إسلام ويب

فقه المواريث - الجد والإخوة [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف أهل الفرائض في توريث الإخوة مع الجد على قولين معتبرين: أحدهما أن الجد كالأب، فيحجب الإخوة ولا يرثون معه شيئاً، وقد ذكر أصحاب هذا القول أدلة كثيرة ترجح ما ذهبوا إليه واختاروه، وأوضح هذه الأدلة عشرة فصلها الشيخ وشرحها شرحاً وافياً، وبين ما هو أقواها وأوضحها، وما يمكن أن يجاب عليه منها.

    1.   

    أدلة القول بعدم توريث الإخوة مع الجد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! شرعنا في المحاضرة الماضية في مبحث الجد والإخوة، ووضعت لذلك معالم سبعة ينبغي أن يعيها طالب العلم قبل الشروع في تفصيل أحكام الجد والإخوة.

    وبعدها ذكرت أن أقوال أئمتنا في الجد والإخوة مع تعددها وتنوعها وتشعبها واختلافها تعود إلى قولين اثنين، قول يقول بعدم توريث الإخوة مع الجد؛ لأن الجد يعتبر أباً.

    وقلت: ذهب إلى هذا صديق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، ولم يخالفه أحد في خلافته، وتحمس لهذا عدد كثير من الصحابة الكرام، وعلى رأسهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فكان يدعو من خالفه إلى المباهلة والملاعنة، والأمر لا يحتاج إلى ذلك.

    وقلت: إن هذا القول انتصر له الإمام ابن القيم وشيخه الإمام ابن تيمية وقرره الإمام ابن القيم من عشرين وجهاً، وقلت: سأذكر له عشرة أوجه إن شاء الله.

    وأما القول الثاني، فالقول بتوريث الإخوة مع الجد، وسيأتينا استدلال من قال بهذا القول على توريث الإخوة مع الجد، وأدلتهم وإن كانت معتبرة، لكن كيفية التوريث التي ذكروها في الحقيقة تحير عقول البشر، فرضي الله عنهم وأرضاهم.

    فالقول الثاني هو قول جماهير الصحابة بعد أبي بكر رضي الله عنه، وقال به جماهير علماء الإسلام، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وصاحبا أبي حنيفة محمد وأبو يوسف عليهم جميعاً رحمة الله. والقول الثاني سأقرره بعشرة أدلة أيضاً، ونوازن بين القولين بعد ذلك إن شاء الله.

    فلنشرع في تقرير أدلة القول الأول الذي ينزل الجد أباً، ولا يجعل للإخوة شيئاً من الميراث بوجود الجد كما لو كان هناك أب، حجج هؤلاء كما قلت كثيرة يمكن أن نجملها في عشرة أدلة:

    الدليل الأول تسمية الجد أباً

    الدليل الأول: قالوا: إن الجد سمي في الشريعة أباً كما سمي ابن الابن ابناً، وقد أناط الله جل وعلا الأحكام الثابتة للابن ..لابن الابن وجعلها له، وهكذا ينبغي أن يكون الحال بالنسبة للجد مع الأب، فكما أن الجد يسمى أباً فينبغي أن يأخذ الجد أحكام الأب، فابن الابن يأخذ أحكام الابن تماماً ولا يخالفه في شيء، فهكذا ينبغي أن يأخذ أبو الأب أحكام الأب وأن لا يخالفه في شيء.

    قالوا: والأبوة والبنوة من الأمور المتلازمة المتجانسة، فيمتنع ثبوت أحدهما بدون الآخر، وعليه يمتنع ثبوت البنوة لابن الابن إلا مع ثبوت الأبوة لأب لأب.

    يعني: أنت كما قلت ابن الابن بمنزلة الابن، فينبغي أن تقول: أب الأب، بمنزلة الأب، هذه أمور متجانسة، لا يثبت أحد الأمرين إلا بثبوت الآخر.

    فإذاً ابن الابن متى ما وجد قابله جد، الذي هو أبو الأب، فكما قلت إن ابن الابن يأخذ أحكام الابن، فينبغي أن تقول: إن أبا الأب يأخذ أحكام الأب؛ لأن البنوة والأبوة من الأمور المتجانسة، لا يثبت أحدهما إلا بثبوت ما يقابله، فإذا ثبتت البنوة لابن الأب، ثبتت الأبوة لأب الأب، الذي هو الجد.

    وهذا في منتهى الظهور والوضوح، ولذلك قال عمر رضي الله عنه لـزيد : كيف يرثني أولاد عبد الله دون إخوتي، ولا أرثهم دون إخوتهم، وسيأتينا قول عمر ، وكان من رأيه أن الجد ينزل منزلة الأب في أقاويله المختلفة التي قال بها، وهذا قوله الأول.

    يقول لـزيد: كيف يرثني أولاد عبد الله ، يعني: أولاد ولده عبد الله ، دون إخوتي، يعني: أنا إذا مت وتركت ابن ابن وإخوة فالمال كله لابن الابن، فقال: كيف يرثني أولاد عبد الله دون إخوتي، ولا أرثهم دون إخوتهم.

    يقول: وهناك لم يرثني دون إخوتي، وأنا لا أرثه دون إخوته، كيف هذا؟ فكما أنه ورثني دون إخوتي، فينبغي أن أرثه -أي: ابن الابن- دون إخوته، فإذا مات الرجل وترك جداً وأخاً فالمال كله للجد، كما لو أن الجد لو مات وترك ابن ابن وأخاً فالمال كله للابن.

    قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين (1/376) وهذا هو القياس الجلي والميزان الصحيح الذي لا مغمز فيه ولا تطفيف.

    إذاً: أبو الأب أب، ابن الابن ابن، الأبوة والبنوة أمور متجانسة متى ما ثبتت البنوة لابن الابن ثبتت الأبوة لأبي الأب، فكما أن ابن الابن ورث الجد دون إخوة الجد، ينبغي أن يرث الجد أبناء ابنه دون إخوتهم، هذا كلام عمر رضي الله، وهذا قوله الأول، لكن لم تزحزح عنه؟

    يعني: كان أول جد ورث مع الإخوة هو عمر رضي الله عنه، ولما مات بعض أحفاده من أولاد ابنه أراد أن يأخذ المال كله، فنازعه زيد وعلي فقال: لولا أنكما اتفقتما لما أخذت بقولكما، لكن ترك قوله، ثم شرك أبناء الأبناء معهم، يعني: عندما مات ابن ابنه دعا إخوته الأحياء ليشاركوه في الميراث، يعني: إخوة مع جد.

    وسيأتينا أن قال لـزيد رضي الله عنه: شغب ما كنت مشغباً, شعب ما كنت مشعباً, شعف ما كنت مشعفاً, إنني أحق بالمال منهم، هذا في أول الأمر، ثم بعد ذلك اتفق علي وزيد فخرج عمر عن قوله، سيأتنيا تخريج الآثار في ذلك عند القول الثاني إن شاء الله، إذاً هذا القول الأول.

    هذا القول إخوتي الكرام مع وضوحه هو قول الإمام ابن القيم : إنه قياس جليل, وميزان صحيح, لا مغمز فيه ولا تطفيف، يمكن أن يجاب عنه من أصحاب القول الثاني، فكل قول حوله شيء من الجواب أذكره بعده لئلا نعيد الأقوال بعد ذلك وما عليها من اعتراضات.

    وهذه الاعتراضات التي يمكن أن تثار من قبل أصحاب القول الثاني القائلين بتوريث الإخوة مع الجد ذكرها صاحب العذب الفائض (1/107) فقال: يمكن أن يقال إن أبوة الجد ثابتة، لكنها أبوة مجازية ليست حقيقية، فهو يقوم مقام الأب في النسبة والتعريف، ويقال هذا أب، وينسب الإنسان إليه ويقال ابن فلان، لكن لا يلزم اشتراكه معه في جميع الأحكام.

    قال: والجدة سميت أماً بنص القرآن يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ [الأعراف:27]، فـآدم أب فهمنا، وحواء جدة سميت أماً، من باب التغليب, فهل نعطي الجدة التي تسمى أماً أحكام الأم؟

    لا ننزل الجدة منزلة الأم بالإجماع، وليس للجدة الثلث بحال من الأحوال، وعليه فهنا يقولون: نعم، الجد يسمى أباً، لكن هذه نسبة مجازية من باب النسبة والتعريف، لا من باب ثبوت جميع الأحكام التي تثبت للأب.

    والدليل على هذا أن الجدة تسمى أماً، ولا تأخذ الجدة أحكام الأم، والجد كذلك يسمى أباً، لكن لا يلزم أن تكون جميع أحكام الأب للجد، والعلم عند الله جل وعلا.

    يعني: الدليل قوي، والاعتراض عليه أيضاً مستقيم، حقيقة هذا دليل ويمكن أن يجاب عنه بهذا، وخاصة في أمر الجد.

    الدليل الثاني: القياس على ابن الابن

    الدليل الثاني: قالوا: إن ابن الابن نازل منزلة الابن في حجب الإخوة، فليكن الجد نازلاً منزلة الأب في حجبهم أيضاً، وهذا ما أشار إليه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عندما قال: ألا يتقي الله زيد ، يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أبا الأب أباً.

    وتقدم معنا في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: يرثني ابن الابن دون إخوتي ولا أرث أنا ابن ابني.

    وتقدم معنا أن هذا الأثر وصله سعيد بن منصور وغيره سابقاً.

    ومما يقرر هذا الوجه أننا أجمعنا أن الجد ينزل منزلة الأب في حجب الإخوة لأم، لأن الورثة ليسوا كلالة، وقلنا: الكلالة التي ليس فيها أصل من الذكور، ولا فرع وارث مطلقاً من ذكور أو إناث، فبما أننا أجمعنا أنه إذا كان هناك أصل من الذكور فالورثة ليسوا بكلالة، والمسألة ليست كلالة.. فهي هي لو كان مع الإخوة لأم إخوة أشقاء أو لأب، ومعهم جد، كما حجبت الإخوة لأم بالجد ونزلت الجد منزلة الأب، وقلت: هؤلاء ليسوا بكلالة فلا يرثون لوجود الجد، فينبغي أن تحجب الإخوة جميعاً لوجود الجد، يعني: كما أنك بالفرع الوارث مطلقاً بالابن أو بالبنت حجبت الإخوة لأم ينبغي أن تحجب الإخوة مطلقاً من أشقاء أو لأب بالجد، وأنت حجبتهم بالفرع الوارث مطلقاً وحجبت بعد ذلك الإخوة الأشقاء، وحجبت الإخوة لأب إذا وجد ابن؛ لأن الورثة ليسوا كلالة، والمسألة ليست كلالة؛ لأن فيها أصلاً أو فرعاً، فبوجود الفرع لم تعط أحداً من الإخوة شيئاً, وينظر هكذا إذا كان هناك الأصل.

    قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين (1/374): كما يخرج ولد الولد الإخوة عن الميراث -يعني: يخرج المسألة عن الكلالة- فكذلك الجد، ونحن اتفقنا كما تقدم معنا في صورة من هذه الصور، وهي أن الإخوة لأم حجبوا بالجد.

    فنحن اتفقنا على أن ابن الابن يخرج الإخوة عن الميراث، ويخرج المسألة عن كونها كلالة، فكما أن الجد يخرج المسألة عن الكلالة ينبغي أن يخرج الإخوة عن الميراث وأن لا يرث أخ مهما كان نوعه مع الجد.

    هذا الدليل الثاني وهو أيضاً في منتهى الظهور والوضوح، وهذا الدليل مع قوته يمكن أن يجاب عنه من قبل أصحاب القول الثاني كما في العذب الفائض (1/107) قال: يمكن أن يختلف الجد عن الأب في هذه المسألة، ووجه الاختلاف أن الإخوة الأشقاء أو لأب حجبوا بالأب لإدلائهم به، لكنهم لم يدلوا بالجد.

    هناك أدلوا بالأب فحجبوا به، والإخوة لأم وإن لم يدلوا بالأب حجبوا لأنه ليست كلالة، وأما هنا فالإخوة الأشقاء أو لأب ما أدلوا بالجد فما حجبوا به.

    ثم يختلف الأمر في موضوع الكلالة: هنا الجد قريب للميت، والأخ الشقيق والأخ لأب قريب للميت، وقرابتهما تكاد أن تكون متساوية, فما ينبغي أن نسقط أحد القريبين الوارثين بالآخر.

    إنما هناك أسقطنا الأخ الشقيق لأنه أدلى بالأب، أسقطنا الأخ لأب لأنه أدلى بالأب، والأخ الشقيق والأخ لأب ما أدلوا بالجد, وعليه فالجد لا يسقط هنا.

    فإن قيل: إن المسألة ليست كلالة؟ نقول: نعم، لكن هذه لها حكم خاص؛ لأن هذا الأب هو أبو الأبعد، فيختلف عن الأب الأقرب، فقرابته للميت تساوي قرابة الأخ الشقيق للميت، هذا أبو أب، وذاك يعتبر ابن ابن، أو ليس كذلك؟ لأن الأخ الشقيق هو ابن ابن الميت، هذا الأب هو ناقص، فالجد أبو الأب، وهذا عنده ابن وله إخوة، فهؤلاء أبناء للميت الذي هو الأب، وذاك أب أب للميت، وعليه إذا كان الأمر كذلك فما ينبغي أن يسقط أحدهما الآخر. هذه يمكن أن يجاب عنه بهذا.

    الدليل الثالث: الجد أقوى من الأخ

    الدليل الثالث: الجد أقوى من الأخ، والأقوى ينبغي أن ينفرد بالميراث، ووجه القوة فيه أنه يشارك الأخ في الإرث، فكل منهما وارث، لكنه ينفرد بولاية النكاح فيحل محل الأب، والأخ ليس كذلك.

    فالجد يقوم مقام الأب عند عدمه، ينفرد بإسلام ابن ابنه تبعاً له، والأخ ليس كذلك، إذا أسلم الأخ لا يحكم بإسلام الإخوة، وإذا أسلم الجد فهو كما لو أسلم الأب، هذا محل اتفاق، فهذه أحكام تثبت للجد ولا تثبت للأخ.

    وينفرد بسقوط القطع عنه في السرقة، فلو سرق الجد من مال ابن ابنه لا يقطع، ولو سرق الأخ من مال أخيه قطع.

    وينفرد بسقوط القصاص عنه، وينفرد بمنع دفع الزكاة إليه.

    هذه كلها أحكام تثبت للجد، فهو شارك الأخ في الإرث، لكن زاد عليه في أحكام مقررة بالشريعة، فهذه الأحكام تجعل للجد قوة، يعني: جعلته كالأب في ولاية النكاح، وجعلته كالأب في الولاية على المال، وجعلته كالأب لأنه يحكم بإسلام الأحفاد تبعاً للأجداد، وجعلته كالأب في سقوط القطع عنه، وجعلته كالأب في سقوط القصاص عنه، وجعلته كالأب في تحريم إعطاء الزكاة إليه، والأخ ليس كذلك.

    وإذا كان الجد ينفرد بهذه الأمور، فدل على أن قرابته أقوى، فينبغي أن يأخذ المال, وأن ينزل منزلة الأب، وهذا ما يقرر ما قلناه أن الجد أب، فأعطه المال واسترح وأرح نفسك.

    وهذا الدليل ما أجابوا عنه بشيء، وهو أقوى حتماً، لكن يمكن أن يقال: موضوع القوة بعد ذلك في بعض أحكام خصه الشرع بها لا يعني من ناحية الإرث أنه يتقدم عليه؛ لأن الجهة ليست واحدة، ولو كانت الجهة واحدة مثل شقيق وأخ لأب لتقدم عليه، لكن الآن الجهة منفكة، فهنا قرابة وهنا قرابة، فعليه لا ينبغي أن يسقط ذاك، يعني: هو له في الإرث منزلة خاصة حتى عند الذين ورثوا الإخوة مع الجد جعلوا للجد حكماً خاصاً يختلف عن الإخوة، فلا يسقط الجد بحال.

    وأما الإخوة فيسقطون حتى عند القول الثاني، يعني: الجد ينبغي أن يأخذ ثلثاً إذا لم يكن معه صاحب فرض، مهما كثر الإخوة، يعني: لو مات عن عشرين أخاً شقيقاً وجداً، الجد الآن نفرض له الثلث ولا نعطيه أقل من ذلك، والثلثان للعشرين، فجعلوا للجد اعتباراً.

    وإذا كانت المقاسمة أنفع له أخذها، كما لو مات عن أخ شقيق وجد، قال: والأنفع للجد المقاسمة نعطيه نصف المال، فالجد مضمن حتى عند القول الثاني عن الإخوة، وإذا كان الإخوة بعد ذلك ما بقي لهم شيء من الوراثة سيسقطون ويفرد للجد السدس ولا ينقص عنه بحال، والإخوة سيسقطون ولا يأخذون شيئاً.

    فإذاً هو أقوى، لكن على حسب القول الثاني حسب ما يتخيل لي ويظهر والعلم عند الله قالوا: نراعي القوة لكن لا يعني ولا يلزم أن يحجبهم، وأن يأخذ المال دونهم.

    نعم هذه اعتبارات تراعى فيه، فالجد لا يسقط بحال، وإذا وجد في مسألة لا بد من أن يرث، والإخوة ليس كذلك فقد يرثون وقد يحجبون، أما أن الجد هو الذي يحجبهم فلا.

    الدليل الرابع: حجب الجد للإخوة لأم بخلاف الإخوة

    الدليل الرابع: الجد يحجب الإخوة لأم بالإجماع؛ لأن المسألة ليست كلالة، ولو قام الجد مقام الأخ الشقيق لنزل الجد منزلة الأخ الشقيق، ولما حجب الإخوة لأم.

    واعكس المسألة: ولو نزل الأخ الشقيق منزلة الجد لحجب الإخوة لأم، والأمر ليس كذلك في الحالتين.

    فنحن أجمعنا على أن الجد يحجب الإخوة لأم؛ لأن المسألة ليست كلالة، وأنتم يا من شركتم بين الجد والإخوة نزلتم الجد منزلة الأخ الشقيق وجعلتموه كأنه أخ.

    إذا مات عن جد وأخ تقولون: المال بالتساوي: نصف ونصف، فانظروا لتناقضكم: إذا كان الجد ينزل منزلة الأخ الشقيق فلا ينبغي أن يحجب الجد الإخوة لأم، لأنه لو مات وترك أخاً لأم وأخا شقيقاً، الأخ لأم له السدس هذا بالإجماع.

    إذاً: إذا نزلتم الأخ الشقيق منزلة الجد ينبغي أن تحجبوا الإخوة لأم، وإذا نزلتم الجد منزلة الأخ الشقيق ينبغي أن لا تحجبوا الإخوة لأم بالجد، اختاروا أحد الأمرين، وكلاهما ينقض قولكم.

    وهذا مما يدل على بطلان قولكم، وأن الجد ليس بمنزلة الأخ الشقيق فهو أولى منه بالميراث.

    قال أئمتنا: فمن جعل الجد بمنزلة الأخ فقد ناقضه.

    قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين: وهل هذا إلا محض تفريق بين ما جمع الله بينه، يعني: كما أن الإخوة لأم لا يرثون لوجود الجد؛ لأن المسألة ليست كلالة, فأفسد سائر الإخوة، ينبغي أن لا يرثوا بوجود الجد؛ لأن الله جمع بينهم، وسمى هؤلاء كلالة وهؤلاء كلالة، وتقدم معنا في أول سورة النساء: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [النساء:12].

    وفي آخر سورة النساء: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176] هذه كلالة وهذه كلالة، فهنا الآن أجمعنا على أن الأخ لأم لا يرث لأنه ليس بكلالة مع وجود الجد، فكيف أنت تنزل الجد منزلة الأخ الشقيق؟

    إن جعلته بمنزلة الأخ الشقيق ما ينبغي أن تحجب الإخوة لأم بالجد، وإن جعلت الأخ الشقيق بمنزلة الجد ينبغي أن تحجب الإخوة لأم بالأخ الشقيق، أنت لا تقول بذلك، وعليه ينبغي أن تحجب الإخوة جميعاً بالجد؛ لأنهم ليسوا كلالة بوجود الجد، وإلا بعد ذلك تتناقض.

    هذا الدليل الرابع ممكن أن يجاب عنه باختصار كما قال صاحب كتاب العذب الفائض، فقال: لا يلزم أن يساويه في جميع الأحكام، يعني: الجد ينزل منزلة الأب, ولا يلزم أن يساويه في جميع الأحكام، والجد نعتبره كأنه أخ شقيق، ولا يلزم مساواتهما في جميع الأحكام، فهو معه يرث بكيفية معينة، لكن لا يلزم أن لا يحجب الجد الإخوة لأم، ولا يلزم أن يحجب الأخ الشقيق الإخوة لأم.

    هو ساواه في بعض الأحكام، فجعلناه كأخ شقيق في الميراث، لكن لا يلزم من هذا أن لا يحجب الإخوة لأم بالجد، وأن يحجب الإخوة لأم بالأخ الشقيق، بل ساواه في بعض الأحكام فلنقتصر عليها، وهو في توريث الجد مع الإخوة.

    الدليل الخامس: عدم حجب الجد للأخ لأب بخلاف الشقيق

    الدليل الخامس: الجد إما أن يكون كالأخ الشقيق فيلزم على ذلك أن يحجب الجد الإخوة لأب، وإما أن يكون- وهو الاحتمال الثاني- بمنزلة الأخ لأب، فينبغي أن يحجبه الأخ الشقيق.

    وإما أن يكون -وهو الاحتمال الثالث- دونهما يعني: دون الأخ الشقيق، ودون الأخ لأب، فينبغي أن يحجب بهما، وإذ قد بطلت هذه الاحتمالات الثلاثة بالاتفاق لأنكم لا تقولون بشيء من ذلك، يعني: من ورث الإخوة مع الجد قالوا: لا نجعل الجد كالأخ الشقيق بحيث يحجب الإخوة لأب، ولا يحجب الجد الأخ الشقيق، وما جعلوا الجد منزلة الأخ لأب, مرة جعلوه كالأخ الشقيق ورثوه معه، ومرة جعلوه كالأخ لأب ورثوه معه، إذا قلت هو كالأخ لأب ينبغي أن تحجبه بالأخ الشقيق، وإذا قلت هو دونهما ينبغي أن يحجبه كل واحد منهما.

    إذا هذه الأمور الثلاثة بطلت, واتفقنا عليها, فتعين أن يكون الجد فوقهما وأعلى منهما, فينبغي أن يحجبهما، وهذا تقرير شيخ الفرضيين، وإمام المسلمين في زمنه الإمام ابن اللبان الذي توفي سنة (402هـ).

    وحقيقة هذا فيما يبدو لي أقوى ما يقال من الاستنباط العقلي في تقرير هذا القول ورد القول الثاني.

    فأنتم عندما ورثتم الإخوة الأشقاء أو لأب مع الجد بين أربعة احتمالات لا خامس لها.

    إذا كان الجد يساوي الأخ الشقيق فينبغي أن يحجب الجد الإخوة لأب وأن لا يرث أخ لأب معه، هذه واحدة.

    إذا قلت: هو بمنزلة الأخ لأب ينبغي أن يحجبه الأخ الشقيق، وأن لا يرث الجد مع الأخ الشقيق.

    وإذا قلتم: دونهما ينبغي أن يحجبه كل منهما، وهذه الأمور الثلاثة أنتم لا تقولون بها فتعين أنه أقوى، وإذا كانت القوة في الجد تزيد على قوة الإخوة في الأشقاء أو لأب، فينبغي أن يستأثر بما بقي بعد أصحاب الفروض أو بالمال كله، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( فما بقي فلأولى رجل ذكر )، وهذا أقوى.

    أنتم تقولون: لا يساوي الأخ الشقيق ولا الأخ لأب، وليس هو دونهما، وعليه فهو أقوى منهما، فإذا كان أقوى كيف جعلتموه كأخ شقيق؟ وكيف جعلتموه كأخ لأب؟ وإذا مات وترك جداً وأخاً لأب قلتم المال بالتساوي، أو مات وترك جداً وأخاً شقيقاً وأخاً لأب، قلتم المال أثلاثاً، ثلث للجد فإذا أخذ الجد نصيبه جاء الأخ الشقيق فأخذ الثلثين وما أعطى للأخ لأب شيئاً، فهنا صار الأخ الشقيق أقوى وأخذ الثلثين.

    يعني: كيفية التوريث غريبة عجيبة، ونحن لا نسألكم هل الجد يساوي الأخ الشقيق أو لأب أو دونهما أو فوقهما؟

    الثلاثة الأولى باطلة قطعاً وجزماً، فتعين الرابع، فينبغي أن يأخذ الجد كل الميراث.

    الإمام ابن اللبان كما قال الذهبي في السير (17/217): إمام الفرضيين في الآفاق، أبو الحسين محمد بن عبد الله بن الحسن الشافعي.

    قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (5/472): ثقة انتهى إليه علم الفرائض والمواريث، فلم يكن في وقته أعلم بذلك منه.

    وقال الإمام السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (4/154) نقلاً عن ابن اللبان أنه كان يقول: ليس في الدنيا فرضي إلا من أصحابي أو من أصحاب أصحابي أو لا يحسنوا شيئاً.

    ولهذا علم الفرائض كله موقوف عليه وعلى أصحابه، ليس في الدنيا فرض إلا من أصحابي أو أصحاب أصحابي أو لا يحسنوا شيئاً.

    الإمام ابن اللبان أثنوا عليه وهو من الأئمة الصالحين الكرام يشير إلى هذا الدليل, فيقول: الجد إما أن تنزله منزلة الأخ الشقيق, فينبغي أن يحجب الإخوة لأب, أو منزلة الأخ لأب فينبغي أن يحجب بالإخوة الأشقاء، أو دونهما، فينبغي أن يحجب بكل منهما، أو فوقهما فينبغي أن يحجبهما وأن يأخذ الميراث دونهما.

    وهذا تقسيم عقلي في منتهى الظهور والوضوح, ويحق له أن يقول: ما في الدنيا فرضي إلا من أصحابي أو من أصحاب أصحابي أو لا يحسنوا شيئاً. عليه رحمة الله ورضوانه.

    انظر للجواب المتكلف في الرد على هذا القول المحكم المتقن.

    قال صاحب العذب الفائض في المكان المتقدم (1/107):

    أجيب بأن الجد كالإخوة لا معينين، بل في جنس الإخوة، فهذه لا منزلة أخ شقيق ولا منزلة أخ لأب.

    إذاً: لو قلنا إنه شقيق لحجب الإخوة لأب، ولو قلنا: إنه أخ لأب لحجب بالإخوة الأشقاء، فالجد كالإخوة لا معينين، وهل عندنا إخوة غير معينين؟

    إما بنو الأعيان كما تقدم معنا، وبنو العلات، وبنو الأخياف, الجد يقول كالإخوة لا معينين، بل في جنس الإخوة من الأب، وأخوة الأم في الشقيق غير معتبرة لحجبها بالجدة، يعني: صار الأخ الشقيق كالأخ لأب؛ لأن الأخوة لأم في الأخ الشقيق محجوبة بالجد، فبقي يعتبر أخاً لأب، وهؤلاء إخوة غير معينين.

    طيب! هذا لا يستقيم أيضاً، يعني: هو الجواب العام ممكن أن يسلم به إنسان، لكن إذا ناقشته، فهو في الحقيقة ضعيف؛ لأنك أنت اعتبرت الأخوة لأم في الإخوة الأشقاء، فقدمتهم في الميراث على الإخوة لأب، ولذلك إذا مات وترك جداً وأخاً شقيقاً وأخاً لأب أعطيت الأخ الشقيق الثلثين، فما جعلت هؤلاء جميعاً إخوة غير معينين، أنهم ينتمون إلى أب، وجهة الأمومة فيهم محجوبة بالجد.

    على كل حال هذا القول الدليل كما قلت، وهو الذي ذكره الإمام ابن اللبان عليه وعلى أئمتنا رحمة الرحمان.

    الدليل السادس: إسقاط الابن للإخوة بخلاف الجد

    الدليل السادس: من المجمع عليه عند المسلمين إن الابن يسقط الإخوة دون الجد. فكيف يسوى الجد بهم؟

    يعني: لو مات وترك ابناً وأخاً شقيقاً فالمال للابن, وإذا ترك ابناً وجداً فالجد له الجدة لها السدس والباقي للابن، طيب! بعد ذلك كيف ستسوي الجد بالإخوة؟

    الابن ما أسقط الجد، وأسقط الأخوة، فكيف ستسوي الجد بالإخوة وهو أقوى منهم؟

    الدليل على الأخ أن هنا سقط بالابن، فأولئك دونه، وإذا كان كذلك فكيف أنت تسوي الجد بالإخوة، والإخوة يحجبون بالابن, والجد لا يحجب بالابن مما يدل على أنه أقوى، فينبغي أن يتقدم عليهم في الإرث، وأن يأخذ المال دونهم.

    الدليل السابع: الإخوة مع الأجداد كالأعمام مع أبي الجد

    الدليل السابع: نسبة الإخوة إلى الجد كنسبة الأعمام إلى أبي الجد, فالصورة واحدة تماماً؛ لأن الأخ ابن الأب والعم ابن الجد، فنسبة الإخوة إلى الأجداد كنسبة الأعمام إلى أب الجد.

    فما دامت الصورة واحدة وهي أن الأخ نسبته إلى الجد كنسبة العم إلى أب الجد، فينبغي أن يسقط الأخ بالجد كما نسقط العم بأب الجد, وسيأتينا أن الجد يسقط العم بالإجماع.

    فإذاً نسبة الإخوة إلى الأجداد كنسبة الأعمام إلى أب الجد، هذه لا خلاف فيها، النسبة واحدة والقرابة واحدة واضح هذا.

    والعم بالنسبة لأب الجد كأنه أخ مع جد، لكن الميت الآن ليس هو أخا العم، إنما هو ابن أخيه، ولذلك صار عم وأبو جد، وليس المتروك جداً أيضاً؛ لأنه إذا اجتمع عم وجد فإن الجد يقدم، لكن عندنا الآن أبو جد وعم صارت كما لو كان أخاً وجداً تماماً.

    طيب إلى الصورة التي اتفقنا عليها واختلفنا فيها، هنا صورتان، واحدة مجمع عليها وواحدة مختلف فيها، والصورتان متماثلتين، فلم التفريق بين متماثلين؟ لو مات وترك جداً وعماً فالمال كله للجد بالإجماع.

    ولو مات وترك أخاً وجداً فلماذا تخالفون وهي هي؟

    أخبرني مرة بعض الإخوة الكبار في السن من المشايخ أيام دراستهم في الأزهر قبل تطويره وتضليله، كانوا يجلسون في حلق العلم، فيجلس الشيخ ويقرر أدلة المذاهب، فيبدأ بالترتيب بقول أبي حنيفة ويذكر أدلته، ثم الإمام مالك ثم الشافعي ثم أحمد في درس الفقه، فأكثر الطلاب حنفية، فعندما يقرر فالذين ينسبون إلى أبي حنيفة ينشرحون، ثم يأتي بدليل مالك ينقض ذلك، ينادي يقول: كان بعض الحاضرين أعمى, يقول: يا مولانا! أدلة أبي حنيفة فين؟ روحتها كلها.

    فإذاً هذا في الحقيقة في منتهى الظهور، الأخ بالنسبة إلى الجد كالعم بالنسبة إلى أب الجد، والأخ ابن الأب، والعم ابن الجد، وعليه إذا كان الأمر كذلك فكما اتفقنا على أن العم لا يرث مع وجود أبي الجد، فينبغي أن نقول: الأخ لا يرث مع الجد، وهذا هو الذي يقرره أهل هذا القول، وقلت: هذا هو الدليل السابع.

    قال الإمام ابن القيم وهذا من أبين القياس، وإن لم يكن هذا القياس جلياً فليس في الدنيا قياس جلي.

    وحقيقة كما قلت إخوتي الكرام الصورتان متماثلتان تماماً، لكن هناك مات الميت وترك إخوته وجده، وفي الصورة الثانية ترك عمه ووالد جده، العم بالنسبة لوالد الجد كالإخوة مع الجد، فلم هنا حجبتهم وهنا ورثتهم!

    قال الإمام ابن القيم : وهذا كما أن نسبة ابن الأخ إلى الأخ كنسبة أبي الجد إلى الجد، فإذا قال الأخ: أرث مع الجد الأدنى، الذي هو والد الأب؛ لأنني ابن أب الميت، والجد أبو أبيه.

    صاح ابن الأخ مع أب الجد، فقال: أنا ابن أبي أبي الميت، والجد أبو أبي أبيه، فكيف هناك ورثتم الأخ مع الجد، وهنا لم تورثوا ابن الأخ مع جد الجد؟

    انتبه الآن لهذه الصورة، يعني: كأنه يريد أن يقول: الأخ لا يرث مع الجد؛ لأننا نحن اتفقنا هنا على أن ابن الأخ لا يرث مع الجد، فإذا مات الإنسان وترك أخاً وجداً، على هذا القول المال كله للجد، ولا يصح للأخ أن يقول: أنا ابن أبي الميت؛ لأن الميت أخ شقيق، فإذاً: والده يدلي به هذا الأخ، هذا الميت ابن الأب، وأنا ابن الأب، والجد أبو أبي الميت، لا يصح أن يقول هذا، يقول: نحن لو قلنا هذا لصاح ابن الأخ.

    يعني: ابن الأخ مع أبي الجد كالأخ مع الجد كما تقدم معنا أن الأعمام مع أبي الأجداد كالإخوة مع الأجداد، ونحن تقدم معنا بالإجماع أن أبناء الإخوة لا يرثون مع الجد، هو يقول: هذه الصورة كهذه الصورة، فلم نحن هنا اتفقنا عليها وهناك خالفنا؟

    يقول: أنتم لو ورثتم الإخوة مع الجد لصاح ابن الأخ، قال: ورثوني مع أبي الجد، لأنني أنا ابن ابن أبيه، وذاك أبو أبي أبيه.

    ولذلك يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: الإخوة مع الأجداد كالأعمام مع أبي الأجداد يقول: كما أن نسبة ابن الأخ إلى الأخ كنسبة أبي الجد إلى الجد.

    قال الإمام ابن القيم: فإن قالوا إن أبا الأب أب، وأبا الجد جد مهما علا، وليس ابن الأخ أخاً، ولذلك نحجب ابن الأخ بأبي الجد، قلنا: هذا حجة عليكم، فنزلوا الجد منزلة الأب.

    يعني أنهم قالوا: أبو الأب أب، وأبو الجد جد، وعليه قالوا: إذا اجتمع جد وابن أخ، فلا يرث ابن الأخ، طيب نقول: وأبو الأب أنتم قلتم إنه أب فينبغي أن لا تورثوا الإخوة مع الأب، قال: هذا حجة عليكم.

    أي: فإن قالوا: إن أبا الأب أب، وأبا الجد جد، وعليه لا يرث أبناء الإخوة مع الجد نقول: هذا حجة عليكم، فينبغي أن تسقطوا الإخوة مع الجد.

    فإن قالوا: نجعل أبا الجد جداً، ولا نجعل أبا الأب أباً.

    قال الإمام ابن القيم : هكذا فعلتم، وفرقتم بين المتماثلين، وتناقضتم أبين التناقض، يعني: أنتم واقعكم جعلتم أبا الجد جداً، ولم تجعلوا أبا الأب أباً، فأبو الجد نزلتموه منزلة الجد وحجبتم به أبناء الإخوة، ولم تنزلوا أبا الأب منزلة الأب، ولم تحجبوا به الإخوة.

    فإن قالوا: نجعل أبا الجد جداً، ولم نجعل أبا الأب أباً، يقال: هكذا فعلتم أنتم، لكن هذا هو التفريق بين المتماثلين، والتناقض أبين تناقض، هذا الدليل السابع.

    خلاصة الكلام حول الدليل السابع إخوتي الكرام باختصار: الإخوة مع الأجداد كالأعمام مع أبي الجد تماماً، فكما أجمعنا على أن العم يحجب بأبي الجد، ينبغي أن نقول كذلك بالإخوة مع الجد؛ لأن القرابة واحدة.

    العم ابن الجد، فأبو الجد يكون جداً للعم، فصار إذاً كأنهم إخوة وأجداد، لأنك عندما مت وتركت عم أبيك ووالد جدك كأنك تركت أخاً شقيقاً وجداً، لكن هنا بدلاً من أن تترك أخاك تركت أخا أبيك، وبدلاً من أن تترك جدك تركت والد جدك، فالعم مع والد الجد كالأخ مع الجد، فكما أننا حجبنا العم بوالد الجد، فلنحجب الإخوة بالجد.

    وقلنا: هذه الإمام ابن القيم ألحق بها مسألة أخرى، قال: ابن الأخ مع الأخ كأبي الجد مع الجد، وكما أنك تحجب ابن الأخ بأبي الجد تحجب الأخ بالجد بأبي الأب انتهى.

    يعني: أبو الجد يحجب كما قلنا ابن الأخ، هذا محل اتفاق، فلماذا لا تحجب الإخوة بالجد؟

    الدليل الثامن: حديث: (ألحقوا الفرائض بأهلها)

    الدليل الثامن: هذا للتعليم وذكره الإمام ابن القيم في إعلام وأعلام الموقعين (1/375).

    وانظر لظهور هذا الدليل ووضوحه وسطوعه، قالوا: الحديث الصحيح الذي هو عمدة في توريث العصبات يدل على تقديم الجد على الإخوة والأخوات.

    والحديث هو: ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر ) تقدم معنا مراراً، وقلت: إنه من أصح الأحاديث الثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو من جوامع كلمه عليه صلوات الله وسلامه.

    ووجه الاستدلال بهذا الحديث: إذا ماتت امرأة وخلفت زوجها وأمها وأخاها وجدها، تعالوا نطبق هذا الحديث، أمها أم وزوجها زوج، وجدها جد، وأخوها سواء أخ شقيق أو لأب لا يضر فالحكم واحد عند المورثين.

    الأم لها الثلث كما اتفقنا على ذلك لعدم وجود جمع من الإخوة، فالجد لا يعد أخاً لأجل إنزال الأم من فرض أعلى إلى أدنى، والزوج له النصف لعدم الفرع الوارث والجد له السدس الباقي والأخ يسقط، وهذه الآن متفق عليها بين علماء الإسلام، بين من ورث الإخوة مع الجد، وبين من حجب الإخوة بالجد.

    هنا الآن اتفقنا على حجب الإخوة بالجد، اتفقنا، لكن هذا الاتفاق بناء على هذا الحديث، وهذا الحديث الذي أخذنا به في هذه المسألة، فينبغي أن نعممه في سائر الصور.

    نحن نقول الآن هنا: إذا كان الأخ أقوى من الجد فينبغي أن يأخذ الباقي، فهو أولى رجل ذكر، وإذا كان -وهو الاحتمال الثاني- الأخ في درجة الجد, والجد في درجة الأخ، فينبغي أن يسوي بينهما في الباقي، وإذا كان الجد أقوى فهو الذي يأخذ الباقي ويحجب الأخ، فإذا فعلنا هذا في هذه المسألة ينبغي أن نفعل ذلك في سائر المسائل.

    ونحن في هذه المسألة اتفقنا على أن الباقي للجد؛ لأن أصحاب القول الأول يضعون عصبة، وانتهينا.

    عند أصحاب القول الثاني يقولون: سنعطيه الأحظ من أمور ثلاثة السدس أو ثلث الباقي أو المقاسمة، هنا ما بقي إلا السدس، وثلث الباقي يضره، والمقاسمة تضره، فماذا ستعطيه؟ السدس.

    فالمسألة من ستة، ثلثها اثنان ونصفها ثلاثة، بقي واحد من الذي أخذه؟ لو كان الأخ أقوى من الجد لأخذ الباقي، ولو كان الأخ يساوي الجد لاشتركا فيه، ولو كان الجد أقوى لأخذه، وواقع الأمر أن الجد أخذه، فهذه الآن لا خلاف بين الأمة فيها، أنتم يا من تشركون الإخوة مع الجد ماذا تقضون في هذه المسألة؟ قالوا: نعطيه الباقي وهو السدس؛ لأنه لا ينزل عن السدس بحال.

    نقول: إذا أعطيتموه السدس، أعطيتموه السدس من غير دليل؛ لأنه لا يوجد فرع وارث، فهلا قلتم عصبة كما قلنا نحن: ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر، أنتم الآن سلمتم أن الجد هنا أقوى من الأخ، وأعطيتم الباقي للجد، تسمونه سدساً أو تعصيباً هذا ما لنا علاقة به، هذا موضوع آخر.

    المقصود أن الأخ حجب بالجد وما شاركه في الإرث، فهذه مسألة.

    فنحن نطبق عليها قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر ) فللزوج النصف وللأم الثلث، بقي سدس سيأخذه الجد، هذا بالاتفاق.

    طيب إذا كان كذلك، فهذا بناء على القاعدة المتقدمة: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، فإذاً الجد هو أولى الذكور عندما يجتمع مع الإخوة فينبغي أن ينفرد بالإرث، وأن يسقط الإخوة، وهذا في منتهى الظهور، وهذه المذاهب الأربعة تقضي بها، حتى المالكية والشافعية والحنابلة الذين قالوا: إن الإخوة يرثون مع الجد، قالوا هنا: لا إرث لهم؛ لأن الجد لا ينزل عن السدس بحال من الأحوال.

    طيب أو ليس هذا تقريراً للقول الأول؟ ولذلك كما قلت تناقضوا، يعني: ما جعلتم الجد لا كأخ شقيق ولا كأخ لأب، يعني: ما هذا الاعتبار الذي تفعلونه؟ حقيقة فيه غرابة، قلتم له السدس، والسدس هذا لا يأخذه الأب إلا بوجود فرع وارث، فينزل الجد منزلته, ففرضتم للجد السدس من غير دليل، والسدس هو الباقي فأخذه الجد، ولم يأخذه الأخ، ولم يشارك الأخ الجد، ولم ينفرد الأخ بالسدس؛ مما يدل على أن الجد أقوى منه، هذا هو المطلوب.

    وبالتالي ينبغي أن يرث الجد ويحجب الإخوة في كل مكان، وليس في هذه المسألة فقط، والعلم عند الله.

    قال الإمام ابن القيم : وهذا الدليل وحده كاف في نقض أقوال من ورثوا الإخوة مع الجد؛ لأنه مسلم به، وهذا ما عليه السلف.

    الدليل التاسع: الإجماع السكوتي

    الدليل التاسع: الإجماع السكوتي الذي كان في عهد صديق هذه الأمة وخيرها بعد نبيها على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وقد أشار إلى ذلك البخاري في صحيحه كما تقدم معنا فقال: لم يذكر أن أحداً خالف أبا بكر في زمانه، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم متوافرون.

    وتقدم معنا أن جعل الجد أباً ثابت عن أبي بكر من طرق عدة من الصحابة الكرام في الموعظة الماضية في الصحيحين وغيرهما، وتقدم معنا في تخريج الآثار من طرق عدة من الصحابة الكرام، وهو ثابت في صحيح البخاري وغيره من طريق عبد الله بن الزبير، ومن طريق عبد الله بن عباس وغير ذلك.

    قال الحافظ ابن حجر: كأن الإمام البخاري يريد بذلك تقوية حجة القول المذكور، الذي يجعل الجد أباً، ولا يورث الإخوة مع الجد، فالإجماع السكوتي حجة.

    وسيأتينا إخوتي الكرام ضمن القول الثاني أن عمر رضي الله عنه لما طعن استشار الصحابة في أمر الجد، ثم رجع حتى عن هذه المشورة، وقال: لا أقول في الجد قضاءً، لكن استشارهم وقال: إني كنت قضيت في الجد قضاء .. فإن شئتم أن تأخذوا به؟

    فقال عثمان : إن نأخذ بما قضيت به فإنه قضاء رشد .. وإن نأخذ بقضاء من كان قبلك فلنعم ذو الرأي كان!

    كأنه يشير بذلك إلى أنه لن نأخذ برأيك، لكن قضاؤك أيضاً رشد، وقضاء أبي بكر رضي الله عنه رشد ونعم ذو الرأي كان!

    إذاً في زمن أبي بكر مدة خلافته الجد أب ولا يرث الإخوة معه، وبعد موته رضي الله عنه وأرضاه حصلت اختلافات في ذلك، وسيأتينا أن الصحابة تحيروا بعد أبي بكر رضي الله عنهم وأرضاهم، وإذا كان الأمر كذلك فعندنا دليل تاسع في المسألة وهو أن الأمة اتفقت في أول أمرها على أن الجد ينزل منزلة الأب، ولا يرث الإخوة معه، ثم حصل الخلاف بعد ذلك، هذا الخلاف يطرح، هذا الدليل التاسع.

    الدليل العاشر: وضوح هذا القول وغموض مقابله

    الدليل العاشر: وهو آخر الأدلة، هذا القول واضح منضبط لا غموض فيه ولا إشكال.

    وأما القول الثاني -يعني: توريث الإخوة مع الجد- فالأقوال فيه متعددة متناقضة لا دليل عليها بحال من نص أو إجماع أو قياس له اعتبار.

    هنا قول منضبط واضح لا غموض فيه ولا إشكال، وهناك أقوال متعددة مختلفة متناقضة لا دليل عليها لا من نص ولا من إجماع، ولا من قياس له اعتبار.

    انتبه فليس في الشريعة من يكون عصبة يقاسم عصبة نظيره إلى حد، ثم يفرض له بعد ذلك الحد، هذا لا يوجد في الشريعة.

    فمثلاً سيأتينا أن الجد مع الإخوة إذا لم يكن هناك صاحب فرض فـزيد وعمر وعثمان رضي الله عنهم فرضوا له أن يقاسم الإخوة بحيث لا ينقص عن الثلث, فإذا نقص عن الثلث فرض له الثلث.

    وعليه لو مات وترك أخاً وجداً فالمقاسمة أحظ، نعطيه النصف.

    ترك أخوين وجداً تستوي المقاسمة مع الثلث.

    ترك ثلاثة إخوة وجداً نعطيه الثلث، ولا نقاسمه، لأنه سيأخذ الربع فقط بالمقاسمة.

    وقال بعضهم: نقاسمه إلى السدس، فإذا نقصت المقاسمة عن السدس نفرض له.

    فإذا كان هنا ثلاثة إخوة وجد نقاسمه فله الربع.

    أربعة إخوة وجد نقاسمه وله الخمس.

    خمسة إخوة وجد نقاسمه وله السدس.

    ستة إخوة وجد، قال: نفرض له السدس.

    طيب هل هذا في الشريعة له نظير، عصبة يقاسم عصبة نظيره إلى حد، ثم يفرض له بعد ذلك الحد، إما أن تشاركه معهم كيفما كان في الغنم والغرم، قل أو كثر، وإما أن تفرض له.

    إنما قالوا: هذا عصبة يعتبر كأخ إلى حد معين، أي: إذا لم ينقص عن السدس، أو إذا لم ينقص عن الثلث على حسب أقوالهم، فإذا نقص فرضنا له.

    قال الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: فلم يجعلوه مع الإخوة عصبة مطلقاً، ولا ذا فرض مطلقاً، ولا قدموه عليهم مطلقاً، ولا ساووه بهم مطلقاً. يعني: أحياناً تقولون يقدم، وأحياناً يساوي، وأحياناً نفرض، وأحياناً نعصب!

    فقال: ففرضوا له الثلث أو السدس على حسب الاختلاف فيما بينهم بغير نص أو إجماع أو قياس، ثم حسبوا عليه الإخوة لأب مع الإخوة الأشقاء من أجل أن ينقصوه عن نصيبه، ثم لم يعطوا الإخوة لأب الإرث، ثم جعلوا الأخوات معه عصبة، فلو مات وترك أختين شقيقتين وجداً قالوا: عصبة, المال من أربعة، الجد له النصف، والأختان نصف، كل واحدة لها الربع، فجعلوا الأخوات معه عصبة.

    قال: ثم جعلوا الأخوات معه عصبة، إلا في مسألة واحدة وهي الأكدرية التي ستأتينا, ففرضوا للأخت فرضها وهو النصف، ثم لم يعطوها ذلك الفرض، ولم يهنئوها به، فبعد أن فرض لها النصف وللجد السدس جمعوا بين الفرضين، أي: بين نصيبها ونصيبه، وجعلوا للذكر مثل حظ الأنثيين بعد أن أعالوا المسألة، قال: وكل هذا لا دليل عليه، لا من نص ولا من إجماع ولا من قياس.

    ثم قال الإمام ابن القيم: وكيف يعصب الرجل جنساً آخر ليس من جنسه؟ الأخت هل هي من جنس الجد, هل هي جدة؟ إذا كان الجد لا يعصب الجدة، فكيف يعصب الأخت؟

    وهذه كلها كما قلت أقوال متعددة مختلفة متناقضة، وهذا مما يبين رجحان القول الأول الذي هو قول مضبوط منتظم لا إشكال فيه ولا غموض.

    وهو أن الجد ينزل منزلة الأب، ولا يوجد إشكال في ذلك، ولا يوجد صورة تشذ عن هذا، ولا تخرج عنه، فالحل ما أيسره على هذا القول.

    أما هناك سيأتينا فيه تفريعات لتحتاج إلى نصوص دقيقات بينات واضحات ظاهرات، كيف فرع العقل البشري في اجتهاده؟ هذا حال العقل وحال اجتهاده عندما لا يوجد نص.

    ولا يقولن قائل إن القول الأول مع انضباطه ووضوحه يقدم على ذاك، أقول: إنه أيضاً لا يوجد نص، فهذا اجتهاد وهذا اجتهاد.

    ولذلك لما لام عبد الله بن عباس زيد بن ثابت قال: أنا أقول برأيي وأنت تقول برأيك، يعني: مسألة اجتهاد فلم تقدم اجتهادك على اجتهادي؟ هذه فيها مجال للنظر.

    فأنت إذا ذكرت مبررات لتقديم الجد فأنا أذكر مبررات لتقديم الأخ، بل أنا أرى أن الأخ أولى بالميراث من الجد كما قلت: الأخ ابن الأب، وذاك أبو الأب، ثم ضرب له مثلاً، قال له: عندنا شجرة لها ساق وهو الجد، ولها غصن وهو الأب، وانشعب من الغصن غصنان, فإذا تلف أحدهما -وهما الأخوان الشقيقان- يعود ماء الغصن الذي تلف إلى الساق أو إلى الغصن الثاني؟ إلى الغصن الثاني.

    وقال علي لـعمر : عندنا سيل -وهو الجد- فانشعبت منه شعبة وهو ساقية، ثم انشعب منها شعبتان، فإذا جفت إحدى الشعبتين, هذا ماء النهر الذي يجري يذهب إلى تلك الشعبة أم يعود إلى السيل؟

    إلى الشعبة التي يمشي فيها، إنه وجد مجرى، إذاً ينبغي أن يأخذه الأخ ولا يعود إلى الجد.

    إن الأمثلة الحسية مع أنه يوجد كما قلت أدلة عشرة ستأتينا، فهذا استنباط عن طريق إعمال الرأي، وذاك أيضاً استنباط.

    يعني: هو كما تقدم معنا لو وجد نص صريح في المسألة لما كان هناك قال أو قيل في مسألة الجد والإخوة، ولذلك سيأتينا في ختام هذه المسألة أنه كان كثير من السلف ومنهم شريح لا يتكلم في مسائل الجد والإخوة أبداً، وما قضى في حياته بمسألة فيها جد، وإذا أحيلت إليه يقول: سلوا عبيدة السلماني هو الذي يقضي بمسائل الجد والإخوة، فلما سئل عن أم وزوج وجد وأخ فألح السائل عليه فماذا للجد والإخوة؟

    قال: لا أقول شيئاً، فقط أعط الأم الثلث وأعط الزوج النصف، وأما السدس فلم يقض فيه بشيء على الإطلاق، هذا ما تكلم به، فذهبوا إلى عبيدة السلماني ، وسيأتينا القضاء الذي قضى به إن شاء الله.

    على كل حال: هذه أدلة عشرة ترجح القول الأول عند من قال به، أي سترجحه أيضاً مطلقاً، ويأتينا بعد ذلك القول الثاني في توريث الإخوة مع الجد وأذكر لهم عشرة أدلة، وإن كانت أكثر كتب الفرائض اقتصرت على دليلين أو ثلاثة، فتتبعت أيضاً الأدلة من هنا وهنا لنجعل القولين متكافئين لئلا يقال: نتحيز إلى هذا أو إلى هذا، فجمعت عشرة أدلة أيضاً للقول الثاني, مع أن ابن القيم ما ذكر له ولا دليلاً.

    ذكر عشرين دليلاً للقول الأول وانتهى الأمر، ولكن -كما قلت- ينبغي أن تعرض المسألة بأدلتها، وحقيقة كل من القولين معتبر، يبقى بعد ذلك ترجيح طلبة العلم المرجحين, والأمر إن شاء الله فيه يسر وسهولة.

    وتقدم معنا مراراً إخوتي الكرام أن كل ما وقع فيه اختلاف فولي الأمر في الدولة الإسلامية يتبنى ويرفع الخلاف، أي: يرفع الخلاف في أمر القضاء والحكم لا في التعليم.

    فقلنا: هذه أقوال معتبرة لها قداستها وحصانتها ومكانتها لا يلغيها أحد إلا إذا غضب الله عليه ولعنه، فتقرر في مساجد المسلمين وفي مدارسهم وفي مجالسهم، لكن كون القضاء على خلاف ما يقررونه هذا موضوع آخر، لكن هذه أقوال معتبرة لا بد من تقريرها، كما قرر أئمتنا الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    وكما قلت: ليست أقوالاً حادثة في عصور متأخرة، يعني: بدءاً من الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عصر الأئمة، المسألة كما قلت يقررها هؤلاء وهؤلاء حتى بعد ذلك تبلورت عند المذاهب الأربعة إلى قولين هي التي كانت عند الصحابة.

    فـأبو حنيفة قال بقول، وهو قول أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، والأئمة الآخرون قالوا بقول جمهور الصحابة الذين أحدثوا هذا القول بعد أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين.

    يأتينا تفصيل القول الثاني إن شاء الله، مع أدلته، نعم القول الأول كما قلت هو استنباط عقلي، لكن فيما يظهر أن ظواهر النصوص تدل إلى تقويته.

    يذكر سعيد بن منصور في سننه (1/47) عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رجلاً جاء إليه يكلمه في مسائل الجد والإخوة فأراد أن يحسم الكلام معه، قال: ما اسمك؟ قال: فلان، قال: ابن من؟ قال: ابن فلان، قال: ابن من؟ قال: فلان، قال: ابن من؟ قال فلان, ابن من؟ قال: فلان، قال: ما أراك تذكر إلا آباءك، ستقول: ابن ابن ابن، هل تقول عم والد أب جد.

    إذاً هؤلاء آباء، وإذا كان من بعد الأب يعتبرون آباءً فعليه ينبغي أن ينزل منزلة الأب.

    أقوال معتبرة جزى الله قائليها خير الجزاء، نقف عند القول الثاني إن شاء الله، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.