إسلام ويب

فقه المواريث - المسألة المشتركةللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يتعلق بباب الحجب في المواريث قاعدة يذكرها الأئمة، وهي أن المحجوب حجب حرمان بالشخص لا يحجب غيره حجب حرمان، بل حجب نقصان؛ لكن خرج عن هذه القاعدة مسألة خالف فيها الحنفية. ثم يذكر العلماء المسألة المشتركة، وهي مسألة تتعلق بتشريك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم في الإرث، وقد اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم، ثم اختلف فيها الأئمة الأربعة على قولين، ولكل قول أدلته.

    1.   

    المحجوب حجب حرمان لا يحجب غيره حجب حرمان

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفو بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد إخوتي الكرام: انتهينا من باب الحجب بقسميه: حجب عن طريق الوصف، ولا يكون إلا حجب حرمان، وحجب عن طريق الشخص وله نوعان: حجب حرمان وحجب نقصان، تقدم معنا الكلام على هذا، بقي معنا فائدة هي آخر المبحث أذكرها ثم نتدارس الأبيات التي ذكرها الإمام الرحبي عليه رحمة الله فيما يتعلق بالحجب، ثم ننتقل بعون الله جل وعلا إلى المسألة المشركة.

    أما الفائدة التي ذكرناها آخر باب الحجب فقلت: من حجب بالشخص حجب حرمان لا يحجب غيره حرماناً بل نقصاناً، إذا حجب وارث بوارث حجب حرمان فهذا المحجوب لا يحجب غيره حرماناً، بل يحجبه نقصاناً، فمثلاً: الإخوة لأم إذا حجبوا بالجد يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، فلو مات وترك جداً وأماً وإخوة للأم، فالأم لها السدس لوجود جمع من الإخوة، والإخوة لأم محجوبون حجب حرمان بالشخص، وحجبوا غيرهم حجب نقصان.

    هذه القاعدة إخوتي الكرم مسلمة في الفرائض، وهي أن المحجوب حجب حرمان بالشخص لا يحجب غيره حجب حرمان، إنما يحجبه حجب نقصان، والسبب في ذلك -كما قال أئمتنا الكرام- أن الذي يحجب غيره حجب حرمان سيأخذ ميراثه، وهو كما قلنا محجوب، وأما الذي يحجب غيره حجب نقصان قد يأخذ نصيبه وميراثه وقد لا يأخذه، أما من حجب غيره حجب حرمان فينبغي أن يأخذ نصيب من حجبه، أما أن يحجبه ثم لا يستفيد من حجبه شيئاً هذا لا يوجد في الفرائض؛ لأن الوراثة خلافة، والورثة بعضهم أقرب من بعض، فالأقرب يحجب الأبعد، إذاً يأخذ نصيب الأبعد، والأقوى يحجب الأضعف، فيأخذ نصيب الأضعف بحيث لولا الأقوى ولولا الأقرب لأخذ الأبعد والأضعف هذا الإرث.

    يعني: ابن الابن لولا الابن لورث، فإذاً حجب ابن الابن بالابن فالابن أخذ الميراث، فهذه القاعدة لأن الوراثة خلافة، ينوب بعضهم عن بعض، والورثة يتفاوتون، فالبعيد يحجب بالقريب، والضعيف يحجب بالقوي، فإذا حجب البعيد والضعيف بالقريب والقوي لابد من أن يكون القوي وارثاً، أما إذا كان هو في الأصل محجوباً ثم يأتي يحجب غيره حجب حرمان فهذا لا يوجد في الفرائض؛ لأنه بما أنه حجبه حجب حرمان سيأخذ إرثه، أما في حجب النقصان فقد يرث وقد لا يرث، هذه القاعدة مسلمة في الفرائض، يرد عليها مسألة فقط هي التي شذت عن هذه القاعدة، فانتبهوا لهذه المسألة ولقضاء أئمتنا البررة فيها.

    1.   

    مذاهب العلماء في مسألة الأب وأمه وأم أم الأم

    هذه المسألة هي: لو مات إنسان وترك أباً وأم أب وأم أم أم، إذاً: مات وترك أباً، وجدة التي هي أم أب، وجدة أخرى هي أم أم أم، هذه المسألة عند بعض المذاهب الأربعة ستخرج عن هذه القاعدة فانتبه لها.

    تقدم معنا إخوتي الكرام! أن الجدة القريبة تسقط البعيدة من أي جهة كانت عند الحنفية، أوليس كذلك؟ وعند الإمام أحمد يسقطها أيضاً.. المالكية والشافعية خالفوا، وتقدم معنا خلاف المذاهب الأربعة.

    هذه المسألة خرجت عن هذه القاعدة عند الحنفية، أم الأب محجوبة بالأب عند المذاهب الثلاثة، فالجدة المدلية بأب، والجدة المدلية بالجد تحجب بوجود ابنها وما خالف في هذا إلا الحنفية، وأما حجب الجدة التي هي من قبل الأم وإن كانت بعيدة بالجدة التي من قبل الأب ففيها قولان للعلماء، إنما الآن هنا: أم الأب محجوبة بالأب لأنها تدلي به، وقلنا: من أدلى بوارث يحجب عند وجوده، وقلنا: هذه مطردة إلا في الإخوة لأم مع الأم وفي الجدة من قبل الأب مع الأب والجدة من قبل الجد مع الجد عند الحنابلة فقط، أما عند الجمهور فمحجوبة.

    فإذاً: أم الأب محجوبة بالأب، يأتي الحنفية ويطبقون القاعدة يقولون: وأم أم الأم محجوبة بأم الأب، والمال كله للأب؛ هذا قضاء الحنفية في هذه المسألة، فهي محجوبة حجب حرمان وحجبت غيرها حجب حرمان، هذه المسألة هي التي خرجت عن هذه القاعدة، عند الحنفية.

    إذاً نقول هنا: الأبعد وهي أم الأب محجوبة بالأب، وأم أم الأم محجوبة بأم الأب، فليس لإحدى الجدتين شيء والمال كله للأب.

    أما عند الحنابلة فالإمام أحمد وافق أبا حنيفة في أن القربى من الجدات تسقط البعدى من أي جهة كانت.

    وقلنا: إذا كانت الجدات من جهة واحدة فالقريبة تسقط البعيدة بالاتفاق، وإذا اختلفت الجهات فالقريبة من جهة الأم تسقط البعيدة من جهة الأب بالاتفاق، وإن كانت بالعكس فعند أبي حنيفة والإمام أحمد : القربى تسقط البعدى وإن كانت القربى من جهة الأب والبعدى من جهة الأم، وعند الشافعية والمالكية: البعدى من جهة الأم لا تسقط بالقربى من جهة الأب.

    فالآن عندنا هنا على قضاء الإمام أحمد انظر كيف سيكون، عنده الآن هذه لا تسقط بالأب، بل الجدة المدلية بجدة تسقط، والبعدى تسقط بالقربى، وعليه السدس لأم الأب، والأب له الباقي، وهذه محجوبة، فالمسألة من ستة: واحد للجدة التي هي أم أب، وخمسة من ستة للأب، وأم أم الأم سقطت، فعند الإمام أحمد حجبت لكن هي ليست محجوبة، يعني: ما خرج عن القاعدة المتقدمة من أن المحجوب حجب حرمان بالشخص لا يحجب غيره حجب حرمان إلا على قول أبي حنيفة فقط في المسألة الأولى.

    بقي معنا الشافعية والمالكية لهم قضاء ثالث في هذه المسألة، المالكية -كما تقدم معنا- والشافعية يحجبون أم الأب بالأب، وأم أم الأم لا تسقط عند المالكية والشافعية بالقربى من جهة الأب، فهي وارثة لها السدس والباقي للأب، المسألة من ستة؛ لكن السدس هنا لأم أم الأم والباقي للأب. انظر القضاء كيف اختلف في هذه المسألة:

    فعند أبي حنيفة : لا ترث واحدة من الجدات شيئاً والمال كله للأب.

    وعند الإمام أحمد : التي ترث هي أم الأب، وأم أم الأم سقطت لبعدها.

    وعند المالكية والشافعية: أم الأب سقطت بالأب، لكن بقيت أم أم الأم وارثة، فلها السدس كاملاً؛ لأنه عندهم لا تسقط البعدى من جهة الأم بالقربى من جهة الأب.

    فإذاً على قول الحنفية فقط -وهو القضاء الأول من الأقضية الثلاثة- انخرمت معنا القاعدة وهي: أن المحجوب حجب حرمان بالشخص لا يحجب غيره حجب حرمان إلا في هذه المسألة فقط، ما لها مسألة أخرى في الفرائض، وهي في هذه المسألة على مذهب الحنفية، فهذه أيضاً نضبطها لأنها من النوادر، والنوادر تضبط حتى لا يتعثر بها إنسان، لأنه سيأتيك بعض الناس يورد عليك هذه الجزئية يقول: المحجوب حجب حرمان بالشخص لا يحجب غيره حجب حرمان، طيب كيف تقضي في هذه المسألة؟ كما قلت: قضاء أئمتنا فيها على هذه الشاكلة، فيها ثلاثة أقضية:

    القضاء الأول قول أبي حنيفة : إسقاط الجدات، أم الأب سقطت بالأب، وأم أم الأم سقطت بأم الأب.

    عند الحنابلة انتبه! عند الحنابلة أم أم الأم سقطت بأم الأب، وأم الأب وارثة، لأنها لا تسقط بمن أدلت به كما تقدم معنا، وعليه فالسدس لأم الأب.

    وعند المالكية والشافعية: أم الأب سقطت بالأب؛ لأن من أدلى بوارث حجب به، بقيت معنا أم أم الأم، وهي عندهم لا تسقط بأم الأب، فبقي السدس لأم أم الأم.

    يعني: السدس ستأخذه أم الأب على مذهب الحنابلة، وعلى مذهب الشافعية والمالكية تأخذ السدس أم أم الأم، وعلى مذهب الحنفية لن يأخذ مع الأب جدة من الجدتين، والمال كله للأب.

    1.   

    شرح أبيات الرحبية في الحجب

    قال الناظم رحمه الله تعالى:

    والجد محجوب عن الميراث بالأب في أحواله الثلاث

    الأحوال الثلاث التي للجد أن له السدس فقط إذا كان الفرع الوارث ذكراً، والسدس مع التعصيب إذا كان الفرع الوارث أنثى لأننا ننزله منزلة الأب، والتعصيب المحض بلا فرض إذا لم يكن هناك فرع وارث، هذه الأحوال الثلاثة للجد يحجب عنها ويمنع منها بوجود الأب، فإذا وجد الأب فليس للجد السدس ولا سدس وتعصيب ولا تعصيب.

    الجد لا يخرج عن ثلاثة أحوال في الفرائض: السدس المحض إذا كان معه فرع وارث ذكر، يعني: لو مات وترك ابناً وجداً، فالابن عصبة والجد له السدس كما لو ترك ابناً وأباً، وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11].

    فإن كان هذا الولد أنثى يصبح حالة ثانية: للجد سدس وتعصيب؛ لأنه أولى العصبات، فترك بنتاً وجداً، البنت لها النصف، والجد السدس والتعصيب، فيأخذ النصف بعد ذلك، سدس عن طريق الفرضية والباقي عن طريق التعصيب.

    وإذا لم يترك صاحب فرض كأن ترك مثلاً جدة وجداً، الجدة لها السدس والباقي للجد.

    إذاً: الجد عاصب لأنه أقوى العصبات، والجدة لها السدس.

    ترك زوجة وجداً، الزوجة لها الربع والجد التعصيب ثلاثة أرباع.

    هذه الأحوال الثلاثة للجد يحجب عنها ويمنع منها لوجود الأب.

    والجد محجوب عن الميراث بالأب في أحواله الثلاث

    الأحوال الثلاثة التي هي للأب ثابتة للجد، فإذا وجد الأب منع الجد عنها؛ وقلنا: تقدم معنا سبب المنع وهي القاعدة الأولى: من أدلى بوارث حجب به عند وجوده، وهذا موجود، وهذه قلنا إحدى الدعامتين والقاعدتين في حجب الحرمان، هنا الآن عندنا إدلاء، فمن أدلى بوارث حجب به عند وجوده، فالجد يدلي بالأب فيسقط عند وجود الأب.

    وتسقط الجدات من كل جهة بالأم فافهمه وقس ما أشبهه

    نفس القاعدة.

    قوله: (قس ما أشبهه) يعني: قس بعد ذلك ما يشبه هذا من سقوط أم أم الأم بأم الأم، يعني: تسقط البعدى بالقربى، وهكذا أبو الجد بالجد، فتنزل بعد ذلك هؤلاء الأجداد كما تنزل الأب مع الأجداد، فالقريب يسقط البعيد، والجدة القريبة تسقط البعيد.

    فافمه وقس ما أشبهه

    يعني: هكذا الجدات، فإذا كان عندنا أم أم وأم أم الأم نقول: البعدى سقطت بالقربى.

    وهكذا ابن الابن بالابن فلا تبغ عن الحكم الصحيح معدلا

    نفس القاعدة: من أدلى بوارث حجب به عند وجوده، ابن الابن يسقط بالابن، فلا تبعد عن الحكم الصحيح.

    وتسقط الإخوة بالبنينا

    الآن لا يوجد إدلاء إنما يوجد قرب الجهة، الجهة اختلفت، هنا بنوة وهنا أخوة فتقدم البنوة كما تقدم معنا القاعدة الثانية في الحجب، قلنا: كل من سيحجب إما لأنه أدلى بوارث حجب به عند وجوده، وإما لوجود جهة أقوى منه حجبته.

    وتسقط الإخوة بالبنينا

    وهو خصوص الولد الذكر من ابن وابن ابن مهما نزل.

    وتسقط الإخوة بالبنينا وبالأب الأدنى

    وهو أبوك الحقيقي الذي انفصلت منه وأنت من صلبه، لا بالأب الأبعد الذي هو الجد، ذاك سيأتينا في مبحث خاص كما تقدم معنا، قلنا: أبو حنيفة جعله أباً وأسقط الإخوة كلهم به، والجمهور على خلاف ذلك، وسيأتينا إن شاء الله تفصيل هذا بعد المسألة المشركة حيث سندخل في مبحث الجد والإخوة إن شاء الله.

    إذاً:

    وتسقط الإخوة بالبنينا وبالأب الأدنى

    يعني: الأقرب الذي هو أبوك حقيقة وانفصلت من صلبه.

    وبالأب الأدنى كما روينا

    أي: روي لنا ونقل لنا وثبت عن أئمتنا.

    أو ببني البنينا

    يعني: الإخوة يسقطون بالأب، ويسقطون بالفرع الوارث الذكر مهما ابتعد من ابن وابن ابن.

    أو ببني البني كيف كانوا سيان فيه الجمع والوحدان

    يعني: ببني البنين مهما نزلوا سواء كان واحداً أو أكثر، وتقدم معنا من يسقط الإخوة على اختلاف مراتبهم، قلنا: يسقطون بالأب ويسقطون بالفرع الوارث الذكر مهما نزل.

    ويفضل ابن الأم الإسقاط

    وهو الأخ لأم، يعني: الإخوة مطلقاً يسقطون بالأب، ويسقطون بالفرع الوارث الذكر، ويزيد الأخ لأم أنه يسقط بالجد بالإجماع.

    ويفضل ابن الأم بالإسقاط

    أي: بالحجب.

    بالجد فافهمه على احتياط

    يعني: الأخ لأم يحجب بالجد، وهذا كل إجماع، وأما الأخ الذي هو شقيق أو لأب فهذا محل اختلاف سيأتينا الكلام فيه إن شاء الله.

    انتبه أيضاً لأي شيء يزيد، فالأخ لأم يحجب بالجد وبالبنات، يعني: الفرع الوارث الأنثى يحجبه، وتقدم معنا أنه يحجب بالأصل الوارث من الذكور وبالفرع الوارث مطلقاً ذكراً كان أو أنثى.

    وبالبنات وبنات الابن جمعا ووحدنا فقل لي زدني

    يعني: سواء واحد أو أكثر، تعددوا أو جهة واحدة، من بنات الابن، أو من الأبناء، كل هؤلاء يحجبون الإخوة لأم.

    ثم بنات الابن يسقطن متى حاز البنات الثلثين يا فتى

    إذا استوفى البنات الثلثين سقط بنات الابن، إلا في حالة واحدة:

    إلا إذا عصبهن الذكر من ولد الابن على ما ذكروا

    يعني: إن وجد ابن ابن معهن من أخ أو ابن عم، في درجتهن أو أنزل منهن كما تقدم معنا بالتفصيل.

    إلا إذا عصبهن الذكر من ولد الابن على ما ذكروا

    ومثلهن الأخوات اللاتي يدلين بالقرب من الجهات

    عندنا أخت لأب وأختان شقيقتان أو أخوات شقيقات أخذن الثلثين، فالأخوات لأب مع الأخوات الشقيقات كبنات الابن مع البنات، فإذا استوفى الشقيقات الثلثين سقطت الأخوات لأب إلا في حالة واحدة: إذا وجد معهن أخ لأب، ولا يمكن أن يكون غيره.

    إذاً:

    ومثلهن الأخوات اللاتي يدلين بالقرب من الجهات

    إذا أخذن فرضهن وافيا أسقطن أولاد الأب البواكيا

    وإن يكن أخ لهن حاضرا

    وهو لأخ لأب.

    عصبهن باطنا وظاهرا

    وليس ابن الأخ بالمعصب من مثله أو فوقه في النسب

    تقدمت معنا وقلنا: الأنثى تصبح عصبة بأخيها أو بابن عمها الذي في درجتها أو أنزل منها إذا كانت وارثة، أما إذا لم تكن وارثة فلا يعصبها أخوها، مثل بنت البنت.

    ولا يدخل في هذا أولاً الإخوة، يعني: لو مات وترك ابن أخ شقيق وبنت أخ شقيق: المال كله لابن الأخ الشقيق، وهذا نبهتكم عليه وقلت: كثير من الإخوة يغلطون فيها ويخطئون، فيظن أن ابن الأخ يعصب أخته كما أن الأخ يعصب أخته، وليس كذلك؛ لأن الأخت وارثة وبنت الأخت ليست وارثة، وهنا كذلك فانتبه لهذا! يعني: مات وترك ابن ابن وبنت بنت، فالمال كله لابن الابن، فالبنت ليست وارثة، فهنا الأنثى تصبح عصبة بالذكر الذي هو أخوها أو ابن عمها في درجتها أو أنزل بشرط أن تكون وارثة، ولذلك قال:

    وليس ابن الأخ بالمعصب من مثله

    يعني: بنت الأخ وهي أخته

    أو فوقه في النسب

    ولا يعصب أيضاً عمته وإن كان هو دونها، لا يعصب إلا الأنثى التي هي وارثة. ندخل في المسألة المشتركة إن شاء الله.

    1.   

    المسألة المشتركة

    أسماء المسألة المشتركة

    المسألة المشتركة، ويقال لها: المشتركة والمشرَّكة والمشرِّكة.

    أما بالفتح المشرَّكة: فلأنه حصل التشريك فيها، فهي مشرَّك فيها.

    وأما بالكسر مشرِّكة: فأسند التشريك إلى المسألة لوقوع التشريك فيها، إنما هي في الأصل مشركة، حصل الاشتراك فيها، ويسند التشريك إليها، مشترَكة، مشترِكة، مشرَّكة مشرِّكة.

    ويقال لها: الحمارية، وهي نسبة إلى الحمار؛ لأن بعض الورثة قال لـعمر رضي الله عنهم أجمعين: هب أن أبانا حمار ما زادنا الأب إلا قربى، فقيل لها: الحمارية.

    ويقال لها: الحجرية؛ لأن بعض الورثة قال لـعمر أيضاً: هب أن أبانا حجر ملقى في اليم، ما زادنا الأب إلا قربى.

    ويقال لها اليمية، وهي نسبة إلى اليم، وهو البحر.

    إذاً: مشترَكة مشترِكة مشرَّكة مشرِّكة، حمارية، حجرية، يمية، وإن شئت سمها بحرية!

    اختلاف قضاء عمر بن الخطاب في المشتركة

    هذه أول ما وقعت في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه، ثبت ذلك في مستدرك الحاكم بسند صحيح وفي سنن البيهقي، انظروا الأثر في المستدرك (4/337)، وانظروه في سنن البيهقي الكبرى (6/255)، والأثر مروي في غير ذلك من المصنفات، لكن كما قلت ثابت ثبوت صحة في المستدرك وفي سنن البيهقي .

    وخلاصة القصة: أنه عرض على سيدنا عمر رضي الله عنه هذه المسألة في عامين مختلفين فقضى فيها بقضاءين مختلفين:

    القضاء الأول وهذا في العام الأول: ماتت عن زوج وأم وأخوين لأم وأخت شقيق، فكان القضاء من قبل سيدنا عمر رضي الله عنه في السنة الأولى والعام الأول على حسب القواعد المطردة عندنا في الفرائض: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر).

    الزوج له النصف لعدم الفرع الوارث، والأم السدس لوجود جمع من الإخوة، والإخوة لأم الثلث للتعدد الذي فيهم ولا يوجد من يحجبهم من أصل وارث من الذكور ولا فرع وارث، والأخ الشقيق ليس محجوباً، بل عاصب، وهو هو أولى العصبات، والعصبة قلنا عند الانفراد يأخذ كل المال، وإذا وجد مع أصحاب الفروض يأخذ ما أبقته الفروض، وإذا لم يبق له شيء سقط.

    المسألة من ستة: نصفها ثلاثة، سدسها واحد، ثلثها اثنان، ما بقي شيء للأخ الشقيق، وهذا هو قياس قواعد الفرائض المطردة، وهذا قضاء عمر ، وهذا المذهب هو الذي أخذ به الإمام أبو حنيفة وبعده الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله.

    هذا قضاء في هذه المسألة: أن أصحاب الفروض يأخذون فروضهم والأخ الشقيق عاصب، فإن بقي له شيء أخذه وإلا سقط.

    المسألة بعينها وقعت في العام الذي بعده في عهد سيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين فقضى بهذا القضاء، فراجعه زيد بن ثابت كما في المستدرك وسنن البيهقي .

    قال زيد : يا أمير المؤمنين! هب أن أباهم حمار ما زادهم الأب إلا قرباً، فإذا لم تنفعهم قوة القرابة من جهتين فلا تضرهم، أمهم واحدة، الآن الميت هو الزوجة، نفرض أنها فاطمة، فالأشقاء والإخوة لأم كلهم أمهم واحدة، لو قلنا زيد أخ شقيق، ومحمد أخ لأم، وأحمد أخ لأم، أخ شقيق يعني أنه يقرب فاطمة من أبيها وأمها.

    والإنسان له أم واحدة، إذاً: ومحمد وأحمد من أمه، يعني الأم هي هي، يعني: أم فاطمة هي أم زيد ومحمد وأحمد، لكن زيداً له صلة قوية بفاطمة، فهو أخوها من أمها وأخوها أيضاً من أبيها، وأما هؤلاء فلهم أب آخر، فمن أقرب إلى فاطمة؟ زيد.

    فوقعت المسألة بعينها في العام الذي بعده، (ولعل بعضكم أن يكون أبلغ في حجته من بعض)، ولحن القول هذا مطلوب، (وإن من البيان لسحراً)، فقال زيد بن ثابت ما قال وقال بعض الورثة ما قال: هب أن أبانا حجر ملقى في اليم، هب أنه حمار ما زادنا الأب إلا قرباً، أي: إذا لم ينفع فلا يضر، فأنت إذا لم تورثنا من جهة الأب فأمنا واحدة، كيف تورث إخوتنا الذين يدلون إلى أختنا بأمنا ولا نرث نحن وأمنا واحدة؟

    فتأمل عمر رضي الله عنه هذه المسألة وقال: أصبتم، وغير القضاء، وقال: القرابة التي من جهة الأب تلغى، يرث الآن جميع الإخوة على أنهم إخوة لأم، فنشرك بينهم في الثلث، وهذا على القضاء الثاني هو مذهب الشافعية والمالكية.

    إذاً: هذا الثلث -كما قلنا- اثنان، فيكون للأخ لأم وأخ لأم وأخ شقيق، والرءوس ثلاثة فلا تنقسم، فنصحح المسألة: ثلاثة في ستة ثمانية عشر، وثلاثة في ثلاثة تسعة، للزوج ثلاثة في ثلاثة، وللأم ثلاثة، وللإخوة: ستة، كل واحد له اثنان، انتهت المسألة.

    هذا قضاء عمر الثاني وهو الذي أخذ به الشافعية والمالكية، فالمذاهب الأربعة على قولين على قضاء عمر الأول وقضائه الثاني.

    فقيل لـعمر رضي الله عنه بعد أن قضى في هذه المسألة: إنك قضيت في العام الماضي بغير ذلك، قال: ذاك على ما قضينا به وهذا على ما قضينا به.

    ويشير بذلك إلى قاعدة مقررة أن الاجتهاد لا ينقض باجتهاد، بما أنه لا يوجد نص في القضية، ونحن نجتهد إلى وصول مراد الله في هذه المسألة فلا ينقض اجتهاد باجتهاد، ذاك حق وهذا حق، وكما قلت: كل من الاجتهادين أخذ به المذاهب الأربعة، فـأبو حنيفة والإمام أحمد على قضاء عمر الأول وسأذكر الأدلة عليه إن شاء الله، والشافعي ومالك على القضاء الثاني، وسأذكر الأدلة عليه عندهم وكيف رجحوا هذا القضاء وذاك القضاء بإذن الله.

    وسيأتينا رد الإمام ابن تيمية على مذهب المالكية، قال: هذا الكلام كله مردود ولو أقره عمر ، وكلمة (هب أن أبانا حمارا) لو كان أبوهم حماراً لكانت أمهم أتاناً، وهذا الكلام سيأتينا.

    1.   

    الاختلاف في الاجتهاد والموقف الصحيح منه

    لو كان هناك نص منزل من السماء لارتفع الخلاف السابق، يعني: لو نزل واحد وقال: القضاء الثاني هو المعتمد انتهى وبطل القضاء الأول، لكن الآن لا مانع أن ترجح، يعني أمام القضاء ستأخذ قضاءً، تقول: أنا أميل لهذا، فقضاء عمر الثاني الذي أخذ به الشافعية والمالكية وأخذت به أنت على هدى، لكن انتبه ما قاله سفيان الثوري ، وهذا ينقله عنه الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه، وليت الأمة تعي هذا! يقول رحمة الله ورضوانه عليه: إذا كنت على اجتهاد ورأيت غيرك على اجتهاد آخر ويعمل ما لا يوافق اجتهادك فلا تنهه ولا تتدخل معه على الإطلاق، وهذا الكلام الذي في كتاب الفقيه والمتفقه يعني للخطيب البغدادي ينقله عن سفيان الثوري أمير المؤمنين في زمنه.

    في أمور الخلاف أنا لا أتدخل على الإطلاق، إلا عندما يأتي موضوع التقرير في البحث أذكر الراجح عندي، لكن أقول إنسان يحرك أصبعه أو لا يحرك، يضع يده بعد الرفع من الركوع ويعقد أو لا يعقد، لا أكلم أحداً فيه على الإطلاق وأرى أن الكلام في ذلك سفاهة ومضيعة، لكن لما يأتي بحث نقرر الأمر حسبما تقوم الأدلة، وأبين أقوال هؤلاء وهؤلاء وما تميل إليه نفسي، أما أن أذهب للناس وأقول: لماذا تحركون أصابعكم؟ فلا، ماذا تريد منهم؟ كما أن لك اجتهاداً له اجتهاد، وكما أن لك إماماً فلهم أئمة.

    فإذا كنت على اجتهاد وغيرك يعمل على اجتهاد آخر لا يوافق اجتهادك فلا تنهه، متى يكون النهي؟ إذا وجدت مسألة فيها أمر أو نهي صريح صحيح، تقول: قف عند حدك، لا يجوز هذا.

    يعني الآن لو أن الإنسان بال أو تغوط أو أحدث بصوت وهو خروج الحدث وجاء ليصلي، هذا بالإجماع صلاته باطلة وأنت تنهاه، تقول: كيف تصلي بنا وقد بلت؟

    أما لو خرج منه الدم لا يجوز أن تنهاه، نحن الآن تقول شافعية وخرج منك الدم، عند الشافعية لا ينقض، نحن حنفية وخرج منك الدم، والدم ناقض عند الحنفية ولا نصلي وراءك، إذاً: توضأ، نحن خلاص يا عبد الله! أنت على اجتهاد وهو على اجتهاد.

    والآن لما أتينا للمسألة قلنا متفق عليها هذا لا خلاف فيه ولا نصلي وراءه، ولذلك قال أئمتنا: لو ترك شيئاً مجمعاً عليه لا يصلى وراءه؛ لأنه لاعب وليس بمصل، يعني: لو بال وجاء ليصلي فلا خلاف أن الصلاة باطلة، أما إذا خرج منه دم أو أكل لحم جزور أو لمس زوجته وجاء ليصلي قال: أنا لي اجتهادي ولكم اجتهادكم نقول: جزاك الله خيراً، لا ننكر عليك ولا نتكلم معك، لكن عندما يأتينا في تقرير البحث نقول: هذا دليل وهذا دليل وهذا الذي يظهر لي، وبعد ذلك قد يكون ما ظهر لي هو الخفي عندكم، لكن هذه جهود البشر.

    فقولك الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد وإن أظهر أنه أقوى أقول: لمن سيظهر؟ وما هي علامة الظهور؟ وما هي البينة على أنه ظاهر؟ لا يمكن أن يحكم في هذا بعد ذلك إلا معصوم، والأمة كما قلت إذا وعت هذا استراحت وارتفع منها القيل والقال.

    القصة التي ذكرتها سابقاً: (لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة) والحديث في الصحيحين، بعض الإخوة قلت له: أي الفرقتين مصيبة؟ وسماها، لكن يعلم الله أن الغرابة نسيت، يعني هل التي صلت في الطريق أو التي أخرت لبني قريظة؟ قال: فرقة كذا، قلت: يا عبد الله! نزل على ذلك وحي؟ يعني: من أين علمت أن هذه مصيبة وتلك مخطئة؟ ما دام استنباطاً منك، فهل صار استنباطك أقوى من استنباط الصحابة وأقوى من استنباط أهل العلم؟ لأن الوحي إن كان نزل في هذه القضية فلا كلام لمتكلم، وإذا لم يكن هناك وحي فاحترم نفسك وغيرك، وكما تقدر رأيك قدر رأي الآخرين، ولا تجعل نفسك حكماً على عباد الله، لا تأتي تقول: الحق كذا، هذه سفاهة، وهنا كذلك، انظر الآن إلى هذه المسألة التي ينبغي أن تذكر مراراً، فـعمر يرجع عن القضاء الأول، يأتي أبو حنيفة والإمام أحمد يقولان: القضاء الأول هو المعتمد عندنا. لا إله إلا الله! وهذا القضاء هو الذي قضى به علي كما سيأتينا ولم ينقل عنه خلافه، وأما عثمان نقل عنه قضاءان أيضاً، وابن عباس قضاءان، وابن مسعود قضاءان في هذه المسألة كقضاء عمر ، فهذا يدل على تقارب الأدلة في المسألة، فـعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم؛ أربعة من الصحابة الكرام كل واحد منهم له في هذه المسألة قضاءان: قضاء بالتشريك وقضاء بعدمه، وما ثبت على هذا إلا علي .

    زيد بن ثابت له قضاءان، ونسبة الإمام ابن تيمية إليه أنه ما قضى إلا بقضاء واحد وهو التشريك ليس بصحيح، ففي سنن البيهقي خلاف ذلك، ولذلك الإمام ابن تيمية يقول: كل الصحابة اختلفوا على قولين إلا علي فقال بعدم التشريك وإلا زيد قال بالتشريك، زيد له قضاءان، ما ثبت على قول واحد فيها إلا علي ، قال: لا نشرك، وعندنا ما بقي فلأولى رجل ذكر، هذا قضاء علي الذي ثبت عليه، وحقيقة حين ينظر فيها المرء يتردد ما بين هذا القول وهذا القول، فانتبه لذلك، وسأورد الأدلة إن شاء الله بعون الله.

    1.   

    أركان المسألة المشتركة وأدلتها

    أركان هذه المسألة التي لا يمكن أن تكون إلا بها:

    الركن الأول: أن يوجد زوج، وإذا لم يكن في المسألة زوج فليست مشرَّكة ولا مشرِّكة ولا مشترَكة ولا حمارية ولا يمية.

    الركن الثاني: صاحب سدس أم أو جدة.

    الركن الثالث: أن يستحق أولاد الأم -يعني الإخوة لأم- الثلث، ولا يمكن ذلك إلا إذا كانوا اثنين فأكثر، وعليه لو وجد أخ لأم واحد فليست مشركة، هذا بالإجماع.

    الركن الرابع: أن يوجد عصبة أشقاء، سواء كانوا ذكوراً فقط واحداً أو أكثر، أو ذكوراً وإناثاً، يعني: إخوة وأخوات، أما إذا لم يكونوا عصبة فليست مشركة بالإجماع.

    يعني: لو كان هنا بدل الأخ الشقيق أخت شقيقة فلها الفرض، وهو النصف فليست مشتركة.

    الزوجة هي الميتة قطعاً، فهذه الآن هل نقول بالتشريك بين الأشقاء والإخوة لأم أو نعطيهم التعصيب فيسقطون لأنه لم يبق لهم شيء.

    لابد من حصول هذه الأركان في المسألة لتكون مشتركة، ننظر في القضاءين اللذين قضى بهما الخليفة الراشد المحدَّث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.

    أدلة القول الأول في المسألة المشتركة

    أما قضاؤه الأول وهو عدم تشريك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم فقد قال به أبو حنيفة وأحمد عليهم جميعاً رحمة الله، وقد قضى به أيضاً عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وزيد بن ثابت في إحدى الروايتين عنهم كلهم، نقلت عنهم روايتان قضاءان في ذلك كما هو الحال عن عمر تماماً، وهذا القضاء هو الذي ثبت عن علي ولم يقل بخلافه، وقال به أيضاً أبي بن كعب وأبو موسى الأشعري رضوان الله عليهم أجمعين، وعمدة هذا القول ودليله عدة أمور:

    أولها: الحديث الصحيح الصريح في هذه المسألة وفي نظائرها، وقد تقدم معنا وقلت: إنه في المسند والكتب الستة إلا سنن النسائي وروي في الدارمي وسنن البيهقي والدارقطني وشرح معاني الآثار للإمام الطحاوي وغير ذلك، وهو عمدة الفرائض وهو من جوامع كلم النبي عليه الصلاة والسلام، والإمام ابن رجب الحنبلي ألحقه بالأربعين النووية في جامع العلوم والحكم لأنه ينطبق عليه هذا الوصف أنه من الكلام الجامع الذي قل فيه اللفظ وكثر المعنى: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر).

    الدليل الثاني: آية الكلالة التي هي في صدر سورة النساء والمتعلقة بالإخوة لأم، يقول الله فيها: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [النساء:12].

    قال أصحاب هذا القول: وقد أجمعت الأمة على أن المراد بالإخوة هنا أولاد الأم، أي: الإخوة من الأم، فتشريك الأشقاء معهم خلاف الآية الكريمة، لأن هؤلاء إخوة أشقاء، وهذه خاصة في فرض لأناس معينين وهم من يدلون بمحض الأنوثة وهم الإخوة لأم.

    الدليل الثالث: آية الكلالة التي هي في آخر سورة النساء جعلت للإخوة الذين يدلون بأب، سواء كانوا من بني الأعيان أو من بني العلات، يعني: أشقاء أو إخوة لأب فجعلت للإخوة الذين يدلون بأب من بني الأعيان أو من بني العلات نصيباً معيناً مبيناً لا يجوز تجاوزه، وذلك النصيب هو: أن الذكر منهم يأخذ ضعف الأنثى، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:176].

    انتبه للدلالة من الآية، قالوا: وتسوية الذكور من الأشقاء بالإناث الشقيقات خلاف مدلول الآية.

    هنا الآن أخ شقيق وأخت شقيقة، هل هذا الأخ سيأخذ أكثر من أخته؟ في المسألة مشركة لن يأخذ، قلنا: سنجعلهم كلهم متساوين، والله يقول في كتابه: وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:176]، بأي مبرر تعرضون عن هذه الآية الصريحة الصحيحة القطعية في الثبوت والدلالة؟

    فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:176] وأنت تأتي وتقول: الشقيقة تأخذ مثل الشقيق، لأن في المشركة لو وجد شقيقات وشقيق قلنا: سنجعلهم كلهم إخوة لأم وسنعطي الشقيقة مثل الشقيق، قال: أين يوجد في الفرائض أن الأخت الشقيقة تأخذ مثل الأخ الشقيق؟ هذه مخالفة لهذه الآية.

    كما خالفتم هناك الآية، فأدخلتم مع الإخوة لأم من ليس منهم، جئتم أيضاً لهذه الآية وخالفتموها فجعلتهم الأخت الشقيقة كالأخ وجعلتم الميراث بينهم بالتساوي، هذا غير وارد، وحقيقة الأمر كذلك.

    الدليل الرابع على هذا القول: قالوا: الإجماع على أنه لو كان ولد الأم واحداً والأشقاء مائة فلا تشريك بينهم؛ لأن هذه ليست مشركة.

    نحن قلنا: لابد أن يكون مستحق للثلث من الإخوة لأم، اثنان فأكثر، فلو وجد أخ لأم واحد مع مائة أخ شقيق فليست مسألة مشرَّكة أو مشرِّكة، وهذا إجماع، وهذا أشار إليه علي كما في سنن البيهقي .

    فالإخوة الأشقاء الذين هم مائة سيبقى لهم السدس، والأخ لأم بمفرده له السدس، وهؤلاء المائة سيأخذ كل واحد واحداً من المائة من السدس، يعني سنقسم السدس إلى مائة ونعطيه نصيبه، وذاك الأخ لأم انفرد، فلم هنا ما قلتم نجعل الثلث مشاركة بينهم، ونجعلهم إخوة لأم وينتفع الإخوة الأشقاء؟

    وهذه في الحقيقة تبين رجحان القول الأول.

    زوج وأم وأخ لأم وأشقاء عددهم عشرة، المقصود أن الشقيق سيأخذ أقل من الأخ لأم بنسبة كبيرة وما جعلتموها مشركة، الزوج له النصف وهذا لا خلاف الآن في القضاء فيه، هذا محل إجماع، والأخ لأم له السدس، وأخ شقيق عشرة، لهم الباقي عصبة بلا خلاف عند الحنفية والحنابلة والمالكية والشافعية ولا عند الأمة بأسرها، هذا محل إجماع لأننا ألحقنا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر: الأم أخذت السدس لوجود جمع من الإخوة، والأخ لأم السدس لأنه انفرد ولا يوجد من يحجبه، والإخوة الأشقاء لهم الباقي، المسألة من ستة، نصفها ثلاثة، وسدسها واحد، وسدسها واحد، بقي للإخوة الأشقاء واحد، انظر كيف تفاوت حقهم، ذاك سيأخذ السدس بمفرده، وهؤلاء عشرة سيأخذون السدس، يعني كل واحد سيأخذ عشر السدس، مهما زادوا لا يمكن أن يزيد نصيبهم عن الباقي الذي هو السدس، قالوا: أنتم هنا لم خالفتم؟ لم هنا لم تعتبروهم إخوة لأم ولم تشركوا بينهم من أجل أن ينتفع الإخوة الأشقاء؟ أوليست أمهم واحدة؟ هذا يدل على تناقض قولكم، ما دام الأخ لأم واحداً فانفعوهم هنا، هنا لا يمكن بحال من الأحوال لأنه بقي لأولئك شيء، وتأتي القواعد بعد ذلك تمنعنا؛ لكن هناك حيث لم يبق ألغينا الإخوة الأشقاء وجعلناهم إخوة لأم، أما هنا فلا يمكن.

    قالوا: أنتم في هذه المسألة لم تقولوا بذلك، ولو وجد مع الإخوة الأشقاء أخت شقيقة تجعلون قاعدتكم المطردة: للذكر مثل حظ الأنثيين، فكيف هناك خالفتم هذا الأصل؟ فكما جاز للإخوة لأم أن يزيد نصيبهم على الإخوة الأشقاء يجوز أن يرث الإخوة لأم ولا يرث الإخوة الأشقاء، هذا كله حد منفصل عن الآخر، كما جاز هذا جاز ذاك، وأنتم هذه وافقتم عليها، ولم تخالفوا في تلك.

    وحقيقة في منتهى الوجاهة، هذا علي رضي الله عنه أشار إليه قال: هؤلاء لو كانوا عشرة ماذا ستعطونهم والأخ لأم واحد؟ ستعطون هؤلاء الباقي، لماذا لم تشركوا بينهم؟ ولم تقولوا: كلهم إخوة لأم؟ وهناك قواعد الفرائض كلها تمنعكم وتقف أمامكم وأنتم قلتم بها وهذا محل إجماع، فلم إذاً انحرفتم عن تلك الصورة.

    الدليل الخامس: لو كان بدل الإخوة الأشقاء في المسألة المشرَّكة أخت شقيقة واحدة أو أكثر لفرض لها ولم تشرَّك مع الإخوة لأم، هذا أيضاً محل إجماع، فما الداعي لتشريكها معهم بوجود أخيها؟

    زوج وأم وأخ لأم وأخ لأم، هذه الآن أركان المسألة المشتركة، أوليس كذلك؟ الآن الأخ الشقيق لو وضعناه صارت مسألة مشرَّكة، نحن قلنا: إذا لم يكن هناك عصبة من الأشقاء فليست مشركة، ضع أختاً شقيقة، المسألة ستعول إلى تسعة، وإذا وضعت أختين شقيقتين ستعول إلى عشرة.

    الإخوة لأم ماذا سيكون لهم؟ لهم الثلث، والأخت الشقيقة: النصف، المسألة من ستة: الزوج ثلاثة والأم واحد والأخوان لأم اثنان والأخت الشقيقة لها ثلاثة، فعالت إلى تسعة، ولو جعلت أختاً أخرى معها تعول إلى عشرة؛ لأنه يصبح لهم الثلثان أربعة، أوليس كذلك؟ أربعة وستة: عشرة.

    هذه المسألة هي محل إجماع أيضاً، هنا جعلنا للأخت الشقيقة فرضها وما شركناها مع الإخوة لأم، وانظر كيف ستتغير المسألة تغيراً في منتهى البعد عن هذه الصورة، لو كان مع الأخت الشقيقة أخ شقيق حيث نشرك بينهم.

    الأخت بمفردها ما شركت ومع أخيها شركت، فلماذا؟ هي مع أخيها ستجعلها أختاً لأم، وبدون أخيها تكون أختاً شقيقة، يعني: اثبت على رأي، إما أن تشرك الأشقاء مع الإخوة لأم في كل الأحوال، وإما أن لا تشرك، أما هنا أخت شقيقة تقول: لها نصيبها، فإن جاء أخوها تقول: نشرك، هناك لم سيشركون؟ لأنها ستسقط، أوليس كذلك؟ فبما أنها ستسقط يأتي التشريك، هذا دليل خامس، وأنا أضيف إليه دليلاً سادساً أيضاً ينبغي أيضاً أن نعيه وإن كانت كتب الفرائض لم تشر إليه لأنه معلوم إن شاء الله.

    أقول: لو كانت بدل الأخت الشقيقة في هذه المسألة أختاً لأب لفرض لها كما يفرض للشقيقة، ولو وجد معها أخ لأب فما الحكم؟ ليست مشركة بالإجماع، وستسقط مع أخيها، فكما سقطت الأخت لأب التي فرض لها عند وجود أخيها فلتسقط الأخت الشقيقة التي فرض لها عند وجود أخيها، المسألة هي هي.

    طيب، إذا كانت أخت لأب تفرض لها، فإذا وجد أخوها سقطت، وإذا كانت شقيقة فرضت لها، فإذا وجد أخوها تقول: نشرِّك، ما هو الدليل؟ والآية التي نصت على ميراث الأخت لأب والأخت الشقيقة واحدة، والآية التي جعلت أن الأخت لأب تأخذ نصف أخيها والأخت الشقيقة تأخذ نصف أخيها واحدة، فكيف جئت أنت بالشقيقة فغيرت وبالأخت لأب قلت الأمر هو هو؟ فكما فعلت هذا في الأخت لأب افعله مع الأخت الشقيقة عندما يكون معها أخوها، وأسقطها كما تسقط أخاها لأنهم عصبة وما بقي لهم شيء.

    يعني هذه ستة أدلة كما ترون، قال بها من قال بقضاء عمر رضي الله عنه الأول الذي عدل عنه عمر بنفسه، جاء ..... وقال: هذا القضاء هو أقوى عندنا وأحب إلينا وبه نأخذ، وهو أبو حنيفة أول الفقهاء الأربعة والإمام أحمد آخر الفقهاء الأربعة وبينهما إمامان نتعرض لقولهما إن شاء الله.

    أدلة القول الثاني في المسألة المشتركة

    إخوتي الكرام! هذا القول يدل عليه كما قال علماء الشريعة قاطبة -حتى أصحاب القول الثاني- قالوا: يدل عليه القياس، ولا يريدون بالقياس إلحاق فرع بأصل وهو القياس المقرر في كتب الفقه والأصول، إنما يريدون بالقياس موافقة قواعد الفرائض ونصوص الفرائض، لأن نصوص الفرائض تدل على هدف واحد: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر) وآية الكلالة الأولى، وآية الكلالة الثانية، هذه كلها قياس، يعني موافقة أدلة المواريث، يعني: ظاهر أدلة المواريث تدل على هذا.

    طيب، القول الثاني قالوا حتى من قال به قال: إنه استحسان، وهذا الإمام الشافعي يقول: هذا استحسان، والاستحسان في الأصل من جملة الذين أخذوا به ونوهوا به أكثر من غيره هم الحنفية عليهم جميعاً رحمة الله، والإمام الشافعي يقول: من استحسن فقد شرع، ويريد بالاستحسان استحسان الرأي والهوى، والإمام ابن قدامة عليه رحمة الله عندما أراد أن يرد على الشافعي في المغني قال: كيف الشافعي يقول: من استحسن فقد شرع ثم استحسن هنا؟

    في الحقيقة لا يعترض على الإمام الشافعي في كلامه؛ لأن الاستحسان الذي ذمه هو الاستحسان المبني على الهوى، لا على البحث عن العلل الشرعية لإثبات حكم في القضية.

    فانتبه للاستحسان الذي ليس هو عن طريق الهوى، الاستحسان قال عنه أئمتنا: قياس خفيت علته بالنسبة لقياس ظاهر متبادر.

    ومثل له الحنفية بالسؤر من سباع الطير، فاستمع للاستحسان عندهم والقياس الظاهر.

    قالوا: القياس الظاهر ينبغي أن سؤر سباع الطير إذا شرب من الماء أن ينجسه كما هو الحال في سباع البهائم؛ لأن السؤر يتبع اللحم، ثم قالوا: سباع الطير سؤرها طاهر، لم؟ قال: استحساناً.

    ما معنى استحسان؟ قال: عندنا هنا علة خفية نبحث عنها، العلة الظاهرية الجلية أن السؤر نجس تبعاً اللحم، وما هي العلة الخفية؟

    قالوا: عندنا آدمي سؤره طاهر بالإجماع، وعندنا سباع البهائم سؤرها نجس فلنبحث سؤر سباع الطير هل نلحقه بالآدمي أو بسباع البهائم؟ قالوا: هو أولى إلحاقه بسؤر الآدمي من تلك، لأن لعابه لا يكون في منقاره، واللعاب نجس، فحاله إذاً أشبه ببني آدم الذي لعابه طاهر، بخلاف تلك فلعابها نجس تبعاً للحمها، وأما هذه تشرب بمنقارها فلا يكون فيه لعاب فيلحقها بالآدمي.

    خفيت العلة في هذا القياس، هذا نسميه استحساناً، هو الظاهر أن تقول إنه نجس، لكن تأتي للعلة الخفية فتقول: هو أشبه بالآدمي.

    وهنا كما قلت القياس الجلي الذي هو موافقة قواعد الفرائض يدل على القول الأول، لكن لو نظرنا بعد ذلك في العلل الخفية وفي المقصود في الإرث، ممكن أن نصل إلى القول الثاني عن طريق الاستحسان وهو قياس خفيت علته، وذاك قياس كما قلنا جلي، النصوص الظاهرة تدل عليه.

    الحنفية يمثلون عليها أيضاً بالبيع بالتعاطي، وهو البيع دون إيجاب أو قبول، كأن تبيع كتباً أو خبزاً أو سلعة آخذ هذه السلعة وأعطيك مائة ريال، فإذا قبلتها وأدخلتها في جيبك صح البيع بلا إيجاب ولا قبول؛ استحساناً.

    ما هو الاستحسان؟ قال: حصل مقصود الإيجاب والقبول وهو الرضا فلا يشترط أن أقول: بعني، وذاك يقول: بعتك، لا يشترط، لأنه حصل المقصود، فجاز ذلك استحساناً، يقولون: القول الثاني دليله الاستحسان فانتبه لتوجيه دليل الاستحسان كما قرره الأئمة الكرام ضمن ثلاث مراحل وثلاثة أدلة:

    الدليل الأول عندهم في تقرير الاستحسان: يقولون: لو كان ولد الأم بعضهم ابن عم لشارك الإخوة لأم بقرابة الأم فورث معهم من هذه الجهة وإن سقطت عصوبته التي هي جهة ابن عم، قالوا: فالأخ الشقيق أولى من ابن العم، انتبه الآن، لا نريد الآن مسألة مشرَّكة هذه، مسألة في الفرائض مطلقة.

    ماتت عن أخوين لأم، أحدهما ابن عم، فهذا أخ لأم وهو ابن عم، والمسألة واضحة، يعني: لو أن أمك تزوجها عمك، فلك من أمك أخ من غير عمك ولك من أمك أخ من عمك، فصار لك أخوان من أم أحدهما ابن عم، واضح.

    هنا الأخ لأم الذي هو ابن عم يرث من جهتين، فإذا بطلت جهة الإرث بالتعصيب لا تبطل جهة الإرث بالفرض، فانتبه ماذا يقولون الآن في هذه المسألة، سنجعل هذا كأنه ابن عم منفرد، فماذا نقول؟ الثلث بينهما، فالمسألة من ثلاثة: واحد، واحد، بقي واحد لابن العم الذي هو أخ لأم فله اثنان من ثلاثة.

    انتبه! سنجعل نصف المسألة سنجعلها هي هي، لكن سندخل وارثاً يحجب ابن العم عن التعصيب.

    إذاً: ماتت عن أخ لأم وأخ لأم هو ابن عم، وعن عم، فابن العم ليس له التعصيب لوجود عاصب أقرب منه، فإذا حجب عن التعصيب فهل سقط فرضه أو بقي؟ يرث على أنه أخ لأم.

    قالوا: ابن العم الذي هو أخ لأم يرث من جهة التعصيب ومن جهة الفرض، فإذا بطلت إحدى الجهتين وهي التعصيب فلا يسقط فرضه، قالوا: فالأخ الشقيق أولى، الأخ الشقيق هو أخ لأم، وهو قريب من جهة الأب، فإذا أبطلت الإرث من جهة الأب عن طريق التعصيب فلا يسقط من جهة الأم، قالوا: هذا استحسان، وهو قياس خفي.

    حقيقة قياس رائع ولذا قضى به عمر رضي الله عنه، لكن القضاء الأول قياس جلي، التزام بقواعد الفرائض الظاهرة، هنا جاء يبحث عن علة خفية، قال: الأخ لأم الذي هو ابن عم يرث بجهتين: إذا بطل إرثه عن جهة التعصيب لا يبطل إرثه عن جهة الفرضية، وهكذا الأخ الشقيق من باب أولى، قرابة الأخ الشقيق أولى من قرابة ابن العم الذي هو أخ لأم، فهو أخ لأم في نفس الوقت، وهو أخ من جهة الأب، فإذا بطل الإرث من جهة الأب فلا يبطل من جهة الأم، هذا كما قلت استحسان، وهو البحث عن علة خفية في سبب التوريث، وهذا الذي قاله زيد رضي الله عنه والورثة: هب أن أباهم حمار، هب أنه حجر، ما زادهم إلا قرباً، يعني: افرضه كحال ابن عم إذا كان أخاً لأم، إذا لم يرث بالتعصيب فلا ينبغي أن يسقط فرضه.

    هذا مع اعتباره ووجاهته يمكن أن يجاب عنه فيقال: بالنسبة لابن العم هناك القرابة يمكن تفريقها، فهو ابن عم منفصل وهو أخ لأم منفصل، وأما هنا فقرابة واحدة، لا يمكن تفريقها، يعني هو أخ شقيق، والأخ الشقيق لا يكون إلا إذا أدلى بقرابتين، والأخت الشقيقة لا تكون إلا إذا أدلت بقرابتين، أما هناك فابن عم، يمكن يكون ابن عم وليس أخاً لأم، ويمكن أن يكون أخاً لأم وليس ابن عم، فهناك الأصل عنده قرابتان مختلفتان كل واحدة قائمة بنفسها، وأما هنا فقرابة واحدة لها حكم فتختلف عن تلك، هذا جواب أهل القول الأول.

    والإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (31/34) أجاب عن هذا كما قلت بعبارة فيها شيء من الشدة، والشدة على أئمتنا في الحقيقة غير محمودة، وتبعه تلميذه ابن القيم ، وما ذكره في إعلام الموقعين (1/55) صورة طبق الأصل لما في مجموع الفتاوى، فهل نقل هذا من كلام شيخه أو أن الذين طبعوا مجموع الفتاوى أخذوا هذا من إعلام الموقعين ووضعوه في مجموع الفتاوى؟ العلم عند رب العالمين، لكن ما في الكتابين -كما قلت- صورة طبق الأصل، قال: هناك قرابة يمكن تفريقها وهنا لا يمكن، واشتدوا بعد ذلك في الكلام في رد هذا القول، ولكن كما قلت هي علة معتبرة إذا لم تظهر لبعض الأئمة فلا داعي أن يغلظ القول على أئمتنا، فهذا قول معتبر وهذا قول معتبر.

    الدليل الثاني عندهم يقولون: هذه الصورة وهي المسألة المشرَّكة، الصورة التي فيها فريضة جمعت ولد الأبوين، كما جمعت أولاد الأم، وهم كلهم من أهل الميراث، فإذا ورث الإخوة لأم فيجب أن يرث الإخوة الأشقاء، قالوا: كما لو لم يكن في المسألة زوج.

    إذاً: اجتمع في هذه المسألة إخوة أشقاء وإخوة لأم وكلهم وارثون، فإذا ورث الإخوة لأم ينبغي أن يرث الإخوة الأشقاء من باب أولى، لم؟

    قالوا: كما لو لم يكن هناك زوج، لو لم يكن في المسألة زوج لورث الإخوة الأشقاء قطعاً وجزماً، فوجود الزوج لا ينبغي أن يكون سبباً في منع الإخوة الأشقاء عن الميراث، احذف الآن الزوج وضع من شئت من الورثة سيرث الأشقاء إذا ورث الإخوة لأم، إلا إذا سقطوا جميعاً بأب فهذا موضوع آخر، لكن إذا لم يكن هناك زوج فمتى ورث الأخ لأم سيرث الأخ الشقيق، فإذا كان كذلك قال: وهنا كذلك، فبما أنه لو وجد زوج لا ينبغي أن يضر الإخوة الأشقاء؛ لأنه لا قوة للزوج ليطرد الإخوة الأشقاء؟ وعليه إذا لم يبق للأشقاء شيء يشركهم مع الإخوة لأم لأنهم يدلون بأم واحدة.

    فريضة جمعت إخوة أشقاء وإخوة لأم، فإذا ورث الإخوة لأم ينبغي أن يرث الإخوة الأشقاء كما لو لم يكن هناك زوج، فإذا وجد الزوج وما بقي للأشقاء شيء بسبب وجوده وأخذه لنصف التركة، فنجعل الأشقاء كأنهم إخوة لأم، وكما قلت: هو استحسان وعلة خفية.

    الدليل الثالث قالوا: الإرث موضوع لتقديم الأقوى على الأضعف، وأدنى أحوال الأقوى في الميراث مشاركته للأضعف، أما سقوط الأقوى بالأضعف فلا وجود لذلك في الميراث.

    إذاً: قواعد الإرث جعلت الأقوى يرث والأضعف لا يرث، وأدنى أحوال الأقوى مع الأضعف أن يشارك، أما أن يسقط الأقوى بالأضعف ويرث الأضعف ولا يرث الأقوى فهذا لا وجود له في الإرث، وهنا كذلك الإخوة الأشقاء يدلون بقرابتين، والإخوة لأم يدلون بأم، وهؤلاء يشاركونهم في هذه الأم؛ فكيف يعقل أن يسقط الأشقاء ويرث الإخوة لأم؟

    ولذلك قال بعض الفقهاء في هذا القول وأن هذا من باب الاستحسان، قال: هذه وساطة مليحة وعبارة صحيحة. يعني: هذا هو مقصود الإرث، وفريضة جمعت إخوة لأبوين وإخوة لأم، فإذا كان سيرث الإخوة لأم سيرث الإخوة الأشقاء قطعاً وجزماً لو لم يكن هناك زوج، فإذا وجد الزوج.. فإذا لم يبق للأشقاء شيء لا أقل من التشريك كما تقدم معنا الأمر الأول الذي هو ثالث الآن: أن هؤلاء حالهم كحال ابن العم الذي هو أخ لأم، فإذا بطل إرثه عن جهة التعصيب فلا يبطل من جهة الفرض، فهذه وساطة مليحة وعبارة صحيحة.

    وهذا القول الثاني رده بشدة الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزي كما ذكرت في المكان المتقدم، وقال قول من قال يقصد به زيداً وبعض الورثة: هب أن أبانا حمار أو حجر ملقى في اليم قال: هذا قول فاسد حساً وشرعاً، أما حساً فلو كان أبوهم حماراً لكانت أمهم أتاناً، وهذا باطل، وليسوا من بني آدم فلا إرث لهم، حتى بعد ذلك تكون مشرَّكة.

    ثم قال.. هم لا يقصدون هذا قطعاً، قال: وإذا كانوا يقصدون أن وجود الأب كعدمه.. فهذا باطل، فلا يمكن أن نجعل الموجود معدوماً، يعني هو موجود فكيف نجعله معدوماً ونتناساه؟ هذا باطل حساً لهذين الأمرين.

    وأما شرعاً فهو باطل أيضاً؛ لأن الله جل وعلا حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم كما في سورة النساء في صدرها وفي آخرها كما تقدم معنا، فتشريك ولد الأبوين -وهم الإخوة الأشقاء- مع الإخوة لأم يعتبر ظلماً وأخذاً للحق من صاحبه.

    يقول: أنت لو كنت ستعطيهم دون أن تأخذ من حق الغير لكان أمراً لا بأس به، لكن هذا نصيب هؤلاء وأنت جئت اعتديت عليهم، فهذا ظلم.

    وأنا أقول: هذا على حسب تعليلك، لكن إذا قضى به الخليفة الراشد رضي الله عنه وأرضاه فلا كلام لمتكلم!

    ثم ذكر الإمام ابن تيمية كلاماً الحقيقة لا يقر عليه وهو مردود باطل قطعاً وجزماً، قال: وأما الحديث الثابت المروي في زيد رضي الله عنه وأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أفرضكم زيد) يقول الإمام ابن تيمية : هذا حديث ضعيف لا أصل له، ولم يكن زيد معروفاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرائض.

    وهذا الكلام كما قلت باطل، وتقدم معنا أن الحديث رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربع إلا سنن أبي داود ، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وصححه وأقره عليه الذهبي كما تقدم معنا سابقاً، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ، ورواه أبو داود الطيالسي ، ورواه يعقوب الفسوي في كتاب المعرفة والتاريخ ، ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ، وانظروه في المستدرك (2/422)، وفي سنن البيهقي (6/210)، وكما قلت: هو في السنن الثلاث، وتقدم معنا لفظ الحديث، تقدم معنا وفيه في أوله: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ) وهو في صحيح ابن حبان (ص548)، والحديث صحيح تتابع أئمتنا على تصحيحه.

    ولفظ الحديث عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ، وأشدهم في أمر الله عمر ، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي ، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وما أضلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على رجل أصدق لهجة من أبي ذر ، أشبه عيسى في ورعه -على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه- ألا وإن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)، فهو يقول عن هذا الحديث يقول: هذا حديث ضعيف لا أصل له.

    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.