث الإخوة مع الجد، هذا القول سنتدارسه ضمن ثلاثة مباحث:

    المبحث الأول: في اختلاف أصحاب هذا القول في كيفية توريث الإخوة مع الجد.

    المبحث الثاني: في أدلة هذا القول، أعني: أدلة توريث الإخوة مع الجد، وكما ذكرت هناك عشرة أدلة سأذكر هنا عشرة أدلة لهذا القول.

    والمبحث الثالث وهو آخر المباحث، وهذا لا يوجد في القول الأول، لكن هنا لابد منه، ألا وهو: في بيان كيفية توريث الإخوة مع الجد على المذهب الذي استقر عليه العمل وهو مذهب زيد .

    وهنا ستأتينا كيفية عجيبة غريبة، أما القول الأول فلا يحتاج إلى بيان كيفية توريث الإخوة مع الجد، ولا أيضاً بيان كيفية حال الجد مع الإخوة، قلنا: لا تحتاج المسألة إلى تفريع؛ لأننا ننزله منزلة الأب وانتهى الأمر.

    أما هنا فسيأتينا أنه إذا لم يكن هناك صاحب فرض مع الإخوة والجد له حكم خاص، فإذا كان معه صاحب فرض فله حكم خاص مع الإخوة، وهذا الحكم الخاص استثنوا منه شيئاً خاصاً، ثم بعد ذلك عملوا فيه ما عملوا، وهذا سيأتينا في المبحث الثالث، وهو أدق مباحث الفرائض، هذا على القول بتوريث الإخوة مع الجد في المبحث الثالث من هذا القول: كيف سيرث الإخوة مع الجد؟

    أما المبحث الأول: اختلاف القائلين بتوريث الجد في كيفية توريثه، بل اختلفت أقوال الواحد منهم على كيفيات مختلفة متعددة متباينة متناقضة، يعني: هم اختلفوا فيما بينهم، بل كل واحد منهم الذي يقول: إن الجد يرث معه الإخوة والإخوة يرثون مع الجد، هذا الذي قال بهذا كيف ستورثهم؟ اختلف هو مع نفسه وتناقضت أقواله، وأبرز من قال بهذا من الصحابة عمر ، وعلي وزيد ، وسأذكر اختلاف هؤلاء الثلاثة مع بعضهم، ثم فيما بين أقوال كل واحد من هؤلاء، كيف تتناقض أقوالهم في هذه المسألة؟!

    أما عمر رضي الله عنه وأرضاه فقد نقلت عنه أقوالٌ مختلفة متعارضة متباينة، ثبت في مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة وطبقات ابن سعد والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، والأثر رواه يزيد بن هارون في كتاب الفرائض وما أعلمه مطبوعاً، لكن هذا النقل عن يزيد بن هارون في كتاب الفرائض بواسطة الفتح للحافظ ابن حجر .

    ورواه أيضاً أبو جعفر الرازي في فوائده، أما الكتب الأربعة المتقدمة فوقفت عليها مباشرة، المصنفان لـعبد الرزاق وابن أبي شيبة وطبقات ابن سعد والسنن الكبرى للإمام البيهقي .

    عن عبيدة السلماني وعن ابن سيرين ، قالا: لقد حفظت مائة قضية في الجد والإخوة قضى بها عمر مختلفة ينقض بعضها بعضاً.

    والأثر رواه الإمام الدارمي في سننه (2/351) عن عبيدة السلماني أنه قال: إني لأحفظ في الجد والإخوة ثمانين قضية مختلفة ينقض بعضها بعضاً، دون أن ينسب هذا إلى عمر رضي الله عنه، يقول: أحفظ من أقوال العلماء.

    وعبيدة هو تلميذ علي ، يعني: كأنه يقول: هذا ما قضى به الصحابة، قضوا ثمانين قضية مختلفة ينقض بعضها بعضاً، والأثر الأول عنه وعن ابن سيرين عن عمر فقط في مائة قضية مختلفة ينقض بعضها بعضاً.

    يعني: هو يقول بتوريث الإخوة مع الجد، لكن ما استقر على قول.

    هذه الأقوال المختلفة المتناقضة ما المراد منها؟ هل المراد منها حقيقة وفعلاً مائة قضية، أو أنه للمبالغة، أو شيء آخر؟

    أئمتنا وقفوا نحو هذه الأقضية لاستغرابهم لها؛ لأنها مائة قضية في مسألة واحدة، يقول الحافظ ابن حجر في الفتح (12/21): استبعد بعضهم هذه النسبة.

    طيب هي ثابتة بسند صحيح كما قلت عن ابن سيرين وعن عبيدة السلماني .

    وقال البزار -هذا قول ثانٍ في تعليل هذه الأقضية المختلفة-: الاختلاف في تلك الأقضية لاختلاف حال من يرث مع الجد، وهذا في الحقيقة تأويل مستنكر باطل قطعاً وجزماً، يقول: أحياناً جد وأخ فهذه قضية، جد وأخوان، هذه قضية مختلفة، جد وأخت هذه قضية مختلفة وليس كذلك؛ لأن في الأثر (ينقض بعضها بعضاً)، ليست أقضية مختلفة، يعني: ما هو يريد أن يقول الاختلاف لاختلاف الوارثين من الإخوة مع الجد وتعددت القضايا، وممكن نقضي نحن بألف قضية؛ لأن الجد إذا كان مع أخ له حكم، ومع أخوين له حكم، ومع أخت له حكم، ومع عشرة من الإخوة له حكم، فهذه لا يقال إذاً أقضية مختلفة؛ لأن عندنا في الأثر: (ينقض بعضها بعضاً).

    وهناك تأويل ثالث ذهب إليه صاحب كتاب العذب الفائض (1/105) وقال: هذا من باب المبالغة، يعني: جيء إلى عمر أقضية مختلفة كثيرة، لكن ابن سيرين وعبيدة يقولان: إنها مائة، فهذا من باب المبالغة.

    والذي يظهر والعلم عند ربي أن الأمر على حقيقته، فإن قيل: هل يتصور مائة قضية مختلفة؟

    نقول: يتصور، كيف هذا؟ كان يقول بالقول ويرجع عنه، ثم يعود إليه، فهذا القول الذي قال به ورجع إليه يعتبر قولين، ثم يقول بخلاف، ثم يرجع إليه، وسيأتينا كيف كان يقول بأقوال ويرجع عنها، ثم يرجع إليها، وقد تقدم معنا مثلاً في المشركة أنه قضى فيها بقضاء، ثم قضى بغيره، لو قدر أنه رجع إلى القضاء الأول تعتبر ثلاثة أقضية، وهنا لا يوجد أقضية كلها مختلفة كل قضاء يخالف الآخر تصل إلى مائة، لكن قضى مثلاً بأن الجد ينزل منزلة الأب، ثم رجع عنه وقال: نعطي الجد مع الإخوة السدس أو المقاسمة أيهما أحظ، ثم رجع قال: نرجع إلى أنه أب، فنحجب الإخوة به، هذه صارت ثلاثة أقضية، ثم رجع قال: نعطيه الثلث فهو أحق، ثم رجع، يعني لا يثبت على قول عندما تعرض عليه مسائل الجد والإخوة، يعني: أحياناً القضاء الواحد يعدل عنه ويرجع إليه عشر مرات أو أكثر لعدم وجود دليل ظاهر واضح بين في مسائل الجد والإخوة.

    يعني: عندما يقول ابن سيرين وعبيدة السلماني أنا أحفظ مائة قضية، نحن نأتي بعدها نقول: إما أن هذه أقضية لاختلاف حال الإخوة مع الجد، أو أن هذه النسبة يستبعدها بعضهم، وصاحب العذب الفائض يقول: من باب المبالغة، والذي يظهر لي أن الكلام على حقيقته، وهذا هو الأصل فيه.

    1.   

    أقضية مختلفة عن عمر في الجد والإخوة

    وقد ثبت عن عمر رضي الله عنه في كتب متقدمة أنه قال: إني قضيت في الجد والإخوة قضايا مختلفة، لم آل فيها عن الحق، أي: ما قصرت عن إصابة الحق، أقضيتي تختلف وأقول بالقول وأرجع عنه وأرجع إليه، وأنا لا آلو عن الحق، أي لا أقصر في طلبي الحق.

    وقال أيضاً: والله لئن عشت إلى الصيف لأقضين بالجد والإخوة بقضية تقضي به المرأة وهي على بينة، يعني: في بيتها ومغزلها، ولا تحتاج أن تسأل فقيهاً ولا عالماً.

    ولعله أراد أن يعود إلى قول أبي بكر، لأن هذا القول لا يتصور في حق المرأة أنها تقضي بالجد والإخوة وهي في بيتها دون أن تسأل إلا إذا نزلت الجد منزلة الأب استراحت، وأما إذا أرادت أن تورث الإخوة مع الجد، فبأي كيفية ستكون؟ تحتاج إلى جهد وبحث يصعب على طلبة العلم استيعابه فضلاً عن المرأة التي هي مع مغزلها وفي بيتها، ولعله سيأتينا إن شاء الله ضمن أحوال اختلاف قضايا عمر أنه أراد أن يعود إلى قول أبي بكر ، لكن طرأ عليه ما طرأ، نسأل الله له الرحمة والرضوان والمغفرة.

    هذه الأقضية التي روي مائة عن عمر رضي الله عنه أنها مائة سأذكر منها ستة أقضية مختلفة متناقضة ينقض بعضها بعضاً، وهي متغايرة، يعني: ليس قضاء ثم عاد إليه، بل أقضية مختلفة ثابتة عنه:

    القضاء الأول: تنزيل الجد منزلة الأب

    أولها: تنزيل الجد منزلة الأب موافقة لقضاء صديق هذه الأمة أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين.

    ثبت عن عمر ذلك، وأنه كان يقضي به، ففي طبقات ابن سعد وسنن سعيد بن منصور (1/46) قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: أن اجعل الجد أباً، فإن أبا بكر كان يجعل الجد أباً.

    وتقدم معنا عند القول الأول ما ثبت في صحيح البخاري : أنه لم يخالف أبا بكر أحدٌ من الصحابة مدة حياته رضي الله عنهم أجمعين، هذا القضاء الأول، وهو ثابت عن أبي بكر ، وكان عمر يقضي به.

    وعليه إخوتي الكرام! ما ورد في مصنف ابن أبي شيبة (11/290) من استنكار أبي وائل لقضاء أبي بكر ، وقال: ما ثبت أن أبا بكر كان يقضي بأن الجد أب، هذا الاستنكار في غير محله، ولا وجود له، وقضاء أبي بكر بأن الجد أب هذا محل اتفاق، وكنت قررته بأدلة صحيحة ثابتة في ما مضى، فلا تغفلوا عن ذلك.

    يقول أبو وائل عندما قال له رجل: إن أبا بردة يزعم أن أبا بكر جعل الجد أباً، فقال: كذب أبو بردة ، لو كان أبو بكر فعل ذلك لما خالفه عمر .

    فنقول: عمر وافقه غفر الله لك يا أبا وائل ، وافقه كما وافقه علي ووافقه عثمان ثم خالفوه بعد موته رضي الله عنهم أجمعين، وهو كان يكتب إلى أبي موسى وكان على البصرة يقول: اجعل الجد أباً فإن أبا بكر كان يجعل الجد أباً.

    طيب هو تقول: ما قضى بذلك أبو بكر ، فنقول: ما بلغه ذلك، فلما قيل له: إن أبا بكر كان يجعل الجد أباً، ورأى أن عمر يخالف فيما بلغه من أقضية عن عمر ، قال: إذاً قضاء أبي بكر ليس بثابت، يقول: كذب أبو بردة ، لو كان أبو بكر يجعل الجد أباً لما خالفه عمر .

    وأنا أقول لـأبي وائل رحمة الله عليه وعلى أئمتنا: ما خالفه عمر في حياته، بل بعد وفاته أيضاً كان يقضي بقضائه كما كان يكتب إلى عماله، وهذا ثابت في سنن سعيد بن منصور وطبقات ابن سعد ، ثم تغير اجتهاده رضي الله عنه وأرضاه، هذا القضاء الأول من عمر ، أن الجد يعتبر أباً.

    القضاء الثاني: حجب الإخوة للجد

    القضاء الثاني: بعد أن كان عمر رضي الله عنه يرى ذلك في خلافة أبي بكر ، وفي أول خلافته هو أيضاً رضي الله عنه وأرضاه، خالفه زيد ، فكان زيد يرى أن الإخوة أولى بالميراث من الجد؛ لأنهم يدلون بصفة البنوة، والجد يدلي بقرابة الأبوة، فهم أبناء الأب والجد أب للأب، والابن يقدم، ثم رجع كل منهما عن قوله، فـعمر رضي الله عنه غير اجتهاده فما جعل الجد أباً، وزيد غير اجتهاده فما ورث الإخوة دون الجد، إنما شرك بينهم كما سيأتي.

    ثبت ذلك في سنن الدارمي (1/354) وفي مصنف عبد الرزاق والسنن الكبرى للإمام البيهقي عن الشعبي ، قال الإمام البيهقي : وهذا أثرٌ مرسل جيد الإسناد، لأن الشعبي لم يدرك عمر رضي الله عنهم أجمعين، ولذلك حكم على ذلك بأنه جيد الإسناد.

    والأثر رواه سعيد بن منصور في سننه (1/48) عن سعيد بن جبير .

    وفي الأثرين: أثر الشعبي وسعيد بن جبير ، قالا: مات ابن ابن لـعمر وترك جده وإخوته، فأرسل عمر إلى زيد يسأله عن هذه القضية في الميراث، وهو كما تقدم معنا أفرض هذه الأمة.

    فجاء زيد وبدأ يحسب، يعني: يعد الإخوة مع الجد لينظر كيفية توريث الجد معهم، هل نعطيه المقاسمة أو الثلث، أيها أحظ؟ فقال عمر رضي الله عنه: شعب ما كنت مشعباً، فلعمري إني لأعلم أني أحق بالإرث منهم!

    يعني: أنا جد، وأولى بالإرث من ابن ابني، فاحسب ما أنت حاسب، هذا حساب خاص بك.

    وفي رواية: شعث ما كنت مشعثاً. والتشعيب هو التفريق، والتشعيث بمعناه.

    وفي رواية: (شغب) من الشغب والمشاغبة وهو التهييج بالشر والفساد والخصومة، كأنه يقول: خالفني بما تستطيع، فلعمري إني لأعلم أني أحق بالإرث منهم، أنا جد، والجد ينزل منزلة الأب.

    وفي رواية: قال له علي وزيد : ليس لك ذلك يا أمير المؤمنين! أي: لا يجوز أن تأخذ الإرث دونهم.

    فبعد أن كان يقول لـزيد ما قال: شعث وشعب وشغب، الآن وافقه علي رضي الله عنه.

    قال: لولا أن رأيكما اجتمع لم أرَ أن يكون ابني ولا أكون أباً، أي لولا أن رأيكما اجتمع لم أر أن يكون هذا الحفيد (ابني) وأنا جده وأنا أبوه، هو ابني ينسب إلي، ولا أكون أباه، يعني: لكن اتفقتم الآن على أنني لا آخذ ماله كما يأخذ أبوه، يعني: لو مات هذا الحفيد وترك أباه وهو ابني، وإخوته -أي: أحفاد مثله- لأخذ الأب المال دون الإخوة، يقول: وأنا أعتبر أباً لهذا الحفيد الذي هو ابن ابني، فأنا بمنزلة أبيه، أنا لا أرى أن يكون هذا الحفيد ابني، ولا أكون أباً، كيف هذا؟ لأنني إذا مت ينزل هذا الحفيد منزلة الأبناء تماماً، يعني: ما يأخذه الابن يأخذه ابن الابن، طيب أنت ألا ينبغي أن ننزل منزلة الأب، يقول: لولا أن رأيكما اجتمع لم أر أن يكون ابني ولا أكون أباه.

    ثم شرك بين عمر وأحفاده الذين هم إخوة الميت في الميراث، وعمر هو أول جد ورث مع الإخوة في الإسلام، وهذا مما ينفي المحاباة عنه قطعاً وجزماً، وينفي أن الاجتهاد يراد منه هكذا دون التحقق والتبين، هو كان يرى أن الجد أب، وعليه ينبغي أن يأخذ عمر كل الميراث، فلما حصلت هذه القضية في خلافته بعد أن كان يكتب إلى أبي موسى : اجعل الجد أباً، قال له زيد : لا يصلح هذا، ولا يجوز أن تنفرد بالإرث دون إخوة الميت، ووافقه علي وغير اجتهاده وقال: أنا أشترك إذاً مع إخوة ابن ابني، وهذا الآن تغيير اجتهاد لما يضره، وإلا لو بقي على رأيه لأخذ الميراث كله.

    وفي رواية: كان عمر يكره الكلام في الجد حتى صار جداً، يعني: حتى صار جداً سيرث معه الإخوة يعني: حتى صارت هذه المسألة موضع بحث جد وإخوة هل المال لـعمر وحده أو له مع أحفاده الذين هم إخوة الميت.

    فقال: قام عمر رضي الله عنه، كان من رأيي ورأي أبي بكر -وهذا يرد على أبي وائل- أن الجد أولى بالإرث من الأخ، ونحن كنا نتفق على هذا، والآن خالف زيد وخالف علي ، وتغير القول بعد أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، فلابد من الكلام، فأيكم يحفظ قضاءً للنبي عليه الصلاة والسلام في الجد والإخوة؟

    وهذا كما قلت: في الكتب المتقدمة بهذه الرواية، فقام بعضهم وقال: (حضرت النبي عليه الصلاة والسلام وأعطى الجد السدس، قال: مع من؟ قال: لا أدري، قال: لا دريت، وقام آخر وقال: حضرت النبي عليه الصلاة والسلام وأعطى الجد الثلث، قال: مع من؟ قال: لا أدري، قال: لا دريت، ثم قال زيد : يا أمير المؤمنين! مثل الجد مع الإخوة كمثل شجرة على ساق واحد، خرج من ذلك الساق غصن، ثم انشعب منه غصنان)، هذا كلام زيد ، قال: يا أمير المؤمنين ! شجرة على ساق واحد انشعب منها غصن، فانشعب منه غصنان، فإذا تلف أحد الغصنين، أين يذهب ماؤه الذي كان يأتي إليه؟ إلى الغصن الثاني أو يعود إلى الساق؟

    إلى الغصن الذي بجواره، الآن الغذاء يخرج من الساق إلى الأب، الأب غير موجود الآن، لأنه لو كان حياً لما ورث جد ولا أخ، فإذاً هنا غصنان، حالتين فأقرب الناس إليه الغصن الذي بجواره، يعني: الخير الذي كان يخرج من هذا الغصن لأعلى، كان يخرج إلى غصنين، أحد الغصنين تلف، فما يأخذه ذلك الغصن من غذاء سيتحول إلى غصن آخر.

    و علي رضي الله عنه ضرب له مثلاً آخر، قال: هذا بمثابة سيل في واد، يخرج منه ساقية، وهي الأب، ويوجد ماء باق، وهم أولاد للجد الذين هم إخوة للأب، ولا علاقة لهم، فهم يعتبرون أعماماً.

    هنا الآن كما قلنا: ساقية خرجت من هذا السيل وهي الأب، ثم قال له: هذه انشعب منها شعبان، وصارت ساقيتين فإذا أغلقت هذه الفتحة التي هي للأخ لأنه مات، أين يذهب الماء؟ سيذهب في ساقية الأخ المقابل له، لأنه دخل الماء إلى الأب، فلا يعود إلى الجد، وعليه ما من أخ ينبغي أن يأخذه أخوه دون الجد.

    هذا قول علي وقول زيد ، كأنهما يقولان: الإخوة أولى بالإرث من الجد؛ لأن أحد الغصنين إذا تلف يذهب غذاؤه للغصن الذي يجاوره ولا ينزل إلى الساق.

    وهنا ماء في سيل شعب منه شعبتان، هذه الشعبة إذا تلفت سيذهب ماؤها إلى الشعبة التي بجوارها؛ لأن هذا السيل الذي أخرج هذا الماء منه لهذه الساقية لن تعود إلى السيل، وستجد فتحة ستذهب فيها.

    فكان زيد يجعل الجد أخاً حتى يبلغ ثلاثة هو ثالثهم، وكان علي يجعله أخاً حتى يبلغ ستة هو سادسهم، قال زيد : وكان رأيي أولاً أن الإخوة أولى بميراث أخيهم من الجد، كما كان عمر يرى أن الجد أولى بميراث ابن ابنه من إخوته، وهذا قضاء ثانٍ تغير من عمر ، بعد أن نزل الجد أباً رجع واعتبره كأخ من الإخوة، لكن على قول من رجع سيأتينا أنه رجع إلى هذا وإلى هذا، تارة عمر كان يعطي الجد السدس ويقاسم الإخوة على أنه أخ معهم، إلى أن يصبح سادس ستة، فإذا نقص عن ذلك فرض له السدس، يعني: لو مات الشخص الذي هو ابن ابن للجد، وترك أربعة إخوة وجداً، الآن عمر يقاسمه لأنه سيأخذ الخمس، والخمس أحظ من السدس، وإذا ترك ستة إخوة وجداً، يفرض للجد السدس لئلا يأخذ السبع، وهذا قول علي .

    وأما قول عبد الله بن مسعود : إن ترك ابن الابن أخاً وجداً يقاسم؛ لأنه يأخذ النصف، وإن ترك ثلاثة إخوة وجداً يضرب له الثلث، لأنه أحظ له فلا يقاسمه.

    إذاً: هذا قضاء ثان من عمر ، وكان يرى أن الجد أولى بميراث ابن ابنه من إخوته، أي: من إخوة ابن الابن، ثم رجع عن ذلك لما ذكر زيد هذا المثال، وذكر علي هذا المثال، وهو يقول هذا بمحضر الصحابة.

    فبما أنه لا يوجد قضاء يقول: أنا وأبو بكر رضي الله عنه كنا نرى أن الجد أولى بالميراث من الإخوة، أما زيد فكان في أول الأمر يورث الإخوة دون الجد، وسيأتينا عنه هذا صريحاً، وهنا كذلك، ثم رجع عنه كما رجع عمر عن قوله، فـعمر كان يرى أن الجد أولى بالميراث من الإخوة فرجع، وزيد كان يرى أن الإخوة أولى بالميراث من الجد فرجع.

    القضاء الثالث: إعطاء الجد الأحظ من السدس أو المقاسمة

    القضاء الثالث لـعمر رضي الله عنهم أجمعين: كان يقول بقول علي في أول الأمر، يعني: قبل أن ينتقل إلى القول الذي بعده، يعني: عندما تغير رأيه في الجد والإخوة وقال بتوريث الإخوة مع الجد، رجع إلى قول علي وهو إعطاء الجد السدس أو المقاسمة، أيهما أحظ له؟ كان يقول بقول علي ، كما ثبت ذلك في مصنف ابن أبي شيبة وسنن سعيد بن منصور ، والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، والأثر رواه محمد بن نصر بإسناد صحيح كما قال الحافظ في الفتح (12/22) قال: كان عمر وعبد الله بن مسعود يقاسمان الجد مع الإخوة، ما بينه وبين أن يكون السدس خيراً له، وهذا هو قول علي ، وعلي مات وهو يقول بهذا رضي الله عنه وأرضاه.

    ثم كتب عمر إلى عبد الله عندما أرسله إلى بلاد الكوفة فقال له: ما أرانا إلا وقد أجحفنا بالجد، أي: أنقصناه بإعطائه السدس فقط مع الإخوة، ينبغي أن يأخذ أكثر، فإذا جاءك كتابي هذا فقاسم به مع الإخوة، ما بينه وبين أن يكون الثلث خيراً له، أي قاسم بينهم بحيث إما المقاسمة وإما الثلث، أيهما أحظ تعطيه للجد، وسيأتينا هذا كما قلت في المبحث الثالث.

    وعليه لو ترك أخاً وجداً فالمقاسمة أولى به على القولين، فلا نفرض له لا ثلثاً ولا سدساً، لكن لو ترك أربعة إخوة وجداً، على قضاء عمر الأول المقاسمة أفضل لأنه سيأخذ خمساً، وإذا فرضنا له السدس سيضره.

    وعلى القول الثاني: نفرض له ثلثه؛ لأنه أحظ له، ولا نقاسمه لئلا يأخذ الخمس، انظر أيضاً لهذا التراجع إذا كان يقول بالسدس بعد أن قال: إن الإخوة يشاركون الجد في الميراث، قال: نقاسم الجد مع الإخوة بحيث لا ينقص عن السدس، وإذا كانت المقاسمة أحظ أعطيناه، فإذا ترك عشرة إخوة وجداً، فالأحظ السدس، وعلى القول الذي رجع إليه الأحظ ثلث، انظر يكف سيختلف القضاء من ثلث إلى سدس إلى مقاسمة.

    حقيقة هذه أقوال عجيبة غريبة دقيقة لابد عليها من نصوص صريحة تقررها، وتقدم معنا القول الأول وقلنا إنه منضبط، يعني: لا اختلاف فيه ولا تفريع فيه، لا يرث أخ مع الجد وانتهى الأمر.

    زاد محمد بن نصر في روايته التي معنا والبيهقي في سننه بسند صحيح عن عبيدة السلماني ، قال: ثم قدم علينا علي ، يعني: بعد عبد الله بن مسعود ، قدم إلى الكوفة، فأعطى الجد السدس، وعبد الله في آخر أيامه في الكوفة بناءً على كتاب عمر يقول له: قاسم الجد مع الإخوة بحيث لا ينقص عن الثلث، يقول: جاء علي فأعاد القضاء الأول فأعطى الجد السدس.

    قال عبيدة : فرأيهما في الجماعة أحب إلي من رأي أحدهما في الفرقة.

    رأيهما في الجماعة هو أن الجد أب، يقول: علي كان يرى هذا أيام أبي بكر ، وعمر كان يرى هذا أيام أبي بكر إذاً لم الاختلاف؟ علي صار له رأي، وعمر له رأي، رأيهما في الجماعة أحب إلي من رأيهما في الفرقة، كأنه يقول: دعونا إذاً من هذه الأقوال المختلفة، تارة نجعل للجد سدساً وتارة ثلثاً وتارة مقاسمة، وهم يقولون ويختلفون، نعود إلى ما اتفقوا عليه، وتقدم معنا أنه إجماع سكوتي، وهذا بسند صحيح عن عبيدة السلماني .

    القضاء الرابع: إعطاء الجد الأحظ من الثلث أو المقاسمة

    القضاء الرابع: أشير إليه ضمن القضاء الثالث: استقر عمر رضي الله عنه بعد ذلك على إعطاء الجد الثلث أو المقاسمة أيهما أحظ له، بعد أن كان يعطي الجد السدس أو المقاسمة كما تقدم معنا في الأثر المتقدم، لكن هذه حالة رابعة، وتابعه على ذلك عبد الله بن مسعود .

    ثبت في مصنف ابن أبي شيبة عن مسروق ، قال: كان ابن مسعود لا يزيد الجد على السدس مع الإخوة، فقال له مسروق : شهدت عمر بن الخطاب وقد أعطى الجد الثلث، فأعطى عبد الله بن مسعود الجد الثلث، بدأ يعطيه الثلث أو المقاسمة أيهما أحظ له، وفي رواية: فترك عبد الله رأيه وتابع عمر .

    فلعل هذا الترك وتلك المتابعة بعد أن وصله كتاب عمر فاجمع بينهما، فـمسروق يقول لـعبد الله : أن تعطيه الثلث، وأنت أمير من قبل عمر ، وأنا حضرت عمر ويعطيه الثلث، متى ترك رأيه وتابع؟ عندما تحقق وجاءه بعد ذلك كتاب من عمر وقال: أجحفنا في حق الجد وأنقصناه نصيبه، فقاسم به مع الإخوة إلا إذا كان الثلث خيراً له فأعطه الثلث، وإذا كانت المقاسمة أحظ فقاسمه.

    وثبت في السنن الكبرى للإمام البيهقي (6/249) رواه محمد بن نصر أيضاً وإسناده صحيح، قال: كان علي يعطي الجد الثلث، ثم تحول إلى السدس، وكان عمر يعطي الجد السدس ثم تحول إلى الثلث رضي الله عنهم أجمعين.

    وفي سنن سعيد بن منصور (1/49) عن شعبة بن التوأم الضبي ، قال: توفي أخ لنا على عهد عمر وترك جده وإخوته، فأتينا عبد الله بن مسعود ففرض للجد السدس. ولعله لأن الإخوة أكثر من خمسة، فالسدس إذاً أحظ له من المقاسمة، قال: فلما توفي أخ لنا في عهد عثمان رضي الله عنهم أجمعين، وعبد الله بن مسعود لا زال أيضاً في الكوفة معلماً ومرشداً وقاضياً، وترك -هذا الأخ الثاني- أيضاً إخوته وجده، فأتينا عبد الله بن مسعود ففرض للجد الثلث -سابقاً فرض السدس والآن الثلث- فقلنا له: أما أتيناك في أخينا الأول ففرضت له السدس، يعني لم تفرض الثلث؟ قال: إنما نقضي بقضاء أئمتنا!

    وتقدم معنا أن قول الإمام ملزم، فـعمر رضي الله عنه كان يرى أن الجد في أول الأمر يأخذ المقاسمة أو السدس فقضيت بذلك، ثم عمر رضي الله عنه تغير رأيه وجاء عثمان وتابعه على ذلك، فكان يرى أن الجد يأخذ الأحظ من الثلث ومن المقاسمة، فلما عرضتم علي هذه المسألة في عهد عثمان والإخوة كثيرون فلا يمكن أن أقاسمهم، فتعين أن نفرض له، الفرض الآن تغير من سدس إلى ثلث، نقضي بقضاء أئمتنا، هذا قضاء رابع.

    القضاء الخامس: التفريق بين حالتي وجود صاحب فرض وعدمه

    قضاء خامس من عمر رضي الله عنه، وهي أقضية مختلفة يعارض بعضها بعضاً.

    استشار عمر رضي الله عنه الصحابة الكرام لما طعن، وطلب من الصحابة أن يوافقوه على اجتهاده ورأيه في الجد والإخوة، فما وافقوه ولا أخبروه بأنهم سيتبعونه على اجتهاده ورأيه، مع علمهم بأنه على هدى، فإن أخذوا بقوله أو بقول من قبله فهم في سعة، فاسمع لهذا الأثر:

    ثبت في سنن الدارمي ومصنف عبد الرزاق أن عمر رضي الله عنه لما طعن قال للصحابة الكرام: إني كنت رأيت رأياً في الجد والإخوة.

    ورأيه الذي كان يقضي به في آخر حياته: أنه يجعل الثلث للجد أو المقاسمة، أيهما أحظ له؛ هذا كله أيضاً إذا لم يكن هناك صاحب فرض، وإذا كان صاحب فرض ماذا يوجد؟ هذا لم ينص عليه في هذه المسائل، وسيأتينا هذا التفريع والكلام عليه في المبحث الثالث، إنما لو ترك جداً وإخوة فآخر شيء أنه جعل للجد الأحظ من الثلث أو المقاسمة، هذا آخر قضاء قضى به عمر رضي الله عنه وأرضاه.

    أما إذا كان هناك أصحاب فروض فيختلف الأمر قطعاً وجزماً؛ لأنه قد لا يرث الإخوة مع الجد شيئاً في تلك المسألة كما تقدم معنا في بعض الصور.

    فهنا الآن لما طعن دعا الصحابة رضي الله عنهم واستشارهم، وقال: إني كنت رأيت رأياً في الجد والإخوة؛ فإن شئتم أن توافقوني وأن تتبعوني، فقال عثمان رضي الله عنه: إن نتبع رأيك فإنه رأي رشد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك، فلنعم ذو الرأي كان أبا بكر ؛ لكن لا تأخذ منا موافقة على أننا سنسير على قولك.

    هذه الآن حالة خامسة من عمر رضي الله عنه عرضها على الصحابة الكرام، وما علم هل القضاء سينفذ بعده أم لا؟

    القضاء السادس: التوقف

    حالة سادسة: وهي التي لا أتردد في أن عمر رضي الله عنه خرج من الدنيا ويقول بها، وهي: التوقف في الجد والإخوة، وقد عزم كما سيأتينا على كتابة كتاب في ذلك، لكن حيل بينه وبين ذلك ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وكأنه أراد أن يعود إلى قول أبي بكر ، لكن حصل ما حصل، لكن توقف، وهذا نقل عنه من لفظه.

    ثبت ذلك في مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب ، قال: كتب عمر رضي الله عنه في الجد والكلالة كتاباً، فمكث يستخير الله زماناً، ويقول: اللهم إن علمت فيه خيراً فأمضه، حتى إذا طعن رضي الله عنه وأرضاه دعا بالكتاب فمحاه، فلم يدر أحد ما كان فيه، ثم قال: إني كتبت في الجد والكلالة كتاباً، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه.

    وفي السنن الكبرى للبيهقي عن عمرو بن ميمون الأودي ، قال: شهدت عمر رضي الله عنه حين طعن، فدعا ولده عبد الله وقال: يا عبد الله ! ائتني بالكتف التي كتبت فيها شأن الجد بالأمس -والكتف كتف الشاة، العظام العريضة كان يكتب عليها بدل الصحف التي في زماننا- فلما أتاه بالكتف قال عمر : لو أراد الله أن يتمه لأتمه، فقال عبد الله بن عمر : نحن نكفيك هذا يا أمير المؤمنين! أي: ما كتبته نحن ننسخه ونظهره وننشره بين الناس، فقال: لا، فأخذ الكتف فمحا ما فيها بيده، هذا في آخر حياته لما طعن رضي الله عنه وأرضاه.

    وثبت في السنن الكبرى للإمام البيهقي أيضاً (6/245) عن طارق بن شهاب قال: أخذ عمر كتفاً، وجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأراد أن يكتب في كتفه حكم الجد مع الإخوة، وهم يرون، أنه سيجعل الجد أباً، قال: فخرجت حية فتفرقوا، فقال عمر : لو أراد الله أن يمضيه لأمضاه.

    أي: لا نكتب شيئاً، ونترك الأمر كما كان، ثم كتب بنفسه ثم محاه، لكن هنا كانت الكتابة ستقع بمحضر الصحابة.

    وفي مصنف عبد الرزاق (10/262) أنه قال عندما طعن: اشهدوا أني لم أقض في الجد قضاءً! أي: قضاءً ثابتاً لازماً أستقر عليه، أنا رجعت عن كل قضاء قضيته، الأمر لكم على حسب ما ترون من أدلة الشريعة.

    وفي مسند الإمام أحمد بسند رجاله ثقات كما في مجمع الزوائد (4/227) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أنا أول من أتى عمر حين طعن، فقال: يا ابن عباس ! احفظ عليَّ ثلاثاً؛ فإني أخاف ألا يدركني الناس، يعني: أن أموت قبل أن يأتي الناس ويسمعوا مني هذا، أما أنا فلم أقض في الكلالة، هذه المسألة الأولى، والكلالة هي كل مسألة ليس فيها والد ولا ولد، هذا قضاء أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، لم أقض في الكلالة، ولم أستخلف على الناس خليفة، لا يوجد خليفة معين، والأمر جعله شورى بين ستة، وكل مملوك لي فهو عتيق.

    سبب اختلاف أقضية عمر بن الخطاب في الجد والإخوة

    وسبب كل هذا التعارض والاختلاف من عمر رضي الله عنه، ما تقدم معنا أنه لا يوجد نص صريح صحيح في الجد والإخوة، وقد ثبت في الصحيحين وسنن أبي داود والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، والأثر رواه عبد الرزاق في مصنفه وهو في أعلى درجات الصحة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب أيام خلافته على منبر نبينا صلى الله عليه وسلم فقال: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة أشياء: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، يعني: تتخذ وتصنع من هذه الأشياء، والخمر ما خامر العقل وغطاه وستره.

    وثلاث وددت لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفارقنا حتى يعهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه:

    أولها: الجد، ليت النبي عليه الصلاة والسلام عهد إلينا فيه عهداً ننتهي إليه، والكلالة، وأبواب من الربا.

    هذه ثلاثة أمور كان عمر رضي الله عنه يشكل عليه فيها بعض المباحث، يتمنى لو أن النبي عليه الصلاة والسلام عهد بها عهداً واضحاً: منها هل الجد نزل منزلة الأب، أو يشترك معه الإخوة في الميراث؟ وأمر الكلالة أيضاً كذلك، وبعض أبواب الربا؛ لأن بعض الصحابة كان يترخص في ربا الصرف، ويرى أن الربا لا يكون إلا في النسيئة، وأما ربا الفضل فكان بعض الصحابة رضي الله عنهم يترخص فيه، ولا يرى فيه إثماً، وحتماً هم محجوجون بالنصوص الصريحة بعد ذلك في هذا الأمر، وأن الربا سواءٌ كان ربا الفضل وهو درهم بدرهمين، أو نسيئة إلى فترة معينة، كل هذا حرام.

    على كل حال كان عمر يتمنى لو بين هذا في هذه الأمور الثلاثة بنصوص صريحة واضحة، يعني: كتبت من النبي عليه الصلاة والسلام ليرتفع القيل والقال في هذه المسألة.

    هذه أقضية مختلفة عن عمر رضي الله عنه.

    1.   

    اختلاف قول علي في الجد والإخوة

    أما علي رضي الله عنه فاختلف قوله في مسائل الجد والإخوة، فوافق أبا بكر رضي الله عنه في أول الأمر، وقضى هو بذلك، ثم رجع عنه كما ثبت في مصنف عبد الرزاق (10/264) والأثر رواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى (6/246) عن عطاء رضي الله عنه قال: كان علي يجعل الجد أباً، وهذا قضاؤه الأول، وكان علي في عهد أبي بكر ، وأيضاً في خلافته فعل هذا ثم رجع.

    قال الإمام البيهقي : أنكر قول عطاء هذا بعض أهل العراق، ثم قال البيهقي : الصحيح عن علي أنه كان يشرك بين الجد والإخوة، ولعله جعله أباً في حكم آخر، يعني: يقصد في غير الإرث، يعني في ولاية اليتيم إذا مات ولم يترك أباً، تنتقل الولاية إلى الجد، وفي ولاية النكاح، يعني: جعل له حكم الأب في حكم آخر كما تقدم معنا أن للجد أحكام الأب في بعض الأمور في الشريعة باتفاق، فيقول: لعله في حكم آخر.

    والذي يظهر والعلم عند الله أنه جعله أباً في الميراث؛ لأنه كان يقول بذلك، وقلنا: وكل الصحابة في عهد أبي بكر رضي الله عنه كانوا يقولون بذلك، فلا داعي أن نقول: جعله أباً في غير الميراث، وعطاء رضي الله عنه ينقل عنه هذا في الفرائض، يقول: كان علي يجعل الجد أباً، كون بعض الناس يستنكرون هذا لأن علياً استقر رأيه على التشريك بين الإخوة والجد، لا ينفي قضاء علي الأول، كما تقدم معنا أن أبا بكر كان يقضي بذلك، واستنكره أبو وائل ، إذا هو لم يعلم بذلك فلا يعني أن القضاء ليس بثابت، وتقدم معنا أن عمر كان يرى أن الجد كـأبي بكر أولى بالإرث من الإخوة، ثم رجع، فما المانع أيضاً أن يحصل هذا في علي رضي الله عنهم أجمعين حتى نقول: كان يرى علي أن الجد ينزل منزلة الأب، أي: في حكم آخر بغير الإرث؟ لا داعي لهذا فيما يظهر، والعلم عند الله.

    ثم رجع علي رضي الله عنه، فكان يعطي الجد الأحظ من الثلث والمقاسمة، ثم رجع فكان يعطيه الأحظ من السدس والمقاسمة، هذه ثلاثة أقضية عن علي رضي الله عنه في الجد والإخوة.

    وأقواله فقط فيما بينها متعارضة، هذا عدا عن تعارضها مع أقوال آخرين الذين ورثوا الإخوة مع الجد، وقد تقدم معنا في السنن الكبرى، أن زيداً كان يعطيه السدس، وأن عمر رضي الله عنه ومعه عبد الله بن مسعود كان يعطي الجد السدس أو المقاسمة، ثم انتقل إلى الثلث أو المقاسمة.

    1.   

    اختلاف قول زيد بن ثابت في الجد والإخوة

    وهكذا اختلف قول زيد ، فكان يرى أولاً أن الإخوة أولى بميراث أخيهم من الجد، ثم ذهب إلى توريث الجد مع الإخوة، واستقر على مذهب معروف له تبعه عليه المذاهب الثلاثة، وسيأتينا تفصيله إن شاء الله ضمن المبحث الثالث في بيان هذا القول الثاني الذي يورث الإخوة مع الجد، سيأتينا أنه قسم الجد والإخوة إلى حالتين: أن يوجد معهم صاحب فرض أو لا، وإذا كان يوجد صاحب فرض فما الحكم؟ وإذا لم يوجد صاحب فرض فما الحكم؟ سيأتينا هذا إن شاء الله.

    وإذا وجد صاحب فرض فله ثلاثة أحوال: ثلث الباقي، أو السدس، أو المقاسمة.

    وإذا كان لا يوجد صاحب فرض: ثلث، أو مقاسمة، هذا كله سيأتينا إن شاء الله، ثم ما يشذ عن هذا الضابط الذي وضعه زيد ، يأتينا بيانه في المبحث الثاني إن شاء الله.

    لكن قول زيد هو الذي أخذ به الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، والإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه.

    وما استقر عليه مذهب زيد هو الذي كان عمر في حياته يوصي به للالتزام به، ففي سنن الدارمي (2/357) عن عمر رضي الله عنه قال: خذوا من أمر الجد ما اجتمع عليه الناس.

    قال أبو محمد الدارمي: يعني: قول زيد الذي اجتمع عليه الناس في الفرائض بعد ما اجتمعوا على قول أبي بكر أيام خلافته.

    يعني: قول زيد اجتمع عليه الناس، وهذا القول الذي قاله عمر نقل أيضاً عن الشعبي: خذوا من أمر الجد ما اجتمع عليه الناس، قال ذلك الشعبي أيضاً، كما في مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة.

    وقول زيد الذي استقر عليه في توريث الإخوة مع الجد سيأتي بيانه، وحقيقة فيه كيفيات دقيقة عجيبة غريبة، ولما اعترض عليه ابن عباسابن عباس كان يرى أن الجد أب- قال: أقول برأيي كما تقول برأيك، أي بما أنه لا يوجد نص صحيح صريح في المسألة، بقي الأمر إلى الاجتهاد، فأنا لي رأي وأنت لك رأي، ولا تتبعني فلا غضاضة عليك، لكن لا تنكر علي.

    1.   

    تحير السلف في مسائل الجد والإخوة

    إخوتي الكرام! قبل أن ننتقل إلى الأدلة العشرة في هذا القول: أقول: هذا الاختلاف الذي وقع بين من قال بتوريث الإخوة مع الجد، بل بين أقوال الواحد منهم، هذا مما دعا بعض أئمة السلف إلى أن يقول بقول أبي بكر، وقال: هؤلاء كلهم تحيروا بعد أبي بكر، فلنرجع إلى القول الذي لا حيرة فيه، وهو الذي كان يأخذ به الصحابة كلهم في عهد أبي بكر .

    من هؤلاء: الحسن البصري كما في سنن الدارمي (2/353) قال الحسن : إن الجد قد مضت فيه سنته، يعني: طريقته وحكمه، وإن أبا بكر رضي الله عنه جعل الجد أباً، ولكن الناس تحيروا، أي: وقعوا في حيرة بعد موت أبي بكر رضي الله عنه، وقالوا ما قالوا.

    وفي سنن الدارمي ضبط: (تخيروا)، ولعله فيما يظهر لي والعلم عند الله تصحيف، (تخيروا) لا يصح، (تحيروا)، أي: من الحيرة.

    وحقيقة عندما ينقل عن عمر كما تقدم معنا مائة قضاء تنقض تلك الأقضية بعضها بعضاً، هذه حيرة، فليس الموضوع (تخيروا)، يعني: لا يوجد أشياء ثابتة تخيروا منها، ولكن الناس تحيروا، بذلك ضبط في كتاب إعلام الموقعين (1/379) والعلم عند الله.

    وقال الحسن كما في سنن سعيد بن منصور (1/48): لو وليت على الناس لأنزلت الجد أباً، ورفعنا القيل والقال، أي: وهذا الخلاف الذي حصل بعد أبي بكر رضي الله عنه يقول: أزيله أنا، لو وليت على الناس، وكان لي عليهم حق السمع والطاعة لجعلت الجد أباً.

    وقد كان كثير من السلف يتوقف في القضاء في مسائل الجد والإخوة، لهذا الاختلاف الذي حصل بين الصحابة الكرام، من جملة من كان توقف إمام التابعين شريح ، وهو من المتقنين الحاذقين الماهرين الورعين، ما قضى في مسألة فرضية فيها جد، متى ما جاء الجد يقول: حولوا المسألة إلى غيري، أنا لا أقضي في ذلك، وهو القاضي الورع المسئول.

    ثبت هذا في مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة وسنن الدارمي عن شريح قال: لا أقول في الجد شيئاً، لا أنه ينزل منزلة الأب، ولا أننا نورث الإخوة معه، أنا لا أقضي في مسألة فيها جد.

    ولما سئل عن امرأة ماتت وتركت أماً وزوجة وجداً وأخاً لأبيها، لم يقض فيها.

    أم وزوج وجد وأخ شقيق، فما لا خلاف فيه قضى فيه شريح ، قال: الأم لها الثلث، والزوج له النصف، وأما الجد والأخ الشقيق فلا أقول فيهما شيئاً.

    فأعادوا عليه، قال: الأم لها الثلث والزوج له النصف، أما بقية التركة، فاسألوا غيري عنه.

    بقي معنا السدس لتستوفى التركة، السدس لا يعطى لا للجد ولا للأخ، وقال: لا أقضي فيه بشيء، فأعاد عليه أبو إسحاق السبيعي ، قال: ودخلت عليه مراراً وعنده عامر الشعبي وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، كل هؤلاء عند شريح ، أعدت عليه المسألة فقال: للبعل الشطر، وللأم الثلث، وتوقف.

    ثم قال: ووافقه من كان معه، ما جاء أحدٌ بفريضة أعضل من فريضة جئت بها.

    أي: هذا السدس إن أعطيناه للجد حرم الأخ، وإن أعطيناه للأخ حرم الجد، إذا شركنا بينهما كيف نعطي الجد أقل من السدس وهو في الأصل إما عصبة وإما له السدس؟ المسألة معضلة لا نقضي فيها بشيء.

    قال: فأتيت عبيدة السلماني وكان يقال: ليس في الكوفة أعلم منه بالفرائض، ومعه في ذلك الحارث الأعور فهما أعلم الناس بالفرائض، يقول: فأتيت عبيدة السلماني فقال: إن شئتم نبأتكم بفريضة عبد الله بن مسعود كيف يقضي في هذه المسألة، وقضى فيها بقضاء عبد الله بن مسعود الذي كان عليه ثم تركه، وعبد الله مات ولا يقضي به، ولم يأخذ بهذا القضاء أحد من أئمة الإسلام إلا أبو يوسف ، فقال: الأم لها ثلث الباقي، تقدم معنا في العمريتين، لا يعتبر الجد أخاً يعاد به مع الأخ لتحجب الأم من الثلث إلى السدس، أما هنا فنزل الجد منزلة الأخ فحجب الأم من الثلث إلى ثلث الباقي، كما لو كان هنا أب، فالأم لها ثلث الباقي، والزوج له النصف.

    ثم انظر ماذا عمل بعد ذلك؟ أعطى للجد السدس، والأخ له الباقي، لأن الجد إذا وجد مع أصحاب الفروض له الأحظ من المقاسمة، ومن ثلث الباقي ومن السدس، فالأحظ له السدس.

    هذا في قضاء عبد الله بن مسعود أن له السدس مع أصحاب الفروض؛ لكن قوله: الأم لها ثلث الباقي، هذا خطأ، وقضاء شاذ كما قال أئمتنا قاطبة، وكان ابن مسعود يقول به في أول الأمر ثم رجع، واستقر الأمر على أن الجد لا ينزل منزلة الأب في العمريتين، لأن ذاك له حقيقة الولادة كهي فلا تفضله، أما الجد فتأخر درجة، وعليه المسألة عندنا ستصبح هنا من قسمين في الأصل:

    هذا قضاء أبي يوسف فقط، لكن المعتمد عند الحنفية أن الجد لا ينزل منزلة الأب، فلا يحجب الأم من الثلث إلى ثلث الباقي، بل تأخذ الثلث كاملاً في العمريتين، وأئمة الإسلام كلهم على ذلك، ولذلك قال الإمام ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (ص:381): هذا قول شاذ كان يقول به عبد الله بن مسعود ثم تركه.

    فانظر الآن هنا إلى هذه المسألة المعضلة، ما قضى فيها شريح ، جعل للزوج نصفاً وللأم ثلثاً، وقال: أتوقف، قلنا: نحن تقدم معنا من مرجحات القول الأول، قلنا: اتفق المذاهب الأربعة، دعونا الآن من قول أبي يوسف ، على أن السدس الباقي سيأخذه الجد، قلنا: وعليه ينطبق قول النبي عليه الصلاة والسلام: (فما بقي فلأولى رجل ذكر)، فمما يدل على أن الجد أولى من الإخوة فينبغي أن يأخذ المال دونهم، قلنا: هذه المسألة هي من ضمن حجج أهل القول الأول؛ لأن هذا القضاء الذي قضى به علي ، هذا مردود عند المذاهب الأربعة.

    الأم لها ثلث كل المال، والزوج له نصف كل المال، بقي معنا السدس، والجد لا ينقص عن السدس بحال، فهنا ما فرض له حتى أخذ التعصيب، هو لو زاد عن السدس فهناك مجال أن نفرض له السدس، ونعطي الزائد للأخ، هذا عند المذاهب الثلاثة، أما هنا إذا كان سينقص عن السدس فلا يمكن أن نشرك معه أحداً من الإخوة قطعاً وجزماً، هذا عند القائلين بتوريث الإخوة مع الجد، فقالوا: هنا يأخذ هذا الفرض -أي: الباقي- دون الإخوة، قلنا: هذا حجة عليكم، وهذا هو مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر).

    لذلك قلنا: إن جعلتم السدس للأخ فهو أولى من الجد، وينبغي ألا يرث الجد معه وأنتم لا تقولون بذلك، وإن جعلتم السدس بينهما، فهذا ينبغي أن نشرك بينهما في كل حالة، وأنتم لا تقولون بذلك!

    وإن جعلتم السدس الباقي في المسألة للجد، وأنتم تقولون به، فهذا يدل على أن الجد أولى من الأخ.

    إخوتي الكرام! الذين قالوا بتوريث الإخوة مع الجد يورثون بشرط ألا ينزل الجد عن السدس، ولذلك في مسائل كثيرة لا يورثونهم، كهذه المسألة: عندنا الآن زوج، وبنت، وبنت أخرى، وجدة، وجد، وأخ شقيق، الزوج له الربع لوجود الفرع الوارث، البنتان لهما الثلثان، الجدة لها السدس، طيب الفروض الآن استغرقت وزادت، يعني: الجد كان الأصل أن تعطيه التعصيب لكن لن يبقى له شيء، فيعطى السدس، والأخ في هذه المسألة لا يرث بالإجماع، ولا يأخذ شيئاً، فيسقط، لا يقال: محجوب عند الجمهور، وعند أبي حنيفة محجوب، إنما يقال: ما بقي له شيء، وفي الأصل لو بقي أكثر من السدس لشارك الجد، بحيث يأخذ الجد السدس وما بقي يأخذه هو، أما هنا فلا يرث بالإجماع، فالمسألة الآن من اثني عشر، سدسها اثنان، وربعها ثلاثة، وثلثاها ثمانية، والسدس اثنان، عالت إلى خمسة عشر، وليس للأخ الشقيق شيء، هذا بالإجماع.

    فهم قالوا: الإخوة يرثون مع الجد، لكن على كيفية معينة ستأتينا، فإذا وجد صاحب فرض فالجد له الأحظ من ثلاثة أحوال: مقاسمة، ثلث الباقي، السدس، فإذا أخذ السدس ولم يبق للإخوة شيء سقطوا، لا يمكن أن ينزل الجد عن هذا بحال من الأحوال، وهنا كذلك في مسألة الأم والزوج والجد والأخ، فله السدس الباقي، بعد فرض الأم والزوج، هذا السدس الباقي أخذه الجد عن طريق التعصيب؛ لأنه أقوى عصبة، وإن شئت على قول الجمهور (المذاهب الثلاثة) له السدس، لأنه وجد معه صاحب فرض، هم يقولون: له الأحظ من ثلاثة أحوال: مقاسمة، أو ثلث باقي، أو سدس، أي الأمور أحظ؟ السدس، لأنك لو قاسمته سيأخذ نصف السدس، ولو أعطيته ثلث الباقي سيأخذ ثلث السدس، فأحظ الأحوال له السدس، فعند أبي حنيفة له عصبة، وعند الجمهور والمذاهب الثلاثة له السدس فرضاً، وعلى الحالتين قلنا: سواءٌ سميناه تعصيباً أو فرضاً سيأخذ ما بقي، وهو أولى من الأخ، وعليه فهذا يرجح قول أبي حنيفة ، وهو قول أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين.

    لهذا الاختلاف كان شريح يتوقف، وفي حياته من أولها إلى آخرها ما قضى قضاءً في الجد والإخوة، وكل مسألة تأتي يقول: هذه حولوها إلى غيري.

    عبيدة هذا فقيه في الفرائض ينسب إليه أنه قضى لكن في قضاء شاذ.

    وأما الحسن البصري فما كان يتوقف، يقول: لو كان الأمر إليَّ لحملت الناس على أن الجد أب، وينبغي أن نأخذ بقضاء أبي بكر فقد مضى فيه سنة، والناس ساروا على هذا، فعلام الاختلاف والتحير بعد ذلك؟

    وحقيقة كما قلت إخوتي الكرام: هي الآن أقوال مختلفة فيما بين القائلين، بل فيما بين أقوال الواحد فقط، ثم عندما سيأتينا في كيفية توريث الإخوة مع الجد، وهو المبحث الثالث، لنرى حقيقة عجباً في كيفية التوريث التي قالوا بها، وهذا كله يرجح القول الأول والعلم عند الله عز وجل.

    بعد أن بينت اختلافهم في توريث الإخوة مع الجد، بل لاختلاف أقوال القائل الواحد ممن قال بتوريث الإخوة مع الجد، ننتقل إلى حجج توريث الإخوة مع الجد.

    أما الحجج: فكما قلت إخوتي الكرام! سأذكر في ذلك عشر حجج لهذا القول، وسأذكر الأولى منها وهي ما ذكره الإمام ابن قدامة في المغني (7/65) فقال: إن الإخوة من ذكور وإناث، أشقاء أو لأب، شقيقات أو لأب، ثبت إرثهم بالنص والإجماع، أي: يوجد نصوص من آيات وأحاديث تنص على أنهم يرثون، وأجمع المسلمون على ذلك، فلا ينبغي حجبهم إلا بنص أو إجماع، ولا يوجد نص يدل على أن الجد يحجب الإخوة، ولو وجد لما حصل الخلاف، والمسألة لا إجماع فيها، نعم في زمن أبي بكر لا معارض ولا مخالف، لكن ليس معنى هذا أن هناك إجماعاً قطعياً في هذه المسألة.

    أولاً: لعله قلة المسائل التي وقعت في عهد أبي بكر .

    الأمر الثاني: قصر فترته، فما كثر الكلام في مسائل الجد والإخوة، فكان أبو بكر يرى أنه ينزل منزلة الأب، لكن لا يوجد إجماع قطعي، ولو وجد لما حصل خلاف في هذه المسألة، وقلنا: غاية ما يقال: إجماع سكوتي.

    والحمد لله رب العالمين.