إسلام ويب

فقه المواريث - الحجب [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأبواب المهمة في باب الفرائض: باب الحجب، فإنه لا يجوز لأحد أن يفتي في الفرائض ما لم يضبط باب الحجب، ولا يتمكن الطالب من فهم المواريث والترتيب بين الورثة في استحقاق المواريث إلا بإتقانه. وهذا الباب قد بينه العلماء ورتبوه، وقسموه إلى حجب بالوصف وحجب بالشخص، وبينوا أحكام كل قسم من هذين القسمين، ولمزيد التوضيح قسموا الحجب بالشخص إلى حجب حرمان وحجب نقصان، ولكل قسم منهما أنواع وأحكام.

    1.   

    شرح أبيات الرحبية في العصبات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد إخوتي الكرام! غالب ظني أننا انتهينا من بحث العصبات، وسنشرع إن شاء الله في هذه الموعظة في باب الحجب، نسأل الله أن يحجبنا عن سخطه، وأن لا يحجب رحمته عنا بفضله ورحمته.

    إخوتي الكرام! قبل أن ندخل في باب الحجب في تعريفه وفي بيان الورثة نحوه كما هي عادتنا في مدارسة أبيات الإمام الرحبي في الموضوعات التي نتدارسها، لكن أبيات الإمام الرحبي عليه رحمة الله التي نظمها في منظومته ما تدارسناها فيما يتعلق بالعصبات، لأننا في الموعظة الماضية انتهينا مع انتهاء الوقت وما بقي وقت لقراءتها، أقرؤها الآن من أجل حفظها، لأنها لابد من أن تحفظ لتضبط، وهكذا نبين المراد منها على وجه الإيجاز إن شاء الله.

    تعريف الناظم للعصبة بالنفس

    قال رحمه الله تعالى:

    وحق أن نشرع في التعصيب بكل قول موجز مصيب

    سيذكر ويعرف العصبات ويبين أحكامها بكلام وجيز قليل وفيه فائدة كثيرة، وهذا من جوامع الكلم إذا قل اللفظ وكثر المعنى.

    فكل من أحرز كل المال من القرابات أو الموالي

    أو كان ما يفضل بعد الفرض له فهو أخو العصوبة المفضلة

    أخو العصوبة: صاحب العصوبة، وهو الذي إذا انفرد يأخذ كل المال، وإذا وجد مع صاحب فرض يأخذ ما بقي بعد إعطاء صاحب الفرض أو أصحاب الفروض فروضهم، يقول: الذي يأخذ كل المال سواء كان من القرابات وهي العصبة النسبية كما تقدم، أو الموالي وهي العصبة السببية.

    وقلت هذا تعريفه للعصبة بالنفس، ثم قلت: عرف هنا العصبة ببيان حكمها دون تعريفها، وقلنا: إن هذا يؤدي إلى الدور.

    فعلى كل حال! تعريفه قاصر على العصبة بالنفس: أنه من إذا انفرد أخذ كل المال، وإذا وجد مع أصحاب الفروض أخذ ما أبقته الفروض، ثم جاء ليبين أقسام العصبة النسبية فقال:

    كالأب والجد وجد الجد والابن عند قربه والبعد

    والأخ وابن الأخ والأعمام والسيد المعتق ذي الإنعام

    وهكذا بنوهم جميعاً فكن لما أذكره سميعا

    وتقدم معنا أن العصبة بالنفس هم ثلاثة عشر صنفاً، الذكور الوارثون كلهم باستثناء صنفين: الزوج والأخ لأم، فنعدهم وهم: الأب واحد، والجد واحد، وجد الجد مهما علا تابع للجد، والابن شامل للصنفين، الابن وابن الابن مهما نزل، فصاروا أربعة.

    والأخ: ويدخل فيه صنفان: الشقيق والأخ لأب، وابن الأخ أيضاً صنفان: شقيق ولأب، والأعمام أيضاً صنفان: شقيق ولأب، صاروا عشرة.

    والسيد المعتق صاروا أحد عشر.

    أبناء الأعمام، وهكذا بنوهم جميعاً: شقيق أو لأب، صاروا ثلاثة عشر، عدهم في هذه الأبيات فقال:

    وهكذا بنوهم جميعاً فكل لما أذكره سميعا

    حكم العصبة بالنفس

    ثم جاء ليبين حكم العصبة بنفسه، وماذا يكون حاله في الإرث فقال:

    وما لذي البعدى مع القريب في الإرث من حظ ولا نصيب

    تقدم معنا حكم العصبة بالنفس، تقدم معنا وقلنا:

    فبالجهة التقديم ثم بقربه وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا

    فما لذي البعدى:

    يعني: ليس للأب تعصيب مع الابن، وليس للأخ تعصيب مع الأب، وليس للعم تعصيب مع الأخ، فقوله:

    فما لذي البعدى مع القريب في الإرث من حظ ولا نصيب

    يعني: إذا اجتمع عصبات بالنفس يقدم قرب الجهة كما تقدم معنا، وجهاته هي أربع أو خمس أو ست، نبدأ بالجهة الأولى، وأولها: البنوة إذا وجد الابن فكل العصبات بعد ذلك سقطوا من جهة التعصيب، من يرث منهم عن طريق الفرض يرث كالأب والجد، ومن لا يرث فقد سقط.

    والأخ والعم لأم وأب أولى من المدلي بشطر النسب

    كأنه يريد أن يقول: قرب الجهة يقدم على الجهة التالية، وإذا كانت الجهة واحدة فنقدم بقرب الدرجة.

    وهو لم يذكر هنا الدرجة؛ لأن قرب الجهة شامل للدرجة وللجهة، وذكر الآن القوة، فإذا كان عندنا الجهة واحدة والدرجة واحدة لكن عندنا من يدلي بقرابتين ومن يدلي بقرابة واحدة، فإننا نقدم صاحب الجهتين، كما قال:

    والأخ والعم لأم وأب

    يعني: وهو الشقيق.

    أولى من المدلي بشطر النسب

    قوله: (وما لذي البعدى مع القريب) أي: إذا كان الوارثان من جهة واحدة نعطي الأقرب والذي بعده نتركه، مثل الابن وابن ابن، وهكذا قرب الجهة، فجهة البنوة تقدم على جهة الأبوة، وجهة الأبوة تقدم على جهة الأخوة.

    فقوله:

    وما لذي البعدى مع القريب في الإرث من حث ولا نصيب

    دخل معنا في الجهة أمران وحكمان: أولاً: الجهة، ثم بعد ذلك الدرجة، ونحن قلنا أولاً: قرب الجهة، ثم قرب الدرجة، ثم القوة، فهو أدخل حكمين من أحكام العصبة بالنفس في البيت الأول، وهو قوله:

    وما لذي البعدى مع القريب في الإرث من حظ ولا نصيب

    فهذا شامل لنوعين تقدما معنا، شامل لقرب الجهة مع جهة أخرى، فجهة البنوة تقدم على الأبوة، والأبوة تقدم على الأخوة.. وهكذا، وشامل أيضاً لقرب الدرجة في الجهة الواحدة، فهي جهة بنوة لكن هذا ابن وهذا ابن ابن، هذا أب وهذا جد، هذا أخ وهذا ابن أخ، هذا عم وهذا ابن عم، الجهة واحدة لكن أيضاً الدرجة متباعدة، فيريد أن يقدم أيضاً في الجهة الواحدة قرب الدرجة، والأمر واضح.

    وبعد ذلك إذا كانت الجهة واحدة والدرجة واحدة والقوة واحدة فالمعروف أنهم يقتسمون المال بالتساوي كله أو ما بقي منه.

    وما لذي البعدى مع القريب في الإرث من حظ ولا نصيب

    والأخ والعم لأم وأب أولى من المدلي بشطر النسب

    حكم العصبة بالغير والعصبة مع الغير

    هذا كله فيما يتعلق عصبة بنفسه، ثم جاء لبيان العصبة بغيره، فقال:

    والابن والأخ مع الإناث يعصبانهن في الميراث

    تقدم معنا أن هذا منحصر في أربع نسوة: البنات، بنات الابن، أخوات شقيقات، أخوات لأب، يعصبن بإخوتهن أو بابن عمهن الذي في درجتهن أو أنزل في حق بنات الابن فقط، بالشروط التي تقدمت معنا.

    ثم جاء لبيان العصبة الثالثة النسبية، ألا وهي العصبة مع الغير فقال:

    والأخوات إن تكن بنات

    يعني: أن يكون في الورثة بنات ووجد أخوات معهن.

    والأخوات إن تكن بنات فهن معهن معصبات

    وقلنا قاعدة: الأخوات مع البنات عصبات، ويراد بالأخوات هنا بالاتفاق: الشقيقات أو اللاتي لأب، أما الأخوات لأم، فقلنا: إن قرابتهن بمحض الأنوثة فلا يعصبن بالغير ولا مع الغير على الإطلاق.

    وقوله: (معصبات) بفتح الصاد صيغة اسم المفعول؛ لأنها صارت عصبة، ليس معصِّبة، هي لم تعصب البنت.

    ثم قال:

    وليس في النساء طراً عصبة إلا التي منت بعتق الرقبة

    1.   

    باب الحجب

    تعريف الحجب في اللغة

    الحجب في اللغة معناه: المنع والحرمان، حجبه إذا منعه من الدخول، والحجاب هو اسم لما يستر به الشيء ويمنع من النظر إليه، يقال له حجاب، وقد استعمل هذا المعنى في كتاب الله جل وعلا، فقال جل وعلا في حق الكفار الأشرار: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15] أي: ممنوعون من رؤيته سبحانه وتعالى، محرومون من هذا النعيم العظيم.

    وقال جل وعلا مخبراً عما حصل للصديقة مريم عليها وعلى سائر الصديقين والصديقات رضوان رب الأرض والسموات: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا [مريم:16-17] وقلنا: هو الساتر الذي يستر الشيء ويمنع من النظر إلى ذلك الشيء.

    وقال الله جل وعلا آمراً أمهاتنا أزواج نبينا على نبينا وعليهن صلوات الله وسلامه وذلك أمر أيضاً لكل مؤمنة إلى يوم القيامة وكيف نتخاطب مع النساء فقال: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53] فينبغي إذاً أن لا تقابل المرأة الرجل في حال المخاطبة، وأن يكون هناك حجاب يمنع من نظر الرجل إليها، وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53].

    وهكذا أخبر الله جل وعلا أنه لا يكلم بشراً إلا من وراء حجاب: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى:51].

    والحجاب هنا الساتر الذي يمنع من نظر المكلم مع المتكلم، ولذلك لما كلم الله نبيه موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه من وراء حجاب: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، وفي الآخرة هذه خصوصية للمؤمنين يقويهم رب العالمين على النظر إلى نور وجهه الكريم سبحانه وتعالى، كما هو أيضاً خصوصية في نبينا عليه الصلاة والسلام في ما حصل له ليلة الإسراء والمعراج من رؤية لربنا جل وعلا بدون حجاب على قول من أقوال أربعة لأهل السنة الكرام أظهرها هذا أنه حصلت له الرؤية، والثانية: الرؤية التي حصلت رؤية قلبية، والثالث: النفي، والرابع: الوقف، والأقوال كلها منقولة عن أهل السنة، والقائل بأي منها على هدى والأمر فيه سعة.

    وأخبر الله جل وعلا في أول سورة حم فصلت أن الكفار يدعون أن بينهم وبين النبي المختار عليه الصلاة والسلام، وبينهم وبين الهدى حجاب يمنعهم من التفقه والوعي والانتفاع: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ [فصلت:5]، أي: حاجب ساتر يمنع من الفهم عنك، فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:5].

    وهذا مستعمل أيضاً في كلام نبينا عليه الصلاة والسلام، أن الحجاب بمعنى المانع الساتر، والحجب بمعنى المنع والحرمان.

    وكنت ذكرت الحديث في بعض المحاضرات السابقة وهو في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي وصحيح ابن حبان ، وقال عنه الإمام الترمذي : حسن صحيح، وهو حديث أمنا أم سلمة رضي الله عنها عندما كانت مع أمنا ميمونة رضوان الله عليهن أجمعين ودخل عبد الله بن أم مكتوم ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (احتجبا منه) وهذا فيه معنى المنع والحرمان، يعني: لا تنظرا إليه، أي: امتنعا من النظر إليه ومن التكشف أمامه، فقالتا: (أوليس هو أعمى لا يبصرنا؟ قال: أفعمياوان أنتما؟).

    فقوله: (احتجبا منه) بمعنى المنع والحرمان.

    درجة حديث (احتجبا منه) وتضعيف كلام من يضعفه

    تقدم معنا أن الحديث صحيح، والترمذي يقول عنه: حسن صحيح، والإمام النووي يقول: إسناده حسن، والحافظ ابن حجر في الفتح يقول: بإسناد قوي، فتضعيف بعض الناس في هذه الأيام له شذوذ وانحراف عن الهدى، وقد قال بعض الناس عن سنن الترمذي : إنه وقف على ألف حديث في سنن الترمذي كلها ضعيفة، وقد حسنها الإمام الترمذي وصححها، يقول: هذا عدا الأحاديث الضعيفة الأخرى التي صححها الترمذي وهي ضعيفة لكن يقول: وجدت لها شواهد فخرجت عن الضعف، أما هذه ألف فليس لها شواهد. لا إله إلا الله!

    يقول هذا إخوتي الكرام! بكلام مطبوع ينتشر، وأنا حقيقة أقول لكم: انتظروا عما قريب ثورة لا يعلم مداها إلا الله في الخروج على السنة باسم السنة. وإذا فتح الآن موضوع الكلام على كتب السنن وعدم اعتبار كلام أئمتنا ستسمعون من يطعن في الصحيحين، وقد وقع سابقاً طعن من قبل بعض أهل الأهواء في خصوص الصحيحين ورد، لكن الآن الرد يؤصل باسم السنة، فإذا كان ألف حديث في سنن الترمذي ضعيفة فهذا يعني أن خمس الكتاب صححه الترمذي وهو ضعيف، يقول: هذه الألف ليس لها شاهد ولا متابع ولا يمكن أن تتقوى بحال، عدا عن أحاديث أخرى ضعيفة صححها الترمذي ووجدت لها شواهد. والآن ما بين الحين والحين ثورة على كل حديث.

    حديث كنت ذكرته سابقاً: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) في السنن الأربع وفي المستدرك وصحيح ابن حبان ، وهذا يحفظه كما يقال صغار النشء في الأربعين النووية، فهذه أول ما يبدءون بحفظه، فكتبت الآن رسالة تزيد على مائة وثلاثين صفحة في تضعيف هذا الحديث، وأن سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ هذه باطلة ولا تصح، ولا تثبت أبداً من ناحية الإسناد ومن ناحية المعنى، قال: نحن أمرنا بأن نرد الأمر إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام لا إلى الخلفاء الراشدين المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي .

    وكذلك حديث وهو حسن أيضاً: (اقتدوا باللذين من بعدي) يقول: هذا ضعيف باطل مردود، وتراه ينمق لك الكلام، ويأتي من هنا ومن هنا في مائة وثلاثين صفحة.

    ووالله الذي لا إله إلا هو لو قرأها عامي لشتم المحدثين وكفر بكتب السنة كلها بسبب هذا الكلام الذي يأتي في هذا الأمر، وأئمتنا ينقلونه ويصححونه ويتداولونه وهو يأتي في القرن الخامس عشر يقول: هذا الحديث مردود.

    وكان شخص في الإمارات له رتبة وشأن يقول: هذا الحديث سبب وضعه النزاعات السياسية، وهذا يقول: ليس كذلك، لكن يقول: هذا فقط مردود. لكن انظروا إلى الاختلاف كما يقال في طرق رد هذا الحديث، ذاك يقول أصل الحديث: (فعليكم بسنتي وعترتي) يقول: أهل السنة تلاعبوا بالحديث فقالوا: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، ووجه التلاعب وسببه يقول: هذه غيرت في عهد بني أمية؛ لأن بني أمية كانوا يعادون آل البيت، فالمحدثون وأهل الحديث أرادوا أن يتزلفوا إليهم، فرفعوا (عترتي) ووضعوا مكانها: (وسنة الخلفاء الراشدين).

    ويقول -وهو له رتبة في الأوقاف كبيرة-: وهذه أخذها أهل السنة، وهذه بلية وقعوا فيها على تعبيره، وهي في الأصل: عليكم بسنتي وعترتي. فهناك هجوم على السنة لا نهاية له!

    تأييد كلام ابن الصلاح في إغلاق باب الحكم على الأحاديث

    حقيقة أول ما بدأنا في قراءة المصطلح في مقدمة علوم الحديث لـابن الصلاح والشيخ يقرر علينا رأيه أن الإمام ابن الصلاح يرى أنه ليس لمتأخر أن يصحح ولا يحسن ولا يضعف، يقول: هذا الباب أغلق وما علينا إلا أن نأخذ كلام المتقدمين، هذا رأي ابن الصلاح ، أئمتنا خالفوه كالإمام النووي ومن بعده عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه، كل من جاء وذكر كلام ابن الصلاح خالفه، ووالله لو علم النووي والذهبي وابن حجر ما آلت إليه الأمة في هذه الأيام لقالوا: باب التصحيح والتضعيف والتحسين مغلق، والذي سيدخل فيه ضال؛ لأن أولئك قالوا: نصحح ونحسن على حسب القواعد العلمية، لكن ما ظنوا أن الأمة ستبتلى كما هو الحال في عصرنا بأناس يأتون لكتب السنة وكل واحد يتوهم علة وكلاماً يجعله سبباً للطعن في الحديث.

    يا إخوتي! حتى رجال الصحيحين لا يوجد راو إلا حوله شيء من الكلام من بعض الناس إلا النادر، فإذا ما أردت أن تأخذ هذا فلن يسلم معك راو من الرواة.

    فالإمام ابن الصلاح يقول: هذا باب مغلق، يقول: ليس التصحيح والتضعيف أن تقف على هذا الرجل، بل يوجد بعد ذلك أحوال وخفايا لا يطلع عليها إلا من عاصر الرواة واطلع عليهم وسبر أحوالهم، يقول: وهذا يستحيل في حق المتأخرين, وعليه يغلق الباب مباشرة، فما صحح وحسن وضعف انتهى ولا يجوز الخروج عنه، وكما قلت: وإن رد كلامه من قبل أئمتنا الكرام لكن يبقى له اعتبار عندما نريد أن نوسع الباب كما هو الحال في هذه الأيام، فكل طالب يبحث ويرد، ثم بعد ذلك يأتيك ذاك الذي صحح وضعف وقال: ألف حديث في سنن الترمذي ضعيفة، وبعدما ضعف فيها ما ضعف رد عليه برسائل متعددة صحيحة، فبعضها رجع عنها وقال: أنا كنت واهماً وكنت مخطئاً، وبعضها يقول: لا، أنا على رأيي.

    ثم بعد ذلك آخر المطاف بعض الناس قال: لم تعترضون على التصحيح والتضعيف؟ وهذا يقول حتى في رسالته في رد حديث: (عليكم بسنتي)، التصحيح والتضعيف اجتهادي، ولا لوم فيما فيه اجتهاد، يقول: أنت تصحح وأنا أضعف وخلاص، وكل واحد له اجتهاده، فنقول: يا من لا تخافون الله، فلم تردون كلام أئمتنا؟ أنتم تقولون: اجتهادي، طيب إذا كان التصحيح والتضعيف اجتهادياً وليس قطعياً فأنا أريد أن أعلم هل اجتهاد الترمذي يقدم أو اجتهاد من يعيش في هذا العصر؟ أنا أريد أن أعلم فقط ما دام أنتم تقرون هذه الحقيقة.

    قال: التصحيح والتضعيف اجتهادي، فنقول: طيب! اجتهادي، فالإمام ابن حجر يقول عن هذا الحديث: بإسناد قوي، والترمذي يقول: حسن صحيح، والإمام النووي في موضعين في صحيح مسلم يقول: هذا إسناده حسن، (أفعمياوان أنتما؟ احتجبا منه)، تتابع أئمتنا على تصحيح هذا الحديث أبو بكر بن العربي وغيره وغيرهم عليهم جميعاً رحمة الله، لم تردونه؟

    انظر للعلة قال: فيه نبهان مولى أم سلمة روى عنه الزهري ولم يرو عنه غيره. طيب. هذا أولاً تابعي ومولى أم سلمة وروى عنه سيد المسلمين في زمنه وهو الإمام الزهري ، فيقول ابن حجر : من يروي عنه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة رضي الله عنهم أجمعين ما في إلا هذه العلة فقط، هذا أعلى من أن يقال عنه: إنه مجهول، على أن الجهالة إن كانت في التابعين يتسامح فيها وليست كالجهالة فيمن بعدهم، وهو يضرب، ما نقل عنه، ويقول: يراد من الجهالة هنا: أنه ما روى عنه إلا راو وهو الزهري ، يقول: هذا لا زال مجهولاً.

    ينقل عنه الزهري وينعته بذلك ثم أئمتنا يرون أن هذه الجهالة لا تؤثر في نبهان مولى أم سلمة للاعتبارات التي ذكرتها، وهذا كله يضرب ويرد ويبقى بعد ذلك ضعيفاً، ثم في نهاية الأمر عندما تلجئهم في المناقشة إلى الإقرار يقول: لم تعترض علينا؟ المسألة اجتهادية، والتصحيح والتضعيف اجتهادي.

    يعني نفتح الباب لكل من هب ودب في هذا الوقت ليرد ويصحح ويضعف ما يريد؟ والله هذا أمر عجيب إخوتي الكرام! يعني: باسم السنة هذا يقول في كتبه: ألف حديث في سنن الترمذي صححها الترمذي وحسنها وهي ضعيفة ولا شاهد لها، يقول أما ما صححه وحسنه وهو ضعيف وله شواهد فأكثر، لكن ذاك لا أريد أن أعده.

    هذا كلام إخوتي الكرام! والله لو أردنا أن نعتمده سيصبح حملة على السنة لا يعلم خطورتها إلا الله جل وعلا.

    فهذا الحديث إخوتي الكرام: (احتجبا منه) كما قلت فيه معنى المنع والحرمان، أن تمتنع المرأة من مقابلة الرجل، وأن تحرم عليها وعليه النظر إليها وتمكينه من النظر إليها.

    واستعمل هذا في كلام العرب على أن الحجاب فيه معنى المنع والحرمان، يقول الشاعر:

    له حاجب عن كل أمر يشينه وليس له عن طالب العرف والندى حاجب

    تعريف الحجب في الفرائض

    إذاً: معنى الحجب في اللغة: المنع والحرمان.

    وأما معنى الحجب في الفرائض فهو: منع من قام به سبب الإرث من الإرث كلاً أو بعضاً، وهذا تعريف شيخنا عليه رحمة الله في الفوائد البهية شرح متن الرحبية.

    قام به سبب الإرث: يعني هو أهل لأن يرث، فيه أسباب الإرث الثلاثة التي تقدمت معنا، فالحجب منعه من الإرث مع وجود أسباب الإرث فيه، أي: منع الوارث من الإرث.

    ما هو المنع؟ على قسمين: كلاً أو بعضاً، إما أن يمنعه بالكلية فلا يرث شيئاً كمنع ابن الابن بالابن فلا يرث شيئاً، وإما أن يمنعه من أوفر حظيه كمنع الأب من التعصيب لوجود الابن الذي حوله من تعصيب إلى فرض والتعصيب أنفع له.

    إذاً: منع من قام به سبب الإرث من الإرث كلاً أو بعضاً، يعني: إما أن يمنعه بالكلية فلا يرث شيئاً، وإما أن يمنعه عن أوفر وأحظ وأكثر نصيبيه كما سيأتي، أي: له نصيبان منعه عن الأكثر وجعله يأخذ الأقل منهما.

    ويمكن أن تقول: منع من قام به سبب الإرث من الإرث بالكلية أو من أوفر حظيه، فالتعبيران مآلهما إلى شيء واحد.

    1.   

    أهمية الحجب في الفرائض

    أهمية الحجب في الفرائض: هو مهم جداً، يقول صاحب كتاب العذب الفائض في شرح عمدة الفرائض وهو الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم الفرضي ، وهو من علماء القرن الثاني عشر للهجرة، وفرغ من تأليف كتابه سنة (1185هـ)، وهذا أوسع ما كتب في كتب الفرائض.

    يقول في هذا الكتاب في أول مبحث الحجب (1/93) قال العلماء: حرام على من لم يعرف الحجب أن يفتي في الفرائض، فهو -أي: الحجب في الفرائض- كنواقض الإسلام في الإسلام، وكنواقض الوضوء في الوضوء، وكمبطلات الصلاة في الصلاة. إذا لم يعرف ما يبطل الصلاة وما ينقض الوضوء كيف سيعلم أن وضوءه صحيح أو باطل؟ وهكذا ما ينقض الإسلام ويخالف الإيمان، وهنا كذلك، فإذا علمت أن الأخ الشقيق عصبة وقيل لك مثلاً: مات وترك أماً وابن ابن وأخاً شقيقاً ما تقول: الأم الآن لها الثلث والأخ الشقيق عصبة وابن الابن ضيعته، المال الآن لابن الابن ليس للأخ الشقيق، يعني: هذا لابد من وعيه، وهذا عصبة وهذا عصبة لكن لابد من هذا الترتيب وأن تعيه.

    وهكذا إذا علمت أن الأخ لأم إذا انفرد له السدس، وله أحوال لا يرث فيها السدس فينبغي أن تعلم أنه لا يرث شيئاً، يحجب كما تقدم معنا مراراً بالأصل الوارث من الذكور وبالفرع الوارث مطلقاً ذكراً أو أنثى، مثلاً: مات وترك بنت ابن وترك أخاً لأم، المال كله لبنت الابن فرضاً ورداً، وليس للأخ من الأم شيء، فلا تقول: له السدس بنص القرآن، فهذا لابد من ضبطه، لذلك يحرم على من لم يعرف مسائل الحجب أن يفتي في الفرائض ولو عرف مبحث أصحاب الفروض وأصحاب العصبات وكم يستحق هؤلاء وهؤلاء؛ لكن ما عرف بعد ذلك أحوال إرثهم ومتى يرثون، ومتى لا يرثون، ومتى يمنعون من الإرث ويحجبون، فلا يجوز أن يتكلم.

    حرام على من لم يعرف مسائل الحجب أن يفتي في الفرائض.

    لو مات وترك: بنتاً وأختاً شقيقة وأخاً لأب، فهو قد يأتي على حسب الأصول الظاهرة يقول: البنت لها النصف والأخ لأب له الباقي، مع أن المسألة غلط، البنت لها النصف والأخت الشقيقة عصبة والأخ لأب سقط، مع أنه الآن عاصب بالنفس وتلك عصبة مع الغير لكن تنزل منزلة الشقيق كما تقدم معنا، فهذا لابد من وعيه، لا يأتي يقول: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر). هنا البنت صاحبة فرض والأخت لا يفرض لها مع البنت، إذاً ننتقل إلى الأخ لأب، غلط! الأخ لأب ليس له شيء على الإطلاق.

    هذا كما قلت إخوتي الكرام لابد من ضبطه، مهم في الفرائض من أجل أن تعرف متى يرث، ومن تقدم من الورثة فرضاً وتعصيباً، ومتى لا يرث، هو وارث وأهلية الإرث ثابتة فيه لكن منع من الإرث لسبب موجود في المسألة: إما منع بالكلية وإما منع من أوفر حظيه ونصيبيه.

    1.   

    أقسام الحجب

    الحجب بالوصف

    ينقسم الحجب إلى قسمين: إلى حجب بالوصف وإلى حجب بالشخص.

    أما القسم الأول وهو حجب الوصف فهو حجب عن الميراث بالكلية لوصف يقوم بالوارث يمنعه من الإرث، وذلك الوصف هو ما يعبر عنه بمانع الإرث كما تقدم معنا في موانع الإرث المتفق عليها والمختلف فيها.

    ويمنع الشخص من الميراث واحدة من علل ثلاث

    رق وقتل واختلاف دين فافهم فليس الشك كاليقين

    وعليه: لو مات وترك ابناً كافراً وأخاً مسلماً، فالمال للأخ والابن الآن حجب، هذا حجب بالوصف، لأنه وجد فيه مانع من الإرث.

    مات وترك ابنين أحدهما قاتل، والأب مات عن هذا القاتل الذي هو ابنه وعن ابن آخر، فالمال كله للابن الثاني الذي لم يتصف بمانع من موانع الإرث، مع أن هذا فيه سبب الإرث، ألا وهو أنه ابن؛ لكن وجد فيه ما يمنعه من الإرث، هذا حجب بالوصف.

    الحجب بالوصف لا يكون إلا حجب حرمان، فمتى ما قلت محجوب بالوصف فهو محجوب بالكلية، لا عن أوفر حظيه، أو عن أكثر نصيبيه، فلا يوجد حجب نقصان فيه، هو حجب حرمان، هذه الخصيصة الأولى لحجب الوصف.

    والخصيصة الثانية: أنه يدخل على جميع الورثة بلا استثناء، لا يوجد وارث إلا ويتصور وجود حجب الوصف فيه، وأن يقوم ذلك به، كل وارث إذا كفر بالله ووجد فيه مانع الإرث، إذا قتل -نسأل الله العافية- وجد فيه مانع الإرث، لو قدر أنه رقيق وجد فيه مانع الإرث.

    إذاً: يدخل على جميع الورثة، هذه الخصيصة الثانية.

    خصيصة ثالثة: وجود الوارث المحجوب بالوصف كعدمه، فلا يحجب غيره حرماناً ولا نقصاناً.

    انتبه الآن! مات عن ابن قاتل أو كافر -نسأل الله العافية- وعن أم وعن أخ شقيق، فالابن محجوب عن طريق الوصف لا عن طريق الشخص، الأم مع وجود ابن لا يحجبها لا حرماناً ولا نقصاناً، لأن وجوده وعدمه سواء، يعني: تلغيه من الورثة وتسقطه ولا يؤثر على غيره، بينما المحجوب بالشخص يحجب غيره، أما هنا -محجوب بالوصف- فلا يؤثر على غيره أبداً، فالأم لها الثلث والأخ عاصب، المسألة من ثلاثة، الأم لها واحد والأخ اثنان. والابن سقط وما ضر غيره، قلنا: وجوده وعدمه سواء، يعني: فقط تحجبه من الورثة ولا تجعل له نصيباً، فانتبه لهذا!

    إذاً: لا يكون الحجب بالوصف إلا حجب حرمان.

    الخصيصة الثانية: يدخل على جميع الورثة، وكل وارث يتصور أن يحجب بالوصف.

    الخصيصة الثالثة: وجوده وعدمه سواء، فلا يحجب غيره ولا يضر غيره، هو فقط يفصل من الورثة وانتهينا منه كأنه غير موجود.

    وهذا الأمر الثالث خالف فيه عبد الله بن مسعود ، وهو خلاف ما عليه الصحابة والمذاهب الأربعة وأهل الإسلام قاطبة بعد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

    خالف عبد الله بن مسعود في حجب الزوجين والأم حجب نقصان بالولد والإخوة الكفار أو القاتلين أو الأرقاء، يعني الذين وجد فيهم موانع الإرث، أم وزوجان هؤلاء ثلاثة هم يحجبون حجب نقصان إذا وجد ما يحجبهم وإن كان محجوباً بالوصف، من الذي يحجبهم؟ ابن كافر أو قاتل أو رقيق، إخوة اثنان فأكثر في حق الأم يحجبونها من الثلث إلى السدس، يقول: وإن كانوا محجوبين بالوصف يحجبون غيرهم حجب نقصان لا حجب حرمان.

    هذا في حق الأم وفي حق الزوجين، ففي حق الزوجين فرع وارث كافر أو قاتل أو رقيق يقول: يحجب، فإذا مات وترك ابناً رقيقاً وزوجة، الزوجة لها الثمن وليس لها الربع مع أن الابن محجوب، ولو ترك ابناً قاتلاً فلها أيضاً الثمن وليس لها الربع، ولو ماتت وتركت ابناً كافراً: فلزوجها الربع وليس النصف مع أنه محجوب بالوصف، يقول: هؤلاء الثلاثة يحجبون الأم والزوجين حجب نقصان لا حجب حرمان.

    وتبعه على ذلك داود الظاهري في الثلاثة يعني في حال الولد والإخوة إذا كانوا أرقاء أو كافرين أو قاتلين، وخلاف داود لا يعول عليه كما تقدم معنا.

    ووافقه الحسن البصري والحسن بن صالح بن حي والطبري في القاتل خاصة، فقال: القاتل يحجب الأم من الثلث إلى السدس، ويحجب أحد الزوجين عن أوفر حظيه من النصف إلى الربع ومن الربع إلى الثمن بالنسبة للزوجة.

    إذاً: تبعه داود في الثلاثة، قلنا: الحسن وابن صالح والطبري في القاتل خاصة، أما لو مات وترك ابناً كافراً وزوجة وأماً: الزوجة لها الربع، والأم لها الثلث ولها الباقي بعد ذلك فرضاً ورداً، فما حجبها ولا حجب الزوجة، هذا لو كان كافراً، عند الحسن البصري والحسن بن صالح بن حي والإمام الطبري ، فوافقوا عبد الله بن مسعود في القاتل خاصة، قالوا: يحجب مع أنه محجوب بالوصف، وأما إذا كان رقيقاً أو كافراً فلا يحجب غيره حجب نقصان، وأما عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ووافقه داود الظاهري فقال: يحجبون غيرهم حجب نقصان لا حجب حرمان.

    وكما قلت هي أقوال قيلت وانتهت ولا يوجد من يقول بها بعد ذلك، والمعتمد أن المحجوب بالوصف وجوده وعدمه سواء فكأنه غير موجود ولم يخلق، فقط تعزله من الورثة ثم توزع التركة كما لو لم يكن موجوداً، أم وأخ شقيق، ودعنا من ذاك، الأم لها الثلث والأخ الشقيق عصبة وانتهينا، وذاك وجوده وعدمه سواء.

    هذا النوع الأول من أنواع الحجب وهو سهل ومباحثه مختصرة موجزة، هذه الخصائص الثلاث اضبطها وانتهى، ولا يوجد له كلام أكثر من هذا:

    المحجوب بالوصف قلنا: هو أن يتصف الوارث بسبب يمنعه من الإرث، وتقدمت معنا موانع الإرث، وهذه الموانع تدخل على جميع الورثة، ولا يكون الحجب بها إلا حجب حرمان، ووجود الموصوف بها وعدمه سواء.

    الحجب بالشخص

    النوع الثاني هذا الذي حوله كلام ولابد من ضبطه ووعيه فانتبه له: حجب بالشخص، وهو حجب وارث بوارث، أما هناك فحجب وارث بصفة قامت به، أما هنا فحجب وارث بوارث، وهذا هو المراد عند الإطلاق في الحجب، عندما يقال: الجد محجوب مثلاً بالابن فلا يراد بالحجب بالوصف لأن المحجوب بالوصف وجوده وعدمه سواء، فعندما يقال: الجد محجوب بالابن يعني محجوباً عن التعصيب، والأب محجوب بالابن يعني عن التعصيب، ليس هذا لأن فيه صفة من الصفات التي تمنعه من الإرث، لا، فهذا وارث والأب وارث؛ لكن كما قلت حجب وارث بوارث، إما حجب حرمان كالأخ محجوب بالابن حجب حرمان، أو حجب نقصان كالأب محجوب بالابن حجب نقصان.

    الحجب بالشخص نوعان:

    النوع الأول: حجب حرمان وهو حجب الوارث عن الميراث بالكلية بسبب وارث.

    إذاً: حجب وارث عن الميراث بالكلية بسبب وارث ومع وجود أهلية الإرث، كالابن يحجب الأخ الشقيق، الأخ الشقيق وارث لكن وجد من هو أولى وأحق منه، فحجب الأخ الشقيق بالابن وانتهى الأمر.

    إذاً: حجب الوارث عن الميراث بالكلية بوارث مع قيام الأهلية في الوارث المحجوب، ولولا هذا الوارث لورث هذا الوارث المحجوب، لكن لوجود الابن لم يرث الأخ الشقيق، هذا يقال له حجب حرمان، والورثة فيه صنفان:

    الصنف الأول: لا يحجبون أبداً، أي: لا يدخل عليهم حجب الحرمان بالشخص، ولا يتصور أن يحجبوا في الفرائض، وهم ستة: الأبوان: أب وأم، والولدان: ابن وبنت، والزوجان، هؤلاء الستة لا يحجبون حجب حرمان، هذا متى ما وجد سيرث، قد تحجبه حجب نقصان هذا موضوع آخر، أما أنه يحجب فلا يرث أبداً فهذا لا يمكن، إلا إذا اتصف بحجب الحرمان بالوصف، أما حجب الحرمان بالشخص فلا يدخل على هؤلاء الستة مطلقاً: أبوان ولدان زوجان.

    ويمكن أن تضع تعريفاً ضابطاً لهؤلاء الستة فتقول: كل وارث أدلى إلى الميت بنفسه فلا يحجب حجب حرمان بالشخص إلا واحد فقط، وهو المعتق.

    المعتق يدلي إلى الميت بنفسه لكن عصبته سببية فتقدم عليها العصبة النسبية، فلو مات وترك معتقاً وابناً، الابن له كل المال والمعتق ليس له شيء، مع أن الابن يدلي بنفسه، والمعتق يدلي بنفسه.

    هذا الصنف الأول من أصناف الورثة، بقي معنا الصنف الثاني وعددهم تسعة عشر، نحن عندنا الورثة خمسة وعشرون، أخرج منهم ستة، بقي معنا تسعة عشر وارثاً، يحجبون ويحجبون ولهم تفاصيل تأتي، فيرثون تارة ولا يرثون تارة، يعني: من عدا هؤلاء الستة يتصور أن يدخل عليهم حجب الحرمان بالشخص، فقد يكون محجوباً وقد يكون حاجباً، وهذا سيأتينا تفصيله، إنما يمكن أن يحجب، وهم من عدا هؤلاء الستة، أما هؤلاء الستة لا يحجبهم غيرهم، وقد يحجبون غيرهم، وقد لا يحجبون كالزوجين، سيأتينا في الأقسام بعد ذلك صنفاً لا يحجبون ولا يحجبون، يريد فرضه وانتهى الأمر، لا يحجب أحداً ولا يحجبه أحد، لكن كما قلت: من عدا الأصناف الستة وهم تسعة عشر وارثاً يتصور دخول حجب الحرمان بالشخص عليهم كما ستسمعون التفصيل.

    القاعدة الأولى في ضبط حجب الحرمان بالشخص

    قبل أن نفصل الكلام على الورثة ومتى يحجب هذا حجب حرمان بالشخص ومتى لا يحجب ومن يحجبه، قبل هذا عندنا قاعدتان لابد من أن نعض عليهما بالنواجذ في حجب الحرمان بالشخص، القاعدة الأولى مذكورة في كتاب العذب الفائض شرح عمدة الفرائض (1/96).

    وسنطبق هاتين القاعدتين على كل وارث، عندما يأتينا الحجب، إما أنه سيحجب بالقاعدة الأولى أو بالقاعدة الثانية، فإذا حجبته حجب حرمان بشخص لابد لك من مستند إما القاعدة الأولى أو الثانية، ما عدا هذا لا يمكن أن يحجب.

    القاعدة الأولى: كل من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، سواء كانا -يعني المدلي والمدلى به- عصبة، مثل ابن وابن ابن، ابن الابن أدلى بالابن فيحجب به. أب وجد، الجد أدلى بالأب فيحجب به.

    أو كانا صاحب فرض مع عصبة مثل بنت الابن مع الابن.

    الآن المدلي صاحب فرض، والمدلى به عصبة، بنت بنت ابن هذه صاحبة فرض وذاك عصبة لكن هي صاحبة فرض مدلى بعصبة فتحجب وإن لم تكن عصبة مثله، المقصود أنها أدلت بواسطة سواء وافقها ذلك الواسطة في نصيب الإرث فهو عصبة والواسطة عصبة، أو كان المدلي صاحب فرض والواسطة عصبة كبنت الابن مع الابن، فتحجب ولا ترث شيئاً.

    والحالة الثالثة: أو كانا -المدلي والمدلى به- صاحبي فرض، مثل: أم الأم مع الأم تحجب بها. يعني: هذه التفاصيل الثلاثة كلها للكلمة الأولى التي ذكرناها: من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة.

    أنت أدليت بوارث، إذا وجد ذلك الوارث يحجبك وأنت لا ترث معه؛ لكن هذا الإدلاء له أحوال، أحياناً تكون أنت صاحب عصبة والواسطة صاحب عصبة مثل ابن الابن مع الابن، وأحياناً أنت تكون صاحب فرض وهو عصبة مثل بنت الابن مع الابن، وأحياناً تكون أنت والواسطة كلاكما صاحب فرض مثل أم الأم مع الأم، من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة عن الإرث حجب حرمان بالشخص.

    ويستثنى من ذلك صنفان:

    الصنف الأول: الإخوة لأم لا تحجبهم الأم بالإجماع وهم أدلوا بها، ما أدلوا إلا بالأم، فيرثون مع وجودها، وهذا تقدم معنا عند الأحكام الخمسة التي يخالف بها الإخوة لأم سائر الورثة، فمن جملتها كما قلنا: أنهم يرثون مع من أدلوا به، ومن جملتها أنهم يحجبون من أدلوا به حجب نقصان لا حرمان ، يعني هم أدلوا بالأم ورثوا مع وجودها، بل حجبوها وأنزلوها من الثلث إلى السدس.

    إذاً: من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، استثنى من ذلك صنفان:

    الأول: الإخوة لأم بالإجماع.

    والثاني: أم الأب وأم الجد، وهي الجدة من قبل الأب مهما علا، أي الجدة التي هي من قبل الذكر، لا من قبل الأم، لو وجدت أم معهما -أي: مع أم الأب أم الجد- لحُجب الجدات من أي جهة كن بالإجماع سواء من قبل الأم أو من قبل الأب أو من قبل الجد، يعني: أم الأم، وأم الأب، وأم الجد؛ كلهن يسقطن بالأم كما تقدم معنا وسيأتينا في الحجب إن شاء الله.

    وتسقط الجدات من كل جهة بالأم فافهمه وقف ما أشبهه

    تقدم معنا عند ميراث الجدات الإشارة إلى ذلك.

    إذاً: الأمومة تسقطهن، لكن لو لم يوجد أم ووجد الواسطة الذي أدلي به، يعني مات وترك أم أبيه وأباه فقط فهل نعطي السدس لأم الأب التي هي جدة، وللأب الباقي أو لا نعطيها شيئاً؟

    قلنا: عند الجمهور وهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي ومالك ، تحجب الجدة المدلية بالأب والجد عند وجود ابنها، فإذا وجد الأب حجب أمه، وعليه: إذا مات وترك أم أب وأباً فالمال كله للأب.

    مات وترك أم جد وجدة فالمال كله للجد، هذا عند الجمهور.

    وعند الإمام أحمد فقط يقول: لا يحجب الجدات إلا الأم فقط، لماذا؟ قال: لأنها هي ترث الآن عن طريق الأم، فهذا صار لها استثناء، فإن وجد من يرث ذلك الفرض -وهي الأم- حجبت الجدات، وإلا فللجدة الميراث الذي تأخذه الأم، فلها السدس الذي فرض للجدات نيابة عن الأم، فهذه مستثناة؛ لكن اعرف هذا التفصيل فيها: أولاد الأم لا يحجبون بالأم بالإجماع، والجدة من قبل الأب ومن قبل الجد هل تحجبان بوجود ولديهما الأب والجد؟ نعم عند الجمهور، ولا تحجبان عند الإمام أحمد ، فالصورتان مستثنيتان.

    بقيت القاعدة المطردة: من أدلى بواسطة حجب عند وجود تلك الواسطة إلا في صورتين: الإخوة لأم لا يحجبون بالأم إجماعاً، والجدة من قبل الأب ومن قبل الجد هل يحجبان بالأب والجد أم لا؟ قلنا: عند الجمهور يحجبان وعند الإمام أحمد لا يحجبان.

    تبقى القاعدة بعد ذلك مطردة طبقها في باب الحجب: من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، وعليه:

    مات وترك أخاً شقيقاً وابن أخ شقيق تقول: المال للأخ الشقيق بلا تردد، لأن ابن الأخ الشقيق يدلي بواسطة والواسطة موجودة.

    مات وترك أباً وأخاً شقيقاً، أو أخاً لأب ماذا تقول؟

    المال للأب؛ لأن الأخ الشقيق يدلي بواسطة الأب فوجدت الواسطة.

    مات وترك ابناً وأخاً شقيقاً فهل تطبق هذه القاعدة؟ لا تطبق هذه القاعدة؛ لأن الأخ ما أدلى بالابن، ونحن قلنا قاعدتان عندنا في الحجب: لابد من تعليل حجب من تحجبه من الورثة حجب حرمان بالشخص إما بالقاعدة الأولى أو بالقاعدة الثانية، فالأخ حجبته بالأب تعليلاً بهذه القاعدة فأنت مصيب: من أدلى بواسطة حجب بها، الجد حجبته بالأب فأنت مصيب؛ أما الأخ الشقيق إذا حجبته بالابن فأنت مصيب لكن لا ينبغي أن تعلل هذا بأنه أدلى بابن، هذا له قاعدة ثانية ستأتي، ولذلك قلت: قاعدتان في باب الحجب انتبه لهما.

    وكثير من كتب الفرائض -حتى كتاب شيخنا عليه رحمة الله- ما تعرضت لهاتين القاعدتين مع أنه في الحقيقة يضبط الإنسان بهما أحوال حجب الورثة، لأنك إما أن تقول: وجدت واسطة فحجبته، وإما القاعدة الثانية حجبته، وهما متفق عليهما.

    من أدلى بواسطة حجب بها عند وجودها، ويستثنى من ذلك صنفان: الإخوة لأم إجماعاً، والجدة التي أدلت بأب أو جد عند وجود الأب أو الجد على التفصيل المتقدم، فعند الإمام أحمد حكم الجدة هنا كحكم أولاد الأم مع الأم، فلا يسقط الأب أمه التي هي جدة للميت.

    القاعدة الثانية في حجب الحرمان بالشخص

    القاعدة الثانية وتختص بالعصبات غالباً، وتكون أيضاً في أصحاب الفروض، وتكون أيضاً في أصحاب الفروض مع العصبات لكن بقلة، لكن كل وارث سيأتينا سنطبق عليه إما القاعدة الأولى أو الثانية عندما نحجبه حجب حرمان بالشخص، فأولاد الأم أصحاب فرض، إذا حجبوا بالبنت فقد حجبوا بصاحبة فرض.

    فإذاً: هنا أصحاب الفروض مع العصبات، فانتبه للقاعدة التي سنذكرها، فإنها تختص بالعصبات غالباً، وقد تكون مع أصحاب الفروض، وقد تكون مع أصحاب الفروض والعصبات لكن بقلة، فأولاد الأم عندما يحجبون بالبنت ويحجبون بالجد ما حجبوا بواسطة أدلوا بها، بل حجبوا بالقاعدة الثانية، لكن ما هي هذه القاعدة؟

    الجواب هي: أننا نقدم الورثة حسبما تقدم معنا في جهات العصبات بالنفس، فنقدم أولاً الجهة، فالجهة وإن بعدت تقدم على جهة مؤخرة وإن قربت، وعليه: الأخ لأم عندما ستحجبه بالبنت ما هو السبب؟ تقول: عندك البنت تنتمي إلى جهة البنوة التي هي الأولاد، وذاك إلى جهة الأخوة وهي متأخرة، هي في الأصل تطبيق على العصبات، الأصل كما قلنا هنا ابن وأخ شقيق كما تقدم معنا في العصبات بالنفس، فكانت البنوة مقدمة على الأخوة؛ لكن أيضاً نستعمل هذه القاعدة في الحجب مع أصحاب الفروض، فعندنا الأخ لأم لا يرث إلا إذا كان الميت كلالة، ليس له أصل وارث من الذكور ولا فرع وارث، وهو ما أدلى لا بالأصل ولا بالفرع، كيف ستطبق عليه قاعدة الحجب؟ نقول: عندنا نحن هنا البنت وبنت الابن مهما نزلت جهتها مقدمة على جهة الأخوة.

    فإذاً: البنت تحجب الأخ لأم بناءً على تقديم الجهة، أي أن الجهة مقدمة، وذاك حجب لا بواسطة أدلى بها إنما لوجود جهة أقرب إلى الميت. هذا الأمر الأول.

    الترتيب الثاني مما تقدم في العصبات بالنفس: اتحد الورثة في الجهة نقدم الأقرب وإن كان أضعف من الأبعد.

    ابن أخ شقيق مع الأخ شقيق، اتحدت الجهة وهي جهة الأخوة لكن الأخ أقرب من ابن الأخ فيقدم عليه.

    الحالة الثالثة: إذا اتحد الورثة في الجهة والقرب فنقدم الأقوى منهما أو منهم، وعليه: أخ شقيق وأخ لأب، يقدم الأخ الشقيق على الأخ لأب؛ لأنه يدلي بقرابتين وذاك يدلي بقرابة.

    إذاً خلاصة الكلام: قاعدتان لابد من الانتباه لهما في حجب الحرمان عن طريق الشخص، من أدلى بواسطة حجب بتلك الواسطة إلا في صورتين.

    الأمر الثاني: عندما يجتمع الورثة معنا من أجل توريث بعضهم وحجب بعضهم ننظر إلى مراتبهم: إلى جهة ودرجة وقوة، فإذا كان لا يوجد تفاوت بينهم في هذه الأمور سوينا بينهم في الميراث.

    1.   

    تطبيقات لقاعدتي الحجب بالشخص

    أذكر هنا تطبيقات لهاتين القاعدتين على الورثة:

    التطبيق الأول: الأجداد والجدات

    أولاً: الأجداد، ونريد به الجد الصحيح الوارث الذي يدلي بوارث ذكر، فلا نريد أب الأم، فالجد الفاسد لا يرث أبداً، إنما أب الأب مهما علا، الأجداد الوارثون يسقطون كلهم بأب، وكل جد قريب يسقط الجد البعيد بناءً على القاعدة الأولى: من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، والجد يدلي بالأب حتى الثانية؛ لأن كل جد قريب يسقطه، ما بعده هذا ليس في درجته؛ لأن أب الأب جد، أوليس كذلك؟ وجد الأب جد، جد الأب يعتبر أباً لأبي الأب، واضح هذا؟ فإذاً: هو أدلى به، لا يوجد الآن قوة، هؤلاء ليسوا في جهة واحدة حتى تقدم، الآن انتبه!

    عندنا أب، وجد، الجد أدلى بالأب حجب به.

    عندنا جد وهو أبو أب، وعندنا بعد ذلك جد الأب وهو أبو أب أب، ، يعني: الآن هنا الجد يدلي بأب، وجد الأب يدلي بأب الأب، فيحجبه.

    والقاعدة الثانية تنطبق أيضاً إذا أردت أن تجعل الجدودة مع الأبوة على أنها درجة واحدة فتقول: اتفقوا في الجهة فنقدم الأقرب.

    فهنا سقط الجد بالأب، وجد الأب بأب الجد؛ لأنه أدلى به، ولأن الأب وأبا الأب أولى من الجد ومن جد الأب بالقرب، إذا قلنا الجهة أيضاً واحدة فتنطبق القاعدتان على ذلك ولا مانع، يعني هو في الأصل يوجد واسطة حجبته، ثم هذه أيضاً في القاعدة التي وجدت، ولا مانع أن يوجد قاعدتان وسببان لإسقاط وارث، فنقول: بما أن الأبوة تشمل الأب والجد مهما علا، فيمكن أن تقول: الجهة واحدة فالأقرب يقدم، مثل ابن وابن ابن، ابن الابن أدلى بالابن، فحجب به بواسطة والجهة واحدة فقدمنا الأقرب، فلا مانع أن ينطبق الأمران، لكن الأمر الأول لابد منه، ألا وهو واسطة لأن الجد يدلي بأب، وجد الأب يدلي بأب الأب.

    إذا مات عن ابن وابن وابن فهنا الجهة واحدة، نقول فيها: كلها بنوة، لكن هذا ابن وذاك ابن ابن، ابن الابن ليس هو ابناً لهذا الابن، يعني إنسان له ولدان، هذا ابن وهذا ابن، أحد ولديه مات وترك ابناً، فالميت وهو ذلك الأب مات وترك ابناً وهو أحد الابنين، وترك ابن ابن، ابن الابن لا يدلي إلى الميت بالابن الموجود، حتى نقول: أدلى به فحجب بوجوده، يقول: أنا ما أدليت بك، أدليت بأبي الميت، نقول: نعم، أنت تدلي بابن الميت لا إشكال في ذلك، لكن الجهة واحدة، وأنت ما أدليت به ليحجبك؛ لكن عندي قاعدة يحجبك بها ألا وهي: قرب الدرجة، الجهة واحدة وهي البنوة، فيقدم الأقرب.

    ولو مات وترك ابنه وأبناء ابنه فهم محجوبون به بالاتفاق؛ لأنهم أدلوا به، فورثنا الأب وحجبنا الأبناء، يعني: أبناء الابن، أما هناك ابنان وله ولد من ابن آخر، فهذا الموجود الذي هو ابن ابن ما أدلى بالابن الحي، فلا نستطيع أن نحجبه بالقاعدة الأولى، إنما ننتقل للقاعدة الثانية ألا وهي: أن الجهة واحدة فنقدم الأقرب.

    أما بالنسبة للأب والجد ينطبق الأمران والقاعدتان.

    وهل تجب الوصية لابن الابن الذي حجب بالابن؟

    الجواب: لا يوجد وصية واجبة، تقدم معنا أن الوصية في الأصل مستحبة، وابن الابن ليس له وصية واجبة، إنما قلنا الوصية الواجبة في شيء له عليه حق، أما الوصية لأولاد الابن الميت وهم الذين يحرمون من الإرث لوجود الأبناء فهذه ليست واجبة عند المذاهب الأربعة، وهم الذين قلنا أولاد المحروم، يعني: حرم لأنه مات قبلك، ليست واجبة لكن مستحبة ومطلوبة.

    هذا الآن الأجداد قلنا يحجبون بالأب لأنهم أدلوا به، وكل جد يحجب من بعده؛ لأنه أدلى به، ولطبق القاعدة الثانية أيضاً فنقول: ولأنه أقرب إلى الميت منه، فالأب أقرب من الجد، والأب واسطة في إدلاء الجد، بعد ذلك الجد القريب أقرب من الجد البعيد، والجد القريب أقوى واسطة من الجد البعيد، فينطبق الأمران.

    ثانياً: الجدات: وهن يسقطن بالأم إجماعاً، وكل جدة قريبة تسقط الجدة البعيدة إذا كن من جهة واحدة، يعني: أم أم مع أم أم أم، فأم الأم تقدم، أم أب مع أم أم أب: أم الأب تقدم، لأنهما من جهة واحدة.

    وهكذا الحال إذا كانت القريبة من جهة الأم كما تقدم معنا قلنا ثلاثة أحوال لها: حالتان مجمع عليهما وحالة مختلف فيها، وهكذا الحال إذا كانت الجدة القريبة من جهة الأم والجدة البعيدة من جهة الأب فالقربى من جهة الأم تسقطها، فعندنا أم أم وأم أم أب، فأم الأم أولى من أم أم الأب، نعم هي لم تدل بها لكن هنا أقرب درجة، كلهن جدات.

    أم أم وأم أم أب، وعم، فأم الأم لها السدس بالاتفاق، وأم أم الأب محجوبة، ما السبب في حجبها؟ نقول: الجهة واحدة فنعطي المال للأقرب وهي أم الأم.

    وقلنا: إذا كانتا من جهة واحدة فالقريبة تسقط البعيدة بالاتفاق، وإذا كانت الجدات مختلفات لكن القربى من جهة الأم تسقط البعيدة من جهة الأب بالاتفاق كما هو الحال معنا، والعم له المال الباقي عصبة، المسألة من ستة، واحد للجدة، والباقي خمسة للعم.

    الحالة الثالثة: إذا كانت القريبة من جهة الأب والبعيدة من جهة الأم فهذه الحالة اختلف فيها أئمتنا على قولين كما تقدم معنا مثل: أم أب، وأم أم أم.

    فعند الإمام مالك والشافعي كما تقدم معنا لا تسقط القريبة من جهة الأب البعيدة من جهة الأم.

    وإن تكن قربى لأم حجبت أم أب بعدى وسدس سلبت

    وإن تكن بالعكس فالقولان في كتب أهل العلم منصوصان

    لا تسقط البعدى على الصحيح واتفق الجل على التصحيح

    والرحبية منظومة على مذهب الإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله.

    فهنا لا تسقطها، والسبب في ذلك أن الأصل في الميراث للأم، فالجدة التي هي من قبل الأم حلت محلها فلها قوة القرابة في ذلك؛ لأن الأصل في الميراث للأم، وتلك ألحقت أم الأب بها لأنها جدة، أي: بما أنها جدة شاركت في الميراث، فإن كانت في درجتها ساوتها، وأما إذا كانت أبعد منها حجبت بها؛ لأن تلك هي الأصل في الميراث، وإن كانت العكس -أي: الجدة من قبل الأب أقرب- نقول: قربكِ في الدرجة إلى الميت يساوي قوة قرابة أم أم الأم مهما بعدت، فتلك أقوى وأنتِ أقرب فنقسم الميراث بينكما.

    فالأصل في ميراث الجدات أن يكون لأم الأم لا لأم الأب، وعليه؛ إن قربت جهة درجة أم الأب لا نسقط بها أم الأم مهما علت.

    الجدات يسقطن بالأم اتفاقاً، وكل جدة قريبة تسقط الجدة البعيدة إذا كانت الجهة واحدة اتفاقاً، والجدة القريبة من جهة الأم تسقط البعيدة من جهة الأب اتفاقاً، فهذه ثلاثة صور متفق عليها في الحجب.

    الرابعة التي فيها الخلاف: القريبة من جهة الأب هل تسقط البعيدة من جهة الأم؟ نعم عند أبي حنيفة والإمام أحمد ، لا عند الشافعي ومالك .

    هذا الأمر الأول وطبقنا عليه القاعدتين الأولى والثانية، في مبحث الجدات -عندما تأتي- الأم سقط بها كل الجدات، الجدات اللاتي من قبل الأم سقطن بالأم باتفاق لأنهن أدلين بها، والجدات اللاتي من قبل الأب سقطن بالأم؛ لأنهن في الأصل ألحقن بالجدات اللاتي من قبل الأم، فإذا سقطت تلك التي هي أقوى وصاحبة الميراث فلأن تسقط هذه من باب أولى.

    ثم عندنا الجدات في حكم الأمهات، فإذا وجدت الأم التي هي أقرب درجة من الجدة التي هي أبعد درجة سقطت الجدة.

    فإذاً: الجدات من قبل الأم أدلين بالأم فيسقطن بها، والجدات من قبل الأب يلحقن بتلك فيسقطن، ويضاف إلى ذلك بعد الدرجة مع أن الجهة واحدة وهي الأمومة.

    هذا الآن أحوال الجدات في الحجب، لا تخرج الجدات عن ذلك، يعني إذا وعيت هذا: إن وجدت أماً حجبت الجدات كلهن، والجدات إن كن من جهة واحدة: أم أم، أم أم أم تعطي القريبة وتسقط البعيدة، لأنها أدلت بها وهذه أقرب إلى الميت من تلك، وإذا كانت التي من جهة الأم أقرب والتي من جهة الأب أبعد حجبتها، وإذا كان العكس فكما فصلت فانتبه لذلك، فلا يخرج الجدات بالحجب عن هذا الحكم.

    التطبيق الثاني: أولاد البنين

    قولنا: أولاد البنين يدخل فيه الذكور والإناث، يعني: ابن الابن وبنت الابن.

    أما أولاد البنين الذكور فيسقطون بالابن، والسبب: إما لأنهم أدلوا به أو أن الدرجة أقرب.

    فإن كان الابن أباً لهم فقد أدلوا به فهو واسطة، وإن لم يكن أباً لهم قلنا: الجهة واحدة وعندنا قرب درجة.

    إذاً: أولاد البنين ذكوراً وإناثاً يسقطون بالابن، وكل ابن قريب يسقط ابن الابن البعيد، كالحال في الصورة الأولى، فالابن القريب يسقط الابن البعيد؛ لأنه إن كان منه فوجدت الواسطة حجبت ذاك الذي أدلى بهذه الواسطة، وإن لم يكن منه بقي معنا أن الجهة واحدة (بنوة) فالأقرب درجة إلى الميت يلغي من بعده.

    فيسقطن بالابن كأبناء الابن، ويسقطن أيضاً باستكمال البنتين الثلثين، أما ابن الابن فلا يسقط، فانتبه لذلك؛ كيف فرقنا؟

    ابن الابن لا يسقطه إلا الابن، بنت الابن يسقطها الابن، ويسقطها أيضاً البنات بصفة خاصة، إذا أخذ البنات الثلثين، كأن مات وترك بنتين وبنت ابن وعمة، البنتان لهما ثلثان، وبنت الابن سقطت، لأن حظ البنات الثلثان فقد استوفي، والعم عصبة، المسألة من ثلاثة: اثنان للبنتين والعمة واحد.

    لو كان بدل بنت الابن ابن ابن لا يسقط، لأنه أقرب عصبة فيحجب العمة.

    فإذاً نحن في الصورة الأولى وهي أولاد البنين يحجبون مطلقاً بالابن من بنين أو بنات، ثم بنات الابن زيادة يوجد حاجب آخر لهن ألا وهو البنات إذا أخذن الثلثين، فيسقط بنات الابن لأن الفرض استوفي، إلا في حالة وجود قريب مبارك كما تقدم معنا:

    إلا إذا عصبهن الذكر من ولد الابن على ما ذكروا

    فلو كان عندنا بدل العم ابن ابن في درجتها، أو أنزل منها مثل:، ابن ابن ابن، هذا الآن يعصبها سواء كان أخاً لها أو ابن عمها أو ابن ابن عمها أو أنزل منها إذا لم ترث، هي في الأصل ليست وارثة فيعصبها هذا، فبدل الحجب تصبح عصبة مع أخيها وابن عمها الذي في درجتها أو أنزل منها؛ فإذا جاء ليرث من هو في درجتها تقول: أنا أشاركك، ومن يرث من هو أنزل منها تقول: أرث من باب أولى، أنت أنزل مني وترث، كيف أنا لا أرث والجهة واحدة؟!

    فإذاً هنا تعصب، وعليه بنات الابن يسقطن واحدة أو أكثر بالبنات إذا أخذن الثلثين إلا إذا وجد أخ أو ابن عم يعصبهن، وهو القريب المبارك كما تقدم معنا، وتقدم معنا القريب المبارك والقريب المشئوم، هذا يتسبب في نيلها للإرث ولولاه لم ترث، وذاك يسقطها ولولاه لورثت.

    وهذا الآن واضح أيضاً وطبقنا عليه القاعدة الثانية.

    إذاً نقول: بنات الابن مع البنات، لما استوفى البنات الثلثين سقطن، وليس ذلك لأنهن يدلين بالبنات، يعني بنات الابن لا يدلين بالبنات، فليست الواسطة هي التي حجبتهن، إنما الذي حجبهن قرب الدرجة، نقول: حظ البنات الثلثان، فلما وجد من هو أقرب درجة واستوفى هذا الفرض سقط من هو أبعد درجة، فبنات الابن سقطن، لبعد الدرجة لا لوجود واسطة أدلين بها وحجبن بسببها، قلت لكم: كل وارث سنحجبه سنعلله بالقاعدة الأولى أو الثانية.

    عندنا ثمانية تطبيقات، ونحن انتهينا الآن من تطبيقين.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد..