إسلام ويب

فقه المواريث - العصبات [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذهب ابن عباس رضي الله عنه إلى عدم توريث الأخوات الشقيقات أو لأب مع الفرع الوارث الأنثى مطلقاً، وذهب ابن راهويه إلى أن الأخت الشقيقة أو لأب تكون عصبة مع الفرع الوارث الأنثى إذا لم يوجد عصبة ذكر، فإذا وجد قُدم عليها، وقد رد الجمهور هذين القولين. كان هذا من أحكام العصبة مع الغير، أما العصبة بالنفس فلها ثلاثة أحكام: إحراز جميع المال حال الانفراد، أو أخذ ما بقي بعد قسمة الفروض، أو عدم الإرث إذا استوفت الفروض المال.

    1.   

    مذهب ابن عباس في توريث الأخت بالتعصيب

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    كنا نتدارس مبحث التعصيب بعد أن انتهينا من أصحاب الفروض المقدرة.

    وقلت: إن العصبات ينقسمون إلى قسمين بعد أن تدارسنا تعريف العصبة في اللغة وفي الاصطلاح، وهذان القسمان هما: عصبةٌ نسبية، وعصبةٌ سببية.

    وقلت: نبدأ بالعصبة النسبية، فالعصبة النسبية تنقسم أيضاً إلى ثلاثة أقسام: عصبة بالنفس، وعددها اثنا عشر وارثاً، وعصبةٌ بالغير، وهن أربع نسوة: البنت وبنت الابن والأخت الشقيقة والأخت لأب، ويعصبهن إخوتهن أو أبناء أعمامهن بالنسبة لبنت الابن، وعصبة مع الغير وهو الصنف الثالث الذي كنا نتدارسه، وقلنا: هذا خاص بالأخت الشقيقة والأخت لأب مع الفرع الوارث الأنثى، سواء كان الفرع الوارث بنتاً أو بنت ابن، فلو مات وترك فرعاً وارثاً أنثى، وترك أختاً شقيقة أو أختاً لأب، فالأخت الشقيقة والأخت لأب ترث عن طريق التعصيب مع الفرع الوارث الأنثى، فلو مات وترك بنت ابن وأختاً لأب، فبنت الابن فرضها النصف، والأخت لأب عصبة مع الغير فلها الباقي.

    هذا القول تقدم معنا تقريره، وقضى النبي عليه الصلاة والسلام، وعليه الصحابة الكرام، وقلت: فيه خلافان:

    الخلاف الأول لـابن عباس رضي الله عنهما.

    والخلاف الثاني لـإسحاق بن راهويه ، ووافقه عليه ابن حزم .

    أما خلاف ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين فقال: لا يرث الأخوات الشقيقات أو لأب مع الفرع الوارث الأنثى مطلقاً؛ لأن الله شرط لإرثهن عدم الولد، والولد شاملٌ للذكر وللأنثى، يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176]، وعليه إذا كان هناك ولد فليس للأخت شيءٌ من الميراث، سواءٌ كان معها أخٌ لها أو لم يكن، فلو مات وترك بنتاً وأخاً شقيقاً وأختاً شقيقة، البنت لها النصف، والأخ الشقيق عصبة، والأخت الشقيقة تسقط، ولا ترث مع البنات شيئاً، ولو مات وترك بنتاً وأختاً شقيقة، البنت لها كل المال فرضاً ورداً، ولا يعطي الأخت شيئاً، يقول: يشترط لإرث الأخت ألا يكون هناك فرعٌ وارث من بنت أو بنت ابن، ومن بابٍ أولى لو كان ابناً أو ابن ابن وهذا محل إجماع، يعني لو كان الفرع الوارث ذكراً فليس للأخت شيء بالاتفاق، لكن لو كان الفرع الوارث أنثى فالفرع الوارث له فرضه النصف، أو بنتان فلهما الثلثان، ولها الباقي.

    يقول ابن عباس رضي الله عنهما: إن كان هناك عاصب من أخ أو عم أو ابن عم، فما بقي لأولى رجلٍ ذكر، أي أعطيناه المال الباقي، وإذا لم يكن هناك عاصب نرد الباقي على الفرع الوارث الأنثى، سواء كان بنتاً أو بنت ابن، ولا نعطي للأخت شيئاً، هذا كلامه وما قال به إلا هو، ولما قيل له: إن عمر رضي الله عنه قال بخلاف ذلك فورث الأخت مع البنت وأعطاها الباقي، وهذا ليس قضاء عمر فقط، هذا قضاء النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم معنا في صحيح البخاري وغيره، قال ابن عباس: أأنتم أعلم أم الله؟ وتلا قول الله: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176]، يقول: كيف تعطونها النصف مع وجود الولد، أي: وجود الفرع الوارث؟

    وقلت لكم: هذه حدةٌ وشدةٌ في غير موضعها، وإذا اختلف ابن عباس مع عمر فملء الأرض من مثل ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين لا يعدلون عمر ، مع إجلالنا له، لكن الناس يتفاوتون، فـعمر أعلى من ابن عباس وأفهم وأفقه قطعاً وجزماً، وابن عباس مخطئٌ فيما قال، وهذا الذي قاله كما قلت انفعالٌ منه، ومثل هذه الأقوال: لا يجوز لإنسانٍ أن يكررها في هذه الأيام أيضاً في الرد على أئمة الإسلام، يقول: أنت تأخذ بالمذهب وتترك الحديث؟ كأن المذهب ما بني على حديث، وكأن عمر رضي الله عنه قضى بما قضى بناءً على رأي، لا يا عبد الله هذا قضاء النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الذي تقتضيه الآية، والفهم مع جمهور الصحابة لا معك، ولذلك لا يعلم بعد ابن عباس قائلٌ بقوله رضي الله عنه وأرضاه، لكن هو انفعال من رجلٍ صالح، نلتمس له عذراً ونرد قوله، ونسأل الله لنا وله المغفرة والرحمة. هذا لا بد من وعيه إخوتي الكرام!

    1.   

    مذهب ابن راهويه في توريث الأخت بالتعصيب

    والقول الثاني قول إسحاق بن راهويه : الأخت شقيقةً أو لأب تكون عصبةً مع الفرع الوارث الأنثى، سواءٌ كانت بنتاً أو بنت ابن إذا لم يكن هناك عصبةٌ ذكر من أخٍ لها، أو عاصب آخر من عم أو ابن عم أو غيرهم، فإذا وجد عاصبٌ ذكر يقدم عليها، كما تقدم معنا في قضاء عبد الله بن مسعود في بنتٍ وبنت ابن وأخت شقيقة، البنت النصف، وبنت الابن السدس، تكملة للثلثين، وما بقي فهو للأخت، يقول: هذا القضاء نأخذ به، إذا لم يكن هناك عاصبٌ بالنفس من الذكور نعطي للأخت الشقيقة أو لأب الباقي، ونجعلها عصبةً مع البنات، فالأخوات مع البنات عصبات، وإذا كان هناك عاصب من الذكور نقدمه، فاختلف قوله عن قول ابن عباس رضي الله عنهما.

    ابن عباس يقول: سواءٌ كان هناك عاصب أو لا لا ترث الأخت مطلقاً مع البنت، فإن كان هناك عاصب أخذ الباقي وإلا رد على البنت، وإسحاق ومعه ابن حزم يقول: الأخت ترث إذا لم يكن هناك عاصبٌ ذكر مطلقاً، من أخ شقيق أو لأب، أو عم شقيق أو لأب، ابن عم شقيق أو لأب، ابن أخ شقيق أو لأب، أما الأب لو وجد حتماً لن ترث الأخت معه، والابن لو وجد لن ترث الأخت معه، والجد لو وجد، فهكذا لن ترث الأخت معه عند الحنفية، وبعد تفصيل عند الجمهور في موضوع الجد والإخوة.

    إذاً: القول الثاني: الأخت تكون عصبة في الصورة التي اعتبرها النبي عليه الصلاة والسلام عصبة، وهي إذا لم يوجد هناك عاصبٌ ذكر، أي: لم يوجد عاصبٌ بالنفس، فنجعل الأخت الشقيقة أو لأب عصبة مع الفرع الأنثى، أما إذا وجد فيقدم عليها؛ لأنه عندنا قول النبي عليه الصلاة والسلام وسيأتينا: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجلٍ ذكر)، فالبنت أخذت النصف، ووجد عم يأخذ الباقي، والأخت الشقيقة تسقط، هذا قضاء إسحاق بن راهويه ، ووافقه عليه ابن حزم ، والقولان مردودان، وقد هجرهما أئمة الإسلام، ولا يعلم كما قلت لكم قائل بهذين القولين، أما ابن عباس رضي عنهما فلما توفي انقرض قوله وما أحدٍ أخذ به، وأما ابن حزم فالأصل خلاف الظاهرية كما تقدم معنا مراراً لا يعول عليه ولا يعتبر، ولذلك من الحزم ألا تتبع ابن حزم .

    واجزم على التحريم أي جزم والحزم ألا تتبع ابن حزم

    وهذا ليس من باب تحقير الرجل وتهوينه، فقد أفضى إلى رحمة الله الواسعة، لكن من باب وضع الأمر في موضعه الشرعي، وسيأتينا أن الإجماع حكي على أن الأخوات مع البنات عصبات، حكاه الإمام ابن بطال ، كما نقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الجزء الثاني عشر صفحة أربعٍ وعشرين.

    والإمام ابن بطال هو أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك القرطبي ، توفي سنة أربعٍ وأربعين وأربعمائةٍ للهجرة، وقيل: تسعٍ وأربعين وأربعمائةٍ للهجرة، وهو من أئمة المالكية الكبار، انظروا ترجمته في الديباج المذهب في صفحة أربعٍ ومائتين، وانظروه في شجرة النور الزكية في طبقات وتراجم أئمة المالكية في الجزء الأول صفحة خمس عشرة ومائة، ويرد معكم ذكر هذا الإمام بكثرة في شروح السنة، كما يرد معنا ابن التين ، وهما من أئمة المالكية الكبار، وهنا ابن بطال يحكي الإجماع، يقول: أجمعوا على أن الأخوات عصبة مع البنات، فيرثن ما فضل من البنات.

    فإن قيل: كيف حصل الإجماع بعد اختلافٍ وافتراق؟ نقول: لهذا نظير تقدم معنا في الفرائض، قلنا: أجمعوا في مسألة بعد وقوع الخلاف فيها، ومن جملة من خالف ابن عباس رضي الله عنه، وهي فإن كن نساءً فوق اثنتين عنده فلهن ثلثا ما ترك، عنده البنات يرثن الثلثين إذا كن ثلاثاً فأكثر، وإذا كن ثنتين فليس لهما الثلثان، هكذا يرى، وقلنا: هذا القول ترك وهجر، وأجمعت الأمة على أن البنتين ترثان الثلثين، وقلنا: يقع إجماع بعد اختلاف وافتراق، وضربت لذلك أمثلة فيما مضى وقلت: من جملة ذلك سبي ذرية المرتد، فقد كان في العصر الأول خلافٌ في هذه المسألة، وصديق هذه الأمة رضي الله عنه وأرضاه عامل المرتدين معاملة المشركين، فسبى ذريتهم ونساءهم، وعلي رضي الله عنه وافقه على ذلك وأخذ امرأةً من السبي من بني حنيفة واستولدها وولد له منها محمد ، وأجمعت الأمة على أن المرتد لا تسبى ذريته بعد ذلك.

    ومن جملة ذلك نكاح المتعة وقلنا: كان في المسألة خلاف، ثم أجمعت الأمة على أنه محرم ولا ينبغي للإنسان أن يلجأ إليه، ولا أن يباشره، مع أن ابن عباس رضي الله عنهما مات وهو يقول: بحله، والقول: برجوعه عنه ضعيف، وهنا كذلك أجمعوا على أن الأخوات مع البنات عصبات، فالإجماع بعد الافتراق يقع بكثرة.

    1.   

    مناقشة قول ابن عباس وقول إسحاق

    لنناقش الآن هذين القولين مناقشة علمية كما قرر أئمتنا، وكما قلت لكم مراراً: ينبغي أن نتعلم أدلة الفقه لنعلم مأخذ أئمتنا فيما قرروا، ونحن عندما نتعلم نصوص الكتاب والسنة لا لنسفه أقوال علماء الأئمة، إنما لنعلم كيف استنبطوا هذه الأحكام من هذه النصوص، فاستمعوا الآن لتقرير أئمتنا الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين لهذه المسألة، وقلت لكم: هذه الأقوال ذكرها أئمتنا منهم الإمام ابن قدامة ، وحددت المكان في المغني في الجزء السابع صفحة ست إلى سبع، والإمام ابن القيم في إعلام الموقعين في الجزء الأول صفحة أربعٍ وستين وثلاثمائة إلى صفحة سبعين وثلاثمائة، ومنهم الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الحادي والثلاثين من صفحة ستٍ وأربعين وثلاثمائة إلى تسعٍ وأربعين وثلاثمائة، فاستمعوا لهذا.

    استدلال ابن عباس رضي الله عنهما بهذه الآية لا دلالة فيه على قوله مطلقاً، وهو أول من خالف ظاهر هذه الآية، الله جل وعلا يقول: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176]، انتبه، وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176]، وقد أجمعت الأمة وأولهم ابن عباس على أن الأخ يرث أخته إذا تركت بنتاً، فلها النصف، والأخ له الباقي .. عصبة، هنا شرط لإرث الأخ من أخته ألا يوجد لها فرع وارث، أي ولد، فكيف في تلك المسألة ترك ظاهر الآية الله يقول: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176]، فيقول: الأخت ترث النصف إذا لم يكن للميت -أي: يعني لأخيها- فرعٌ وارث، فإذا وجد فرع وارث فلا ترث.

    وقد خالف قوله تعالى: وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176]، فإذا ماتت أختك وترك بنتاً لها النصف، والأخ له الباقي تعصيباً، فكيف ورثت الأخ من أخته مع وجود ولدٍ لها؟ يعني: لم في هذه الآية ما اعتبرت هذا الشرع، وهناك اعتبرته.

    إن معنى الآية ليس كما فهم ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه بل كما فهمه الصحابة الكرام، وهو الذي قضى به نبينا عليه الصلاة والسلام، معنى الآية: ليس للأخت الشقيقة أو لأب فرضٌ مع الفرع الوارث لأنثى، يعني لا تأخذ النصف وتزاحم به الورثة، إنما لها شيءٌ آخر وهو الباقي فقد تأخذ النصف، وقد تأخذ أقل، وقد تسقط، هذا موضوعٌ آخر، إنما ليس المعنى أنه إذا كان هناك فرعٌ وارث سقطت، إنما المراد سقط فرضها وانتقلت إلى شيءٍ آخر، وهو التعصيب.

    مثال: لو مات وترك بنتين وأختاً شقيقة للبنتين الثلثان، وما بقي للأخت الشقيقة، لو كان لها فرض ستعطيها النصف، والنصف والثلثان لا يمكن أن يوجدا في مسألة فيدخل عليها العول، إذاً ستضر البنتين، وتضر الأخت، نعم لا نعطيها فرضها، فقد تأخذ النصف، وقد تأخذ الثلث، وقد تأخذ السدس، وقد تسقط.

    ترك بنتين وأماً وزوجةً، للبنتين ثلثان، والزوجة الثمن لوجود الفرع الوارث، والأم السدس لوجود الفرع الوارث، المسألة من أربعة وعشرين، الثلثان ستة عشر، ثمانية ثمانية، الزوجة ثلاثة فيبقى لها واحد للأخت الشقيقة، وهنا أربعة، اجمعوا المسألة: ثلاثٌ وعشرون بقي واحد فقط، من أربعة وعشرين، فأنت لا تعطيها فرضها؛ لأن لو كان لها فرض لأخذت اثني عشر وزاحمت الورثة وعالت المسألة إلى أعداد كثيرة، فهي قد ترث شيئاً وقد لا ترث، وهذا الشيء قد يكون نصفاً وقد يكون أقل، فالآية نفت فرضها مع وجود فرع الوارث، وشتان كما قلت بين نفي الفرض ونفي الإرث.

    إذاً هنا نقول: غاية ما أشارت إليه الآية إلى عدم جعل فرضٍ للأخت شقيقةً أو لأب مع الوارث الأنثى، لا إلى إلغاء ميراثه، وهذا الجواب الذي قرره أئمتنا الجواب أقوى من جوابين اثنين قيلا في الآية، اجعلوه تابعاً للجواب الأول، فقيل: إن المراد من الولد هو خصوص الذكر، يعني الابن، إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:176]، يعني: ليس له ابن، إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176] ، يعني: إذا كان هناك ابن فليس لها الميراث على الإطلاق، فقيل: المراد من الولد هنا خصوص الابن، والأمر فيه كلفة؛ لأن الأصل في إطلاق الولد على الولد ذكراً أو أنثى، فقيل: إن المراد هنا خصوص الذكر؛ لأنه هو الذي يسبق إلى الوهم، وقرر هذا بعض المفسرين بقول الله جل وعلا حكايةً عن العاتي الذي قال حكى الله قوله فقال: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [مريم:77]، المراد بالولد هنا الذكر فهو لا يريد منه الأنثى؛ لأن العرب كانوا يتعيرون ويعيرون بها، وللآن في أعراف الناس إذا قلت له: جاءه ولد يقولون: ذكر.

    لكن الجواب كما قلت فيه شيء من الكلفة، والأصل أن تطلق الولد على عمومه، الفرع الوارث مطلقاً من ذكر أو أنثى، ولذلك إذا كان الفرع الوارث ذكراً فالأخت الشقيقة أو لأب حجبت بالكلية، وإن كان الفرع الوارث أنثى انتقلت من الفرض إلى التعصيب، فالأخوات مع البنات عصبة.

    وأقوى من الجواب الثاني الذي قيل في تقريره جواب ثان، قيل: سلمنا أن لفظ الولد يحتمل الابن والبنت، لكن السنة خصته بالابن في القضاء الذي تقدم معنا عن عبد الله بن مسعود ، حيث جعل للأخت مع البنت إرثاً، ولو كان بدل البنت ابناً لما كان لها إرث.

    وهذان جوابان متكلفان كما قال الحافظ ابن حجر ، والمعتمد ما تقدم وهو أن الأخت ليس لها فرضٌ مع الفرع الوارث الأنثى، وهذا الذي دلت عليه الآية، أما أنه لها شيءٌ آخر أم لا؟ نرجع بعد ذلك للسنة ولقواعد الفرائض، بين النبي عليه الصلاة والسلام أن لها التعصيب، وعليه الآية نفت حصول فرضٍ للأخت مع الفرع الوارث مطلقاً ذكراً أو أنثاً، هذا الجواب الأول.

    الجواب الثاني انتبهوا لتقريره فله ذيول، وهو:

    قال أئمتنا: إذا انتفى فرض الأخت وهو النصف مع وجود البنت، فهي بين ثلاثة أحوال لا رابع لها:

    إما أن نفرض لها غير النصف، فكل ما سنفرضه باطل؛ لأنه تشريعٌ جديد لم يأذن به الله المجيد، فإن أعطيتها أكثر من النصف نقول: يا عبد الله! النصف لا ترثه لوجود الفرع الوارث، كيف ستعطيها أكثر من النصف؟ وإن قال: أنا أعطيها سدساً ربعاً ثلثاً خمساً عشراً، كل هذا شرع ما أنزل الله به من سلطان.

    والاحتمال الثاني أن تحرمها من الإرث بالكلية كما قال ابن عباس رضي الله عنه، وكما هو قول إسحاق وابن حزم في بعض أحوالها، وهو لو كان عاصبٌ ذكر مطلقاً سواءٌ أخ لها أو غيره، فإما أن تحرمها، وحرمانها من الإرث باطلٌ -كما لو أعطيتها فرضاً مع وجود الفرع الوارث- لخمسة أمور، انتبهوا لها:

    أولها: هي وأخوها في درجةٍ واحدة، وهي لا تزاحم البنت، فإذا لم يسقط أخوها بالبنت فلا تسقط هي بها؛ لأنها لو سقطت بالبنت دون أخيها لكان أقوى منها، وأقرب إلى الميت، والواقع ليس كذلك، بل سقوط الأخ ينبغي أن يكون أقوى من سقوط البنت؛ لأن الأخت أيضاً لها فرضٌ مستقل لا تزاحم به البنت، ولا تضرها، فإذاً ما هو الداعي لإسقاطها وهي إذا وجدت مع أخيها يرث أخوها وهي لا ترث؟ هذا إذا حصل دل على أن أخاها أقوى منها وأقرب، والأمر ليس كذلك، مثلاً: مات وترك بنتاً وأخاً شقيقاً وأختاً شقيقة، قلت: البنت لها النصف، والباقي للأخ الشقيق، لم أسقطت الأخت وهي معه في الدرجة والقوة والقرب إلى الميت؟

    هذه لا تسقط إلا إذا كان ذاك أقوى منها، يعني ما هو السبب لإسقاطها؟ فإما أن تسقط أخاها معها، وأن تقول: لا يرث أحدٌ من الإخوة مع وجود الفرع الوارث، وإما أن تشرك بينهم.

    إذاً هذا الأمر الأول، هي وأخوها في درجةٍ واحدة، وهي لا تزاحم البنت، إذا لم يسقط أخوها بالبنت؛ لأنه لا يزاحمها فلا تسقط هي أيضاً بالبنت، كما أن الأخ لا يزاحم البنت فما سقط بها، فهي أيضاً لا تزاحم البنت لأنه ليس لها فرض، ونحن قلنا: سقط فرضها، وما سقط إرثها، هذا الأمر الأول.

    الوجه الثاني: إذا لم تسقط البنت ابن الأخ والعم، فلأن لا تسقط البنت الأخت مع قربها من بابٍ أولى.

    لو مات وترك بنتاً وابن عم، البنت لها النصف وابن العم الباقي.

    مات وترك بنتاً وأختاً شقيقة وابن عمٍ لأب، تأتي تقول: البنت لها النصف، وابن عم له النصف الباقي، والأخت الشقيقة سقطت، كيف تسقط البنت الأقرب والأبعد يرث؟ هذا لا يمكن، إذاً إذا كانت البنت ما أسقطت ابن العم البعيد فلأن لا تسقط الأخت الشقيقة من بابٍ أولى، نعم أسقطتها عن فرضها الذي شرطه الله جل وعلا لها بأنها ترث عند عدم وجود الفرع الوارث.

    الوجه الثالث: القاعدة في الفرائض: إسقاط البعيد بالقريب، وتقديم الأقرب على الأبعد، فإذا أردت أن تسقط الأخت بالبنت مع عدم إسقاط البنت للعم وابن العم مهما نزل، هذا خلاف المقرر في الفرائض، فالأخت خرجت من صلب أبيه ورحم أمه، فكيف أسقطتها وورثت ابن عمه؟ القاعدة عندنا: القريب يسقط البعيد، ونعطي الإرث للأقرب دون الأبعد، وقد يكون الأخ مع هذه الأخت توأماً.

    الأمر الرابع: قال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: الأخت شقيقةً أو لأب تكون عصبةً بغيرها بالإجماع، فلا مانع أن تكون عصبةً مع غيرها، أجمعنا على أنها تكون عصبة، وقلنا: لو مات وترك أخاً شقيقاً وأختاً شقيقة، فللذكر مثل حظ الأنثيين، كما نص الله على ذلك في كتابه آخر سورة النساء.

    الوجه الخامس الذي يبطل القول بحرمان الأخوات مع البنات، وهذا الوجه يرد به على قول إسحاق وابن حزم فقط؛ لأن الأمور الأربعة ترد قول ابن عباس المتقدم.

    إسحاق بن راهويه وابن حزم قالوا: إذا وجد للأخت أخٌ فهو العاصب وهي تسقط، فيقال: إذا سقطت الأخت بالبنت عند وجود أخ فلأن تسقط الأخت مع البنت عند عدم وجود أخٍ من بابٍ أولى.

    إن هذا هو التناقض، هي عندما وجد أخٌ لها تقوت به، وأنت عندما وجد أخٌ لها أسقطتها، فإذا سقطت الأخت مع وجود أخيها بالبنت فينبغي أن تسقط الأخت بالبنت مع عدم وجود أخيها من بابٍ أولى، وهذا خلاف ما قاله ابن حزم وإسحاق بن راهويه ، أما عند ابن عباس فالقاعدة مطردة، سواءٌ هناك أخ أو لا الأخت ساقطة بكل حال فلا ترث أبداً.

    قال أئمتنا الكرام: والأخت إذا وجد أخوها معها لا يكون إلا مضراً لها، وهذا الضرر إما أن يكون ضرر نقصان، أو ضرر حرمان، فكيف أنت تسقطها بوجوده، وتورثها عند عدمه؟! هذا تناقض.

    هذه الأمور الخمسة تبطل القول الثاني ألا وهو: حرمان الأخوات عند وجود البنات.

    1.   

    أحكام العصبة بالنفس

    للعصبة بالنفس ثلاثة أحكام:

    أولها: أخذ المال كله إذا انفرد؛ لقول الله جل وعلا: وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176]، مات وترك ابناً أباً جداً أخاً عماً وانفرد فله المال من أوله لآخره، لا يقال: فرض وتعصيب، ولا يقال: رد، يقال: هذا عاصب فله المال كله.

    الحكم الثاني للعاصب للنفس: إذا وجد العاصب بالنفس مع أصحاب الفروض أخذ ما بقي بعد إعطاء ذوي الفروض فروضهم، فمثلاً لو قلنا الآن: أختٌ شقيقة، أخٌ لأم، ابن أخٍ شقيق، الأخت الشقيقة لها النصف، للشروط الأربعة فيها: انفردت، وليس للميت فرعٌ وارث، ولا أصلٌ وارث، وليس معها معصب، الأخ لأم له السدس، فرضاً ليس تكملة للثلثين؛ لأنه هنا ليس أختاً شقيقة أو أختاً لأب، وابن أخٍ شقيق عاصب، المسألة من ستة، نصفها ثلاثة، سدسها واحد، وما بقي للعاصب.

    إذاً إذا وجد مع أصحاب الفروض يأخذ ما أبقته الفروض، لما ثبت في المسند والكتب الستة إلا سنن النسائي ، والحديث رواه الدارمي والطحاوي في شرح معاني الآثار، ورواه الدارقطني في السنن، والبيهقي في السنن الكبرى، وابن الجارود في المنتقى، وهو من أصح الأحاديث فهو في الصحيحين من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجلٍ ذكر)، (ألحقوا الفرائض بأهلها)، أصحاب الفروض المقدرة يقدمون، (فما بقي فلأولى رجلٍ ذكر)، لأقرب عاصب كما سيأتينا في شرح هذه الجملة المباركة إن شاء الله.

    وفي بعض روايات الحديث: (اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى رجلٍ ذكر)، (فما تركت الفرائض)، ما بقي بعد إعطاء أصحاب الفروض فروضهم، (فما تركت الفرائض فلأولى رجلٍ ذكر)، ونحن تقدم معنا في علم الفرائض قلنا: سمي بذلك تغليباً للفرض على التعصيب؛ ولأن أكثر ما يقع من إرثٍ في الورثة يكون عن طريق الفرض، ولذلك يقال لها: علم الفرائض ولا يقال: علم التعصيب، فنسبت إلى أحد الشقين والقسمين اللذين يقوم عليهم الإرث، والإرث: لا يخرج عن فرض أو تعصيب.

    تنبيه: وقع في بعض كتب الفقهاء كما في النهاية، وهي نهاية المطلب في دراية المذهب، لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني الذي توفي سنة ثمانٍ وسبعين وأربعمائة، وكما في البسيط وهو للغزالي تلميذ إمام الحرمين، ونهاية المطلب أربعون مجلداً يقول أئمتنا: ما صنف في الإسلام مثله، ويقول الإمام السبكي في طبقات الشافعية في الجزء الخامس صفحة خمسٍ وستين ومائة فما بعد في ترجمة إمام الحرمين، يقول: لم يصنف في المذهب مثله، وبعض أئمتنا أطلقوا، وما خصوا هذا بمذهب الشافعية، لأن ابن خلكان، يقول: ما صنف في الإسلام مثله.

    قالا: فلأولى عصبةٍ ذكر، بدل: (فلأولى رجل).

    هكذا في كتاب نهاية المطلب، وفي كتاب البسيط.

    قال الإمام ابن الجوزي وابن المنذر عليهم جميعاً رحمة الله: ليست هذه اللفظة محفوظة من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، إنما هي (فلأولى رجل)، ثم إن المعنى عليها فاسدٌ أيضاً، إننا لو أردنا نقول: (فلأولى رجلٍ ذكر)، سنلغي العصبة بالغير، فلو مات وترك بنتاً وأختاً شقيقة وابن عم أولى عصبةٍ ذكر الآن ابن العم، فسنلغي الأخت الشقيقة، فهي ليست ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومفسدة للمعنى، فلا يستقيم.

    1.   

    معنى حديث: (فلأولى رجل ذكر)

    قال الحافظ ابن حجر : وقد استشكل بعض العلماء التعبير بذكر بعد التعبير برجل، وهل يكون الرجل إذاً ذكراً؟ فانتبه لما يقصده نبينا عليه الصلاة والسلام من نعت الرجل ووصفه بالذكورة، عدة أمور يمكن أن تجمع في ستة أمور:

    أولها: قيل: إن المراد منه التأكيد، وهذا الذي ذهب إليه الخطابي وابن التين وغيرهما من أئمة المسلمين، والمراد من التأكيد أن يقرر متعلق الحكم وهو الذكورة؛ لأن لفظ الرجل يطلق إطلاقين: يطلق على ما يقابل الأنثى، يعني على الذكورة، ويطلق على ما يقابل صفات الرجولة، فيطلق لفظ الرجل على القوي الشجاع فيقال: رجل، وذاك لا يقال عنه: رجل وإن كان ذكراً، فالرجل يطلق -كما قلت- على ما يقابل الأنوثة، وعلى ما يقابل الضعف والذلة والمهانة، فليس المراد هنا ما يقابل الضعف إنما ما يقابل الأنوثة، نقل سيبويه عن العرب أنهم قالوا: مررت برجلٍ رجلٌ أبوه، أبوه رجل قطعاً، لكن يريد أن يقول: أبوه سيد كريم شجاع شهم شريف، مررت برجلٍ رجلٌ أبوه، يعني: أبوه من الرجال الكرام، ولا يقصد برجلٍ ذكر، مررت برجلٍ ذكرٌ أبوه، يعني ذكر ليس بأنثى، وهل يكون الأب أنثى؟ لا يمكن، إنما كما قلت: لفظ الرجل يطلق على ما يقابل الأنثى، وعلى ما يقابل صفات الضعف والمهانة والذلة في الإنسان، ولذلك عندما قال الله: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37]، ليس المقصود منه هنا ما يقابل الأنوثة، وإن كان حكم الرجال يختلف عن حكم الإناث في حضور الجماعة، لكن المقصود هنا نعتهم بقيامهم بالوظيفة التي خلقوا من أجلها، فهم الرجال ومن عداهم أنذال، حقيقةً الذي لا يدخل بيت ربه ولا يعبد الله، لا يوجد أسفه من هذا، وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة:130]، هؤلاء هم الرجال، والذي لا يتصف بصفاتهم فليس هو من عداد الرجال.

    وهنا (فلأولى رجلٍ ذكر)، لفظ الرجل قد يفهم منه الرجل القوي، ويقودنا هذا إلى ما كان عند الجاهلية، لا يورثون إلا من وثب على الخيل، وضرب بالسيف، وطعن بالرمح، وأحرز الغنيمة، أي لا يورثون إلا القوي، فلو وقف النبي عليه الصلاة والسلام عند قوله: (فما بقي فلأولى رجل)، ربما فهم خلاف المطلوب، قيل: (فلأولى رجل)، يعني: فلأولى ذكر، وليس هذا المراد، فقال: (فلأولى رجلٍ ذكر)، يعني: المتصف بالذكورة ولو ولد هذه الساعة، يتساويان من أقرب منهما إلى الميت يقدم، فلا اعتبار للقوة على الإطلاق، إنما المناط هو وصف الذكورة.

    الاعتبار الثاني الذي من أجله ذكر لفظ الذكر بعد الرجل، ذهب إليه الإمام أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي، فقال: خشية أن يظن أن المراد بالرجل الشخص، وفي ذلك تغليب للفظ الذكر على الأنثى مع دخول الأنثى في الحكم، فلكي ليرفع ذلك الاشتراك والإيهام بين أن المراد بذلك الرجل الذكر وليس الشخص؛ لأنه لو قال: (فلأولى رجل)، ربما فهم فلأولى شخص، أي فلأولى فرد، قيل: غلب الذكر على الأنثى، يعني: فلأقرب وارث ذكراً أو أنثى، وهذا محظور؛ فلكي لا يفهم من الرجل الشخص الذي هو الفرد الوارث مطلق ذكراً أو أنثى قصره على وارثٍ معين ألا وهو الذكر، قال: (فلأولى رجلٍ ذكر).

    الاعتبار الثالث: قيل: هذا احتراز عن الخنثى؛ لأن الخنثى متردد بين كونه ذكراً أو أنثى، لكنه لا يكون عصبة، وسيأتينا حكم الخنثى وتوريثه في مبحثٍ خاص إن شاء الله عند ميراث الخنثى.

    الاعتبار الرابع: ذهب إليه القاضي عياض والنووي والقرطبي وغيرهم، قالوا: ذكرت الذكورة في الحديث: (فلأولى رجلٍ ذكر)، بعد الرجولة تنبيهاً على سبب استحقاق الإرث بالعصوبة، وذلك السبب هو أن هذا الرجل قيمٌ على الإناث، مشرفٌ عليهن، فله هذا الحكم، وهو أخذ ما أبقته الفروض.

    وهذه الذكورة صفة كمال في هذا الإنسان؛ لأنه هو القيم، وإذا كان كذلك فينبغي أن يخص، وأن يختلف عن الأنثى فلا يكون لها هذا الحكم بحال، ولذلك قد يكون الرجل عصبة وأخته لا تكون معه عصبة أبداً كما هو الحال في ابن العم، بنت العم لا تكون عصبة، كما هو الحال في ابن الأخ، بنت الأخ لا تكون عصبة.

    وهذا ابن أخيك الذي هو عصبتك يطالب بالدية، ويكلف بنفقة، وأنت مسئولٌ عنه، وأما بنت أخيك فليس كذلك، ولذلك هنا كأنه يشير إلى سبب استحقاق هذا الرجل لما بقي من المال، ألا وهو أنه ذكر، أي: مطالب بنفقات وتبعات، فليس حاله كحال الأنثى.

    الاعتبار الخامس ذكره الإمام السهيلي والكرماني فقالوا: لفظ ذكر صفة لأولى، والأولى بمعنى الأقرب، أي: بمعنى القريب والولي، ويصبح معنى الحديث: فما بقي فللقريب الذكر من جهة الرجل، لا من جهة الرحم والبطن، أي: من جهة الصلب ليخرج هنا الأخ لأم، فهو قريب، لكن من جهة الأم، ليخرج الجد الفاسد أبو الأم.

    إذاً قال هذا الذكر من جهة الرجل، أي: قرابته بواسطة رجل لا بواسطة أنثى، ولذلك إذا كانت قرابة الذكر بواسطة أنثى لا يكون عصبة مطلقة، كما هو الحال في الأخ للأم والجد الفاسد، فما بقي فللقريب الذكر من جهة الرجل.

    وآخر الأجوبة وهو السادس كما في فتح الباري، قال: الرجل أيضاً يطلق مقابل المرأة ومقابل الصبي، وهو قريبٌ من القول الأول، لكن هناك قلنا: بمعنى شهامة ومروءة، وهنا بمعنى كبر وصغر، يقال: رجل وامرأة، ورجل وصبي، فلو قال: فلأولى رجل قلنا: إنما فهم منه الكبير، سواءٌ كان شهماً أو نذلاً، وهذا يختلف عن التعليل الأول لكن قريب منه، فهناك قلنا: المراد من الرجل الشهامة والمروءة والنخوة والفتوة، ويطلق أيضاً على الرجل الذي يقابل الأنثى كما تقدم معنا، فليبين أن المراد منه ما يقابل الأنثى قال: (فلأولى رجلٍ ذكر)، هذا أول الأجوبة، وأما هنا فيطلق لفظ الرجل على ما يقابل المرأة، وعلى ما يقابل الولد الصغير، فيقال: هذا رجل، وهذا مستعمل في أعرافنا وهذا ولد صبي، فلو قال: فلأولى رجل ربما فهم منه أن العصبة لا يكون إلا في البالغ الكبير، ولذلك قال: المراد من الرجل من اتصف بالذكورة، سواءٌ كان صغيراً أو كبيراً.

    هذه ستة أجوبة أوردها أئمتنا وفيما يظهر أن كلها معتبرة وأولاها بالقبول أولها، وهو أن لفظ الرجل عند العرب في الجاهلية يطلقونه على من يستحق صفات الرجولة من نخوة وفتوة ومروءة وشجاعة وشهامة، وما كانوا يورثون إلا هذا، فلو قال: فلأولى رجل، ربما فهم ما كان سائداً عند العرب في الجاهلية، فأتبعه بالذكورة ليبين أن المراد من الرجل هنا ما يقابل المرأة، لا المراد منه الرجل الذي فيه صفات معينة، والعلم عند الله جل وعلا.

    الحكم الثالث من أحكام العصبة بالنفس: إذا استغرقت الفروض التركة سقط العصبات فليس لهم شيء، ماتت عن زوج، وأخت شقيقة، وعم، الزوج له النصف؛ لعدم الفرع الوارث، والأخت لها النصف، ويسقط العم، المسألة من اثنين: واحد للزوج، وواحد للأخت، وهذا يترحم على الميت، ويسأل له المغفرة وليس له شيء؛ لأن هذا هو حكم العصبة بالنفس، إذا انفرد أخذ المال كله، إذا وجد مع أصحاب الفروض أخذ ما بقي بعد إعطاء أصحاب الفروض فروضهم، وإذا لم يبق شيء سقط.

    لكن هنا استثناءان:

    الاستثناء الأول: الأشقاء في المسألة المشتركة ويقال لها: المشرّكة، والمشتركة، فعند الشافعي ومالك : لا يسقطون:

    ماتت عن زوج، وأم، وأخٍ لأم، وأختٍ لأم، وأخٍ شقيق، الزوج له النصف لعدم الفرع الوارث، والأم لها السدس لجمع من الإخوة، والأخ لأم مع الأخت لأم الثلث بالتساوي، والأخ الشقيق عصبة، المسألة من ستة: نصفها ثلاثة، سدسها واحد، ثلثها اثنان واحد واحد، وما بقي شيء للشقيق هذا هو قضاء أبي حنيفة ، وقضاء الإمام أحمد ، وهو أول قضاءٍ قضى به عمر كما سيأتينا في المشّركة والمشتركة، ثم إن المسألة بعينها وقعت بعد سنة في عهد عمر رضي الله عنه فأسقط الأخ الشقيق لكن هذا كان فصيحاً فقال: يا أمير المؤمنين! هب أن أبانا حماراً، والله ما زادنا الأب إلا قرباً، إذا لم ينفعنا فما ينبغي أن يضرنا، أمنا نحن والإخوة لأم والميت واحدة، يعني أم الميت هي أم هؤلاء الإخوة الثلاثة: أخ لأم وأخت لأم وأخ شقيق، لكن الميت أنا لي أيضاً معه قرابة أخرى، أنا أقربه وأخٌ له من أبيه وأمه، وأما هؤلاء من أمه فقط لا من أبيه، فأنا أدلي بقرابتين وهما يدليان بقرابة واحدة.

    يعني هذه المرأة تزوجها رجلان، وولدت أولاداً من الرجلين، كلهم من بطنها، ومن رحمها، لكن بعض الأولاد من أبٍ وبعض الأولاد من أب، فهؤلاء الأولاد الذين هم من أب يقال لهم: أشقاء، وهؤلاء يقال لهم: أشقاء، وكلهم يقال لهم: إخوة لأم، فأخي الذي من أبي ومن هذه المرأة يقال له: شقيق، وهؤلاء بالنسبة لأخي يقال لهم: إخوة لأم، فالإخوة لأم هم إخوة أخي، وهم إخوتي، وأنا أخٌ لأخي من أمي وأبي، كيف تورث إخوتي لأمي من أخي بواسطة أمه وأنا لا تورثني بواسطة الأم، ألا ينبغي أن تورثني على أنني أخ لأم وأخ شقيق، فإذا ما انتفعت بجهة الأب لا أتضرر، أنا الآن لا تعتبرني أخاً شقيقاً، اعتبرني أخاً لأم، ولذلك يقال لها: الحمارية ويقال لها: اليمية، والحجرية، لقوله: هب أبانا حجراً في اليم، قال عمر: صدقت، فشرّك بين الأشقاء والإخوة لأم، واعتبرهم إخوة لأم، وألغى قرابة الأب، وعليه الثلث يكون بين الثلاثة، فقيل لـعمر : أنت قضيت في العام الماضي بخلاف هذا؟! قال: ذاك على ما قضينا به، وهذا على ما نقضي به، هذان قضاءان لـعمر رضي الله عنه أخذ بهما المذاهب الأربعة.

    أي القولين أقوى؟ ينفجر عقل الإنسان ولا يستطيع أن يقول: أحدهما أقوى، إلا إذا كان متسرعاً، ولا يستطيع أن يقول أحدهما، عندنا نحن الحديث الصحيح الصريح في الصحيحين وغيرهما: (فما بقي لأولى رجلٍ ذكر)، وعندنا من حكم العصبات بالنفس أنه إذا استغرقت الفروض التركة سقط، فالأخ الشقيق عصبة، ما لنا ولأنه أخ لأم، ولذلك هؤلاء قد يسقطون وهو يرث، وقد يرث أكثر منهم، وقد يرث أقل، فالأصل أننا نعطيه الباقي، فإذا ما بقي له يسقط.

    الآن عندما تقول: بنت وأخ لأم وأخ شقيق، البنت لها النصف، والأخ لأم محجوب لا يرث لوجود فرعٍ للميت وأصل له وارث من الذكور، والأخ الشقيق عصبة، أي أن الشقيق أخذ النصف؛ لأنه عصبة ولم؟ فهو الأخ لأم، فالمسألة من اثنين: البنت لها واحد، والأخ الشقيق له واحد، والأخ لأم سقط، فكيف هنا نسقطه وهنا نشرك أخاه معه على أنه يقربه من جهة الأم؟ لكن كما قلت: هذان قضاءان معتبران، وقضى بهما خليفةٌ واحد، جاء أبو حنيفة وأحمد وأخذوا بالقضاء الأول، وهو الذي تشهد له أصول الفرائض، والإمام الشافعي ومالك أخذوا بالقضاء الثاني.

    إذاً إذا ما بقي شيء للعصبة سقط، إلا في المسألة المشرّكة في حق الإخوة الأشقاء عند الشافعي ومالك وسيأتينا تفصيل هذا، وإلا الأخت لغير أم وهي الأخت الشقيقة أو لأب في المسألة الأكدرية، تسقط عند أبي حنيفة وأحمد أيضاً.

    وسميت المسألة الأكدرية؛ لأنها وقعت في بني الأكدر وكدرت على زيد مذهبه، وسيأتي تفصيل الكلام عليها.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم..