إسلام ويب

فقه المواريث - أصحاب الفروضللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الفروض المقدرة في كتاب الله ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس، فالنصف يستحقه خمسة أصناف: الزوج، والبنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، وكل صنف من هؤلاء يستحق النصف بشروط، والربع يستحقه اثنان: الزوج والزوجة، والثمن للزوجة أو الزوجات إذا وجد فرع وارث، والثلثان للبنت وبنت الابن والأخت الشقيقة والأخت لأب بشروط معينة.

    1.   

    الإرث بالفرض

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    آخر ما تدراسناه في بيان عدد الورثة الذين يرثون من القرابات أو من الأزواج أو من المعتقين، من يرث ومن يستحق الإرث سواء بسبب القرابة أو النكاح أو العتق والولاء، قلت: عددهم تفصيلاً من الصنفين من الذكور والإناث خمسة وعشرون وارثاً.

    وآخر شيء تكلمنا عليه أنهم ينقسمون إلى أربعة أقسام: فصنف يرثون بالفرض فقط، وصنف بالتعصيب فقط، وصنف بالفرض أو بالتعصيب أو بهما، وصنف يرثون واحداً منهما دون أن يجتمع الأمران لهما.

    فالذين يرثون بالفرض سبعة فقط، وهم: الأم والجدتان وولدا الأم، الأخ لأم، والأخت لأم، والزوجة، فهنا سبعة أصناف يرثون بالفرض فقط.

    والذين يرثون بالتعصيب اثنا عشر وارثاً، وهم: الابن وابنه والأخ الشقيق أو الأب، وابن الأخ الشقيق أو لأب، والعم الشقيق أو لأب، وابن العم الشقيق أو لأب، والمعتقان، هؤلاء لا يرثون إلا عن طريق التعصيب.

    والذين يرثون بالفرض أو بالتعصيب أو بهما معاً صنفان فقط، وهما أبٌ وجد.

    والذين يرثون بالفرض أو بالتعصيب ولا يجتمع الأمران لهما، أربعة أصناف من الورثة وهن: البنت، بنت الابن، الأخت الشقيقة، الأخت لأب، فالواحدة من هؤلاء قد ترث فرضاً وقد تكون عصبة مع أخيها.

    ننتقل الآن إلى أنواع الإرث.

    الإرث ينقسم إلى نوعين اثنين:

    النوع الأول: إرث بالفرض، والثاني: إرث بالتعصيب.

    1.   

    تعريف الفرض

    أما الإرث بالفرض فقد تقدم معنا سابقاً تعريف الفرض، وقلت: إنه مشترك لفظي في اللغة يدخل تحته عدة معانٍ أذكرها على سبيل الإيجاز دون أدلتها، قلت: يأتي بمعنى القطع، وبمعنى التقديم، وبمعنى الإنزال، وبمعنى التبيين، وبمعنى الإحلال، وبمعنى الإلزام وبمعنى التوقيت، وبمعنى القراءة، وبمعنى الهبة وبمعنى الحج، هذا كله تقدم معنا عند بيان علم الفرائض، وذكرت الأدلة على ذلك، وذكرت الصلة بين الألفاظ ومعانيها، وقلت: لا تخرج عن أربعة أنواع أيضاً: اشتراك، تباين، توافق، ترادف، فهنا اشتراك لفظي أي: لفظ يدخل تحته معانٍ كثيرة ويدل على أمور متعددة مختلفة، هذا يقال له: مشترك لفظي.

    ومعناه في الاصطلاح عند الفقهاء: الفرض ما يثاب امتثالاً، ويعاقب تاركه مطلقاً.

    وأما معنى الفرض عند الفرضيين، وهو الذي يتعلق ببحثنا، ولنا به دراية، وهو متعلق بأمرنا، ينبغي أن نعتني به وأن نعيه، الفرض قلت: إنه سهم مقدر لوارث، لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول.

    ويمكن أن نقول في تعريفه: نصيب مقدر لوارث معين، لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول، أما الرد والعول فسيأتينا الكلام عليهما طول مباحث الفرائض إن شاء الله، وهذا التعريف مر معنا أيضاً عند تعريف علم الفرائض، إنما من باب التمثيل.

    مثلاً: مات عن بنت وأخٍ شقيق، البنت لها النصف ترث عن طريق الفرض، والأخ الشقيق عصبة، المسألة من اثنين واحد واحد، كيف سيزيد هذا الفرض وكيف سينقص؟ انتبه يزيد بالرد مات عن بنت وبنت ابن فقط، البنت لها النصف، وبنت الابن لها السدس تكملة للثلثين كما سيأتينا في أصحاب الفروض إن شاء الله، المسألة من ستة، نصفها ثلاثة، وسدسها واحد، ترد إلى أربعة، فهذه تأخذ ثلاثة من أربعة، بدل من أن تأخذ ثلاثة من ستة، إذا أخذت ثلاثة أرباع بدلاً من أن تأخذ النصف، زاد الفرض بالرد، لو لم يكن هناك رد لما زاد، أخذت ثلاثة أرباع بدل أن تأخذ النصف، يعني: أخذت ربعاً زائداً؛ لأن المال أربعة أرباع، فالنصف ربعان، فأخذت هي ثلاثة أرباع، وهذه بدل ما تأخذ السدس أخذت الربع، فهنا زادت، هذا السهم المقدر لا يزيد إلا بالرد، لا يمكن أن يزيد إلا في هذه الحالة.

    ولا ينقص إلا بالعول، خذ هذه المسألة مثلاً: بنتان وأبٌ وأمٌ وزوج، البنتان لهما الثلثان كما سيأتينا في الفروض المقدرة، والأب له السدس والتعصيب؛ لأن الفرع الوارث أنثى، فإن زاد شيء أخذه، وإلا لا ينقص عن السدس، والأم لها السدس فقط، والزوج له الربع، المسألة من اثني عشر، ثلثاها ثمانية: أربعة أربعة، سدس الاثني عشر هذا نؤخره، السدس اثنان والربع ثلاثة، اجمع ثلاثة عشر، إذاً: ما بقي للأب أكثر من السدس، بل نقص، نعطيه اثنان، يصبح خمسة عشر عالت، الآن هذا البنت الأولى والمرأة الثانية سيأخذان ثمانية من خمسة عشر، يعني: بدل من أن يأخذا الثلثين أخذا قرابة النصف، وأحياناً يمكن تعطيهم أقل؛ لأن عدد اثني عشر يعول إلى ثلاثة عشر وخمسة عشر وسبعة عشر، متى ما عال إلى سبعة عشر السدسان سينقصان عن النصف.

    هذا المثال على الرد والمثال على العول، وسيأتينا شرح بعد ذلك الرد والعول في حينه إن شاء الله.

    إنما هذا في بيان تعريف الفرض والتمثيل عليه، هنا ما زاد وما نقص، لذلك يقال: فريضة عائلة وفريضة زائدة، وفريضة مساوية، وسيأتينا هذا تفصيله إن شاء الله.

    1.   

    الفروض المقدرة

    الفروض المقدرة في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام لا تخرج عن ستة فروض فقط، وهي: النصف والربع والثمن، الثلثان، الثلث، السدس، لا تخرج الفروض عن هذا أبداً، يعني: ليس عندنا خمس أو سبع أو تسع إلا أن يكون الفرض ربع ثمن، ثلث سدس.

    هذه الفروض الستة المقدرة قال أئمتنا في طريقة عدها وفي كيفية عدها ثلاثة طرق كلها حسنة إن شئت أن تعدها.

    الطريقة الأولى يقال لها: طريقة الترقي، بأن تأتي بالمخرج الأصغر، ثم ترتقي درجة فوقه ودرجة فوقه، فتقول: الثمن والسدس، وضعفهما، وضعف ضعفهما، ضعف السدس ثلث، وضعف الثلث ثلثان، ضعف الثمن ربع، وضعف الربع نصف.

    الطريقة الثانية: طريقة التدلي، وهي التي يقال لها: طريقة النزول، بأن تأتي بالمخرج الذي هو أكبر، فتأتي بالنصف والثلثين، فتقول: النصف والثلثان، ونصفهما ونصف نصفهما، نصفهما ربع وثلث، ونصف نصفهما ثمن وسدس.

    أو تقول: النصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما.

    الطريقة الثالثة: طريقة التوسط، تأتي بالمخرج المتوسط الذي هو الثلث والربع، فتقول الربع والثلث وضعف كلٍ ونصفه، ضعف الربع نصف، وضعف الثلث ثلثان، ونصف الربع ثمن، ونصف الثلث سدس، أو أن تقول تفرد كل واحد منهما، فتقول: الربع وضعفه ونصفه، والثلث وضعفه ونصفه، فترتقي درجة وتنزل درجة.

    كل هذا مقبول في العد، وهو سليم، وهي طريقة كيفية العد، إنما الفروض لا تخرج عن ستة أنواع، قبل أن نذكر أصحاب هذه الفروض، وأوله عندنا سنبدأ بأصحاب النصف نذكر ما قاله الإمام الرحبي عليه رحمة الله من أبيات في أنواع الإرث وفي بيان الفروض المقدرة في كتاب الله جل وعلا.

    يقول الإمام الرحبي :

    واعلم بأن الإرث نوعان هما فرض وتعصيب على ما قسما

    الفرض عرفناه، والتعصيب يأتينا عند بحث العصبات بعد الانتهاء من أصحاب الفروض، وقلت: إنه فيها سهم مقدر لوارث معين لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول.

    (فالفرض في نص الكتاب ستة) يعني: الفروض المقدرة في كتاب الله وهكذا في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام ستة لا تخرج عنها.

    فالفرض في نص الكتاب ستة لا فرض في الإرث سواها البتة

    يعني: لا يوجد إرث عن طريق الفرض إلا ضمن هذه الفروض الستة:

    نصف وربع ثم نصف الربع والثلث والسدس بنص الشرع

    والثلثان وهما التمام فاحفظ فكل حافظ إمام

    هذه عد الفروض الستة المقدرة التي لا يخرج الإرث عنها.

    ندخل بعد ذلك في أهل الفروض المقدرة في أصحابها من يأخذها، وأولها النصف.

    أصحاب النصف

    يستحق النصف خمسة أفراد من الورثة، واحد بسبب النكاح، وأربعة بسبب النسب، أما الذي بسبب النكاح نبدأ به فهو فرد، وهو الزوج، يأخذ النصف بشرط واحد عدمي، أي: لا شرط وجودي، أي: يكون هذا الشرط معدوماً، وهو عدم وجود الفرع الوارث مطلقاً، سواء كان ابناً أو بنتاً أو ولد ابن.

    انتبه: هناك قلنا: ابن أو بنت، أما هنا نقول: ولد ابن ليس ولد الولد؛ لأن ولد الولد يدخل فيه ولد البنت، فتقول: الولد مطلقاً أو ولد الابن مهما نزل، هذا هو تعريف الفرع الوارث الولد مطلقاً من ابن أو بنت أو ولد الابن، خص الولد الآن الذي تنزل بولد الابن؛ لأن ولد البنت من ذوي الأرحام لا يرث.

    إذاً: الولد من ابن أو بنت، أو ولد الابن من ابن ابن، أو بنت ابن.

    والفرع وارث سواء كان من زوجها أو من غيره، فقد تكون متزوجة قبل زوجها بزوج ولها منه بنت، ثم ماتت، وتركت تلك البنت التي من غير زوجها الذي معها، فلها بنت، أي: فرع وارث، فزوجها الذي ماتت عنه ليس له النصف، يشترط لإرث الزوج النصف من زوجته أن لا يكون لها فرع وارث، سواء منه أو من غيره.

    المقصود ما تركت ولداً ولا ولد ابن مهما نزل، هذا يقال له شرط عدمي، الدليل عليه قول الله جل وعلا: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12] هذا هو الشرط، وهذا لا خلاف فيه، وهو مجمع عليه، والآية ظاهرة واضحة في ذلك، هذا الصنف الأول من الخمسة الذين يأخذون النصف.

    الصنف الثاني من الذين يأخذون النصف: البنت، ويمكن أن تقول عنها: الولد الأنثى، والمراد من البنت هنا البنت لمباشرة أو البنت الصلبية الأولى؛ لأن بنت الابن يقال لها بنت، لكن تلك تفرد باسم خاص، البنت الأولى بنت الصلب التي انفصلت منه، هذه تستحق النصف بشرطين اثنين:

    الشرط الأول: أن تكون منفردة ليس معها بنت أخرى.

    والشرط الثاني: أن لا يكون معها ابنٌ معصب لها.

    وهذان الشرطان يمكن أن تجملهما بكلمتين فتقول: البنت تستحق النصف بشرطين: إذا لم يوجد مشارك ولا معصب فقط، المشارك بنتٌ أخرى، والمعصب ابن آخر غيرها.

    وهذان الشرطان أيضاً مجمع عليهما، كما أنه مجمع على إرث البنت النصف، وأشار الله إليهما في كتابه فقال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً [النساء:11] يعني: البنات فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11]، انتبه كيف أشار إلى إرثها بوجود الشرطين: الأول: للذكر مثل حظ الأنثيين، فإذا معها ابن فليس لها نصف، وهناك انتقل الإرث من فرض إلى تعصيب، للذكر مثل حظ الأنثيين، فلا تستحق النصف بوجود ابن: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11] أكثر من واحدة كما سيأتينا، ما زاد على الواحدة فليس لها النصف، ينتقل الفرض من النصف إلى فرض آخر إلى الثلثين.

    إذاً: هذان شرطان دلت عليهما هذه الآية، البنت تأخذ النصف إذا لم يكن معها مشارك: بنت أخرى، ولا معصب: ابن آخر.

    الصنف الثالث من الأصناف الذين يستحقون نصف التركة: بنت الابن، وتستحق نصف المال بثلاثة شروط:

    أولها: أن لا يوجد أحد من الأبناء أو البنات أعلى منها، ويمكن أن تعبر عن هذا بعبارة فرضية دقيقة: أن لا يوجد فرع وارث أعلى منها، يعني: لو مات وترك بنت ابن، وعندنا بنت ابن ابن، فهذه الأخيرة عندنا أعلى منها، فهذه تقدم على هذه، هذه الآن ليس لها النصف، هذه لها شيء آخر سيأتينا.

    الشرط الثاني: أن لا يوجد مشارك لها، وهي بنت ابن في درجتها، سواء كانت أختاً لها أو بنت عمها.

    الشرط الثالث: أن لا يوجد معصب لها، وهو أخوها أو ابن عمها، يعني: هو ابن ابن، لكن من أبيها، إنما من عمها الذي هو ابن أيضاً للميت.

    في هذه الأحوال الثلاثة تأخذ بنت الابن نصف المال، الدليل على هذا الإجماع؛ على أن الآية المتقدمة: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11] تشمل الفرع الوارث مهما نزل يقدم الأعلى على الأدنى، فإذا لم يوجد الأعلى انتقل الفرض إلى الأدنى، ونحن قلنا: يشترط لإرث البنت شرطان:

    أن لا يوجد مشارك ولا معصب، وهما موجودان الآن، لكن أضف إليهما الشرط الأول: أن لا يوجد فرع وارث أعلى منها؛ لأن بنت الابن تنزل منزلة البنت عند فقد البنت مهما نزلت بنت الابن، فالآية المتقدمة تشمل الفرع الوارث من البنات مطلقاً، مهما نزل إذا كان يدلي بالذكور، بنت ابن، بنت ابن ابن مهما نزل، حكمها حكم البنت، وعليه يشترط الشرطان لإرثها النصف، عدم مشاركٍ، وهو بنت ابن لها في درجتها من أبيها أو من عمها، وعدم معصب، وهو إما أخوها أو ابن عمها في درجتها أيضاً، أما إذا كان أنزل منها لا يعصبها أيضاً فهي تأخذ النصف، ويكون هو عصبة بنفسه، يعني: لو مات إنسان وترك بنت ابن، وابن ابن ابن، هذا الآن نزل عن هذه، فهذه لها النصف، وهذا عصبة، فليس للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأنه نزل عنها، ولو كان الأمر بالعكس، يعني: عندنا ابن ابن، وبنت ابن ابن، المال كله لابن الابن، وهذه محجوبة؛ لأنها نزلت عنه، وقلنا: يشترط في إرثها أن لا يوجد فرع وارث أعلى منها، فإن كان الفرع الوارث الذي هو أعلى منها ذكراً حجبها، وإن كان أنثى لها تفصيل، فإن كان واحداً أخذت السدس تكملة للثلثين، وإن كان اثنتين سقطت، إلا إذا كان أيضاً هناك معصب يعصبها، كما سيأتينا تفصيل ذلك فيما بعد إن شاء الله.

    الصنف الرابع: الأخت الشقيقة، وترث النصف بأربعة شروط.

    لاحظ أن الأول كان بشرط، والثاني بشرطين، والثالث بثلاثة شروط، والرابع بأربعة، والخامس بخمسة، وكلما نزل درجة زاد معنا شرط، فإذاً: عندنا هنا: أختٌ شقيقة بأربعة شروط.

    أولها: أن لا يوجد للميت فرع وارث مطلقاً، من ابن أو بنت أو ابن ابن، أو بنت ابن مهما نزل، متى ما وجد للميت فرع وارث ليس للأخت الشقيقة النصف، قد يكون لها شيء آخر، هذا سيأتينا، وتقدم معنا: لو كان الفرع الوارث أنثى فالأخت الشقيقة تكون عصبة:

    والأخوات إن تكن بناتُ فهن معهن معصباتُ

    لو وجد بنت وبنت ابن نعطي البنت النصف لقوتها وبنت الابن السدس تكملة للثلثين هذا معقول، لكن البنت مع الأخت لا علاقة لهما؛ لأن الفروض اختلفت، فهذه بنت وهذه أخت، هذه لها فرض وهذه لها فرض، وعليه البنت لها فرضها والأخت عصبة، فقد تأخذ أحياناً النصف، لكن عن طريق التعصيب، وقد لا يبقى لها شيء، هذا موضوع آخر.

    المقصود: متى ما وجد فرع وارث في المسألة من ابن أو بنت، أو ابن ابن، أو بنت ابن مهما نزل ليس للأخت فرض، فإن كان الفرع الوارث ذكراً كما سيأتينا حجب الأخوات من أولهن لآخرهن، يعني: لو مات وترك ابناً، ابن ابن، مهما نزل، الأخوات بجميع جهاتهن يحجبن، بل الإخوة كما سيأتينا في بحث الحجب إن شاء الله، إنما نحن الآن نتكلم على شروط استحقاقها للنصف، متى ما وجد فرع وارث لا تأخذ الأخت الشقيقة النصف، والفرع الوارث هو الولد مطلقاً من ابنٍ أو بنت، وولد الابن مهما نزل، ولد الابن يعني: ابن أو بنت للابن، وولد الابن ليس ولد الولد؛ لأن ولد الولد يشمل ولد البنت فأخرجه، قل: ولد الابن، أما الولد ذكراً أو أنثى يدخل، وولد الابن ذكراً أو أنثى يعتبرون بمنزلة أولادك، أما أولاد بناتك، فهؤلاء نسبتهم إلى غيرك:

    بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعدِ

    ما لنا بهم صلة، هم في نسب ونحن في نسب، وإن كانت صلة الرحم لازالت قائمة، هذا موضوع آخر، لكن هذا المال لا ينتقل إلا لمن بينك وبينه صلة عن طريق النسب القوي، بحيث تنفعه وينفعك في هذه الحياة من ناحية الأمور الدنيوية.

    الشرط الثاني: أن لا يوجد أصل وارث من الذكور، انتبه ليس من الإناث، لا الأم ولا الجدة، وهما صنفان: أبٌ وجد مهما علا، فإذا وجد الأب حجب الأخوات مطلقاً، فلا ترث الشقيقة شيئاً، وإذا وجد الجد لن ترث النصف قطعاً وجزماً، لكن هل سترث معه أم لا يأتينا هذا ضمن مبحث الجد والإخوة، نحن نبحث الآن في شروط إرثها النصف، متى ما وجد أصل وارث من الذكور من أبٍ أو جد لا ترث الأخت الشقيقة النصف.

    الشرط الثالث: أن لا يكون معها مشارك من أختٌ شقيقة فقط؛ لأن الأخ الشقيق لا يرث عن طريق الفرض وتقدم معنا أنه لا يرث إلا عن طريق التعصيب.

    الشرط الرابع وهو الأخير: أن لا يوجد لها معصب، وهو أخوها الشقيق فقط.

    هذه الشروط الأربعة انتبه لإعجاز القرآن ووجازته في الإشارة إليها كلها ضمن جزء آية، يقول الله جل وعلا في آخر سورة النساء: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176]، قوله: (في الكلالة) دخل معنا شرطان؛ لأن الكلالة هم الورثة الذين ليس فيهم أصل ولا فرع، هذا معنى الكلالة، لا أصل وارث من الذكور، فخرج الأب والجد، ولا فرع وارث، وهو الولد من ابن أو بنت أو ولد الابن مهما نزل: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ [النساء:176]، أي: وليس له والد، هذه الكلالة:

    ويسألونك عن الكلالة هي انقطاع النسل لا محالة

    لا والد يبقى ولا مولودُ فانقطع الأبناء والجدودُ

    إذاً: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:176]، أي: وليس له والد، هذان شرطان من شروط أربعة: وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176]، لها أخت واحدة.

    والشرط الرابع: فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً [النساء:176]، يعني: إخوة وأخوات: فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:176] هذا الشرط الرابع، وعليه كذلك شرطان، واحدة لها النصف، ثلاثة شروط، انفردت، إن زادت إن كن نساء: فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ [النساء:176]، والشرط الرابع: وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:176]، هذه أربعة شروط لإرث أخت الشقيقة للنصف جمعها الله في جزء آية، مع أحكام كثيرة للإرث منها هذه الشروط الأربعة: كلالة لا والد ولا ولد، إن كانت واحدة فلها النصف، انفردت فليس لها مشارك، وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين، فليس لها معصب، وهذه هي الشروط الأربعة: أن لا يوجد فرع وارث مطلقاً، وأن لا يوجد أصل وارث من الذكور، وأن لا يوجد مشارك لها، وأن لا يكون هناك معصب لها، المشارك أختٌ شقيقة والمعصب أخٌ شقيق فقط، فلا تعصب الأخت الشقيقة إلا بأخيها، ولا يشاركها إلا أختها، فلا علاقة لها بالأخت لأب، ولا بالأخت لأم، أو بالبنت ولا بأحد من خلق الله، الذي يشاركها أختها فقط من أبويها، والذي يعصبها أخوها من أبويها وانتهى الأمر.

    الصنف الخامس من الأصناف الذين يستحقون نصف التركة: الأخت لأب، وتستحق النصف بخمسة شروط:

    الشروط الأربعة المتقدمة: لا يوجد فرع وارث، ولا أصل وارث من الذكور، ولا مشارك لها، من هو المشارك أي: أخت لأب، ولا معصب لها: أخٌ لأب.

    نزيد شرطاً خامساً: وأن لا يوجد أحد من الإخوة مطلقاً من الأشقاء أو الشقيقات، فلا يوجد أخٌ شقيق ولا أختٌ شقيقة، أي: لا يوجد أحد يدلي بقرابتين من الذكور أو الإناث في مرتبة الإخوة؛ لأنه لو وجد الأخ الشقيق أخذ المال كله، وحجب الأخت التي لأب، ولو وجدت أختٌ شقيقة كما سيأتينا عند أصحاب السدس، أخذت الأخت الشقيقة النصف لقوة قرابتها والتي لأب السدس تكملة للثلثين.

    مثال:

    بنتٌ، أختٌ شقيقة، أبٌ.

    للبنت النصف لعدم وجود المعصب والمشارك، والأخت الشقيقة محجوبة بالأب، فلا ترث شيئاً لوجود الأب؛ لأن الإخوة والأخوات يسقطون بالأب، والأب له السدس، المسألة من ستة للبنت النصف ثلاثة، وللأب السدس واحد فرضاً والباقي اثنان تعصيباً؛ لأنه أولى رجل ذكر.

    هذه الشروط لابد من ضبطها ووعيها من أجل بيان معرفة صاحب الفرض ومتى يستحق ذلك الفرض، الذين يأخذون النصف خمسة أصناف: زوجٌ، بنتٌ، بنت ابن، أختٌ شقيقة، أختٌ لأب، كل واحد له شروط حسبما تقدم معنا، هذه الشروط لابد من ضبطها ووعيها.

    الآن نذكر أبيات الإمام الرحبي عليه رحمة الله في بيان أصحاب النصف:

    ضبط الإمام الرحبي أصحاب النصف بثلاثة أبيات من الشعر وجيزة بليغة فقال:

    (والنصف فرض خمسةٍ أفرادِ) الخمسة أصناف من الورثة.

    (الزوج والأنثى من الأولادِ)

    يقصد بالأنثى من الأولاد: البنت الصلبية.

    وبنت الابن عند فقدِ البنتِ والأختُ في مذهب كل مفتي

    والأخت المراد بها الشقيقة.

    وبعدها الأخت التي من الأبِ عند انفرادهن عن معصبِ

    يعني: هؤلاء النسوة من أولهن لآخرهن من البنت وبنت الابن، وأخت شقيقة وأخت لأب، ينبغي أن ينفردن وأن لا يكون معهن معصب، والشروط الأخرى التفصيلية تطلب من الشرح والمطولات، وقد ذكرتها لكم، فكونوا على علم بها.

    هذا فيما يتعلق بالفرض الأول من أصحاب الفروض المقدرة الستة.

    أصحاب الربع

    ننتقل إلى أصحاب الربع الذي هو نصف النصف، ويستحقه اثنان من الورثة بسبب النكاح فقط، فلا يرث أحدٌ الربع بسبب النسب، بخلاف النصف قلنا: أربعة من الورثة بالنسب وواحد بسبب النكاح وهو الزوج.

    أما هنا فرض الربع منحصر في الزوجين فقط، الزوج الذكر والزوج الأنثى، كل واحد يأخذ الربع بشرط واحد فقط، أما الزوج يأخذ الربع بشرط وجودي -هناك قلنا: عدمي- وهو وجود الفرع الوارث.

    إذا وجد للزوجة ابن أو بنت أو ولد ابن مهما نزل فالزوج ينتقل فرضه من النصف إلى الربع، والدليل عليه الآية المتقدمة: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ [النساء:12].

    الصنف الثاني من الورثة الذين يأخذون الربع: الزوجة، وتستحق الربع بشرط عدمي، وهو عدم وجود الفرع الوارث لزوجها، سواء كان ذلك الفرع الوارث منها، يعني: هي أمه أو من غيرها، فلو قدر أنه مات وله ولد من غير هذه الزوجة التي معه فليس لها الربع، إنما ينبغي أن لا يكون له ولد مطلقاً، لا من هذه الزوجة ولا من غيرها لتأخذ الربع: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ [النساء:12].

    إخوتي الكرام عند ميراث الزوجين يستحسن أن نذكر تعليقاً لابد منه، ألا وهو أن ميراث الأنثى في شريعة الله في الغالب قامت على أن ترث نصف ما يرثه الذكر، فالزوج له النصف أو الربع، والزوجة لها الربع أو الثمن، الزوج لا يتصور في حقه تعدد، يعني: هو إما أن يأخذ بنفسه النصف أو الربع، أما الزوجة يتصور في حقها التعدد، فقد تأخذ هي الربع، وقد تأخذ هي ربع الربع إذا كان للزوج ثلاث زوجات، وقد تأخذ ربع الثمن، فإن قيل: نقص فرضها عن الزوج، فأخذت نصف الذكر، ثم أيضاً شركتم معها شريكاتها في هذا الفرض هلا زدتموه؟

    نقول: لا يمكن أن تزاد؛ لأننا لو أردنا أن نعطي لكل زوجة الربع، فلو مات عن أربع زوجات أخذنا المال من أوله لآخره، ما بقي شيء لا للأم ولا للأب ولا للإخوة والأخوات، أما الزوج لا يمكن أن يأخذ كل المال بحال، يعني: نصف أو ربع وانتهى ويبقى من التركة.

    إذاً: الزوجات مهما كثرن فرضهن واحد يشتركن فيه بالتساوي، يقسم عليهن، فإذا كن أربع وهناك فرع وارث يشتركن في الثمن، فإن لم يوجد فرع وارث اشتركن في الربع، هذا فيما يتعلق بأصحاب الربع، وما أيسر هذا الفرع، يعني: يأخذه وارثان بسبب النكاح، بشرطين متقابلين كل واحد ضد الآخر، الزوج بوجود الفرع الوارث، والزوجة بعدم الفرع الوارث، ما تثبته هنا تنفيه هناك، ولا يوجد شروط أخرى، بشرط واحد في حق هذين الوارثين.

    الإمام الرحبي عليه رحمة الله ذكر ما يتعلق بأصحاب الربع أيضاً في ثلاثة أبيات من الشعر أيضاً، مع أنهما صنفان، هناك خمسة أصناف فصلها أيضاً في ثلاثة أبيات في حق النصف؛ لأنه هنا زاد بعض القيود التي تزاد في الوارثين المتقدمين، وفي هؤلاء وفي كل وارث ينبغي أن تذكر، فقال:

    والربع فرض الزوج إن كان معه من ولد الزوجة من قد منعه

    وهو لكل زوجة أو أكثرا مع عدم الأولاد فيما قدرا

    وقلنا: لفظ الأولاد شامل للأبناء والبنات درجة أولى، بعد ذلك سيأتي في البيت الثالث ليبين أن هذا ينسحب على أولاد البنين:

    وذكر أولاد البنين يعتمد حيث اعتمدنا القول في ذكر الولد

    كما قلنا: إن الولد شامل للأنثى والذكر من الأولاد الصلبيين -أولاد الابن- كذلك شامل للأنثى وللذكر، لكن أولاد الابن، انتبه: ليس أبناء الابن، وليس أولاد الولد، فلو قلت: أولاد الولد دخل أولاد البنت، ولو قلت: أبناء الابن حصرت هذا في الذكور فقط، أولاد الابن، والأولاد مطلقاً:

    وهو لكل زوجة أو أكثرا مع عدم الأولاد فيما قدرا

    وذكر أولاد البنين يعتمد حيث اعتمدنا القول في ذكر الولد

    أصحاب الثمن

    الصنف الثالث: الثمن: وهو أسهل من الربع بكثير، وجعل الله ميراث الزوجين سهلاً للإشارة أيضاً إلى أن اجتماعهما ينبغي أن يكون سهلاً، ولذلك أئمتنا يقولون: الأنكحة مبناها على المسامحة والمساهلة، والبيوع مبناها على المماسكة والمفاصلة، ما تشتري السلعة حتى تصب منك العرق بالمفاصلة والتعب، أما الزوجة لا، لكن عكس الناس هذه المفاهيم في هذه الأيام، قال لي مرة ضابط: يا شيخ الإنسان لا تبرأ ذمته أمام ربه حتى يجادل ويفاصل في مهر ابنته حتى يتصبب العرق منه، إذا ما تصبب العرق يقول: الله يسأله يوم القيامة؛ لأنه قصر في المدافعة عنها وفي استيفاء حقها، قلت: من قال هذا يا أخي، هذه آية من القرآن، أو حديث من أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام؟ عندنا يا أخي القاعدة: ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه )، أما يتصبب العرق منه ليس عندنا، عندنا من شؤم المرأة غلاء مهرها، ومن يسرها قلة مهرها، من أين هذه الفكرة المعوجة جاءت للأمة الإسلامية؟ ما أعلم، وبعض السفهاء في هذه الأيام يقول: أنا لو زوجت ابنتي بمهر قليل: يقول الناس: ما زوجها إلا لآفة فيها، يعني: لو لم يكن هناك شيء خفي من الأشياء التي تنكس الجبين ما زوج ابنته، لم يزوجها بألف ريال؟ هذه فيها علة، اتفق مع الزوج من أجل ستر علتها وزواجها بهذا المهر القليل، لذلك لأنفي التهمة عن نفسي أريد منك ثلاثمائة ألف! لا إله إلا الله، كيف يبررون الرذيلة بأشياء في ظاهرها فضيلة.

    فانظر لإرث الزوجين ما أيسره، الزوج يأخذ النصف قلنا: بشرط واحد سهل، ويأخذ الربع بشرط واحد سهل، والزوجة الربع بشرط واحد سهل، والزوجات الثمن بشرط واحد أيضاً سهل، فكلها سهولة ويسر، يعني: الأب مع عظم مكانته، لكن إرثه في الحقيقة فيه صعوبة، ما بين السدس وتعصيب، وما بين تعصيب بلا فرض، وما بين سدس بلا تعصيب، أما الجد يشيب كما سيأتينا في ميراثه، أما ميراث الزوجين بسبب النكاح سهل يسير، ما فيه أي كلفة، كأن الله يقول: أمر الزواج من جميع الجهات في الحياة وبعد الممات ما ينبغي أن يكون حوله عقبات، لكن نحتاج إلى من يعقل هذا، ومن يعي هذا.

    الذين يأخذون الثمن صنف واحد بسبب النكاح، وعليه عندنا فرضان من ستة فروض خاصة لأسباب النكاح لا يشارك فيها أحد: الربع خاص بسبب النكاح، والثمن خاص بسبب النكاح، والنصف واحد فقط بسبب النكاح والباقي بالنسب، والثلث ليس فيه أحد من أصحاب النكاح، وهكذا الثلثان وهكذا السدس كما سيأتينا ليس فيه أحد بسبب النكاح، تلك خاصة بأصحاب النسب، إنما الإرث سبب النكاح منحصر في النصف والربع، والثمن.

    الثمن يستحقه صنف واحد زوجة مهما كثرت إلى أربع، بعكس الشرط المتقدم، الشرط المتقدم عدم وجود الفرع الوارث من ولد أو ولد ابن مهما نزل، وهنا: وجود الفرع الوارث لزوجها، فالمقصود مات وما ترك ابناً ولا بنتاً ولا ولد ابن مهما نزل، فلها الربع، وإن ترك فلها الثمن، الدليل الآية المتقدمة: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]، ولا خلاف في ذلك، وعليه الإجماع كما تقدم معنا في الفروض المتقدمة.

    جمع الإمام الرحبي ما يتعلق بأصحاب الثمن ببيتين محكمين فقال:

    والثمن للزوجة والزوجات مع البنين أو مع البنات

    أو مع أولاد البنين فاعلم ولا تظن الجمع شرطاً فافهم

    يعني: لا يشترط أن يوجد ابن وبنت، ولا ابن ابن وبنت ابن، ولا ابن وابن ابن، فمتى ما وجد فرع وارث مطلقاً بالتعديد الذي ذكرناه الولد وولد الابن مهما نزل، حجب الزوجة والزوجات من الربع إلى الثمن.

    ولا يشترط أن يوجد جمع من الأولاد وأولاد البنين، فمتى ما وجد فرع وارث حجب الزوجات من الربع إلى الثمن.

    أصحاب الثلثين

    الصنف الرابع: أربعة من الورثة يأخذون الثلثين بسبب النسب فقط، وهن من حظهن النصف منفردات، وهن أربع: بنت، بنت ابن، أخت شقيقة، أخت لأب، هؤلاء النسوة الأربع يرثن الثلثين بشروط سأبينها إن شاء الله:

    الأول: البنت وترث الثلثين بشرطين: أن تكون البنات اثنتين فأكثر، وأن لا يكون معهن معصب.

    دل على هذا قول الله جل وعلا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11] انتبه: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11] انتبه لدلالة الآية لأنه حولها كلام وجرى خلاف من بعض الصحابة الأعلام في مفهوم دلالتها، ورجع عن قوله، لكن لابد من ذكره وبيان الرد على هذا القول؛ لنكون على علم ودراية بذلك؛ لأن ظاهر الآية من حيث الظاهر يؤيد ما قاله: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11] هنا قال اثنتين: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11]، يعني: ثلاث فما فوق.

    فَلَهُنَّ [النساء:11] هذا جمع: فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11]، فعندنا: فوق اثنتين، فلهن، ففي الآية إذاً دلالات متتابعة انتبه لها:

    أولها: في الآية دلالة قطعية لا خلاف فيها على أن البنت إن كانت واحدة لها النصف: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11].

    وفي الآية دلالة قطعية لا خلاف فيها على أن البنات إذا كن مجتمعات أكثر من اثنتين ثلاث فما زدن لهن الثلثان وهذا لا خلاف فيه.

    إذاً: عندنا شيء آخر، وهو الثالث، والآية: أشارت إليه وما صرحت به، وهو ميراث البنتين، هل نلحقهما بالواحدة أو بالثلاث، الآية ما تعرضت للاثنتين: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11].

    قال ابن عباس رضي الله عنهما: نلحق البنتين بالبنت فنعطيهما النصف؛ لأن الله جعل للبنات فرضين: النصف والثلثين، فالثلثان تستحقه البنات إذا كن جمعاً فوق اثنتين، وعليه الواحدة إلى الثلاث نصف، هذا قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا القول حتماً لم يقل به أحد من الأمة، ورجع عنه رضي الله عنه وأرضاه؛ لكن انظر لتأييد الأمة لقولها بأن البنتين يأخذان الثلثين، وليس حكم البنتين كحكم البنت الواحدة، انظر لهذه الدلالات التي ذكروها:

    أولها: قال أئمتنا: انعقد الإجماع على أن البنتين حظهن في الإرث كحظ الثلاث من البنات فما زاد، هذا الإجماع، وأن حظ البنتين ليس كحظ البنت، ودليل الإجماع أقوى الأدلة، ويقدم في الاستدلال، فإذا أراد الإنسان أن يستدل بدليل على الحكم ووجد الإجماع فلا ينظر فيما سواه، وإذا وجد نصاً في الظاهر يخالف الإجماع فهذا النص إما منسوخ وإما مؤول بما يوافق الإجماع؛ لأن الإجماع لا يَنسخ ولا يُنسخ، وإذا ثبت الإجماع فهو حكم قطعي إلى يوم القيامة.

    فإذاً: هنا إجماع، وقد حكى الإجماع عدد من أئمتنا الأتقياء: منهم ابن قدامة في المغني، والإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، والشيخ عبد الله بن محمد الشنشوري في الفوائد الخيرية في شرح الرحبية، وتوفي سنة: (999هـ)، فالإجماع إذاً: على أن حظ البنتين الثلثان، وليس حظ البنتين النصف كما هو قول ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين سابقاً وفي أول أمره.

    ولا يعترض على الإجماع بمخالفة ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، فالإمام القرطبي في تفسيره في الجزء الخامس صفحة ثلاث وستين بعد أن حكى الإجماع، وأن الأئمة نقلوا الإجماع على أن حظ البنتين الثلثان، قال: لكن صح عن ابن عباس أن حظ البنتين النصف، فكيف ينعقد الإجماع؟ وهذا في الحقيقة اعتراض في غير محله؛ لأن الإجماع انعقد بعد ابن عباس رضي الله عنهما، خالف ثم رجع عنه، وأجمعت الأمة بعد ذلك على أن حظ البنتين الثلثان، وكم من مسألة كان فيها خلاف ثم زال الخلاف بالإجماع، كنكاح المتعة، أما كان فيه خلاف؟ بل المعتمد الثابت أن ابن عباس رضي الله عنهما مات وهو يقول بحله، ورجوعه عنه ضعيف، قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم : لم ينقرض عصر التابعين حتى أجمعوا على تحريمه، أي: على تحريم نكاح المتعة، انتهى.

    فإذاً: الإجماع كان بعد الاختلاف والاتفاق بعد الافتراق، وما أكثر ما يقع هذا، يعني: نحن ما قلنا الإجماع كان قبل ابن عباس ، أو في زمنه حتى كيف يقال: انعقد إجماع بمخالفته؟ مسألة كان فيها خلاف في الصدر الأول في زمن التابعين نقلت هذه المسائل وأجمع أئمتنا على أنه يرث البنتان الثلثين بالإجماع، والآية سيأتينا توجيهها بما يتفق مع هذا القول إن شاء الله.

    إذاً: هذه مسألة اتفاق بعد افتراق، مسألة أخرى لا خلاف فيها بين أئمتنا، وأبو بكر رضي الله عنه كان رأيه على خلافها، ووافقه الصحابة، ثم هجر رأيه رضي الله عنه وأرضاه: نساء المرتد وذريته هل يسبون أم لا؟ أبو بكر سباهم، في قتال المرتدين في بني حنيفة، وعلي استولد واحدة من أولئك السبي وجاءه منها محمد بن الحنفية ، قال الإمام النووي : لم ينقرض عصر الصحابة ليس التابعين، حتى أجمعوا على أن المرتد لا تسبى ذريته ولا زوجاته، فإذا ارتد فالزوجة لا تسبى، ولا يعامل كمعاملة الكافر الأصلي، مع أنه كما قلت كان في ذلك خلاف، وأبو بكر رضي الله عنه يرى سبي نساء المرتد وأولاده، كما هو الحال في الكافر الأصلي، ثم ترك هذا.

    فإذاً: إجماع بعد افتراق يقع بكثرة، ومنه هذان المثالان وأمثلة كثيرة أخرى، فقول الإمام القرطبي : كيف ينعقد الإجماع وابن عباس خالف؟ هذا في الحقيقة عدم تحقيق في المسألة، وليس طعناً في هذا الإمام المبارك، إنما من باب توجيه قول أئمتنا، ما حكوا قولاً لا واقع له، قالوا: كان هناك خلاف في العصر الأول، ثم اتفقت الأمة على أن حظ البنتين الثلثان كحظ البنات ثلاثاً فأكثر.

    فإن قيل: كان ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين يخالف، نقول: على العين والرأس، لكن هذا الخلاف زال بعده، وهل من شرط الإجماع أن لا يكون هناك خلاف في السابق؟ لا، المراد وقت انعقاد الإجماع لا يخالف أحد، أما أنه كان هناك خلاف فلا يضيرنا.

    الدليل الثاني في أن حظ البنتين الثلثان: قال أئمتنا: قياس البنتين على الأختين في آية الكلالة، فكل من الآيتين يكمل الأخرى، ويؤخذ الحكم المذكور في كل آية إلى الحكم المسكوت عنه في الآية الأخرى، في كل من الآيتين شيء مسكوت عنه وشيء مذكور، فخذ المذكور من هنا إلى المسكوت عنه هنا، والعكس صحيح، واكتمل الحكم الشرعي في البنات والأخوات.

    أما في آية البنات فسكت الله عن البنتين، وأما في آية الأخوات فسكت الله عن الأخوات، ذكر حكم الأختين، فهنا قال: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11]، ذكر حكم ما زاد على الثنتين، وفي آية الكلالة قال: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ [النساء:176]، فإذاً: ذكر حكم الثنتين، وفي البنات ذكر حكم ما زاد على الثنتين، فكل من الآيتين يكمل الأخرى.

    وعليه حكم البنتين كحكم الأختين، وحكم الأخوات كحكم البنات، قال أئمتنا: وينبغي أن نجعل البنتين كالأختين قطعاً وجزماً؛ لأن البنات أمس رحماً وأقوى سبباً، فالأخت الشقيقة تأخذ النصف بمفردها فإذا كان معها أختٌ ثانية يأخذان الثلثين بنص القرآن، فالبنت تأخذ النصف، وإذا كان معها بنت أخرى هل تجعلها أيضاً في النصف تشتركان؟ لا يمكن؛ لأن قرابة البنت أقوى من قرابة الأخت، فهي كما قلت: أمس رحماً وأقوى سبباً، وحقق ذلك الإمام ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية، والإمام ابن القيم في إعلام الموقعين، في الجزء الأول صفحة سبعين وثلاثمائة ، وذكره شيخنا الكريم في أضواء البيان في الجزء الأول صفحة تسع وثلاثمائة في توضيح هذا القول، فقال: نقيس آية البنات على آية الكلالة، الأخوات، فهناك ذكر شيء سكت عنه هنا، وهنا ذكر شيء سكت عنه هناك، فكل من الآيتين يكمل الأخرى، وعليه حكم الأخوات كحكم البنات، وحكم البنتين كحكم الأختين، فذكر هنا ما سكت عنه هناك، وذكر هنا ما سكت عنه، فخذ المذكور هنا إلى المسكوت هناك، وخذ المذكور هنا إلى المسكوت هنا، وكل من الآيتين يكمل الأخرى، لكن أخذ حكم الأختين للبنتين أقوى بكثير من أخذ حكم الأختين من البنتين أقوى.

    يعني: لو أن الآية ذكرت في البنتين لا في الأختين، لكان هناك مجال للبحث في إلحاق الأختين بالبنتين؛ لأن قرابة الأخوات دون قرابة البنات، لكن إلحاق البنتين للأختين هذا ما ينبغي أن يتردد فيه أحد؛ لأنه إذا كان للأختين ثلثين، فمن باب أولى أن يكون هذا للبنتين، فهما أمس في الرحم أقوى في سبب الإرث، فكيف نعطي للأبعد الثلثين عندما يكون هناك أختان، ولا نعطي للبنتين الثلثين؟ هذا لا يمكن أن يكون، نقول: للبنتين النصف، وللأختين الثلثان؟ هذا كلام لا يستقيم أبداً، فالله جل وعلا عندما قال: فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11]، لذلك حكمة كما سيأتينا في الأجوبة الستة التي سنذكرها، وكلمة فوق بعد ذلك لها تأويلات، إنما نحن ينبغي أن نجمع بين آيات الإرث، ونعلم أن الأختين إذا أخذتا الثلثين فينبغي أن يأخذ البنتان الثلثين من باب أولى.

    الدليل الثالث: قال أئمتنا: الآية التي فيها ميراث البنات نبهت على أن البنتين يأخذان الثلثين تنبيهاً دقيقاً ينبغي أن ينتبه له أهل الفطنة، وهذا التنبيه هو: التنبيه بالأدنى على الأعلى، ما هو الأدنى وما هو الأعلى؟ انتبه هنا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، إذا وجد ابن وبنت، ليس للبنت فرض لوجود المعصب، المسألة من ثلاثة؛ لأن رءوسهما ثلاثة سهمان وسهم، تأخذ البنت ثلثاً، إذاً: البنت أخذت مع أخيها الثلث، فهي أخذت نصفه وأخذت الثلث، فلو وجد معها بنت أخرى ينبغي أن تأخذ هذه الثلث مع هذه من باب أولى؛ لأن البنت مع الابن أخذت الثلث، فالبنت مع البنت من باب أولى أن تأخذ الثلث، يعني: هي عندما وجدت مع من هو أقوى منها ما نقصت عن الثلث، فكيف لو وجدت مع من يساويها لا يقال لها: خذي الربع؛ لأنها ستقول: أنا مع القوي أخذت الثلث، فلما جاءت أنثى مثلي أعطيتموني الربع!

    هذا لا يستقيم، إن لم تزيدوني على الثلث فلا تنقصوني، وعليه لو مات الميت عن: بنتين وعم كانت المسألة من ثلاثة: واحد، واحد، واحد، فتأخذ البنتان الثلثين.

    هذا التنبيه بالأدنى على الأعلى، يعني: حال البنت مع الابن أقل من حالها مع البنت الأخرى، فحال البنت مع الابن أدنى من حال البنت مع البنت، في حال دنوها وضعفها أخذت الثلث، فكيف في حال قوتها؟ وعليه لا يستقيم أن تعطى أقل من الثلث.

    الدلالة الرابعة: قال أئمتنا الكرام: يستحيل أن نعطي للبنتين النصف؛ لأن الله قيد فرض النصف للبنت إن كانت واحدة: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11]، وعليه لا تستحق البنت النصف إلا في حالة واحدة وهي إذا كانت واحدة، فإن وجد معها أختها قال أئمتنا: لها ثلاثة أحوال اختاروا، إذا كان عندكم عقول تفكرون بها يا معشر المستمعين المستنبطين:

    الحالة الأولى: إما أن نعطي البنتين أقل من النصف، فنقول: النصف تأخذه الواحدة، والثلثان يأخذه ما زاد على الثنتين، لا يأخذان الثلثين.

    إذاً: نعطيهم أقل من النصف فرضاً آخر، قال أئمتنا: هذا محال؛ لأنه إذا كانت الواحدة تأخذ النصف فلا يمكن للبنتين أن يأخذا أقل منه.

    الاحتمال الثاني: أن تشركوا بين البنتين في النصف، تكون واحدة لها النصف والثنتان لهما النصف، قال أئمتنا: هذا خلاف مدلول الآية، ويبطل فائدة التقييد بواحدة، الله يقول: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً [النساء:11]، وأنتم جعلتم للثنتين نصفاً.

    الاحتمال الثالث: أن تجعلوا لكل واحدة النصف، فتقول الواحدة لها النصف والثانية لها النصف، وهذا أيضاً أشد بطلاناً من القولين المتقدمين؛ لأن البنات إذا كن ثلاثاً لا يأخذن كل المال، فكيف إذا كان ثنتين.

    فإذاً بطلت هذه الاحتمالات الثلاثة وبقي عندنا الاحتمال المقبول، وعليه لا نقول الآية بين ثلاثة احتمالات، إذ قد بطلت هذه الاحتمالات وتعين أن نجعل البنتين كالبنات الثلاث فما زاد؛ لأنه لا يمكن أن تعطي البنتين أقل من النصف، ولا يمكن أن نعطيهما النصف خلاف مدلول الآية، ولا يمكن أن تعطي لكل واحدة النصف، فيأخذا كل المال، وما جعل الله كل المال للبنات الثلاث، فكيف ثلاث يأخذن ثلثين وثنتان يأخذن كل المال؟

    إذاً: حكم البنتين كحكم ما زاد على ذلك.

    وإلى هنا نصل إلى نهاية درسنا هذا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، والحمد لله رب العالمين.