إسلام ويب

فقه المواريث - العصبات [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تنقسم العصبة إلى ثلاثة أقسام: عصبة بالنفس وهم جميع الذكور الوارثين إلا الزوج والأخ لأم، وعصبة بالغير وهم: البنات مع البنين والأخوات بالإخوة، وعصبة مع الغير وهي الأخوات لأب وأم أو لأب مع البنات واحدة أو أكثر.

    1.   

    تعريف العصبة لغةً واصطلاحاً

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك.

    سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    انتهينا من دراسة أصحاب الفروض المقدرة في كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وبعد أن انتهينا من مدارسة أصحاب الفروض ندخل في هذه المحاضرة في مبحث التعصيب، وفيه بيان العصبات، وهم من يرثون بلا تقدير.

    التعصيب أبين معناه إن شاء الله في اللغة، ثم نتعرض للمعنى الاصطلاحي وهو المقصود، ثم أتكلم على أحكام العصبات بإذن رب الأرض والسماوات.

    تعريف العصبة لغة

    التعصيب: مصدر عصب يعصب تعصيباً، مأخوذ من العصب وهو الشد والتقوية والإحاطة والطي، ومنه العصائب، وهي ما يلف ويدار كالعمامة، يقال لها عصابة وعصائب، فإذاً: فيها معنى التقوية، وفيها معنى الشد، وفيها معنى الإحاطة، وفيها معنى الطي، هذا هو المعنى اللغوي.

    والعصبة تطلق على جمع عاصب، كما يطلق لفظ العصبة أيضاً على العاصب الفرد، فيقال: الابن عصبة، ويقال: هؤلاء عصبة، فيطلق على الفرد وعلى الجمع عصبة.

    وتعريف العصبة في الاصطلاح: هم قرابة الرجل أبوه وبنوه ومن اتصل بهما ذكورة أبوه وبنوه ويقرب من هذا قول بعض اللغويين: العصبة هم قرابة الرجل من أبيه.

    هذه التعبيرات الثلاثة كلها مآلها شيء واحد: أنهم ذكور، ويدلون إلى الميت بواسطة الأب، فقرابتهم بواسطة الأب، وسموا عصبة؛ لأنهم عصبوا بالميت، يقال: عصبوا عصِبوا، من باب سمح وضرب، أي: أحاطوا به من جميع جوانبه، وفي ذلك تقوية له، فحصلت إحاطة وحصلت تقوية.

    فالأب والابن طرفان، الأب طرف أعلى، والابن طرف أدنى، والإخوة وأبناؤهم والأعمام وأبناؤهم جانبان، وعليه هؤلاء القرابة كلهم أحاطوا بك من جهة أبيك.

    وعندما أحاطوا بك حصل لك قوة، فما عاد يستطيع أن يأتيه أحد من جهة الأب يمنعه، ولا من جهة الابن يدفعه، ولا من جهة الإخوة يردونه، ولا من جهة الأعمام يصدونه، وكلما كثرت قرابات الإنسان ذكورة وقومه كلما اشتد ظهره وقوي.

    ولذلك قال بعضهم:

    ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر

    يعني: إذا إنسان عشيرته وقراباته وعصباته كثيرون يقوى ظهره، وإذا كان مسكيناً لا ناصر له إلا الله جل وعلا يستطيل عليه كل سفيه لا يخاف من الله جل وعلا.

    خلاصة الكلام: عصب يُعصِّبُ تَعْصِيباً من العصب بمعنى الشد والتقوية والإحاطة والطي، والعصبات هم قوم الرجل أبوه وبنوه ومن اتصل به ذكورة؛ والقرابة من جهة الأب سموا بذلك لأنهم أحاطوا بالميت من جوانبه الأربع، والعلم عند الله جل وعلا، فحصل له بذلك تقوية.

    تعريف العصبة اصطلاحاً

    أما العصبة من حيث الاصطلاح فقد كثرت أقوال العلماء، والذي اختاره شيخنا الشيخ محمد نجيب خياط عليه وعلى جميع المسلمين رحمة رب العالمين، في كتابه الفوائد البهية في شرح الرحبية صفحة: (30) قال:

    العصبة: كل من ليس له سهم صريح مقدر من الورثة، انتبه لهذه القيود!

    إذاً: هو وارث ضمن من تقدم معنا ذكرهم من الوارثين، فلا يمكن أن يكون العصبة من غير من تقدم معنا ذكرهم من أصناف الورثة الذين تعدادهم كما قلنا تفصيلاً من الصنفين خمسة وعشرون صنفاً، فهو وارث لكن ليس له نصيب مقدر، لا نصف ولا ربع ولا ثمن ولا ثلثان ولا ثلث ولا سدس، فهذا يقال له عصبة.

    هذا تعريف شيخنا عليه رحمة الله، وهذا فيما يظهر لي أقوى التعاريف وأسداها وأقواها والعلم عند الله جل وعلا، مع ذلك أذكر ثلاثة تعاريف أخرى.

    من جملة التعاريف ما ذكره الإمام الباجوري في حاشيته على شرح الرحبية فقال: العصبة هو من يرث بلا تقدير، يعني: قريب من التعريف الأول، لكن ذاك فيه زيادة بسط وإيضاح أكثر، فذاك يقول: ليس له سهم مقدر صريح وهو وارث، أما هنا فيقول: من يرث بلا تقدير، يعني: بلا تقدير شيء معين، وينبغي أن يكون وارثاً حتماً.

    تعريف الرحبي للعصبة والاعتراضات عليه

    التعريف الثالث وهو الثاني من التعاريف التي قلت سأذكرها بعد تعريف شيخنا، ذهب إليه الإمام الرحبي في الرحبية كما سنتدارسه بإذن الله جل وعلا وهو قوله:

    وحق أن نشرع في التعصيب بكل قول موجز مصيبِ

    انتبه لتعريف العصبة عرفها ببيتين من الشعر فقال:

    فكل من أحرز كل المالِ من القرابات أو الموالي

    أو كان ما يفضل بعد الفرض له فهو أخو العصوبة المفضلة

    يقول: من يأخذ المال بكامله إذا انفرد، سواء كان قريباً أو معتقاً من القرابات أو الموالي؛ لأن العصبة سيأتينا تنقسم إلى قسمين: سببية ونسبية.

    (ما يفضل) ما يزيد بعد الفرض له يأخذه، فإذا وجد بنت وعم، فالبنت لها النصف، وما بقي للعم.

    وأخو بمعنى صاحب، يعني: هو صاحب العصوبة.

    إذاً: عرف هنا العصبة بأنه إذا انفرد أخذ كل المال، سواء كان قريباً أو مولى معتقة أوليس كذلك، وإذا وجد مع أصحاب الفروض أخذ ما أبقته الفرائض، هذا تعريف العصبة عند الإمام الرحبي عليه رحمة الله:

    هذا التعريف أورد عليه اعتراضان:

    الاعتراض الأول: قالوا: إنه ذكر حكم العصبة دون تعريفها، فهذا حكم العصبة، يعني: العصبة إذا انفرد أخذ المال، وإذا وجد مع صاحب الفرض أخذ الباقي، والحكم متوقف على التعريف، وهذا يؤدي إلى الدور؛ لأنك إن أردت أن تعرفها فببيان حكمها، وحكمها لا يعلم إلا بعد تعريفها.

    وتقدم معنا في موانع الإرث الدور الحكمي، هل هو من موانع الإرث أم لا، وقلنا: ما أدى إثباته إلى نفيه، أي: يؤدي إثبات الإرث إلى نفي الإرث، وقد تقدم معنا في حالة الإقرار أنه إذا أقر الوارث بنسب لإنسان ادعى النسب من ميت، هل هذا يعتبر من موانع الإرث أم لا؟

    وقلت: المعتمد عند الإمام الشافعي أنه من الموانع؛ لأنه ثبوت الإرث يؤديه إلى نفيه، فلا يصح إقرار الوصي والوارث بالنسب إلا إذا كان وارثاً، وإذا أقر انتفى إرثه؛ لأنه سيكون المقر له هو الوارث، فهذا لا يصح إقراره إلا بعد كونه وارثاً، وإذا أقر انتفى الإرث عنه.

    تقدم معنا الدور تعريف الدور وأنه: توقف الشيء على ما توقف عليه، وقلنا: هذا باطل، وذكرت بعده بيتين لطيفين من الشعر:

    قضية الدور قامت بيني وبين من أحب فلولا شيبي ما هَجرْ

    ولولا هجره لم أشب

    وهنا معرفة حكم العصبة متوقف على بيان العصبة، فأنت كيف أعطيت حكمها ولم تعرفها؟ وعليه هذا دور، فقيل: تعريف الإمام الرحبي للعصبة يؤدي إلى الدور؛ لأنه بين حكمها ولم يبين ما هي العصبة.

    والحكم عن الشيء فرع عن تصوره، أما أن تحكم عليه، فأنت الآن أدخلت التصور في الحكم وليس عندك تصور للعصبة من هو، ولذلك الإمام الرحبي ذكر حكم العصبة لا تعريف العصبة.

    الاعتراض الثاني الذي وجه على الإمام الرحبي عليه رحمة الله قالوا: إنه عرف العصبة هنا بالنفس دون أن يعرف العصبة بالغير أو مع الغير، فتعريفه قاصر على نوع معين من العصبات، وهي العصبة بالنفس سواء سببية أو نسبية، عند الانفراد يأخذ كل المال، وإذا وجد مع أصحاب الفروض أخذ ما أبقته الفروض.

    فأورد اعتراضان على تعريف الإمام الرحبي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    القول الرابع وهو الثالث من الأقوال التي بعد قول شيخنا عليهم جميعاً رحمة الله في تعريف العصبة ذهب إليه بعض الفرضيين، كما ذكر ذلك الإمام الباجوري في حاشيته على الرحبية، بأنه الأولى أن نقتصر في بيان العصبة على عد أفراد العصبات دون أن نذكر لذلك ضابطاً؛ لأن كل ضابط سيقع عليه اعتراض.

    فقالوا: وليس يخلو حده من نقد فينبغي تعريفه بالعدِّ

    (وليس يخلو حده) حده يعني ضابطه، والمراد حد التعصيب.

    (من نقدِ) أي: من اعتراض

    (فينبغي تعريفه بالعدِّ)، يعني: نقول: العصبات هم كذا من الوارثين نعددهم كما سيأتينا بيان أعدادهم إن شاء الله.

    كما قلت: هذا عدة تعاريف أرجحها فيما يظهر: كل من ليس له سهم صريح مقدر من الورثة هذا يقال له عصبة، والعلم عند الله جل وعلا، هذا فيما يتعلق بالمبحث الأول في تعريف العصبة لغة واصطلاحاً.

    1.   

    أقسام العصبة

    ندخل في المبحث الثاني من مبحث التعصيب، ألا وهو أقسام العصبة.

    تنقسم العصبة إلى قسمين: عصبة نسبية بسبب القرابة، وعصبة سببية بسبب العتق، أما السببية فنرجئ الكلام عليها إن شاء الله إلى ما بعد هذه المحاضرة بعون الله جل وعلا.

    فإذاً: لنبدأ بالعصبة النسبية التي سببها ما تقدم معنا وهي قوم الرجل أبوه وبنوه ومن اتصل بهما ذكوراً أو قرابة فالذكور من جهة الأب، هؤلاء يقال لهم عصبة نسبية بسبب النسب، وينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

    عصبة بالنفس، عصبة بالغير، عصبة مع الغير، نفصل الكلام على هذه الأقسام الثلاثة:

    أما العصبة بالنفس فمحصورة في اثني عشر وارثاً، لا يخرج التعصيب عنهم في العصبة بالنفس، تقدم معنا الوارثون من الذكور خمسة عشر، أخرج منهم الزوج والأخ لأم، والمعتق بقي القرابات الذين من جهة الأب، الورثة الباقون كلهم من جهة الأب، فالأخ لأم ليس من جهة الأب أخرجناه، والزوج أخرجناه، فبقي معنا اثنا عشر وارثاً كلهم عصبة بالنسب، وهم: الابن وابن الابن مهما نزل، والأب والجد مهما علا، والأخ الشقيق أو لأب وابن الأخ الشقيق، وابن الأخ لأب، والعم الشقيق والعم لأب، وابن عم الشقيق، وابن عم لأب.

    العصبة بالغير

    أما العصبة بالغير فهم أربعة أصناف: الابن مع أخته التي هي بنت، وابن الابن مع أخته أو بنت عمه في درجته، أو إذا كانت أعلى منه وهو أنزل منها ولم ترث بغير ذلك فيعصبها، ابن أو ابن ابن، كل منهما مع أخته، وعندنا بعد ذلك أخٌ شقيق وأخٌ لأب، هذا يعصب الأخت الشقيقة فقط، وهذا يعصبه فقط.

    وعليه عندنا ثلاثة أصناف من أربعة: ابن, أخ، أخ لأب، ابن أخ.

    ابن الأخ الشقيق والأخ لأب، هؤلاء لا يعصبون إلا الأنثى التي في درجتهم، يعني: إلا أخته.

    وأما ابن الابن فيعصب أخته وبنت عمه، سواء كانت في درجته أو أعلى منه، وهو أنزل منها إذا لم ترث في غير ذلك، كما تقدم معنا في إرث بنات الابن السدس.

    وقلنا: لو لم ترث فإنه يعصبها القريب المبارك، فمثلاً: لو مات عن بنتين: بنت بنت وبنت ابن وابن ابن ابن، البنتان لهما الثلثان؛ لأنهما جمع، وبنت الابن محجوبة. إذاً: حظ البنات استوفي، فليس لبنت الابن فرض، ابن الابن عاصب، وهو أنزل من هذه، لكن بما أن هذه لم ترث فيعصبها.

    انتبه كيف ستختلف المسألة: بنت، بنت ابن، ابن ابن ابن، هنا لا يعصبها، فالبنت لها نصف، وبنت الابن السدس تكملة للثلثين، ابن ابن ابن عصبة؛ لأنها أعلى منه ولم ترث، وكيف يرث من هو أنزل منها وجهة القرابة واحدة، ولا ترث هي.

    فعندما يرث تقول: أنا أشاركه؛ لأننا ندلي بقرابة واحدة، كلنا فروع لهذا الميت، أنا أعلى منك، فإذا لم أتقدم عليك فلا أقل من أن أشاركك، كما قسم الله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11].

    في المسألة الأولى، ثلثاها اثنان، بقي واحد، والرءوس ثلاثة، ثلاثة في ثلاثة تسعة، تصحح المسألة: لكل بنت ثلاثة أسهم، صار ستة من تسعة، ولبنت الابن سهم واحد، ولابن ابن الابن سهمان.

    والمسألة الثانية من ستة: نصفها ثلاثة وسدسها واحد بقي معنا اثنان.

    إذاً: العصبة بالغير: الابن مع البنت، الأخ الشقيق مع الأخت الشقيقة، الأخ لأب مع الأخت لأب.

    بقي معنا ابن الابن مع الأنثى التي هي بنت ابن فرع وارث في درجته، سواء كانت أختاً له أو بنت عم، وسواء كانت في درجته أو أعلى، لا يمكن أن يقال: أنزل، لأنه لا يعصبها، ويكون أولى بالميراث منها، إنما هي أعلى منه، إذا أعلى منه أو في درجته عصبها بالشروط التي تقدمت معنا.

    وعليه أربعة أصناف عصبة بالغير، ممكن أن تقول: الفرع الوارث الذكر من ابن أو ابن ابن مع الوارث الأنثى بشرط أن يكون مساوياً له أو أعلى منه، أما أنزل منه فلا يعصبه.

    وبعد ذلك الأخ من جهة الأب مطلقاً شقيقاً أو لأب فقط يعصب أخته، فالشقيق يعصب الشقيقة، والذي لأب يعصب الأخت لأب.

    الدليل على هذا قول الله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، وهذه شاملة للصنفين للابن ولابن الابن مع أختيهما، فكل واحد يعصب أخته؛ لأنه أيضاً ولد.

    وقلنا: الولد مهما نزل فهو ولد: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11] هذا عصبة بالغير، يعني: الأنثى صارت عصبة بأخيها، ولولا الأخ لورثت عن طريق الفرض، فلما جاء أخوها انتقل الإرث من فرض إلى تعصيب.

    ويمكن أن تقول أيضاً، العصبة بالغير منحصرة في أربعٍ من النسوة مع أخواتهن، وهن اللاتي حظهن النصف منفردات، وحظهن الثلثان مجتمعات: بنت، بنت ابن، أخت شقيقة، أخت لأب.

    والدليل على توريث الأخوات مع الإخوة آخر آية النساء آية الكلالة: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً [النساء:176]، يعني: إخوة أشقاء وأخوات شقيقات، إخوة لأب وأخوات لأب، هذه لأنها نازلة في القرابة من جهة الأب لا من جهة الأم، تلك تقدمت كما قلنا في أول سورة النساء: وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء:176].

    ثم إنه لا يعصب الأخ لأب الأخت الشقيقة، يعني: لو مات وترك أختاً شقيقة وأخاً لأب، الأخت الشقيقة فرضها النصف، والأخ لأب له الباقي، لكن لو ترك أختاً شقيقة وأخاً شقيقاً: للذكر مثل حظ الأنثيين، المسألة من ثلاثة، أخذت الثلث بدلاً من أن تأخذ النصف، فالشقيقة لا يعصبها إلا شقيق، والتي لأب لا يعصبها إلا أخٌ لأب، والبنت لا يعصبها إلا ابن، ابن ابن لا يعصبها، وبنت الابن يعصبها ابن ابن وهو أخٌ لها أو ابن عم أو أنزل منها إذا لم ترث بغير ذلك، فأحسن من أن تسقط ترث، ويكون الإرث للذكر مثل حظ الأنثيين.

    سبب انتقال صاحبات الفروض إلى عصبة بالغير

    أريد أن أبين وجه الحكمة في انتقال هؤلاء النسوة من الفرض إلى التعصيب مع إخوتهن.

    قال أئمتنا في تعليل ذلك: والأصل نص قرآني، لكن ما العلة عندما نقلهن الله من الفرض إلى التعصيب مع إخوتهن وكلهم وارثون: الابن وارث والبنت وارثة، والأخ الشقيق وارث والأخت الشقيقة وارثة، فقراباتهم واحدة إلى الميت.

    قال أئمتنا: لا يمكن أن نعطي هؤلاء النسوة فرضهن؛ لأنه يلزم منه محظور يصادم قواعد الفرائض من أولها لآخرها!

    قالوا: لو أعطيناهن فرضهن للزم من ذلك تفضيلهن على الذكور: وهذا محظور أول، فمثلاً بنتان لهما ثلثان، وعندنا ابنان أعطِ البنات فرضهن الثلثان، كل واحدة أخذت ثلثاً والابنان ثلث بينهما، يعني: كل واحد سيأخذ السدس، أي سيأخذ الذكر نصف الأنثى، وقد يأخذ أقل بكثير، لكن هذا من باب المثال.

    فلو أعطيت لهؤلاء النسوة فرضهن المذكور: نصف وثلثان للزم من ذلك تفضيلهن على الذكور، والقرابة واحدة والقوة واحدة، الجهة واحدة يلزم أيضاً محظور آخر، وقواعد الفرائض تأباه؛ وهو مساواتها للذكر، وهذا فيما لو مات وترك ابناً وبنتاً، لو أعطيناه النصف بقي للذكر النصف.

    وقلنا: قامت قواعد الإرث على تفضيل الذكور على الإناث، إلا في الإخوة لأم لأن قرابتهم لمحض الأنوثة، فلا ينظر هناك إلى ذكورة ولا إلى تعصيب ولا إلى تفضيل, ولذلك قلنا: قرابة ضعيفة يسقطها أصل الميت ويسقطها فرع الميت، فمتى ما وجد أصل أو فرع سقطت تلك القرابة، بينما هنا ليس كذلك، هنا قرابة قوية، فإذا كان كذلك كيف ستسوي بين الذكر والأنثى؟

    محظور ثالث: قالوا: قد يؤدي هذا إلى إسقاط الذكر بالمرة، وهي لا تسقط، وما أكثر الصور لهذه المسألة، منها:

    مات وترك أماً وأباً وزوجة وبنتين، وابناً، الابن هنا إذا لم تعصبه سقط، ويستحيل أن الابن يسقط والبنتان ترثان، الأم لها السدس لوجود فرع وارث، والأب له السدس لوجود فرع وارث ذكر وليس له أكثر من ذلك، والزوجة لها الثمن، والبنتان على حسب الفرض لهما الثلثان، والابن عصبة، هذا الحل غلط.

    لنبين المحذور الذي سيترتب عليه، وهو سقوط الذكر بالأنثى والقرابة واحدة، هذا لا يمكن في الفرائض، ولذلك قلت: ما يلزم تفضيل الأنثى أو مساواتها أو إسقاطها للذكر، وكلا الأحوال مردودة في الفرائض، فما ينبغي أن يشرع للبنت فرض مع الابن ولا الأخت الشقيقة مع الأخ الشقيق, ولا الأخت لأب مع الأخ لأب؛ لأنه يلزم من هذا إما مساواتها لأخيها، إما تفضيلها عليه وإما إسقاطها له، وكل هذا محاذير.

    المسألة من أربعة وعشرين: سدسها أربعة، للأم، السدس، للأب أربعة، والزوجة الثمن ثلاثة، والبنتان ستة عشر، لكل واحدة ثمانية، اجمع: ثمانية وثمانية ستة عشر، وأربعة عشرون، وأربعة أربعة وعشرون، وثلاثة سبعة وعشرون، عالت المسألة، وسيأتينا أن أصل أربعة وعشرين لا يعول إلا عولاً واحداً، وهو هذا.

    فالابن هنا ما بقي له شيء، كيف يعقل أن يأخذ البنات ويسقط البنون؟

    ولذلك قال أئمتنا: الحكمة من جعل الله جل وعلا هؤلاء النسوة الأربعة: البنات، بنات الابن، أخوات شقيقات أخوات لأب ينتقلن من الفرض إلى التعصيب مع أخواتهن؛ لأننا لو أعطيناهن للزم ثلاثة محاذير كلها مردودة في الفرائض:

    إما أن نفضل الأنثى على الذكر، وإما أن نساوي الأنثى بالذكر، وإما أن نسقط الذكر بالأنثى، وكل هذا مردود في الفرائض، وعليه لابد من التعصيب, على القاعدة المضطردة في الفرائض: للذكر مثل حظ الأنثيين عندما يكون الذكر والأنثى من جهة واحدة وفي درجة واحدة يقتسمون المال بهذه النسبة: للذكر مثل حظ الأنثيين.

    هذا الحكم متفق ومجمع عليه ما وجد فيه خلاف إلا لصاحبي واحد، وهو ابن مسعود رضي الله عنه.

    يقول ابن مسعود رضي الله عنه في تفصيل له في هذا الأمر:

    إذا أخذ البنات أو الأخوات حظهن فلا يعصب ابن الابن بنت الابن، ولا يعصب الأخ لأب الأخت لأب، فالبنات لهن ثلثان ما يزدن، والأخوات لهن الثلث ما يزدن، فإذا وجد بنات أخذن الثلثين، وبنت الابن ما تصبح عصبة لابن الابن، لا في درجتها ولا أنزل منها ولا أعلى، قلنا: هذا محل اتفاق، لا بدرجتها ولا أنزل منها، وهكذا لو وجد أخوات شقيقات أخذن الثلثين، ولو وجدت أخت لأب لا تعصب ، وهذا مردود مردود مردود.

    لكن قوله انتهى هذا القول بموته رضي الله عنه وأرضاه، فانتبه لصورة المسألة.

    المسألة لها حالتان وهذه الصورة الأولى: بنتان، بنت بنت وبنت ابن، وابن ابن، انظر ماذا يفعل ابن مسعود في هذه المسألة رضي الله عنه وأرضاه.

    البنتان لهما الثلثان، وهذا محل إجماع لا خلاف فيه، بنت الابن يقول: سقطت؛ لأن حظ البنات ثلثين، فهذه ما بقي لها شيء فهي محجوبة، والمال كله لابن الابن الباقي.

    فالمسألة من ثلاثة: بنت واحد، بنت واحد، ابن ابن واحد، هذا الحل عند ابن مسعود .

    فيقول: الأخ يعصب أخته، لكن بشرط أن يأخذن البنات حظهن الذي شرعه رب الأرض والسماوات، يقول: البنات ما يزدن على الثلثين، فأنت الآن لو أعطيت بنت الابن مع الابن شيئاً لأخذ البنات أكثر من الثلثين؛ وعليه بنت الابن تسقط، وهكذا لو كانت أختان شقيقتان لهما ثلثان والأخت لأب سقطت؛ لأن حظ البنات الثلثان، وقد أخذه الأخوات الشقيقات، فينفرد الأخ لأب بالباقي ويحجب أخته مع أنه في درجتها، وهي في درجته.

    لكن يقول: حظ البنات يستوفي، فإذا استوفي نعطي الرجال العصبات ما بقي، هذه الصورة الأولى.

    الصورة الثانية: إذا ترك الميت: بنت وبنت ابن وابن ابن، فهو يقول: نعطي بنت الابن الأضر من أحد شيئين: السدس أو المقاسمة.

    فبنت الابن إذا كان السدس أكثر مما تأخذه بالتعصيب لا نعطيها، وابن كان ما تأخذه بالتعصيب أكثر لا نعطيها به؛ لأنه لا يمكن أن يزيد البنات على الثلثين، ولكن ممكن أن ينقصن بواسطة المعصب الذي هو في درجة بنت الابن، فنحن نعطي بنت الابن الأضر من أمرين، من السدس ومن التعصيب بالمقاسمة مع أخيها الذي في درجتها.

    يقول ابن مسعود: إذا استوفى البنات الثلثين فبنت الابن لا ترث شيئاً مع ابن الابن، وإذا ما استوفى البنات الثلثين أخذن البنات النصف؛ لأنها بنت واحدة، فبنت الابن نعطيها الأقل من السدس ومن المقاسمة مع الذكر الذي معها للذكر مثل حظ الأنثيين.

    وهكذا الأخت لأب مع الأخ لأب، إذا استوفى الأخوات الشقيقات الثلثين سقطت الأخت لأب ولا يعصبها الأخ لأب الذي هو أخٌ مبارك ولولاه لورثت، نقول: تسقط، وإذا أخذ الشقيقات النصف لأنها واحدة فالأخت لأب الآن تأخذ مع الأخ لأب الأضر لها من السدس تكملة للثلثين، ومن المقاسمة.

    ولا تحتاج إلى تفضيل أكثر من هذا؛ لأنه كما قلت: لا يوجد من يقول بهذا، يعني: لا من المذاهب الأربعة المتبعة، ولا من المذاهب الأخرى من ظاهرية وغيرهم، على أن كلام الظاهرية كما يقرر أئمتنا لا يعتد به في مواطن الخلاف، ولذلك لا يعتبرون في مسائل الإجماع.

    فلو مسألة انعقدت قال: خالف الظاهرية، نقول: من الظاهرية حتى تحكي قولهم في هذه المسألة؟

    فلا يعتد بأقوالهم، ولذلك لا يقول بهذا كما قلت لا أحد من المذاهب الأربعة ولا من الظاهرية ولا من غيرهم، إنما ذكرت لبيان فقط من قال بها، وانظروا هذه المسألة في المغني للإمام ابن قدامة في الجزء السابع من صفحة عشرة إلى صفحة: اثنتي عشرة، حكى قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وأنه انفرد في هذه المسألة من بين الصحابة، ولم يتابعه فيها أحد.

    العصبة مع الغير

    الصنف الثالث من العصبات النسبية: العصبة مع الغير، وهو منحصر في صنفين اثنين لا ثالث لهما، وهما الأخوات الشقيقات أو الأخوات لأب، مع الفرع الوارث فإنهن يعصبن.

    فالأخوات مع البنات عصبات كما تقدم معنا، والبنات شامل للبنات وبنات الابن، والأخوات خاص بالصنفين شقيقة أو لأب، أما الأخت لأم ما لنا علاقة بها.

    فالأخوات مع البنات عصبة، فلا يفرض للأخوات شيء؛ لأن الشرط في إرث الأخوات أن يكون الميت كلالة ليس له أصل وارث ولا فرع وارث: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ [النساء:176].. فإذا لا ترث الأخت فرضاً مع وجود الفرع الوارث، لكن تنتقل إلى شيء آخر وهو التعصيب، أي عصبة مع الغير، فالأخت الشقيقة أو الأخت لأب مع البنت أو بنت الابن تعصب.

    فمثلاً: مات وترك بنتاً وبنت ابن، وأختاً شقيقة، البنت لها النصف وبنت الابن السدس تكملة للثلثين، والأخت الشقيقة عصبة.

    المسألة من ستة، ثلاثة للبنت، واحد لبنت الابن، الأخت الشقيقة اثنان، لو بدل الأخت الشقيقة أخت لأب هي هي.

    لكن انتبه الآن للمسألة هنا: بنت ابن، أختٌ شقيقة، أختٌ لأب، بنت ابن لها النصف؛ لأنه لا مشارك ولا معصب وليس هناك فرع وارث أعلى منها.

    والأخت إذا عصبت مع البنت نُزِّلت منزلة أخيها، فالأخت الشقيقة يصبح لها حكم الأخ، والأخت لأب إذا عصبت يصبح لها حكم الأخ لأب، فالمسألة من اثنين، بنت الابن النصف الأخت الشقيقة الباقي، الأخت لأب ليس لها شيء.

    انتبه الآن! هذه المسائل كثيراً مما يخطئ فيها الطلبة: بنت، أخت شقيقة، أخٌ لأب، البنت لها النصف، أخت شقيقة عصبة، أخ لأب ساقط مع أنه ذكر؛ لأن الأخت الشقيقة عندما عصبت نزلت منزلة الأخ الشقيق، فسقط، المسألة من اثنين: البنت نصف والأخت الشقيقة نصف، والأخ لأب ليس له شيء.

    وهذه فيها خلاف عبد الله بن عباس ، وإسحاق بن راهويه ، وابن حزم الذي من الحزم أن لا نتبع أقواله رحمة الله على أئمتنا عندما يقولون في تحريم المزامير والمعازف:

    واجزم على التحريم أي جزمِ والحزمُ أن لا تتبع ابن حزم

    أي: فيما شذ وانفرد عليه رحمة الله وغفر الله لنا وله.

    فهنا لما عصبت الشقيقة بالفرع الوارث نزلت منزلة أخيها تماماً فحجبت الأخ لأب.

    بالنسبة للدليل على ذلك تقدم معنا عند المسألة التي عرضت على أبي موسى الأشعري في موضوع إرث الأخت لأب السدس في موضوع إرث بنت الابن السدس مع البنت، ووجود أختٌ شقيقة، فبنت الابن أسقطها أبو موسى الأشعري وقال: ائتوا ابن مسعود فسيتابعني.

    والحديث تقدم معنا قلت: رواه أهل الكتب الستة، إلا الإمام مسلماً والإمام النسائي ، فهو في البخاري وفي سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه أوليس كذلك، في الكتب الستة إلا في صحيح مسلم وسنن النسائي ، وتقدم معنا رواه الإمام الدارقطني ورواه الإمام الحاكم ، وهو في صحيح البخاري ، ورواه البيهقي في السنن، ورواه الإمام أبو داود الطيالسي ، ورواه ابن الجارود في المنتقى، وهو في أعلى درجات الصحة، فهو في صحيح البخاري ، من رواية هزيل بن شراحبيل ، فقد سئل أن أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه عن رجلٍ مات وترك بنتاً وبنت ابن وأختاً شقيقة، وغالب ظني هذه، بنت بنت ابن أخت شقيقة هذه هي.

    فقال أبو موسى الأشعري : للبنت النصف، وللأخت الشقيقة النصف، وليس لبنت الابن شيء.

    ثم قال: وائتوا ابن مسعود فسيتابعني، وهذا القضاء كان في خلافة عثمان رضي الله عنهم أجمعين، كما بين ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح؛ بأن أبا موسى الأشعري كان أميراً ووالياً على الكوفة من قبل عثمان ، وكان قبله عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، فعزل ووضع أبا موسى الأشعري مكانه، فقضى فيها في البصرة، وعبد الله بن مسعود كان حاضراً معه، وقال: وائتوا ابن مسعود فسيتابعني.

    وهذا من باب الاعتراف والإقرار بما لأهل الفضل من مكانة، يعني: يقول: ابن مسعود هو أعلم مني سيقرني على هذا القضاء، فذهبوا إليه، فعرضوا عليه المسألة قال: والله لأقضين فيها بقضاء رسول الله، لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين إذا لم أقض فيها بقضاء النبي الأمين عليه الصلاة والسلام.

    ثم قال: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين، وما بقي فهو للأخت الشقيقة، فعرض القضاء على أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم أجمعين، فقال: لا تسألوني مادام هذا الحبر فيكم.

    الحبر بكسر الحاء وفتحها، أما الكسر فقد رجحه الجوهري والفراء وقالوا: سمي باسم الحبر الذي يكتب به العالم، لا تسألوني مادام هذا الحبر فيكم، سمي بهذا الاسم لكتابته بالحبر، فنسب إليه وسمي به.

    والحبر عطر الرجال كما كان أئمتنا يقولون: إذا لم تر طالب العلم ثيابه منقطة بالحبر ويداه مطمورتان يدل على أنه كسلان، كحالنا في هذه الأيام؛ أنه من كان يكتب ويعتني لابد من أن تظهر عليه هذه العلامات، لاسيما سابقاً كانوا يصنعون الحبر صناعة، فما يشترى وهو جاهز، ثم الأقلام كانت تنجر في البيت من القصب والعيدان، ويكتب بها، يعني: كل شيء هيأ لنا مع كسلنا، نسأل الله أن يتوب علينا.

    ولذلك الإمام ابن الجوزي كان عندما يأتيه ضيوف يشتغل في بري الأقلام وإعدادها؛ لأنها لا تحتاج إلى ذهن من أجل أن لا يضيع الوقت، من أجل يكون عنده رزم، كلما تكسر قلم يأتي بقلم، فسمي العالم حِبراً لكتابه بالحبر:

    إنما الزعفران عطر العذارى ومداد الدواة عطر الرجالِ

    هذا الحبر عطر، كلما تلطخت فيه كان أطيب لك وأجمل، لكن الآن تغيرت الأحوال ونسأل الله السلامة.

    قلت: الذي رجحه الجوهري وأيضاً الإمام الفراء الكسر، وقال أبو حبيب : الكسر خطأ، والضبط بالفتح الحَبر، يقول: سمي العالم حَبراً؛ لأنه يحبر الكلام ويحسنه ويجوده، وينطق بالفصاحة والبلاغة، من التحبير.

    والذي يظهر والعلم عند الله الضبطان معتبران، وكل منهما له توجيه، فهو يكتب بالحبر فيقال له حِبر، وهو يُحَبِرُ الكلام ويزينه فيقال له: حَبر.

    يقول الحافظ ابن حجر في المجلد الثاني عشر صفحة سبع عشرة: ولاه عثمان رضي الله عنه على الكوفة بعد عبد الله بن مسعود ، ولفظ الكوفة والبصرة متقاربان، لكن هو كانت إمرته على الكوفة: أبو موسى الأشعري رضي الله عنهم أجمعين.

    وثبت في صحيح البخاري في كتاب الفرائض وبوب البخاري باباً يشير به إلى أن الأخوات مع البنات عصبات، فقال: باب: ميراث الأخوات مع البنات عصبة، ثم ساق بإسناده إلى الأسود بن يزيد قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بأن النصف للابنة والنصف الآخر للأخت الشقيقة، فمات وترك بنتاً وأختاً شقيقة، وقضى معاذ بن جبل النصف للبنت، والنصف للأخت، لكن تلك فرضاً وهذه تعصيباً.

    والحديث رواه مع البخاري أبو داود والدارقطني ، وفي بعض روايات حديث أبي داود والدارقطني : قضى فينا معاذ بن جبل وهو باليمن ونبي الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حي.

    وفي رواية الدارقطني : قدم علينا معاذ حين بعثه النبي عليه الصلاة والسلام إلى اليمن، فذكر أنه قضى في بنت وأخت، بأن للبنت النصف وللأخت النصف، هذه فرضاً وتلك تعصيباً.

    هذا فيما يتعلق بالقسم الثالث من العصبات النسبية، الأخوات مع البنات شقيقات أو لأب، مع بنات أو بنات ابن الحكم واحد.

    عندنا في ذلك خلافان مردودان لم يعول عليهما أئمتنا الكرام.

    مذهب ابن عباس في الأخوات مع البنات

    أولهما: خلاف عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فعند عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: لا يورث الأخوات مع البنات شيئاً مطلقاً، فإن كان هناك عاصب رد هذا المال إليه، وإن لم يكن هناك عاصب رد على البنات وليس للأخوات شيء.

    وعليه لو مات عن بنت ابن أخت شقيقة أخت لأب، المال كله لبنت الابن عند عبد الله بن عباس ، وليس للأخت الشقيقة ولا الأخت لأب شيء على الإطلاق.

    ولو قدر مات عن بنت وأخت شقيقة وعم، البنت لها النصف والعم له النصف، والأخت الشقيقة ليس لها شيء على الإطلاق.

    عبد الله بن عباس يقول: لا يرث الأخوات مع البنات شيئاً، قال: لأن الله اشترط لإرثهن عدم وجود الولد، فإذا وجد الولد لا يرثن: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176].

    فلما قيل له: إن عمر رضي الله عنه قضى بخلاف ذلك، غضب وانفعل، وغضبه في غير محله، مع حبنا له واحترامنا له.

    فقال: أأنتم أعلم أم الله، والله يقول: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176]، إذا كان هناك ولد ليس لها ميراث.

    وقد أخطأ في فهمه رضي الله عنه، وما قضى به عمر هو المنقول عن قضاء نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو الذي دل عليه القرآن كما سأناقش قول ابن عباس رضي الله عنه، وقوله باطل.. باطل.. باطل.. مع جلالة قدره.

    إنما يقول: لا يرث الأخوات مع البنات شيئاً، وإن كان هناك عاصب رد إلى ذلك العاصب، وإلا رد على البنات، ولا يرثن شيئاً، وعليه لو مات.. انتبه للتناقض العجيب: لو مات وترك بنتاً وأخاً شقيقاً، وأختاً شقيقة، البنت لها النصف، والأخ الشقيق له الباقي والأخت ليس لها شيء! فكيف هذا؟

    قال: شرط لإرثها عدم وجود فرع وارث وقد وجد فلا ترث!

    يا عبد الله ! شرط لإرثها النصف لا لإرثها مطلقاً، يعني: لا ترث الأخوات النصف مع وجود فرع وارث، لكن ليس معناه لا يرثن مطلقاً، أي: أنهن محجوبات بالفرع الوارث، فلابد من فهم المراد من الآية كما سيأتينا في مناقشة قول ابن عباس .

    وقد ناقشه أئمتنا وردوا قوله، منهم الإمام القرطبي في تفسيره، وأحسن في القول في الجزء السادس صفحة: (تسع وعشرين)، وأطال الحافظ في الفتح في مناقشة هذا القول ورده في ثلاثة أماكن، في صفحة: أربع عشر، وثمان عشرة، وأربع وعشرون من المجلد الثاني عشر.

    والإمام ابن تيمية بسط القول في ذلك في أربع صفحات في مجموع الفتاوى في الجزء الواحد والثلاثون من صفحة: ست وأربعين وثلاثمائة فما بعدها.

    والإمام ابن القيم في إعلام الموقعين في الجزء الأول أيضاً ذكر في ذلك ست صفحات من صفحة: أربع وستين وثلاثمائة فما بعدها.

    والإمام ابن قدامة في المغني في الجزء السابع من صفحة: (ستة إلى سبع)، والإمام ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية.

    وخلاصة ما قالوه في مناقشة قوله ورده ضمن خمسة أمور سأذكرها انتبهوا لها.

    أولها: آية الكلالة التي في آخر سورة النساء: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176] تفيد أنه لا يفرض للأخت شقيقة أو لأب النصف مع وجود الولد، والولد هو الفرع الوارث من ذكر أو أنثى، ولا مانع من أن تأخذ النصف تعصيباً لا فرضاً.

    وقد وافق ابن عباس على ثبوت ميراث الأخ مع الولد، وهذا لا خلاف فيه فلمَ تركت هنا ظاهر الآية وما فهمها كما فهمها الجمهور، وهناك أخذ بالظاهر على حسب زعمه وقال: لا ميراث للأخت؟

    لو ماتت وتركت بنتاً وأخاً شقيقاً، هل البنت الآن تحجب عمها قال: لا تحجب، قلنا: لو مات وترك بنتاً وأختاً شقيقة وأخاً شقيقاً لمن المال؟ يقول: للأخ الشقيق ويحجب الأخت؛ يقول: لأن الله قال: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176]، فالأخت ترث عند عدم الولد، نقول: والأخ يرث عند عدم الولد.

    إذاً: هذا لابد من وعيه وفهمه، هنا يرثها عن طريق التعصيب إذا لم يكن لها ولد ذكر، لو وجد ولد ذكر بدل البنت حجبه بالإجماع.

    إذاً: اشترط الله لإرث الأخ من أخته عدم وجود ولد ذكر، لكن ولد ذكر مع الأنثى ترث بالإجماع، وهناك نقول: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176]، اشترط الله لإرثها النصف: أن لا يكون هناك للميت ولد مطلقاً من ذكر أو أنثى؛ فإذا وجد لا ترث النصف فرضاً، لكن لا مانع إذا كان الولد أنثى أن ترث معه لا عن طريق الفرض، إنما عن طريق التعصيب.

    فلو مات وترك ابناً وأختاً شقيقة، الأخت الشقيقة بالإجماع حجبت، ولو مات وترك بنتاً وأختاً شقيقة، نقول: البنت لها فرضها والأخت لا فرض لها؛ لكن نعطيها تعصيباً، وعليه قد تسقط، بينما في الفرض قد تزاحم الورثة، وتأخذ فرضها رغم أنف الورثة.

    أما هنا قد تعطيها تعصيباً ولا ترث بهذا التعصيب ولا تستفيد، مثل: مات وترك بنتاً وبنتاً أخرى، وأماً، وبدل الميت الذكر اجعله أنثى ماتت وتركت زوجاً وأخت شقيقة، ماذا ستستفيد من هذا التعصيب؟ لن تستفيد منه شيئاً، مع أنها عصبة، فشتان بين الإرث عن طريق التعصيب، والإرث عن طريق العصبة؛ لأنه لو فرض لها ستزاحم الورثة كبيراً وصغيراً، وستأخذ فرضها، وتضر غيرها من أجل أن تنال حقها.

    أما هنا إن بقي لها شيء أخذته وإلا سقطت، فكونها تأخذ النصف بحالة من الأحوال لا يلزم منه أي إشكال؛ لأن هذا أخذته تعصيباً لا فرضاً، البنتان لهما الثلثان، الأم لها السدس، الزوج له الربع لوجود الفرع الوارث، أخت شقيقة عصبة.

    المسألة من اثني عشر، ثلثاها ثمانية أربعة أربعة، سدسها اثنان، ربعها ثلاثة، اجمع: ثلاثة عشر، عالت، ماذا بقي للأخت؟ بقي لها البكاء فقط، فهي عصبة، نحن سنعطيها التعصيب لكن تستفيد أو لا تستفيد هذا موضوع آخر.

    وهنا: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176] فرضاً عند عدم وجود الولد، إن وجد الولد إن كان ذكراً ليس لها فرض ولا تعصيب، وإن كان أنثى ليس لها فرض بالإجماع، فلا ترث الأخت مع الفرع الوارث فرضاً، إنما لها التعصيب؛ كما حكم به النبي عليه الصلاة والسلام.

    هذا كما نقول في الشق الثاني من الآية: وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176]، أي ولد هنا؟ الذكر، لو قلت أنثى يعني: إذا كان لها ولد أنثى يرثها إذاً لا يرث، فالمراد الذكر، أي: إن لم يكن لها ولد ذكر ورثها، فإن كان لها ولد ذكر لم يرثها.

    وعليه لا يرث الأخ مع وجود الابن، أما مع البنت فيرث، هنا ولد وهنا ولد، واتفقنا نحن هنا على أنه يرث الأخ مع وجود بنت أخته، وهذا بالإجماع ، وابن عباس يقول بذلك، فلمَ أنت لا تورث الأختَ مع وجود بنت أخيها وينبغي أن تورثها؟

    إن الولد في الأصل شامل للذكر والأنثى، والمراد منه هنا خصوص الذكر، لقيام الأدلة على أنه لو وجدت أنثى أخذت فرضها وما بقي فلأولى رجل ذكر، فلو مات وترك بنتاً -هذا ولد-، وأخاً شقيقاً، نقول: البنت لها فرضها، وما بقي لأولى رجل ذكر، هو وجد وأخ شقيق وعم، أيهما أولى؟ الأخ الشقيق وحجب العم إذاً أخذ مع وجود ولد. والله يقول: وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176].

    وعليه كما قلت الآية تفيد أن الأخت شقيقة أو لأب لا يفرض لها النصف مع الفرع الوارث الأنثى بنتاً أو بنت ابن، لكن لا مانع من أن تأخذ النصف تعصيباً لا فرضاً.

    وقد وافق ابن عباس على ثبوت ميراث الأخت والأخ مع الولد، مع أن الله يقول: وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176].

    والخلاصة: عدم الولد شرط في فرض الأخت، ألا وهو النصف الذي تقاسم به الورثة، وليس عدم الولد شرطاً في توريثها مطلقاً أبداً، هذا شرط في أخذها للنصف لا في إرثها، يعني: هي هل تكون وارثة أو لا؟ هذا لم تتعرض له الآية، وإنما تعرضت لبيان النصف.

    إذاً: لها النصف إذا لم يكن له ولد: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176]، فلا تأخذ فرضها يعني النصف إلا إذا كان الميت كلالة، فلا تأخذ فرضها يعني الأخت شقيقة أو لأب، فلا تأخذ فرضها إلا إذا كان الميت كلالة.

    لكن لا يمنع أن تأخذ غير فرضها، إرثاً آخر عن طريق التعصيب كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الذي قضى به عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.

    الجواب الثاني والثالث والرابع والخامس حول هذا يأتينا إن شاء الله فيما يأتي.

    ثم بعد ذلك ننتقل لمناقشة قول إسحاق بن راهويه وابن حزم .

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا.

    اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً.

    اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.

    والحمد لله رب العالمين.