إسلام ويب

فقه المواريث - موانع الإرث [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • موانع الإرث ثلاثة: أولها: الرق، وهذا باتفاق لكن وقع الخلاف في المبعض، وهو من بعضه حر، وفي المكاتب. والمانع الثاني: القتل، وقد ورد فيه حديث ضعيف، وهو أمر مجمع عليه في الجملة لكن وقع الخلاف في تعيين القتل المانع من الميراث على عدة أقوال أرجحها قول الشافعي بأن القتل مانع مطلقاً.

    1.   

    تابع المانع الأول: الرق

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس موانع الإرث، وقلت: إن موانع الإرث التي اتفق عليها أئمتنا ثلاثة:

    رق، وقتل، واختلاف في الدين، كما قال الإمام الرحبي عليه رحمة الله:

    ويمنع الشخص من الميراثِ واحدة من علل ثلاث

    رق وقتل واختلاف دين فافهم فليس الشك كاليقين

    كنا نتدارس المانع الأول من هذه الموانع ألا وهو: الرق، وغالب ظني أننا انتهينا من تعريفه ومن بيان أحكامه.

    وخلاصة الكلام: أن الرقيق لا يرث ولا يورث، فهو مانع من جانبين؛ لأنه إن ورث فآل المال إلى سيده فلا يملك الرقيق شيئاً، والسيد أجنبي عن مورثي الرقيق، أي: عن أقربائه ولا يورث؛ لأنه لا يملك شيئاً حتى يرثه أقاربه لأن ما يملكه الرقيق ملك لمالكه.

    ثم بعد ذلك ختمت غالب ظني أيضاً آخر الموعظة الماضية فيما يتعلق بمنزلة الرق وأحكام الرق في الإسلام، والرد على الغوغائين الذين يثيرون الشغب حول هذا الأمر في شريعة الله المطهرة، وبينت أن هذا هو منتهى الحكمة والرحمة لهؤلاء الذين بذلوا ما في وسعهم للقضاء على دين ربهم، ومع ذلك لطف الله بهم ورحمهم فجعلهم أرقاء يخدمون أولياءه ليكون سبباً لإيمانهم، ثم لتحريرهم بعد ذلك في الدنيا، ولعتقهم في الآخرة من نار جهنم.

    أقوال العلماء في توريث المبعض

    إخوتي الكرام! يتعلق بمبحث الرقيق أمران:

    المبحث الأول: المبعض. أي: من بعضه حر وبعضه رقيق، فهل الحكم فيه كالحر يرث ويورث أو كالرقيق لا يرث ولا يورث، أو له شيء من أحكام الحرية وشيء من أحكام الرق؟ ما الحكم في ذلك؟

    المبعض إخوتي الكرام! لأئمتنا فيه عدة أقوال نظراً لوجود رق ووجود حرية فيه فنصفه حر أو ربعه حر وثلاثة أرباعه بعد ذلك رقيق، فما الحكم فيه؟

    عند أبي حنيفة والإمام مالك المبعض كالرقيق، فلا يرث ولا يورث تغليباً لجانب الرق على جانب الحرية فيه، المبعض كالرقيق لا يرث ولا يورث، وعليه من يملك جزءاً منه هو الذي يتصرف فيما يملكه المبعض، فيكون ما يحصله المبعض من مال بسعيه في هذه الحياة يؤول إلى من يملك جزءاً منه، وإن كان الرقيق يملك الآن بعضه، أي: هو يملك بعض نفسه، لكن بما أن جزءاً منه ملك لأحدٍ، فمن يملك هذا الجزء يئول إليه ما بيد المبعض، أما المبعض ما يرث ولا يورث، هذا قول أبي حنيفة وقول الإمام مالك تغليباً لجانب الرق على جانب الحرية.

    وعكس هذا القول ذهب إليه أبو يوسف ومحمد وزفر وثلاثتهم من تلاميذ أبي حنيفة عليهم جميعاً رحمة الله فقالوا: المبعض كالحر يرث ويورث، فيرث كأنه حر، ويورث إذا مات وترك شيئاً؛ لأن بعضه حر، يرث ويورث كما هو الحال في الأحرار تماماً.

    القول الثالث: ذهب إليه الإمام أحمد عليه وعلى جميع أئمتنا والمسلمين رحمات رب العالمين، يقول: يرث ويورث ويحجب بمقدار ما فيه من الحرية والرق.

    وعليه؛ لو مات وترك ابناً حراً وابناً مبعضاً نصفه حر ونصفه رقيق، فتجعل المسألة كاملة على أن الابن الثاني حر كاملة، فالمسألة من اثنين لكل ولد نصف المال.

    اجعل المسألة ثانية على أن المبعض رقيق، فالمسألة من واحد، فليس للمبعض شيء، فهنا يأخذ واحداً من اثنين، وهنا لا يأخذ شيئاً، ثم بعد ذلك تخرج جامعة للمسألة بين الاثنين والواحد انقسام، فالاثنين تنقسم على واحد، فنكتفي بالاثنين نضربها بحالتي المبعض اثنين في اثنين أربعة، نقسم الأربعة بعد ذلك على الاثنين على المسألة الأولى؛ لأن أصلها من اثنين يخرج اثنان، ونقسم الأربعة على الواحد تصبح أربعة، من له بعد ذلك شيء في هذه المسألة أعطيناه مضروباً فيما فوقه، ثم بعد ذلك نعطه النصف، فمثلاً: واحد في اثنين سيأخذ اثنان، كل منهما في مسألة الحرية؛ لأن كل واحد له واحد، واحد في اثنين اثنين، وواحد في اثنين اثنين، إذاً: كل منهما له سهمان في المسألة الأولى، وهناك لا يوجد معنا إلا واحد، واحد في أربعة أربعة، ضم إليها اثنان ستة، والرقيق في المبعض بقي له اثنان، اثنان ستقسمها بعد ذلك على حالتين؛ لأن ستة اقسمها على اثنين يصبح معك ثلاثة، والاثنين اقسمها على اثنين يصبح معك واحد، وعليه تعول المسألة، ثلاثة للحر، وواحد للمبعض، هذا إذا كان كما قلنا: نصفه حراً، وإذا كان ربعه حراً مثلاً ستجعل أربعة مسائل: مسألة حر، وثلاثة رقيق، وإذا كان ثلثه حراً تجعل ثلاث مسائل: مسألة حر، ومسألتان رقيق لا يرث فيهما، ثم بعد ذلك تخرج الجامعة.

    وعليه هنا لو ترك ابنين فقط أحد الابنين يأخذ ثلاثة الأربعة الذي هو حر، والابن المبعض الذي نصفه حر يأخذ ربعاً، فورث بمقدار ما فيه من الحرية، وحجب بمقدار ما فيه من الحرية، حجب ذاك، حجبه عن الربع، لأنه لو كان هذا رقيقاً كاملاً لأخذ ذاك المال كله.

    إذاً: يرث ويورث ويحجب وبمقدار ما فيه من الحرية والرق، هذا قول الإمام أحمد .

    القول الرابع وهو آخر المسائل: قول الإمام الشافعي يقول: المبعض لا يرث أحداً من أقاربه، ولا يحجب أحداً من أقاربه عن الميراث، لكن هل يورث؟ الإمام الشافعي يقول: مال المبعض على قسمين:

    الأول: ماله القديم قبل أن يكون مبعضاً لمالك باقيه، والذي كسبه بجزئه الحر بعد أن صار مبعضاً، هذا الذي يورث عنه، لو قدرنا أن إنساناً كان قناً، أي: عبداً رقيقاً كاملاً، فطلب أن يكاتبه على إعتاق بعضه لا كله، وقال: أسعى وأشتغل وأعمل وأعطيك ألف درهم وتعتق نصفي، فاشتغل وحصل ألفاً وأعطاه إياه، فعتق نصفه، ماله الذي كان يكتسبه قبل أن يشتري نصفه لا يورث عنه، وكله لمالكه.

    الثاني: ما كسبه بعد ذلك بجزئه الحر، هو عندما سيشتغل بعد ذلك إذا حصل ألفاً خمسمائة لهم؛ لأن نصفه حر وخمسمائة لسيده، صار سعيه الآن مقسوماً على قسمين، فعندما يموت ما يكتسبه بجزئه الحر ويملكه يكون له، وما يكتسبه بجزئه الذي هو رقيق يكون لمالكه، كيف هنا جزء وجزء؟ أي: ما يحصله العبد يقسم على قسمين: قسم يأخذه مالكه، وقسم يبقى له مدخراً، فإذا مات ورثناه عنه، هذا كلام الإمام الشافعي ، تقدم معنا كلام أبي حنيفة ومالك قلنا: جميع ما يملكه المبعض لمالك باقيه، فهو لا يملك شيئاً حتى يصبح حراً كاملاً، أما عند الإمام الشافعي يقول: ما يملكه بجزئه الحر صار له، ولا يجوز لسيده أن يأخذه، وعليه سعي المبعض ينقسم على حسب ما فيه من حرية ورق، فإذا كان ثلثه حراً، وحصل مثلاً ثلاثمائة ريال، مائة له ومائتان لسيده، ثلاثة آلاف ألف وألفان لسيده وهكذا، فهذه الألف تبقى له مدخرة إذا مات يأخذها ورثته.

    خلاصة الكلام: المبعض الذي بعضه حر وبعضه رقيق ما الحكم فيه؟

    لا يوجد أثر عن نبينا عليه الصلاة والسلام في هذه المسألة، ولا ذكر حكمها في القرآن، فلابد إذاً من المبحث فيها حسب أصول الشرع، هل نعامله معاملة الحر، أو معاملة الرقيق، أو معاملة من فيه حر وفيه رق؟ فالإمام أبو حنيفة ومالك قالوا: هو رقيق حتى تكتمل الحرية فيه، وعليه لا يرث ولا يورث، كالرقيق رقاً كاملاً.

    وقول أبي يوسف ومحمد وزفر : هو كالحر يرث ويورث كما لو كان حراً.

    الإمام أحمد عليه رحمة الله قال: نورثه ونحجب به بمقدار ما فيه من حرية.

    الإمام الشافعي قال: هو لا يرث، فغلب جانب الرق في إرثه من مورثيه، قال: لا يرث؛ لأن فيه جزء من الرق، لكن هل يرثه ورثته الأحرار إن مات؟ فقال: ماله القديم لمالكه، وما كسبه بجزئه الحر له، وعليه يرث ورثته ما كسبه بجزئه الحر والعلم عند الله، أما هو لا يرث أبداً.

    هذا فيما يتعلق بأحد الفرعين المتعلقين بموضوع الرق المبعض ، ما حكمه؟ هذا حكم إرثه وتوريثه.

    أقوال العلماء في توريث المكاتب

    الفرع الثاني: المكاتب: الأقوال كلها كما ترى بنيت على تعليلات معتبرة حقيقة ما يظهر للإنسان فيما يبدو من نظر العامة ترجيح قول على قول، وإن كان فيما يظهر من ناحية الواقع المبعض قول الإمام أحمد عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا، يعني: أقوى انطباقاً على واقعه من غيره، فيقول: نورثه ونحجب به، ونرث منه بمقدار ما فيه من الحرية، انظروا إلى حاله لا نزيد ولا ينقص، ولا نجعله رقيقاً فلا يرث ولا يورث، ولا نجعله حراً، فيرث ويورث، ولا نجعله رقيقاً من جهة وحراً من جهة، فلا نورثه لأنه رقيق، ونرثه لأنه حر كما فعل الإمام الشافعي ، فالإمام أحمد فيما يظهر قوله ينطبق على واقع المبعض تمام الانطباق، يقول: بما أنه مبعض فنحن نعامله على حسب ما فيه، فجانب الحرية فيه يرث به ونرث منه بسببه، وجانب الرق فيه لا يرث به ولا نرث منه بجانب الرق.

    وهكذا بعد ذلك يجمع بين النصوص، أما أن تجعله رقيقاً كاملاً فالمبعض ليس برقيق كامل، حراً كاملاً، واقع المبعض ليس بحر كامل، أما أن تجعله رقيقاً في بعض الأحوال، وحراً في بعض الأحوال كما فعل الإمام الشافعي ، واقع الأمر ليس كذلك، فأنت ما ورثته من مورثيه مطلقاً؛ لأنه مبعض، ثم قلت: ورثته يرثونه إذا مات فيرثون ما كسبه بجزئه الحر، فهذا لا ينطبق في الحقيقة كما قلت: على واقع المبعض.

    أما نحن عندما نعتبر أن الرق مانعاً من موانع الإرث، فإذا وجد هذا المانع فينبغي ألا يرث المبعض؛ لأن فيه هذه الصفة، فبما أن هذه الصفة موجودة فيه منعته كما سيأتينا في القتل، القتل سواء باشر القتل أو شارك أو حصل منه مساعدة في القتل يعتبر هذا مانعاً، وهنا كذلك يعني: إذا قلنا: إن الرق مانع ينبغي أن يمنع سواء كان كاملاً أو فيه جزء من الرق، مانع من موانع الإرث، وهذا الذي قال به الإمام مالك والإمام أبو حنيفة .

    الفرع الثاني: فيما يتعلق بالمكاتب:

    المكاتب مأخوذ من الكتابة التي هي بمعنى الضم والجمع في اللغة.

    والمراد من الكتابة الشرعية: إعتاق المملوك يداً حالاً ورقبة مآلاً مقابل مبلغ من المال يدفعه المملوك لمالكه.

    إعتاق المملوك يداً حالاً ورقبة مآلاً: أي: أنت عندما تكاتب سيدك على أنك إذا دفعت له خمسة آلاف درهم، تصبح حراً بمجرد ما يتم عقد الكتابة بينك وبينه وصار ما تكتسبه تملكه أنت ولا يملك سيدك منه درهماً واحداً، فاليد أعتقت فصارت إذا اكتسبت تملك، لكن الرقبة لا زالت ملكاً له حتى تدفع أقساط الكتابة، فإذا سددت ما عليك أعتقت الرقبة مع اليد وصرت حراً، أما ما بقي عليك درهم واحد فأنت لا زلت عبداً، فليس فيك جزء من الحرية، هذا ليس كالمبعض، المبعض هناك ثابتة له الحرية، أما هنا تثبت الحرية إذا دفع المال كاملاً.

    قال أئمتنا: وفي المعنى الشرعي يوجد المعنى اللغوي الذي هو بمعنى الضم والجمع، ووجه ذلك: أن عقد الكتابة الذي يحصل بين المملوك ومالكه يحصل به في نهاية الأمر ضم عتق الرقبة إلى عتق اليد، فحصل ضم وجمع، عتق اليد، ثم عندما سدد الأقساط حصل ضم وجمع، وهو ضم إعتاق الرقبة، إعتاق الإنسان إلى عتق اليد.

    وحصل أيضاً معنى الضم والجمع من وجه آخر أيضاً، وهو ضم أقساط البدن إلى بعضها، فعندما يقول: أنا أكاتبك على أن أدفع لك خمسة آلاف درهم في ثلاث سنين أو في خمس سنين، يضم الأقساط إلى بعضها قسط ثم قسط ثم قسط، هذه الدفعات تضم وتجمع، فحصل فيها معنى الضم والجمع.

    وحصل معنى الضم والجمع من وجه ثالث أيضاً كما قال أئمتنا وهو: أن كلاً منهم -يعني: المملوك والمالك- يكتب على نفسه كتاباً، هذا الكتاب فيه أنه التزم السيد بإعتاق مملوكه إذا أدى المملوك أقساط الكتابة، والمملوك يكتب كتاباً على نفسه بأنه ملتزم بدفع أقساط الكتابة لتحصل له الحرية، فكل منهما كتب الكتابان فيهما معنى الضم والجمع إلى بعضهما، هذا ملتزم وهذا ملتزم، يضم هذا الالتزام إلى هذا الالتزام، وكل واحد يسجل الأمرين عنده في وثيقة، والله يقول في كتابه: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33]، إلى آخر الآيات الكريمات.

    وسبب نزول الآية أنه كان مولى لـحاطب أو لـحويطب فسأله الكتابة فامتنع فنزلت الآية: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور:33].

    أما أثر أنس رضي الله عنه وقع في عهد عمر بن الخطاب في تفسير الطبري وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي سأله سيرين مولاه وكان عبداً عنده الكتابة، ومن ولده محمد بن سيرين شيخ الإسلام، سأله الكتابة فامتنع، فشكاه إلى عمر فقال له عمر : لتكاتبنه أو لأوجعن ظهرك.

    وفي رواية: رفع عليه الدرة -بكسر الدال -وهي: التي يضرب بها قطعة من جلد أو عصا صغيرة، فكاتبه بعد ذلك، وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور:33].

    اتفق أئمتنا على أن المكاتب لا يرث ما دام عليه شيء من أقساط الكتابة، فهو رقيق، لكن هل يورث؟ وكيف سيورث؟ لأئمتنا في ذلك عدة أقوال:

    أولها: قول الإمام الشافعي وهو أحد القولين للإمام أحمد : أن المكاتب لا يورث كما لا يرث، وبمجرد موته تنفسخ المكاتبة بينه وبين مكاتبه، ويؤول كل ما بيده إلى سيده عن طريق الملك لا عن طريق الإرث، ولا يرثه أحد من أقاربه.

    وتعليل هذا القول ودليله: أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وعليه إذا لم يسدد أقساط الكتابة فهو عبد، فعند موته لا يرثه أحد من أقاربه.

    وقد ثبت في سنن أبي داود والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، إسناد الحديث حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهمٌ).

    وقد أخرج الحديث أيضاً الإمام أحمد وابن ماجه في السنن، والبيهقي في السنن الكبرى أيضاً، والترمذي وأبو داود بنحو الحديث المتقدم، ولفظه: (من كاتب عبده على مائة أوقية فأداها إلا عشر أوقيات ثم عجز فهو رقيق).

    إذاً: على هذا القول لا يورث كما أنه لا يرث، هذا قول الشافعي قولاً واحداً، وهو قول للإمام أحمد من قولين.

    القول الثاني: أن المكاتب يورث والمكاتبة لا تنفسخ، فإذا كان عند المكاتب مال كثير تسدد أقساط الكتابة من ماله عند موته، وما يفضل ويزيد يوزع على ورثته جميعاً، من يرث يأخذ، هذا هو قول الإمام أحمد الثاني، وهو قول أبو حنيفة .

    القول الثالث يقوله الإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله: كالقول الثاني: المكاتب يورث، والمكاتبة لا تنفسخ، وندفع أقساط المكاتبة من مال المكاتب، لكن لا يرثه إلا من يعتق عليه لو ملكه، فهنا قيد هذا بمن يعتق عليه لو ملكه، وهذا يؤدينا إلى بحث الآن في المسألة: من يعتق عليك لو اشتريته من أقاربك؟ يعني: لو اشتريت ابن عمك وكان رقيقاً هل يعتق عليك؟ ولو اشتريت ابنك وكان رقيقاً هل يعتق عليك؟ ولو اشتريت أباك وكان رقيقاً هل يعتق عليك؟ يعني: من الأقارب الذين يعتقون عليك عندما تملكهم؟ فالإمام مالك عليه رحمة الله يقول: من يعتق عليه لو اشتراه ورثه، وما عدا هذا لا يرثه، كما قلت: هذا يدفعنا إلى أن نبين من يعتق على الإنسان من أقاربه في حال شرائه له؟ لأئمتنا أيضاً في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

    فعند الحنفية كل قريب من المحارم يعتق عليك إذا ملكته، وقد ثبت في صحيح مسلم والسنن الأربع إلا سنن النسائي ، والحديث رواه البخاري في الأدب المفرد، والبيهقي في السنن من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه)، وبمجرد شرائه يحصل العتق، إنما ترتب العتق على الشراء فقط، ولا يشترط أن تقول: أعتقتك، يعني: بمجرد ما اشتريت الوالد أعتق عليك، شئت أو أبيت رغم أنفك، فمن ملك كما سيأتينا ذا رحم محرم فهو حر، إذاً لم قال: فيعتقه؟ قال: لأنه تسبب في عتقه فقط.

    قال الحنفية: يقاس على هذا ويلحق به سائر الأقارب.

    وقد ثبت في المسند والسنن الأربع ومستدرك الحاكم ، وسنن البيهقي ، والحديث رواه أبو داود الطيالسي ، وإسناد الحديث حسن، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من ملك ذا رحم محرم فهو حر)، فإذا ملكت أباك، أمك، أخاك، جدك، ابنتك، ابنة أخيك، كل هذا من ملك ذا رحم محرم فهو حر، يعني: لو كان أحدهما أنثى لما حل التزاوج بينهما.

    القول الثاني: قول الإمام الشافعي ، قال: يعتق على الإنسان الآباء والأبناء فقط، فقصر العتق على عمودي النسب، الأصول والفروع.

    القول الثالث: قول الإمام مالك كـالشافعي ، وزاد الإخوة والأخوات دون أولادهم، أي: دون أولاد الإخوة والأخوات، فعنده الوالدين مهما علوا، والأولاد مهما نزلوا يعتقون عليك إذا اشتريتهم، أما الإخوة فهذا خصوص الإخوة، أخ لأب أو لأم أو شقيق، أو أخت لأب أو لأم أو أخت شقيقة، أما ابن الأخ فلا يعتق عليك.

    إذاً: عند الشافعي أخوك لا يعتق عليك، وعند أبي حنيفة كل من كان بينك وبينه قرابة محرمة النكاح أعتق عليك، وقول أبي حنيفة قال به الإمام أحمد ضم الإمام أحمد إليه فهو القول الأول: (من ملك ذا رحم محرم فهو حر)، وقول أبي حنيفة والإمام أحمد فيما يظهر أقوى الأقوال للحديث الذي تقدم معنا وهو حديث سمرة : (من ملك ذا رحم محرم فهو حر)، فقصر الإمام الشافعي هذا على عمودي النسب، يقول: ورد في الأب إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه، نلحق به الابن لأنه أحد طرفي النسب، هذا عمود من أعلى وهذا من أسفل، فنلحق الأبناء بالآباء، نقول: ما ورد ما هو أعم من ذلك: (من ملك ذا رحم محرم فهو حر).

    الإمام مالك ضم الإخوة من أي جهة كانوا، والأخوات أشقاء أو لأب أو لأم لكن دون أن يسحب هذا الحكم على أولادهم، فقال: الآباء مهما علوا، والأبناء والأولاد مهما نزلوا، أما الإخوة نقتصر عليهم دون أولادهم.

    فائدة في ضابط وبيان المحرم وهذا مهم في الأحكام الشرعية:

    أولاً: الوالدان مهما علوا، أب وأم جد جدة، هؤلاء كلهم قريب محرم.

    الصنف الثاني: الولد مهما نزل، والولد يطلق على الذكر والأنثى، ابنك ابن ابنك بنت بنتك مهما نزلوا، كل من جاء من فروعك فهؤلاء لك محارم.

    الصنف الثالث: الإخوة مطلقاً أشقاء أو لأب أو لأم، وأولادهم مهما نزلوا، أختك محرم لك، بنتها محرم لك، بنت بنتك، بنت بنت أختك أيضاً محرم، وهذا يستشكله كثير من الناس يقول: أنت خال لأمها، أي: للتي هي بنت أختك، فخال الأم خال البنت مهما نزلت، يعني: بنت الأخت مهما نزلت محرمة عليك.

    ابن الأخت يكون محرم لك لو كان أنثى، ابن الأخت بناته مهما نزلن، كل هذا من المحارم لك، الإخوة أولادهم مهما نزلوا.

    الصنف الرابع والخامس: الأعمام والأخوال دون أولادهم.

    وعليه عند الحنفية والإمام أحمد : (من ملك ذا رحم محرم فهو حر)، ينبغي أن يكون من هؤلاء الأصناف الذي بينك وبينهم كما قلنا: قرابة محرمية، وهذه لو كان أحد القريبين أنثى والآخر ذكر لما حل التناكح بينهما.

    هذا فيما يتعلق بموضوع المبعض وموضوع المكاتب، وهذا كله يرتبط بالمانع الأول من موانع الإرث ألا وهو الرق، فالرقيق لا يرث ولا يورث محل اتفاق، عندنا بعد ذلك تعلق فرعان بالرق فيهما شيء من الحرية والرق: المبعض، والمكاتب الذي ضمن الحرية بعقد بينه وبين سيده، هل يرثان ويورثان؟ أما المكاتب فقلنا: بالإجماع لا يرث، وهل يورث؟ على ثلاثة أقوال: وأما المبعض هل يرث ويورث؟ في كونه يرث ويورث خلاف تقدم معنا والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    المانع الثاني من موانع الإرث: القتل

    ننتقل للمانع الثاني من موانع الإرث ألا وهو: القتل.

    رق وقتل واختلاف دين فافهم ليس الشك كاليقين

    دليل عدم توريث القاتل

    القتل من موانع الإرث، وقد نص على ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي سنن الدارقطني والبيهقي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ليس للقاتل من الميراث شيء).

    والحديث رواه أبو داود والبيهقي أيضاً بلفظ: (ليس للقاتل شيء، فإن لم يكن له وارث يرثه أقرب الناس إليه، ولا يرث القاتل شيئاً).

    وقد روي الحديث عن عدة من الصحابة الكرام عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فروي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً في سنن الترمذي ، وابن ماجه ، والدارقطني ، والبيهقي ، ولفظ الحديث: (القاتل لا يرث، القاتل لا يرث)، والحديث مع صحة معناه إسناده ضعيف، ففيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ، قال الإمام الترمذي : تركه بعض أهل العلم منهم الإمام أحمد .

    قال الترمذي : ولا يصح هذا الحديث ولا يعرف إلا من هذا الوجه، يعني: حديث أبي هريرة لا يعرف إلا من هذا الطريق، وفيه هذا المتروك.

    وروي الحديث أيضاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنن ابن ماجه وموطأ الإمام مالك والسنن الكبرى للإمام البيهقي وسنن الإمام الدارقطني ، ولفظ حديث عمر رضي الله عنه مرفوعاً: (ليس للقاتل شيء).

    وفي رواية الدارقطني : (ليس للقاتل ميراث).

    وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا، واستشهد به في قصة وقعت في خلافته رضي الله عنه وأرضاه، خلاصتها كما روى قتادة : أن رجلاً من بني مدلج كان له أم ولد، وأم الولد هي السرية، إذا استولدها الإنسان يقال لها: أم ولد، فلا تباع بعد ذلك وتصبح حرة بموت سيدها، وكان له منها ابنان، فأراد أن يتزوج بعد ذلك امرأة دون هذه السرية، فقالت زوجته التي سيتزوجها مشترطة عليه: لا أرضى حتى ترعى علي أم ولدك، يعني: حتى تقوم بخدمتي وتكون تحت رأيي ومسئولتي، فأراد الرجل أن يكلفها بذلك، فعارضه أحد ابنيه، كيف أمنا ترعى وتسعى حول زوجتك، ما دخلها في ذلك؟ فغضب الأب فرماه بالسيف، فأصابه فقتله، فرجع الأمر إلى عمر رضي الله عنه وأرضاه فاستدل بالحديث المتقدم: (ليس للقاتل ميراث)، وكلف الأب بدفع الدية، فلما أحضر الأب دية ابنه وهي ثلاثون حقة، وهي من طعنت في السنة الرابعة من الجمال فتمت الثالثة وطعنت في الرابعة، سميت بذلك لأنه يحق لها أن توطأ وصارت تتحمل، وثلاثين جذعة، وهي من طعنت في السنة الخامسة، وأربعين خلفة، وهي الحامل التي ستخلف عما قريب، وهذه هي الدية مائة من الإبل، ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، ثم قال: أين أخو المقتول؟ فأتي به فقال: خذها، أي: هذه الدية ليس للقاتل ميراث، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام.

    فالحديث إذاً روي عن عمر أيضاً لهذه القصة المتقدمة، والحديث لا ينزل عن درجة الحسن كما قلت، والرواية الثانية رواية أبي هريرة مع ما فيها من كلام، المعنى ثابت كما تقدم معنا في الحديث المتقدم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (ليس للقاتل من الميراث شيء).

    قال أئمتنا الكرام: وهذا الأمر مجمع عليه في الجملة، فالقتل مانع من الإرث، يعني: مانع للقاتل من إرث مقتوله.

    الخلاف في تعيين القتل المانع من الميراث

    اختلف أئمتنا الكرام في تعيين القتل المانع من الميراث على أربعة أقوال لأئمة المذاهب الأربعة المتبعة المعتبرة:

    أولها: قول الإمام الشافعي ، وهو: إعمال عموم الحديث والسير مع إطلاقه: (ليس للقاتل من الميراث شيء)، فمن صدر منه القتل بأي وجه كان يحرم من الميراث حتماً لاستعجال الوارث موت مورثه.

    قال الإمام الشافعي : ولو قتله بغير قصد، كنائم انقلب على قريبه فقتله، أو لمصلحة كما لو أدب ولده فمات، أو بط جرح مورثه فمات، أو شهد عليه شهادة أدت إلى قتله، أو حكم عليه بالقتل إن كان قاضياً لاستحقاق الأب ذلك، أو لاستحقاق مورثه، فمن له مدخل في قتل المورث بأي طريق كان يحرم من الميراث، لو قدر أن والدك أو أخاك قتل إنساناً بغير حق وأنت قاض، وجاء الشهود عندك وشهدوا أن والدك قتل بغير حق، فأنفذت حكمه وهو حكم الشرع بأن يقام القصاص على والدك أو أخيك أو مورثك، يقول الإمام الشافعي : هذا مانع من موانع الإرث، أخوك قتل إنساناً بغير حق واستشهدت فأديت الشهادة التي لا يجوز أن تكتمها، يقول الإمام الشافعي : هذا مانع من موانع الإرث، والدك يحتاج إلى عملية وأنت طبيب أجريت له العملية فمات، هذا مانع من موانع الإرث، جرح فيه شققته ليخرج منه القيح والصديد فأدى إلى موته مانع من موانع الإرث، نائم قلب على انقلب على مورثه فقتله مانع من موانع الإرث، إذا حصل القتل بأي كيفية كانت وشاركت فيه بحق أو بظلم، بقصد أو بغير قصد، المقصود حصل منك مشاركة في القتل، تمنع من الميراث، لم؟ قال: حتماً للاستعجال، قد تكون أنت قاض طالبك يملك الملايين، ونصاب الشهادة ما اكتمل تماماً، ولو كان الآن المحكوم عليه غير والدك قد تتأنى، فهنا تهمة، لكن بما أنه والدك تقول: أنا أنفذ الحكم بسرعة من أجل أن يؤول إلي المال، وسواء والد أو أخ أو عم، وأحياناً يكون عم وألا يوجد له وارث إلا أن تقول: أنا أتعجل في إصدار الحكم وإن لم يكتمل النصاب تماماً من أجل أن يؤول المال إلي.

    الإمام الشافعي يقول: يوجد تهمة، ولا يشترط من هذه التهمة أن تكون موجودة عند الإنسان حقيقة، بما أنها وجدت نحرمه من الميراث، ومصيبة نزلت عليه، فإذا دعي للشهادة لا يجوز أن يكتم ويمنع من الميراث.

    يقول الشافعي : إطلاق الحديث كل من تسبب عن فعله قتل لا يرث بحق أو بغير بحق، بقصد أو بغير قصد، فمن شارك في القتل أو قتل بأي كيفية كانت لا يرث، كما قلنا حتماً بتهمة استعجال موت مورثه، وإعمالاً لإطلاق الحديث: (ليس للقاتل من الميراث شيء).

    ولذلك إذا كنت قاضياً وأحيلت إليك مسألة تتعلق بمورثك حولها لقاض آخر، إن أردت أن تتخلص قل هذه يقضي بها غيري، وأما أنا فمتوقف، وأما إذا قضيت بما يجب عليك أن تقضي به، يؤدي هذا إلى منعك من الإرث عند الإمام الشافعي ، وحقيقة القول في منتهى الوجاهة والسداد، ولا تظن أن فيه بعداً، يعني: بالإمكان أن يتعجل الإنسان موت مورثه.

    ممكن للإنسان يتصنع أنه ينقلب على من بجواره ويقتله وهو نائم ويقول: انقلبت عليه.

    ممكن أن نفرض ولداً ورث من أبيه مئات الملايين وهو رضيع، فأمه تريد أن تتخلص منه لتأخذ المال، قالت: أنقلب عليه في النوم وأقول: مات، هذا لا يستبعد أن تقتل الأم ولدها من أجل المال.

    القول الثاني للإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله، قال: القتل ينقسم إلى قسمين: قتل عمد فلا يرث القاتل مطلقاً من مال مورثه ولا من ديته.

    وقتل الخطأ، وفيه يرث القاتل من مال مورثه الأصلي لا من ديته، فالدية التي وجبت عليك لا ترث منها شيئاً، إنما ماله الأصلي ترث منه، قال الإمام مالك : لأن القاتل لم يتعجل قتل مورثه، إن كان يضرب صيده ومورثه تحت الشجرة ولم يعلم به فأصابته الرصاصة فمات، يقول: لم يتعجل، فالحديث وارد فيما لو تعجل قتل مورثه، ومن تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، فهذا لم يتعجل، فإذا كان لم يتعجل نورثه من مال المورث، من مال الميت، وأما الدية فلا يرث منها لئلا يرث الإنسان نفسه، يعني: هو يدفع الدية ثم يأخذها، والدية واجبة على القاتل، فكيف تؤول إليه بعد ذلك؟

    القول الثالث: قول الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله، قال: القتل المانع من الميراث هو كل قتل بغير حق، وهو القتل المضمون الذي يترتب عليه قود أو دية أو كفارة، فدخل في هذا قتل العمد وشبه العمد، والفرق بينهما قتل العمد أن تقصد قتل إنسان بشيء يقتله، كسكين، سيف، رصاص، أما أن تقصد قتل إنسان بشيء لا يقتل، أن تضربه بيدك فمات، هذا لا يعتبر قتل عمد؛ لأن الضربة باليد ليست قاتلة، أما هناك فهو بشيء يقتل في الغالب، أو أن تضربه بسوط معك أو بكتاب، فهذا شبه عمد تريد قتله لكن بشيء لا يقتل، أو بخرقة تلفها وتضربه بها شبه عمد، والعمد أن تضربه بشيء يقتل، دخل فيها قتل العمد وشبه العمد.

    وقتل الخطأ، وهو أن تفعل ما لك فعله فيترتب عليه قتل مورثك، كما لو ضربت صيداً وما شاكل هذا فأصبت مورثك، وما جرى مجرى الخطأ، كانقلاب النائم في حال نومه فيموت، والقتل بالسبب كأن تحفر بئراً فيقع فيها مورثك فيموت، يدخل في هذا قتل الصبي، لو أن الصبي الذي هو غير مكلف ضرب مورثه فقتله، فهذا جرى مجرى الخطأ.

    فخرج من القتل الذي يمنع الميراث القتل قصاصاً، وخرج القتل إذا كان دفعاً، وخرج القتل إذا كان لمصلحة، فلو قدر أنك إما حكمت به أو أنك استوفيته، يعني: أن ابن عمك قتل أخاك وأنت ولي الدم بالنسبة للأخ، وأنت وارث لابن عمك فليس له وارث غيرك، فما تنازلت وطلبت بحق القصاص، فأخذ لك حق القصاص من ابن عمك، وقتلته أنت، لكن قصاصاً بحق فليس عليك كما تقدم معنا لا قود ولا دية ولا كفارة، فأنت ترث في هذه الحالة، فالقتل بقصاص لا يكون مانعاً، والقتل دفعاً لو قدر أن مورثك أراد أن يعتدي عليك، وأراد أن يقتلك، فدفعت عن نفسك فمات، أيضاً لا يمنعك ذلك من الميراث، والقتل كما قلنا: لمصلحة كأن أجريت له عملية فمات، فتحت جرحه لمصلحته فمات، فلا يمنعك هذا من الميراث، لأن هذا القتل لا يترتب عليه قود ولا دية ولا كفارة، القتل المانع من الميراث هو القتل بغير حق، وكما تقدم معنا هو المضمون بدية أو قصاص أو كفارة.

    القول الرابع: قول أبي حنيفة وهو أن القتل المانع من الميراث هو ما أوجب قصاصاً أو كفارة، فقوله يقرب من قول الإمام أحمد ، لكنه أخرج القتل بسبب، فقتل الصبي لمورثه، وموت المورث في بئر حفره وارثه، وانقلاب النائم على مورثه بحيث أدى ذلك إلى موته، هذه الأمور الثلاثة تقدم معنا مانعة من الإرث عند الإمام أحمد ، وعند أبي حنيفة ليست مانعة، لأنه في هذه الأمور تجب الدية فقط، ولا يوجد كفارة، يعني: الصبي عندما يقتل ليس عليه كفارة إنما عليه الدية.

    فيما يظهر من هذه الأقوال والعلم عند الله جل وعلا أن قول الإمام الشافعي عليه رحمة الله من حيث الإطلاق يتمشى مع ظواهر النصوص، وأنه ليس للقاتل من الميراث شيء؛ لأن التهمة يمكن أن تكون في نفس القاتل وإن لم نطلع عليها، وما يدور في خفايا البشر لا يعلمه إلا الله جل وعلا.

    فقد ينقلب النائم على مورثه، ويقول: أنا لا حيلة لي في ذلك، لكنه متعمد لذلك.

    وقد يستعجل الحكم على مورثه، أو أنه يضرب صيداً ويسدد إلى مورثه ويقول: أنا أريد الصيد.

    يعني: التهمة قائمة، وإذا كانت قائمة فسد هذا الباب من أصله حتى يحتاط الوارث غاية الاحتياط، وحتى يعلم أنه إن قتل خطأ أو عمداً لن يرث، يعلم أنه لا فائدة له من قتل مورثه بأي طريق كان، يعني: إذا كان الإرث مسدوداً أمامه، ولن يأخذ من مال مورثه شيئاً، تنقطع التهمة بعد ذلك على الإطلاق، فظاهر النصوص يمكن أن تؤيد قول الإمام الشافعي ، وأن يكون هو أحوط الأقوال في ذلك والعلم عند الله جل وعلا.

    وقول الإمام أحمد عليه رحمة الله له وجاهة واعتبار، وهو أن القتل إذا ضمن بقصاص أو كفارة أو دية يمنع، وأما إذا ضمن بقود أو دية أو كفارة فيمنع، وأما إذا كان بحق كما لو قتلت قصاصاً أو دفعاً له، أو كما قلنا: لمصلحته وترتب عليه قتله، يقول: كأن التهمة الآن بعيدة، نقول: مع بعدها يمكن أن تكون موجودة والعلم عند الله جل وعلا.

    أما قول الإمام مالك فهو في الحقيقة أبعد الأقوال، والنصوص الواردة في أمر القتل ترده، وهو أنه يورث القاتل من مورثه في حال قتل الخطأ من ماله لا من ديته، وقد ثبت في مسند الإمام أبي يعلى ومعجم الطبراني الكبير، وإسناد الأثر صحيح، لكن فيه راوٍ فقط لم يسم، مجهول، والأثر رواه الإمام الهيثمي نسبه إلى مسند أبي يعلى ومعجم الطبراني في مجمع الزوائد في الجزء الرابع صفحة ثلاث وثلاثين ومائتين، وبوب عليه في كتاب الفرائض باب ميراث القاتل.

    ولفظ الحديث عن عدي وهو عدي الجذامي ، ويقال له: عدي بن زيد الجذامي كما ذكر ذلك الحافظ في الإصابة في ترجمة عدي ، أنه كان له زوجتان، فرمى إحداهما بحجر عن طريق الملاعبة لا عن طريق قتل القصد، فماتت من هذه الرمية، فركب عدي إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسأله؟ فقال له: (اعقلها ولا ترثها)، أي: تدفع ديتها ولا تأخذ شيئاً من إرثها، وهذا قتل خطأ، فالذي يظهر أن القاتل لا يرث، وكما قلت: إطلاق قول الشافعي أحوط، يعني: قول أبي حنيفة وقول الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله يمكن أن يكون إذا انتفت التهمة، أو كانت بعيدة، كما لو استوفى حق القصاص من مورثه، أو عالجه فمات، أو لو دفع مورثه عن نفسه فمات، كما قال الحنفية بعد ذلك: القتل بالسبب قتل الصبي، قتل النائم، يعني: هذه لو استثنيت فيمكن، أما القتل بالخطأ فلا يستثنى، ويقال: لانتفاء التهمة، وأن يوجد في موضوع قتل الخطأ تهمة، وأن الإنسان يسدد الرمي إلى شيء مباح، لكن يوجهها إلى مورثه ويقول: أنا لا أريد قتله، وهذا النص كما قلت: (اعقلها ولا ترثها)، لا تأخذ شيئاً من ميراثها وعليك ديتها، هذا فيما يتعلق بالمانع الثاني من موانع الإرث.

    المانع الثالث: نقف عنده ألا وهو اختلاف الدين، نتكلم عليه فيما يأتي إن شاء الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.