إسلام ويب

فقه المواريث - الجد والإخوة [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد ذكر المسألة المشتركة في الفرائض واختلاف العلماء فيها يذكر الفقهاء مسألة أعظم منها اختلافاً، وهي مسائل الجد والإخوة، فقد وقع فيها اختلاف كثير، فمن الأئمة من جعل الجد أباً يحجب الإخوة، ومنهم من جعله يشاركهم في الإرث، والقول الأول هو قول صديق هذه الأمة والإمام أبي حنيفة وغيرهم.

    1.   

    تلخيص المسألة المشتركة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس المسألة المشترِكة، المشترَكة، المشرِّكة، المشرَّكة، اليمية، الحيدرية، الحمارية، وانتهينا غالب ظني من مدارستها، وقلت: إن أركانها أربعة لابد من وجود هذه الأركان لتكون المسألة مشتركة: أن يوجد زوج، وأن يوجد مستحق للسدس من أم أو جدة، وأن يوجد مستحق للثلث من أولاد الإخوة لأم، وأن يوجد عصبة في الأشقاء، متى ما وجد هؤلاء فهي مسألة مشترَكة، لو تغير واحد من هؤلاء خرجت عن هذا الرسم وهذا الحكم.

    وتقدم معنا إخوتي الكرام قلت: خلاصة أقوال أئمتنا في هذه المسألة قولان، بهما قضى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وقلت: هو أول قضاء فيها، ولم يسبق قضاءه قضاء في عهد أبي بكر ولا في عهد النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وقلت: إن قضاءه الأول استعمال لقواعد الفرائض العامة، وهذا الذي قلت إنه يوافق القياس، وهو قواعد الفرائض دون النظر إلى أي اعتبار، وهو: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر)، فلم يبق للإخوة الأشقاء شيء، فالزوج له النصف ثلاثة من ستة، والأم لها السدس واحد من ستة، صار أربعة سهام، والإخوة لأم لهم الثلث سهمان من ستة، استوفت المسألة ولم يبق فيها شيء فسقط الإخوة الأشقاء.

    وهذا القضاء قضى به عمر رضي الله عنه، وبه أخذ إمامان جليلان مبجلان: فقيه هذه الملة أبو حنيفة ، وتابعه على ذلك الإمام المبجل أحمد بن حنبل رضوان الله عليهم أجمعين، بأن الإخوة الأشقاء يسقطون ليس لهم شيء في المسألة المشتركة.

    والقضاء الثاني قضى به عمر رضي الله عنه ونقض قضاءه الأول، فشرك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم وألغى قرابتهم من جهة الأب، واعتبر قرابتهم بمحض الأنوثة من جهة الأم، وسوى في الأشقاء والإخوة لأم بين الذكور وبين الإناث. وهذا قضاؤه الثاني كما تقدم معنا، وبه أخذ إمامان عظيمان مباركان: إمام دار الهجرة شيخ المالكية مالك بن أنس ، وتبعه تلميذه الإمام الشافعي رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.

    وتقدم معنا أن كلٌ من القولين معتبر، ذاك كما تقدم معنا قياس يوافق قواعد الفرائض، وهذا استحسان، وقلت: الاستحسان قياس لكن خفيت علته. هناك نصوص ظاهرة، وهنا يغوص عن المعاني التي اعتبرها الشارع في الإرث، يغوص، يقول: إذا كان الأخ لأم ورث بجهة قرابة الأنوثة فهذا يشاركه في تلك الجهة فلنشركه معه، ولنجعل النظير مع النظير، والمثيل مع المثيل، فإن أمكن أن يرث بالقرابتين ورثناه، وإلا فلا نحرمه الميراث ما دام بالإمكان أن يرث بقرابة واحدة، كالأخ لأم إذا كان ابن عم، فلو حجب عن طريق التعصيب لوجود عاصب أولى فلا يسقط فرضه، وهنا إذا لم يكن الأخ الشقيق عاصباً فلا يسقط فرضه؛ لأنه يدلي بأنثى وهو أخ لهذا الميت من أمه كحال الإخوة لأم، فقلت: هذا استحسان، وقلت: الجمع بين القولين كما قال أئمتنا: عبارة صحيحة وساطة مليحة، هذا قياس وهذا استحسان، وكلٌ من القولين معتبر.

    التنبيه على وهم لبعض الفقهاء في المسألة المشتركة

    هذه جزئية وهم فيها بعض القضاة والمشايخ في القرن العاشر للهجرة، فاستمعوا لها إخوتي الكرام.

    لو وجدت أخت لأب في المسألة المشرَّكة لا يفرض لها باتفاق أئمتنا، يعني: هي مشرَّكة، فيها الأركان الأربعة: زوج وأم وأخت لأم وأخ لأم وأخ شقيق وأخت شقيقة، هذه مشرَّكة، هي حمارية ويمية وحجرية، وجد مع هؤلاء أخت لأب واحدة أو أكثر، أختان لأب مثلاً، فعند العلماء قاطبة لا يفرض للأخت لأب النصف، ولا يفرض للأختين الثلثان؛ لأنه تقدم معنا من شروط إرث الأخوات لأب: أن لا يوجد أحد من الأشقاء الذكور؛ لأن الذكر يحجب جميع الإخوة لأب إناثاً وذكوراً، وهنا عندنا عصبة شقيقة، وأما الأخت لأب فترث إذا كانت مع أخت شقيقة واحدة، تأخذ الأخت لأب السدس تكملة للثلثين، وإذا كانت الشقيقة أكثر من واحدة ستسقط الأخوات إلا إذا كان معهن عاصب وهو أخ لأب كما تقدم معنا، أما هنا عندنا أخ شقيق فالأخت لأب تسقط بالاتفاق، ولا خلاف بين أئمتنا في ذلك.

    وهم بعض الفقهاء في القرن العاشر للهجرة كما نقل ذلك السبط بن المارديني كما سأنقل كلامه وهو محمد بن محمد بن أحمد ، توفي سنة (912هـ)، نقل أن بعض المشايخ في مصر في زمنه من القضاة المفتين فرض للأخت لأب النصف إن كانت واحدة، وإن كانتا اثنتين فرض لهما الثلثين وأعال المسألة إلى تسعة أو إلى عشرة، لم؟ اشتبه عليه الأمر، قال: هنا الإخوة الأشقاء قرابتهم من جهة أبيهم ملغية، فهم إخوة لأم، والإخوة لأم لا يحجبون الإخوة لأب، يعني: لو مات وترك إخوة لأم مهما كثروا، وعندنا أخت لأب سيفرض لها ولابد، لكن إذا كان عندنا أخ شقيق سيحجب الأخوات والإخوة لأب، فهنا يقول هذا الفقيه -ولم يسم من هو- لكن هذا في كتب الفرائض، يقول: هؤلاء الإخوة الأشقاء الآن قرابتهم من جهة أبيهم ملغية، وإذا ألغيت فهم إخوة لأم، وبما أن الأمر كذلك فينبغي أن نفرض للأخوات لأب، ولو كان معهن إخوة لأب عصبة سقطوا؛ لأنهم عصبة ولم يبق لهم شيء.

    قال سبط المارديني في كشف الغوامض، وهو متن في الفرائض، ثم اختصره، ثم شرح مختصره وشرح أصله وهو كشف الغوامض كما شرح الرحبية وغيرها، يقول: أخطأ بعض المفتين ففرض للأخت لأب أو للأختين والأخوات لأب وأعال المسألة إلى تسعة أو إلى عشرة، قال: لأنه لما ألغى قرابة الشقيق من جهة الأب فلا يحجب الأخوات لأب، قال سبط المارديني : ولا أعلم له سلفاً في ذلك، وهو قول مخترع فاسد مخالف لإطلاق الإجماع.

    و سبط المارديني كما قلت لكم هو محمد بن محمد بن أحمد الدمشقي الشهير بـسبط المارديني من بلاد الشام، ثم رحل إلى بلاد مصر واستوطنها، وكان مؤقتاً للجامع الأزهر، والمؤقت هو الذي يضبط المواقيت فلا يؤذن المؤذن إلا بعد إشارته وتنبيهه، وألف كتاب تحفة الأحباب في علم الحساب، وشرح الرحبية، انظروا ترجمته الطيبة في البدر الطالع للإمام الشوكاني (2/242)، وفي كتاب الضوء اللامع للإمام السخاوي (9/35)، وأثنى عليه ووصفه بالخير والفضل والنبل، فيقول هذا في كتابه الذي هو كشف الغوامض: أخطأ بعض المفتين في زمنه في هذه المسألة وفرض للأخوات لأب النصف أو الثلث أو الثلثين على حسب عددهن، وهذا مخالف للإجماع باتفاق. فانتبه لهذا!

    وعليه المسألة هنا على قول أبي حنيفة والإمام أحمد كما تقدم معنا: نصف للزوج، سدس للأم، أخوات لأم لهن الثلث، أخ شقيق وأخت شقيقة عصبة، أخت لأب محجوبة، المسألة من ستة: نصفها ثلاثة، سدسها واحد، ثلثها اثنان، ما بقي شيء للأخت الشقيقة ولا للأخ الشقيق، والأخت لأب بطبيعة الحال محجوبة.

    وأما عند الإمام مالك والشافعي عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه فالمسألة ستبقى فروضها الكاملة هي: نصف للزوج، سدس للأم، الأخوات الآن لأم، أخت لأم وأخ لأم وأخ شقيقة وأخت شقيقة، هؤلاء كلهم ستعطيهم الثلث يشتركون فيه، والأخت لأب محجوبة بالاتفاق.

    على كل حال محل الشاهد: الأخت ستسقط في جميع الأحوال، سواء شركنا الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم أو لم نشركهم؛ لأنه يوجد أخ شقيق فلا يرث أحد من الأخوات لأب، والعلم عند الله جل وعلا.

    قبل أن ننتقل إلى بحث الجد والإخوة عندنا أمران:

    الأمر الأول: قراءة الأبيات وشرحها.

    والأمر الثاني كما تقدم معنا: كلام الإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا حول تضعيف حديث: (أفرضكم زيد )، أعيده لأنني ذكرته مختصراً في آخر الموعظة الماضية، وغالب ظني حتى في التسجيل ما ظهر فيعاد فلا بأس بذلك إن شاء الله.

    شرح أبيات الرحبية في المسألة المشتركة

    يقول الإمام الرحبي عليه رحمة الله في المسألة المشتركة:

    وإن تجد زوجاً وأماً ورثا وإخوة من أم حازوا الثلثا

    إذاً: الآن عندنا ثلاثة أركان: زوج وأم، ولا يشترط الأم، قلنا: يلحق بها الجدة، المقصود مستحق للسدس من أم أو جدة.

    وإن تجد زوجاً وأماً ورثا وإخوة من أم حازوا الثلثا

    هذه ثلاثة أركان.

    وإخوة أيضاً لأم وأب

    وهم الأشقاء، وقلنا: لابد من أن يكونوا عصبة، أي: ذكر، أو ذكر وأنثى أما إذا كان الأشقاء إناثاً فقط فيفرض لهن بالإجماع، وليست مشركة.

    واستغرقوا المال بفرض النصب

    يعني: الزوج والأم والإخوة لأم أخذوا المال من أوله لآخره بالأنصباء المقدرة والفروض.

    فاجعلهم كلهم لأم واجعل أباهم حجراً في اليم

    هذا على مذهب زيد بن ثابت وهو الذي يسير عليه صاحب الرحبية على مذهب الإمام الشافعي .

    واقسم على الإخوة ثلث التركة

    أي: الأشقاء والإخوة لأم.

    واقسم على الإخوة ثلث التركة فهذه المسألة المشتركة

    كلام ابن تيمية في حديث (أفرضكم زيد) والرد عليه

    الأمر الثاني إخوتي الكرام! تقدم معنا أن زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه أخذ بقضاء عمر الثاني، وهو مذهب الإمام مالك والشافعي عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه، وصاحب الرحبية هنا دائماً يرجح مذهب زيد لثناء النبي عليه الصلاة والسلام عليه بعلم الفرائض وتقديمه على غيره في ذلك: (أفرضكم زيد).

    الإمام ابن تيمية عندما جاء لهذه المسألة وقوبل بهذا الحديث، وتقدم معنا أنه رجح عدم التشريك، ورد بعد ذلك على من شرَّكوا بعبارات فيها شيء من القسوة كما تقدم معنا، وقال: إذا قال قائلهم: هب أن أبانا حمار فنقول: إذا كان الأب حماراً فالأم ستكون أتاناً.

    طيب! وهذا الجواب هل خفي على عمر رضي الله عنه وأرضاه؟ وبدأ يرد هذا القول كما تقدم معنا بعبارات قاسية، ولا مانع للإنسان أن يرد، لكن لا داعي أن يقسو بعضنا على بعض في الرد ضمن المباحث العلمية، فهذا منقول عن السلف، فقل: هذا فيما يظهر لي مرجوح، وأن هذه الحجج التي أدلى بها فيما يظهر لي ضعيفة، وقد يكون ما ظهر لك بأنه راجح هو مرجوح عند غيرك، ودع لغيرك كما يقال متنفساً وسعة، واترك لغيرك هذا، لكن جاء بعد أن قسا في الرد زاد -كما يقال- في الرد، فقال: قول النبي عليه الصلاة والسلام لـزيد : (أفرضكم زيد )، قال: هذا حديث ضعيف لا أصل له، ولم يكن زيد معروفاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرائض.

    والكلام باطل بشقيه:

    فالحديث صحيح أقر به ابن تيمية أو لم يقر، وزيد كان معروفاً بالفرائض على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فالأمران ثابتان، وزيد رضي الله عنه من كتاب الوحي، وهو الذي عهد إليه بعد موت نبينا عليه الصلاة والسلام بسنة واحدة في عهد خلافة أبي بكر بأن يجمع القرآن، يعني: هذا الذي يجمع القرآن، وجمعه في الجمع الأول والثاني، هو رئيس الجمع في عهد أبي بكر وفي عهد عثمان .

    خلافة أبي بكر رضي الله عنها كلها مدة سنتين ونصف، فـزيد في السنة الثانية من خلافة أبي بكر تولى هذه المهمة، ويقول له أبو بكر كما في صحيح البخاري : إنك شاب عاقل لا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فتتبع القرآن واجمعه. يعني هذا الذي هذه مكانته لا يعرف الفرائض؟ حتى في الحقيقة لا يسلم، لا يسلم تضعيفه للحديث كما لا يسلم أيضاً قوله في زيد : إنه لم يكن معروفاً بالفرائض على عهد النبي عليه الصلاة والسلام. يعني متى تعلمها؟ تعلمها إذاً بعد النبي عليه الصلاة والسلام.

    هذا كلام -كما قلت- لا دليل عليه، ويكفي في رده ثبوت الحديث، والحديث ثابت، قلت: هو في المسند والسنن الأربعة إلا سنن أبي داود ، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في سننه وأبو داود الطيالسي في مسنده والإمام الفسوي في المعرفة والتاريخ وابن سعد في الطبقات.

    وقد قال الحافظ في الفتح (12/20): هذا حديث حسن أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم ، ثم قال بعد ذلك: له متابعات وشواهد ذكرتها في تخريج أحاديث الرافعي وهو التلخيص الحبير. وقد أطال في التلخيص الحبير، فكتب قرابة صفحة في تصحيح هذا الحديث، وبيان تعدد طرقه، انظروا ذلك في الجزء الثالث صفحة اثنتين وتسعين.

    وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (4/474): هذا حديث حسن صحيح.

    فالحديث صحيح ثابت، وزيد معروف بالفرائض في عهد النبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    إرث الجد مع الإخوة

    معالم ضرورية في إرث الجد مع الإخوة

    قبل أن ندخل في مدارسة أحكام إرث الجد مع الإخوة والإخوة مع الجد، هناك معالم لابد من وعيها وضبطها قبل الدخول في هذا المبحث، هذه المعالم سبعة انتبهوا لها:

    المعلم الأول: المراد بالجد

    المعلم الأول: يراد بالجد هنا الجد الصحيح، وهو الذي يدلي بذكر، أي: أب الأب وأب الجد مهما علا، فخرج الجد الفاسد، وهو الذي يدخل في نسبته إلى الميت أنثى، وهو أب الأم، وأب أم الأب، أم أبيك جدة وارثة، وأبوها جد فاسد، إنما أبو أبيك مهما علا، أب الجد، جد الجد مهما علا هذا كله جد صحيح لا يدخل في نسبته للميت أنثى. هذا المعلم الأول.

    سنبحث نحن في هذا الجد وهو الجد الصحيح، وقولنا: (فاسد) هذا اصطلاح في عدم إرثه، وليس المعنى أنه فاسد من حيث القرابة وفيه نقص كما فهم بعض الناس وقال: كيف يعبر عن الجد الذي هو والد الأم بأنه جد فاسد، وهو من ذوي الأرحام؟

    المعلم الثاني: المراد بالإخوة

    المعلم الثاني: يراد بالإخوة الإخوة الذين يدلون بذكر، سواء كانوا أشقاء أو لأب، إخوة يدلون بذكر أم يدلون بذكر وأنثى، لا علاقة لنا بجهة الأنوثة، نحن الذي نريده أنه يدلي بذكر، فإن أدلى بذكر وأنثى فهو شقيق، وإن أدلى بذكر فقط فهو أخ لأب، وتقدم معنا أن الإخوة إما بنو الأعيان وهم الأشقاء، أو بنو العلات وهم الإخوة لأب، وبنو الأخفاف الإخوة لأم، فإذاً: خرج معنا الإخوة لأم فلا يدخلون، لابد من أخ يدلي بذكر سواء كان شقيقاً أو لأب، أما الإخوة لأم فلا يرثون مع الجد إجماعاً.

    ثبت في مصنف عبد الرزاق (10/272)، والأثر رواه الإمام سعيد بن منصور في سننه (1/54)، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (11/300). عن الإمام الشعبي ، وهو من أئمة التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يورث أخاً لأم مع الجدة.

    وفي بعض روايات هذا الأثر قال: من زعم أن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورث أخاً لأم مع الجد فقد كذب. يعني: هذه مسألة مجمع عليها.

    فإذاً: البحث الآن مع الإخوة الذين يدلون بذكر من أشقاء أو لأب مع الجد.

    المعلم الثالث: لا يلحق بالإخوة أبناؤهم

    المعلم الثالث: لا يلحق بالإخوة أبناؤهم اتفاقاً وإجماعاً، فأبناء الإخوة من أشقاء أو لأب محجوبون بالجد.

    يعني: لو مات وترك جداً وابن أخ شقيق فالمال كله للجد بالإجماع، لكن لو ترك جداً وأخاً شقيقاً فسيأتينا قولان، قول: أن المال كله للجد، والقول الثاني للجمهور: مناصفة، فالجد له النصف والأخ الشقيق له النصف. وسيأتينا تفصيل إرث الجد مع الإخوة بعد إن شاء الله.

    ثبت في مصنف عبد الرزاق (10/269) عن الإمام الثوري قال: لم يكن أحد يورث ابن أخ مع جده.

    وفي السنن الكبرى للإمام البيهقي (6/205)، قال: كان عبد الله -يعني: ابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين- لا يورث ابن الأخ مع الجد.

    وفي مصنف ابن أبي شيبة (11/297): سئل إبراهيم -وهو إبراهيم النخعي - في رجل مات وترك جده وابن أخيه لأبيه وأمه؟ يعني: ابن أخ شقيق، فقال: المال للجد في قضاء علي وعبد الله وزيد بن ثابت . وأنا أقول: في قضاء الصحابة أجمعين.

    يعني هو يقول: هذا قضى فيه علي وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت أن المال كله للجد، ولا يرث ابن الأخ مع الجد.

    فقال أبو بكر -يراد به صاحب المصنف وهو ابن أبي شيبة - قال أبو بكر : فهذه المسألة من سهم واحد وهو المال كله للجد. يعني لا تحتاج إلى تفريعات.

    المعلم الرابع: شمول الإخوة الذكور والإناث

    المعلم الرابع: يراد بالإخوة مع الجد الإخوة الأشقاء أو لأب -كما تقدم معنا- سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً أو مختلطين.

    إخوة أشقاء، إخوة لأب، إخوة أشقاء معهم إخوة لأب، أخت شقيقة، أخت لأب، كل هؤلاء يراد منهم في مبحث الجد والإخوة، ويراد بهم إذا وجدوا واجتمعوا مع الجد، وأما إرث كلٌ منهم على سبيل الانفراد فقد تقدم معنا، يعني: إرث الجد منفرداً، إرث الإخوة الأشقاء منفرداً، إرث الإخوة لأب منفرداً، تقدم معنا هذا فيما مضى، نحن الآن نبحث في إخوة وجدوا مع الجد، هؤلاء الإخوة سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، لأب أو لأشقاء، أو مختلطين، كلهم هؤلاء إذا وجدوا مع الجد لهم حكم سيأتينا تفصيله.

    المعلم الخامس: سبب تأخير هذه المسألة عن التعصيب والحجب

    المعلم الخامس: أخر مذهب الجد والإخوة عن مبحثي التعصيب والحجب لصلة وعلاقة مبحث الجد والإخوة بكل منهما، فلا ينبغي أن يتقدم عليهما.

    يعني: لا يمكن أن تتكلم في مسائل الجد والإخوة إلا بعد أن تحيط بالتعصيب وبالحجب، لعلاقة مبحث الجد والإخوة بكل منهما، أما علاقته بالتعصيب فقد تقدم معنا، أنه عند الشافعي والإمام مالك جاء في التعصيب سبع، وعند الإمام أحمد والصاحبان أيضاً يأتي التعصيب ست، وعند الإمام أبي حنيفة خمس. فمثلاً عند أبي حنيفة : بنوة، أبوة، ودخلت فيها الجدودة، لذلك لا تحتاج لاستثناء بحث خاص فيها عند أبي حنيفة ، فلا يوجد في الأصل مبحث جد وإخوة؛ لأنها انتهت من مبحث التعصيب؛ لأنه نزل الجد أباً وانتهى الكلام.

    فعند أبي حنيفة : بنوة، أبوة، أخوة، عمومة، الولاء، وزاد الصاحبان قلنا: بنوة، أبوة، جدودة وأخوة.

    أما أبناء الإخوة فمسألة مستقلة، لأنهم لا يلحقون بإخوتهم مع الجد.

    والشافعي ومالك عليهم جميعاً رحمة الله ذكروا هذه الست، وزادوا عليها بيت المال.

    فإذاً: هذا مرتبط بالتعصيب ومرتبط بالحجب، تقدم معنا عند مبحث الحجب أن الجد مع الإخوة له حكم خاص سيأتي في مبحث مستقل، وتقدم معنا عند مبحث الحجب أنه يحجب الإخوة لأم بالاتفاق، ويحجب أولاد الإخوة بالاتفاق، أما حكمه مع الإخوة فقلنا: هذا سيأتي.

    المعلم السادس: من يحجب الجد

    المعلم السادس: الجد الصحيح وارث إجماعاً، ولا يحجبه إلا ذكر متوسط بينه وبين الميت، فكل ذكر دونه بينه وبين الميت يحجبه، فمثلاً: إذا مات عن أب وجد فالمال للأب، والجد محجوب.

    مات عن جد وأب الجد، فالجد له المال، وأبو الجد محجوب.

    فإذاً: الجد الصحيح وارث إجماعاً، ولا يسقطه إلا ذكر بينه وبين الميت.

    المعلم السابع: تنزيل الجد منزلة الأب إلا في مسائل

    المعلم السابع: ينزل الجد منزلة الأب إجماعاً في الميراث والحجب إلا في أربع مسائل:

    المسألة الأولى والثانية: في العمريتين، الغراوين، الغريمتين، الغريبتين. هذه المسألة تقدمت معنا عند مبحث الثلث، وقلنا: الأم تأخذ ثلث الباقي.

    وقد سمينا غراوين من الأغر، وهي للشهرة والوضوح، وسميتا عمريتين نسبة إلى عمر رضي الله عنه لقضائه فيهما، وهو أول من قضى بهذا القضاء، سميتا غريبتين بين الفرائض لأن الأنثى تعطى ثلث الباقي، وغريمتين لأنك تجعل كلاً من الزوجين كأنه غريم وصاحب دين يأخذ فرضه بلا نقصان ثم توزع الإرث على الأبوين، فعندما يموت إنسان يترك زوجتين وأبوين، الزوجة هذه غريم كأنها صاحبة دين تقول: أعطني ربعي، وأنتم بعد ذلك دبروا أنفسكم، فإذا أخذت الربع اقتسم الأب مع الأم للذكر مثل حظ الأنثيين، فلها ثلث الباقي وله ثلثا الباقي.

    يعني كأنها الآن ليست وارثة، تقول: أنا غريمة أعطوني مالي، وأنتم بعد ذلك تفاهموا فيما بينكم (الأب مع الأم)، أما أنا الآن لي الربع كاملاً، ولا يدخله نقص بحال من الأحوال.

    إذاً: في الغراوين تأخذ الأم ثلث الباقي، فلو كان مكان الأب جد تأخذ ثلث الكل؛ لأن الدرجتين ابتعدتا، هناك ذكر وأنثى في درجة واحدة يدليان بأنفسهما إلى الميت: أب وأم، فتقدم معنا أن قواعد الإرث إما أن يفضل الذكر على الأنثى بالضعف، وإما أن يساويها ولا ينزل عنها، نحن لو لم نقل بهذا، أي لو لم نعط الأم من الثلث في مسألة الزوج ستأخذ أكثر من الأب، وفي مسألة الزوجة لن يأخذ الأب التضعيف المقرر في الفرائض (للذكر مثل حظ الأنثيين).

    وعليه لها الثلث، أي: ثلث ما بقي، لكن قلنا في مسألة الزوج تأخذ في الحقيقة السدس، وفي مسألة الزوجة تأخذ الربع.

    قال في الرحبية:

    وإن يكن زوج وأم وأب فثلث الباقي لها مرتب

    وهكذا مع زوجة فصاعداً فلا تكن عن العلوم قاعدا

    وقال:

    والجد مثل الأب عند فقده في حوز ما يصيبه ومده

    إلا إذا كان هناك إخوة لكونه في القرب وهو أسوة

    كما تقدم معنا. إذاً: هنا يأخذ ما يأخذه الأب، والأب إذا لم يوجد فرع وارث لا يفرض له، فله الباقي التعصيب لأنه أقوى العصبات، الجد حل محله، فالمسألة من ستة: الزوج له ثلاثة، والأم اثنان، وهو الثلث، بقي واحد للجد، لو كان مكان الجد أب، لأخذ هو الاثنين، والأم أخذت واحداً، يعني: هي كانت ستأخذ ثلث الباقي.

    وهكذا في مسألة الزوجة: زوجة وأم وجد، الزوجة لها الربع لعدم الفرع الوارث، والأم لها الثلث، والجد عصبة، نحن في الغراوية خرج معنا أصل المسألة من أربعة، ونستخرج أصل المسألة من اثني عشر لوجود التباين بين الثلاثة والأربعة، المسألة من اثني عشر: ربعها ثلاثة، وثلثها أربعة للأم، بقي معنا خمسة للجد.

    الشاهد أنها أخذت ثلث كل المال، هاتان المسألتان من أربع مسائل في العمريتين.

    المسألة الثالثة: أم الأب مهما علت تحجب بالأب عند المذاهب الثلاثة باستثناء الحنفية، قلنا: الجدة التي تدلي بجد تحجب عند وجود من أدلت به عند الأئمة الثلاثة إلا عند الإمام أحمد فلا يحجب الجدة عنده إلا الأم، أو جدة أقرب منها، الآن عندنا أم الأب مهما علت تحجب بالأب عند من يقول بحجبها، أما الجد فلا يحجبها بالاتفاق؛ لأنها ما أدلت به، أي أن أم الأب ترث مع وجود الجد، ولو كان بدل الجد أب لسقطت الجدة التي هي أم الأب عند الأئمة الثلاثة.

    إذاً: هذه مما خالف الجد فيها الأب، فالأب يحجب أمه التي أدلت به مهما علت، والجد لا يحجبها.

    المسألة الرابعة: الجد والإخوة الذين يدلون بذكر من أشقاء أو لأب وهي مبحثنا، فيسقط الإخوة بالأب إجماعاً، وأما بالجد ففيها اختلاف، فـأبو حنيفة أسقطهم، والجمهور لم يسقطوهم.

    إذاً: هذه أربع مسائل يخالف الجد فيها الأب.

    قلنا: ينزل منزلة الأب في الإرث والحجب إلا في هذه المسائل الأربع: في العمريتين، الأم تأخذ ثلث الكل لا ثلث الباقي، وأم الأب مهما علت تحجب بالأب ولا تحجب بالجد عند من حجبها بالأب، والجد مع الإخوة لهم تفصيل في الإرث ولو كانوا مكان الجد أباً، لو كان لحجب الإخوة بالإجماع؛ لأنه تقدم معنا:

    وتسقط الإخوة بالبنينا وبالأب الأدنى كما روينا

    والأب الأدنى هو الذي انفصلت منه، أو أبوك مباشرة.

    1.   

    تحذير السلف من التسرع في القضاء بين الجد والإخوة

    موضوع آخر، ألا وهو: تحذير السلف البررة من التسرع في القضاء في مسائل الجد والإخوة، فقد نقلت عنهم في ذلك أقوال كثيرة ينبغي أن ينتبه لها طالب العلم، وأن لا يتسرع في القضاء في الجد والإخوة.

    ثبت في سنن الدارمي (2/352) في كتاب الفرائض في إرث الجد، والأثر رواه عبد الرزاق في مصنفه في المكان المشار إليه سابقاً (10/263)، ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى (6/245)، وسعيد بن منصور (1/48)، عن شيخ من مراد، وجميع رجال الإسناد ثقات أثبات إلا هذا الشيخ فهو في حكم الجهالة، والشيخ أحمد شاكر يعتبر المجهولين من التابعين إذا لم يعلم فيهم جرح في حكم المذكورين، وأن هؤلاء كما لو ذكروا وسموا، هذا اصطلاح يذكره في تعليقه على المسند، فعندما يقول: رجل من هذيل سمع ابن عمر يقول: هذا الرجل من هذيل ليس بنكرة من الناس، تابعي ما سمي الله أعلم لم؟ وهنا شيخ من مراد، فالتابعون يعاملون معاملة خاصة إلا إذا ثبت فيهم جرح، فهناك موضوع آخر.

    عن شيخ من مراد قال: سمعت علياً رضي الله عنهم أجمعين يقول: من سره أن يتقحم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة.

    أن يتقحم، أي: أن يقع وأن يدخل.

    جراثيم جهنم: جمع جرثومة، وهي أصلها وقعرها.

    وفي سنن الدارمي : جاء رجل إلى علي رضي الله عنه فسأله عن فريضة، فقال: إن لم يكن فيها جد فهاتها، أي: إذا كان فيها جد أرجعها وسل عنها غيري.

    وثبت في مصنف عبد الرزاق (10/292) عن ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين أنه قال: أجرؤكم على جراثيم جهنم أجرؤكم على الجد. يعني: على القضاء في مسائل الجد والإخوة.

    والأثر رواه الإمام السيوطي في الدر المنثور (2/127)، لكن نسبه إلى عمر لا إلى ابنه، ولعله في الطباعة خطأ ووهم والعلم عند الله، لكن الأثر كما قلت في المصنف عن ابن عمر .

    وما رأيت أحداً عزا هذا القول إلى عمر إلا في الدر، فالله عليم بالأمر وحقيقته، لكن هو في المصنف عن ابن عمر من رواية نافع عن ابن عمر .

    وقد روي هذا مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند صحيح لكنه مرسل، رواه سعيد بن منصور في سننه (1/48) عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أجرؤكم على الجد أجرؤكم على النار)، والأثر كما قلت في سنن سعيد بن منصور .

    والسبب في تحذير السلف من التسرع في القضاء في الجد والإخوة، واحترازهم واحتياطهم في هذا الأمر أنه لم يرد في هذه المسألة قضاء في الجد من قبل نبينا عليه الصلاة والسلام فهو قضاء مبهم لا يعلم مع مَن مِن الورثة، فبقي إذاً القضاء في الجد والإخوة عن طريق الاجتهاد، والاجتهاد يخطئ ويصيب، فكان السلف يحترزون ولا يتسرعون.

    ذكر بعض ما ورد عن النبي صلى الله وسلم في الجد والإخوة

    وإليكم بعض القضاء الذي ورد عن نبينا عليه الصلاة والسلام في الجد والإخوة، وهو مبهم لا يفيد شيئاً.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي ، وقال الترمذي : حسن صحيح، والحديث عزاه الإمام المنذري في اختصاره للسنن إلى سنن النسائي لعله في الكبرى، وعليه هو في سنن الترمذي وأبي داود والسنن الكبرى للنسائي وفي مسند الإمام أحمد ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (11/290) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (6/244)، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما: (أن رجلاً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إن ابن ابني)، فإذاً يكون السائل جداً له، (إن ابن ابني مات، فما لي من ميراثه؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لك السدس، فلما ولى دعاه فقال: سدس آخر، فلما ولى دعاه قال له: إن السدس الآخر طعمة).

    ما لي منه من ابن ابنه؟ لك السدس، فلما ولى دعاه قال: تعال! لك سدس آخر فصار ثلثاً، فلما ولى دعاه قال: إن السدس الآخر -الذي هو السدس الثاني وليس سدساً ثالثاً- إن السدس الآخر طعمة، كأنه يشير بذلك إلى أنه هذا زيادة على فرضك المقدر، طعمة من الله لك.

    طيب، هؤلاء الورثة مع من؟ قال أبو داود في سننه: قال قتادة : فلا يدرون مع أي شيء من الورثة، قال قتادة : أقل شيء ورث الجد السدس، لكن هو مع من أخذ هذا النصيب؟ لا يدرون!

    قضاء مبهم، لكن ممكن على حسب أصولنا في الفرائض أن نتصور هذه المسألة، والمسألة سهلة، فنقول: مات ابن الابن عن بنتين؛ وترك جده الذي هو السائل، فالبنتان لهما ثلثان، والجد له السدس بالفرض والسدس الثاني بالتعصيب، فالمسألة من ستة، بنتان أربعة سهام كل واحدة سهمان، وله سدس واحد فرضاً، وبقي سدس وهو فرضاً، وهي سدس أقوى عاصب فله السدس الآخر طعمة.

    فكأنه يقول: لو كانت المسألة هكذا يعني لا يوجد دليل على هذا القضاء، كأنه يقول: أنت فرضك السدس لوجود فرع وارث، لكن بما أنك أقوى عاصب وأولى عاصب فلك الباقي طعمة أيضاً، لكن هذه الطعمة لا تثبت لك بكل حال، الذي يثبت لك الفرض.

    هذا الحديث وارد، وكما قلت قال عنه الترمذي : حسن صحيح؛ ولكن هو قضاء مبهم، هذا مع مَن مِن الورثة أعطي الجد هذا؟ لا يوجد دليل ولا برهان.

    حديث ثان: ثبت في المسند وسنن أبي داود وابن ماجه وعزاه المنذري أيضاً لسنن النسائي -كما قلت- لعله في السنن الكبرى، والحديث في سنن البيهقي والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه وسعيد بن منصور في سننه: أن عمر رضي الله عنه وأرضاه سأل الناس فقال: أيكم يعلم ما ورث رسول الله صلى الله عليه وسلم الجد؟

    وفي رواية: ( إن عمر ناشدهم فقال: من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في الجد شيئاً فليخبرنا. فقام معقل بن يسار فقال: أنا شهدته ورثه السدس، فقال عمر: مع من؟ قال: لا أدري، قال: فما تغني إذاً؟ )، يعني ماذا أفدتنا؟ بقي كما قلنا قضاء مبهم لا يفيدنا دلالة واضحة.

    وثبت في سنن سعيد بن منصور (1/45): ( أن عمر رضي الله عنه عندما سأل أجابه أربعة من الصحابة الكرام كل واحد بجواب مختلف، فقال الأول: شهدت النبي عليه الصلاة والسلام أعطاه سدس ماله. -يعني: مال الميت- فقال له عمر: ماذا معه من الورثة؟ قال: لا أدري، قال: لا دريت!

    فقام آخر وقال: شهدت النبي عليه الصلاة والسلام وأعطاه ثلث ماله. قال: مع من الورثة؟ قال: لا أدري، قال: لا دريت!

    وقام ثالث وقال: أنا شهدت النبي عليه الصلاة والسلام وأعطاه نصف ماله، قال: مع من؟ قال: لا أدري، قال: لا دريت!

    وقام الرابع قال: أنا شهدت النبي عليه الصلاة والسلام أعطاه المال كله، قال: مع من؟ قال: لا أردي، قال: لا دريت ).

    يعني حقيقة سدس وثلث ونصف والمال كله، وممكن أنت تتصور الآن للجد صوراً أخرى بحيث يأخذ ثلثين، يأخذ ثلاثة أرباع، المال كله، المسألة سهلة، يعني الآن هنا أخذ الثلث، لو كان عندنا ابن وجد فالجد يأخذ السدس.

    هذا على القضاء الأول الذي يقول: أنا حضرت أعطاه السدس، فالسدس مع فرع وارث ذكر.

    فرع وارث أنثى أكثر من واحد، فالبنات أخذن الثلثين، وما بقي للجد، هذا ثلث.

    ذاك يقول: حضرت يعطيه النصف، إذا مات عن بنت وجد، فالبنت لها النصف والجد له السدس والتعصيب فأخذ النصف.

    ذاك يقول: أعطاه المال كله، كما لو مات وترك جداً وأخاً لأم، فالمال للجد، لكن عمر يستفسر رضي الله عنه فيقول: مع من؟ يقول: لا أدري، يقول: لا دريت، يعني ما أفدتنا من هذا الإخبار؟ ما أفدتنا شيئاً.

    فلم يرد قضاء واضح عن نبينا عليه الصلاة والسلام في مسألة الجد والإخوة، فمرد ذلك إلى الاجتهاد، والاجتهاد كما قلت غير معروف، وإذا كان الأمر كذلك فكان السلف يحتاطون، وسيأتينا أنه نقل عن عمر مائة قضاء في الجد والإخوة يخالف بعضها بعضاً، وسيأتينا في صحيح البخاري الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله، قال: ويذكر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أقاويل مختلفة، لكن هؤلاء ما ساروا على طريقة أبي بكر رضي الله عنه في تنزيل الجد أباً فنقلت عنهم أقاويل مختلفة، عمر فقط بمفرده له مائة قضاء ينقض بعضها بعضاً، عندما ينظر الإنسان في المسألة هل نجعله أباً؟ فيه احتمال، فنقول: الأب يحجب الإخوة. نتأمل من جهة أخرى نقول: هو في الحقيقة ينبغي أن يكون كحال الإخوة؛ لأن الجد أدلى بأب والإخوة أدلوا بأب، فما ينبغي أن يكون أحد الإدلائين أقرب من الآخر، هؤلاء يدلون بأب، وهؤلاء يدلون بأب، ولذلك شبههم زيد بن ثابت بمثابة غصن انفلق إلى غصنين، لم تعطي هذا الغصن وتترك هذا؟

    هذا الأب الذي هو الواسطة له أبوه وهو الجد، وله أولاد وهم إخوة فيما بينهم، فالإخوة إذاً يدلون بهذا الأب، والجد يدلي بهذا الأب، فهم بمثابة غصن انقسم إلى غصنين، لم تعطي أحد الغصنين وتحجب الآخر؟ هذا كلام زيد لعمر رضي الله عنه وأقنعه ورجع عن قضائه، ثم بعد فترة تأمل فرجع، ثم بعد أن قضى بأن له السدس كتب إلى عبد الله بن مسعود قال: ما أرانا إلا قد أجحفنا بالجد، فإذا جاءك كتابي فافرض له الثلث.

    فإذاً: أقاويل مختلفة، فكانوا يحتاطون يقولون: المسألة تحتاج إلى تأمل وإلى دقة.

    إخوتي الكرام! هنا تظهر منزلة فقهاء الأمة، وعندما يجتهدون الذي يصيب له أجران، والذي يخطئ له أجر، وقد يكون الكل مصيبين ولهم أجران والعلم عند ذي الجلال والإكرام.

    عدم ورود نص واضح في الجد والإخوة

    إن في مسائل الجد والإخوة الذين دائماً يكثرون اللغط ويقولون: المسألة فيها نص، نقول: هات لنا نصاً في الجد والإخوة، فإن قال: أبو بكر ، نقول: على العين والرأس، لكن أبا بكر قضى وخالفه من جاء بعده وهو خليفة راشد، يعني لو اتفقوا لكان لا مجال للكلام في ذلك، فإذا كان الأمر كذلك كما قلت فصدورنا تتسع لما قرره أئمتنا.

    ذكرت في خطبة جمعة موضوع التلقين، وأن هذا منقول عن أئمتنا وفعله صحابيان، قال بعض الإخوة: نجد مقالة الخميني هي هي، لكن بصيغة أخرى، لكن هذا سلفي وهذا خميني.

    الخميني عندما وجد قال: سنعيدها إلى ما قبل السنة والشيعة، يعني: لا نريد سنة ولا نريد شيعة، لنتنازل نحن عن مذهبنا والله عليم بعد ذلك بحالنا، وهذا يقول: مالنا نحن الآن وللمذاهب وللصحابة، نرجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، هل النبي عليه الصلاة والسلام فعل هذا؟ قلت: يا عبد الله!

    أولاً: نصوص الأدلة تحتمل هذا، وإذا احتملت النصوص هذا الأمر فكأنه منسوخ من قبل النبي عليه الصلاة والسلام، إن قلت ورد فيه حديث ضعيف، وفعله صحابيان، وقرره أئمة الإسلام فانتهى الأمر، أما أن تأتي بعد ذلك تقول: طيب وما في قضاء الجد والإخوة، نقول: الآن دعونا من قضاء أبي بكر وعمر، ائت بقضاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في الجد والإخوة، ستكفيك هذه الأقضية الأربعة، هذا سدس وهذا ثلث وهذا نصف وهذا الكل، بأي واحد ستقضي أنت؟

    يا إخوتي! لابد من أن نعرف قدرنا، ما قاله أئمتنا أخذ من أدلة معتبرة، بعد ذلك أنت ترى أنك تميل إلى مذهب من المذاهب وقول من الأقوال فأنت على هدى، لكن اترك الأمة بعد ذلك في سعة ورحمة.

    إذاً كما قلت إخوتي الكرام! لا يوجد قضاء صريح ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام يفصل أحوال الجد مع الإخوة، ولذلك ورد في معجم الطبراني الأوسط، وانظروا الأثر في المجمع (4/227)، والأثر رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي إلا أن سعيد بن المسيب اختلف في سماعه من عمر فقط، والأثر عن سعيد عن عمر رضي الله عنه قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم كيف قسم الجد؟ قال: ما سؤالك عن ذلك يا عمر، إني أظنك تموت قبل أن تعلم ذلك، قال سعيد بن المسيب : فمات عمر قبل أن يعلم ذلك).

    (ما سؤالك عن ذلك يا عمر؟)، يعني: تسأل، ولا يظهر لك المراد في موضوع الجد والإخوة، (إني أظنك أن تموت قبل أن تعلم ذلك. قال سعيد : فمات عمر قبل أن يعمل القضاء في الجد والإخوة).

    1.   

    مذهب أبي بكر الصديق في حجب الإخوة بالجد

    إخوتي الكرام! بعد هذه المقدمة ندخل بعد ذلك في تفصيل أحوال الجد مع الإخوة.

    خلاصة الأقوال في إرث الجد مع الإخوة قولان معتبران:

    القول الأول: أن الجد ينزل منزلة الأب، وهذا أسهل الأقوال وأيسرها، ولعله أقواها وأظهرها، وسأقرره بعشرة أدلة إن شاء الله، مع أن الإمام ابن القيم قرره بعشرين دليلاً في كتابه إعلام الموقعين.

    هذا القول كما قلت ينزل الجد منزلة الأب، إلا في ما خرج بالإجماع: في العمريتين، وفي أم الأب فلا تحجب بالجد، ما عدا هذا فالإخوة جميعاً من أي صنف كانوا أشقاء أو لأب أو لأم يحجبون بالجد كما يحجبون بالأب، هذا القول قاله صديق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، وثبت عليه، وقضى به.

    وقد بوب الإمام البيهقي في السنن (6/46) باباً يشير به إلى هذا فقال: باب من لم يورث الإخوة مع الجد. وقضاء أبي بكر رضي الله عنه في ذلك ثابت ثبوت الشمس في رابعة النهار، ثبت ذلك في سنن الدارمي وسنن البيهقي ومصنف ابن أبي شيبة وسنن سعيد بن منصور عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه قال: إن أبا بكر جعل الجد أباً.

    قال الحافظ في الفتح في الجزء (12/19): إسناده صحيح على شرط مسلم .

    وثبت ذلك أيضاً في مصنف ابن أبي شيبة وسنن الدارمي عن أبي موسى الأشعري بسند صحيح قال: إن أبا بكر جعل الجد أباً.

    إذاً: منقول عن أبي سعيد وعن أبي موسى في ما قضى به أبو بكر رضي الله عنه.

    ونقله أيضاً عنه الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان، ثبت ذلك أيضاً في سنن الدارمي والسنن الكبرى للإمام البيهقي وسنن سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عثمان أيضاً رضي الله عنهم أجمعين: أن أبا بكر جعل الجد أباً.

    وفي بعض روايات أثر عثمان : إن أبا بكر جعل الجد أباً إذا لم يكن دونه أب، يعني: لم يوجد أقرب منه وهو الأب.

    وثبت ذلك عن عبد الله بن الزبير كما في سنن الدارمي والبيهقي ومصنف ابن أبي شيبة ، وأعلى من جميع ما تقدم في صحيح البخاري ، قال: كتب عبد الله بن الزبير إلى أهل العراق عندما سألوه عن إرث الجد؟ فقال: إن الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتخذته خليلاً -يعني أبا بكر - جعل الجد أباً.

    كأنه يقول: هذا له منزلة، هذا قضاء أبي بكر ، وهو أعلم بمقاصد الشريعة، ولا تصلح خلة نبينا عليه الصلاة والسلام لأحد من الخلف لو أراد أن يخالل إلا لـأبي بكر ، هذا قضى بأن الجد أب. هذا في صحيح البخاري .

    وهذا القضاء ثابت أيضاً عن ابن عباس فيما نقله عن أبي بكر ، رواه أيضاً الدارمي في سننه والإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه والبيهقي في السنن الكبرى وسعيد بن منصور ، ورواه البخاري في صحيحه في آخر باب إرث الجد مع الإخوة، وفيه يقول عبد الله بن عباس كما قال عبد الله بن الزبير : أما الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتخذته خليلاً، أما الذي قال فيه هذا فإنه جعل الجد أباً، فهؤلاء خمسة من الصحابة نقلوا هذا عن أبي بكر .

    ونقله أيضاً عمر بن الخطاب كما في سنن سعيد بن منصور (1/46)، قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم أجمعين: أن اجعل الجد أباً، فإن أبا بكر جعل الجد أباً.

    فهذا القضاء عن أبي بكر رضي الله عنه ثابت بأسانيد صحيحة، نقله عدة من الصحابة الكرام عن أبي بكر ، منهم خليفتان راشدان: عمر وعثمان ، وهكذا أبو موسى وأبو سعيد وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين.

    وهذا القضاء الذي قضى به صديق هذه الأمة لم يخالفه فيه أحد، ففي مدة خلافة أبي بكر ما خالفه أحد في موضوع الجد مع الإخوة، وأن الجد يحجب الإخوة كلهم.

    ما جاء في صحيح البخاري في ميراث الجد والإخوة

    وقد أشار إلى ذلك البخاري في صحيحه (12/18) بشرح الحافظ ابن حجر في باب ميراث الجد مع الأب والإخوة، باب ميراث الجد مع الأب محجوب، والإخوة يحجبهم، أي: هو يحجب بالأب، وهو يحجب الإخوة مهما كانوا.

    باب ميراث الجد مع الأب والإخوة، وقال أبو بكر -هذا كلام البخاري معلقاً بصيغة الجزم وابن الزبير : الجد أب، وقرأ ابن عباس : يَا بَنِي آدَمَ [الأعراف:26]، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [يوسف:38]، هذا ما قرأه ابن عباس في صحيح البخاري في هاتين الآيتين، فالله سمى الآباء البعيدين آباءً وهم أجداد.

    قال البخاري : ولم يذكر أن أحداً خالف أبا بكر في زمنه، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم متوافرون.

    قال: وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يرثني ابن ابني دون إخوتي، ولا أرث أنا ابنة ابني؟

    يعني استمع لهذه المقايسة التي هي في منتهى الوضوح، يعني: أنت إذا مت وتركت ابن ابنك وأخاً شقيقاً فالمال لمن؟

    لابن الابن؛ لأنه أقوى العصبات، فإذا مت وتركت جدك فكما أنك ترثه دون الإخوة الأشقاء فهو يرثك دون الإخوة الأشقاء.

    قال الإمام البخاري : ويذكر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد أقاويل مختلفة.

    قال الحافظ ابن حجر : كأن البخاري يريد بذلك تقوية حجة القول المذكور وهو قول أبي بكر وابن عباس وعبد الله بن الزبير ، ومعهم أبو موسى الأشعري .

    كأنه يريد بذلك تقوية حجة القول المذكور، ما وجه التقوية؟ قال: فإن الإجماع السكوتي حجة، وهو حاصل في هذا؛ لأنه يقول: مدة خلافة أبي بكر والصحابة متوافرون ما خالفه أحد.

    قال ابن حجر : وممن جاء عنه التصريح بأن الجد يرث ما كان يرث الأب غير من سماه المصنف -وهو البخاري - منهم معاذ بن جبل وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري وأبي بن كعب وأبو هريرة وأمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين.

    قال: ونقل عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود على اختلاف عنهم. يعني: تارة قضوا بذلك ونزلوا الجد أباً، وتارة نقضوا هذا القضاء كما سيأتينا.

    قال: ونقل عن التابعين.. ومن التابعين ممن قال بهذا: عطاء وطاوس وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة رضي الله عنهم أجمعين، وقال به أبو الشعثاء وشريح والشعبي ، ومن فقهاء الأمصار عثمان البتي وأبو حنيفة وإسحاق وداود ، وقال به أبو ثور والمزني وابن سريج من أئمة الشافعية رحمة الله عليهم أجمعين.

    وهذا القول منقول أيضاً رواية عن الإمام أحمد ، لكن المذهب على خلافه، أشار إلى ذلك صاحب كتاب العذب الفائض (1/106) فقال: وهو رواية عن الإمام أحمد ، اختارها أبو حفص البرمكي ، والإمام الآجري ، وذكرها الإمام ابن الجوزي عن أبي حفص العسكري أيضاً، وقال بها الشيخ تقي الدين وابن بطة ، وقال في الفروع: هو الأظهر. يعني القول بأن الجد ينزل منزلة الأب.

    تحمس ابن عباس لمذهبه في الجد والإخوة

    وقد تحمس لهذا القول ودافع عنه غاية التحمس والدفاع: عبد الله بن عباس رضي الله عنها، كما هي عادته في الأقوال التي يذهب إليها، ويهدد من خالفه بعبارات في منتهى القسوة رضي الله عنه وأرضاه، فاستمع ماذا يقول.

    ثبت في سنن سعيد بن منصور (1/47)، وفي السنن الكبرى للإمام البيهقي (6/246)، والأثر في سنن الدارمي (2/356): أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقول: الجد أب.

    زاد سعيد بن منصور في سننه: من شاء لاعنته عند الحجر الأسود، أي: الجد أب، والذي يخالف نتلاعن عند الحجر الأسود، لا تحتاج ملاعنة رضي الله عنك وأرضاك، يعني المسألة لا تحتاج إلى هذا الحد، وقلت لكم: كان يطلق ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين مثل هذه الكلمات، وهو القائل: أقول قال رسول الله عليه الصلاة والسلام وتقولون قال أبو بكر وعمر، يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، في موضوع التمتع، وقلت: إن الحق مع أبي بكر وعمر لا مع ابن عباس ، وقلت: لا يجوز لأحد أن يستدل بكلام ابن عباس رضي الله عنهما في هذا الحكم، غاية ما نقول: انفعال صدر منه، وأبو بكر وعمر أعلم بالسنة من ابن عباس ومن ملء الأرض من مثل ابن عباس ، وأنا لا أقول هذا تحقيراً له، لكن لابد من أن نعطي كل واحد حقه وقدره، فهذا انفعال وانتهى الأمر.

    أما أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، وهذا كلام الآن يستدل به كثير من السفهاء في هذه الأيام عندما يفهم شيئاً من حديث وأنت تقول له: قال الإمام الشافعي ، يقول: يوشك أن تنزل عليك حجارة من السماء، قل: يوشك أن يغضب عليك رب الأرض والسماء، لا تستحي من الله، لأنه عارض الحديث برأيه، هذا كلام أئمة الإسلام، أما أنت ففلاح ليس لك قول، فقف عند حدك.

    كما قلت: انفعال جرى، فهذا الانفعال نلتمس له عذراً ونستغفر له، وانتهى الأمر، وأما (من شاء لاعنته عند الحجر الأسود)، يعني إذا كان عمر رضي الله عنه يخالف وعلي يخالف وعثمان يخالف وابن مسعود يخالف و.. و.. كما سيأتينا فلماذا الملاعنة بعد ذلك وندعو على واحد منا باللعنة؟ نقول: كلكم على هدى، وكلكم مأجورون وانتهى الأمر، فعلى من تدعون؟ وما الداعي للملاعنة؟

    قال: من شاء لاعنته عند الحجر الأسود، ثم تلا: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [يوسف:38].

    وفي سنن الدارمي قال: لوددت أني والذين يخالفوني تلاعنا أينا أسوأ قولاً.

    يقول: أنا أتمنى أن من يخالف في الجد والإخوة، وددت أنا تلاعنا أينا أسوأ قولاً، الذي قوله باطل يلعنه الله ويهلكه. ولا داعي لهذا، والله لا داعي لهذا على الإطلاق، يعني لم هذا الحماس الزائد؟ فيه أقوال تحتملها الأدلة رضي الله عنه وأرضاه، رضي الله عنه وأرضاه.

    وقلت لكم: انفعال حصل في الصدر الأول، نحن بعد ذلك آلت إلينا هذه الأقوال، فلننظر إليها بإنصاف، ولنصرف كل قول في جهته الشرعية وانتهى الأمر.

    1.   

    حكم الدخول للمساجد بالنعال

    البارحة بعد صلاة العشاء يركض ورائي بعض المصلين: يا شيخ! سؤال، قلت: تفضل، قال: الصلاة بالنعال داخل المساجد هذه أهملت وضيعت، وهذه السنة ثابتة، فما رأيك؟

    قلت: رأيي الذي يدخل إلى المسجد بنعليه ينبغي أن يسجن، لا يخرج من السجن حتى يعطي العهد أنه لا يدخل للمسجد بنعليه.

    قال: أعوذ بالله! قلت: أعوذ بالله من شر كل ذي شر، ماذا عندك؟ قال: هذه سنة ثابتة.

    قلت: وسع صدرك، أنا لو دخلت بيتك إلى المجلس بحذاء فهل ترضى؟ قال: لا أرضى.

    قلت: صار بيتك أعلى من المسجد؟ يا عبد الله! افقه حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، مسجد لم يكن مفروشاً يصلون على الرمل، على الحصى، فما الداعي أن تخلع الحذاء على الباب؟ أما الآن فهو مفروش، تخرج من الحمام وحذاؤك أحياناً يقطر، ومرة في بعض مساجد الرياض خرج بعض الناس من الحمام وقد وطئ على العذرة، ثم يمشي -هذا في الجامع الكبير -على السجاد بالعذرة، فهذا لو جاء إنسان سجد ولصقت العذرة بجبينه، يا جماعة هو يصلي ونجسته، طيب يا رجل، قلت: اتق الله، هذا الآن ما أحد منعك، لا أحد قال: لا يجوز، ونصلي في نعالنا نخالف اليهود، لكن لابد من ضبط الواقع الذي يصلى فيه بالنعال، ستدخل الآن المسجد، وتغير المسلمين من أجل توسخ لهم هذا السجاد، وتتعب بعد ذلك الفراش، تفضل يا أخي أنت كنس المسجد، لكن أنت لا تكنس، يعني ما بقي إلا هذا الفراش المسكين هو الذي سيكنس أذاك وبلاك؟ وأنت لا ترضى.

    الآن أسألك: لو دخلت إلى بيتك إلى المجلس بحذائي هل ترضى؟ قال: لا أرضى، طيب لم تسأل إذاً عن هذا الحكم؟ لهذه السفاهة يظن أنه سنة.

    مرة بعض السفهاء في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام قال: الله أكبر الله أكبر ضاعت السنن!....لعله سيتكلم عن سنة موالاة الكفار التي هي من سنن المسلمين البارزة، تهنئة الكفار بأعياد ميلادهم، بجلوسهم على عروشهم هذه كلها ما أحد يتكلم عليها، إيش السنة؟ قال: السنة أن الناس لا يدخلون إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام بالنعال.

    يعلم الله هذا سمعته بأذني، يقول: ضاعت السنن، ما أحد يدخل إلى المسجد بنعليه، يعني ندخل للروضة المشرفة بالنعلين؟ لا إله إلا الله! وضاعت السنن؟ طيب المنكرات التي لا تحصى، بنوك ربوية أمام الحرم المدني، أمام مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، محلات فيديو أمريكي وهندي وبرتغالي وغيره، كل هذا موجود، هذا كله عميت عنه يا أعمى القلب، وجئت تبحث أن الناس لا يدخلون بنعالهم إلى الروضة المشرفة، قال: هذه سنة ضاعت، قال الأمة لا خير فيها، ضيعوا السنن. هذا في أي عصر يعيش يا جماعة؟ والله أعلم.

    هذا القول إخوتي الكرام انتصر له الإمام ابن القيم أيضاً، وقرره في قرابة عشر صفحات في إعلام الموقعين (1/374-382)، قرره من عشرين وجهاً، وقال: إن القرآن يدل لقول الصديق ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وعد أربعة عشر صحابياً قالوا بهذا القول.

    هذا القول كما قلت سأبدأ به، وأذكر عشرة أوجه في تقريره وترجيحه، أنتقل بعد ذلك إلى القول الثاني في توريث الإخوة مع الجد، وفي كيفية توريث الإخوة مع الجد على القول بالتوريث، وذاك الذي قال به المذاهب الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد ، ولم يقل بعدم التوريث مع الجد إلا أبو حنيفة ، وأنا أعجب كما قلت مراراً لمن يتهمون أبا حنيفة بأنه صاحب رأي، وأنت انظر عندما تتعارض الأقوال تراه أتبع للأثر من غيره، فهنا أبو بكر رضي الله عنه والمسألة في زمنه إجماع سكوتي يقول: لا كلام لنا فيه، نعم من اجتهد مأجور ومعذور، لكن لا آخذ بقوله، قول عمر، قول علي ، قول عثمان ، أقوال لهم انتهى، أما قول أبي بكر هذا لا يقدم عليه قول، هذا قول أبي حنيفة .

    المذاهب الثلاثة رضي الله عنهم وأرضاهم قالوا بقوله، وعلى حسب مقولة الإمام الشافعي يقول: إذا اتفقوا فلابد من الأخذ بأقوالهم لمحل الاتفاق، وإذا اختلفوا أجتهد كما اجتهدوا.

    أبو حنيفة يقول: إن اتفقوا فلا بد، وإن اختلفوا فلا يجوز أن نخرج عن أقوالهم، نعم اجتهد في أن تأخذ بقول واحد منهم.

    أما الشافعي مع ورعه وديانته وإيمانه يبيح لنفسه أن يخرج عن أقوال الصحابة في حال اختلافهم، أبو حنيفة يقول: نقل عن الصحابة ثلاثة أقوال ممكن أنا أرجح قولاً وأقف، وأما أن خرج وآتي بقول رابع فلا يمكن أبداً، ومع ذلك يتهم بأنه صاحب رأي، وصاحب قياس، وصاحب فلسفة، وهم أصحاب اتباع!

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    كما قلت إخوتي الكرام! أدلة هذا القول أذكرها فيما يأتي.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.