إسلام ويب

فقه المواريث - ميراث اللقيطللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أسباب الإرث المختلف فيها: الالتقاط، وهو العثور على طفل منبوذ لا يعرف نسبه، والالتقاط دائر بين فرض العين وفرض الكفاية، ويحكم بإسلام أو عدم إسلام اللقيط باعتبارات معينة، ونفقة اللقيط من ماله وإلا فمن بيت المال وإلا فعلى الملتقط، فإن عجز فعلى أغنياء المسلمين، والجمهور على عدم توريث الملتقط ممن التقطه، ورجح ابن القيم التوارث وجعله أولى من العتق الذي هو من أسباب الميراث، أما الرق فهو من موانعه.

    1.   

    السبب الرابع من أسباب الإرث المختلف فيها: الالتقاط

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    كنا نتدارس أسباب الإرث، وقد انتهينا من مدارسة أسباب الإرث المجمع عليها، وهي ثلاثة بلا خلاف: النكاح, والولاء، والنسب.

    أسباب ميراث الورى ثلاثة كل يفيد ربه الوراثة

    وهي نكاح وولاء ونسب ما بعدهن للمواريث سبب

    ثم انتقلنا بعد ذلك إلى مدارسة الأسباب المختلف فيها، وقلت إنها أربعة أسباب, وقد تدارسنا ثلاثة منها:

    السبب الأول: جهة الإسلام، وهي التي يعبر عنها ببيت المال.

    والسبب الثاني: الموالاة والمعاقدة والمعاهدة، أرثك وترثني, فدمي دمك، وهدمي هدمك، وتعقل عني وأعقل عنك.

    الأمر الثالث: التسبب في إسلام إنسان، إذا مات المسلم الذي أسلم على يدي إنسان يرثه هذا الذي تسبب في إسلامه.

    هذه أسباب ثلاثة مر الكلام عليها مفصلة، وبينت ملحظ وتعليل ودليل كل قول من أقوال أئمتنا الكرام حسب اختلافهم في الأسباب المتقدمة الثلاثة.

    ننتقل إلى السبب الرابع المختلف فيه، ثم إذا انتهينا منه نشرع -إن شاء الله- في بيان موانع الإرث، وهذا آخر ما يكون معنا في مقدمة الفرائض، ثم سندخل في بيان الوارثين والوارثات من الرجال والنساء، ثم ندخل في بيان الفروض المقدرة، ثم التعصيب، حسب تتابع مباحث الفرائض إن شاء الله.

    المراد باللقيط

    إذاً: السبب الرابع من الأسباب التي اختلف في الإرث بها: الالتقاط. ومعناه: أخذ طفل لا يعرف نسبه، ولا رقه، نبذ طفل في الطريق أو ضاع فأخذه إنسان، لا يعلم أنه ينتمي إلى فلان، ولا يعلم أنه رقيق أو حر، فهذا يقال له: لقيط، وذاك يقال له: ملتقط، وهذه العملية تسمى عملية الالتقاط، ويعبر عنه أئمتنا أيضاً بقولهم: الالتقاط: العثور على صبي، ولو بدل صبي قلنا: ولد لكان أدق في العبارة؛ لأنه لا يشترط أن يكون ذكراً، وهذا تعبير الحنفية، وهو في كتاب الاختيار لتعليل المختار من كتب الحنفية في الجزء الثالث (صفحة: 29).

    قال علماء اللغة: اللقيط والملقوط هو المأخوذ من الأرض، سواء كان إنساناً أو غيره، وهو اسم بعد ذلك صار في عرف الناس اسماً لما يطرح على الأرض من صغار بني آدم، خوفاً من العيلة، أي: الفقر والنفقة على هذا الولد، نبذ ولده في الطريق ليأخذه من يربيه خوفاً من العيلة، أو فراراً من تهمة الزنا.

    أقول أنا: أو لضياع ذلك الصغير، يعني: هو ما نبذ من قبل أهله خوفاً من العيلة، ولا فراراً من التهمة، لكنه ضاع، أو لغير ذلك من الأسباب, والله قد ذكر الالتقاط في كتابه فقال: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص:8]، التقطه أي: التقطوا نبي الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه, وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص:7-8].

    إذاً: هي نبذته لا من أجل تهمة الزنا، ولا خوفاً من العلية، إنما خوفاً من القتل؛ لأنه لو علم فرعون بولادة هذا المولود سيقتله ويعدمه، فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [القصص:7], نحن ننجي من التلف بالتلف, ونحفظه والله على كل شيء قدير, إذا خفتي عليه اطرحيه في البحر، يعني: هل يقال لأحد إذا خفت على ولدك ألقه في النار؟

    وهنا: إذا خفتي عليه لئلا يقتل اطرحيه في البحر: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7], وكان الأمر كذلك.

    إذاً: هذا التقاط مذكور في كلام الكريم الوهاب سبحانه وتعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص:8].

    إخوتي الكرام! هناك بعض أحكام تتعلق بالالتقاط لابد من العلم بها على وجه الإيجاز فانتبهوا لها.

    حكم التقاط الطفل

    أولها: حكم الالتقاط. قال أئمتنا: الالتقاط لا يخرج أمره عن حالتين اثنتين:

    الحالة الأولى: إذا كنت تخشى على ذلك اللقيط الهلاك؛ لأنه في مفازة، فلا يوجد من يلتقطه غيرك، مررت بصحراء ووجدت ولداً ضائعاً يتخبط، أو: في أرض مسبعة فيها سباع وضباع، ومررت بولد صغير ضائع، التقاطه في هذه الحالة فرض عين، وإذا لم تلتقطه ومات فعليك إثم قتله، فالالتقاط الآن فرض عين؛ لأنه لولا ذلك لمات.

    والحالة الثانية: إذا لم يخشى على اللقيط هلاكاً ولا تلفاً، يعني: وجدته في مدينة، لكن لا يعرف أبوه ولا مالكه, ليس بحر يعلم أبوه ولا برقيق يعلم مالكه.

    فهذا التقاطه فرض كفاية على المسلمين، لابد من أن يأخذه واحد منهم ويؤويه, لكن لا يجب على واحد بعينه، فهو مثل صلاة الجنازة فرض كفاية، وهنا التقاطه فرض كفاية.

    وينبغي أن يكون في الحكومة الإسلامية في الأصل مكان لتربية هؤلاء، لكن لو قدر أن هذا لا يوجد, فالأمة الإسلامية مكلفة بأن تؤوي هذا اللقيط، وأن تربيه إذا علمت به.

    فإذاً: إما فرض عين وإما فرض كفاية.

    وقد دل على مشروعيته -على وجوبه عينياً أو كفائياً- القرآن, والسنة, والإجماع, وتقتضيه الحاجة:

    أما القرآن فهو يدخل في عموم الآيات التي تأمر بالتعاون على البر والتقوى، وهذا من أفضلها: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2]، وهذه نفس معصومة، كيف تهملها حتى تموت هلكاً وتلفاً، أو تعدو عليها بعد ذلك سباع ضارية، والله جل وعلا يقول: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32].

    إذاً: أنت عندما تحيي هذه النفس لك أجر كبير عند الله الجليل، وقد تواترت -وهذه دلالة السنة- الأحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام بفضل كفالة اليتيم ورعايته، وهذا يتيم لا يعلم أبوه ولا أمه ولا قريبه، فهو أولى الناس بالكفالة, يعني: من له أب معروف ومات، وخلف بعد ذلك ولداً مع أمه يشرع لك أن تكفله ولك أجر كبير عند الله الجليل، فكيف بمن لا يعلم له قريب على الإطلاق، فهذا أعظم من كفالة اليتيم بكثير.

    والدليل الثالث على ذلك: إجماع المسلمين، فلا خلاف بينهم أن الالتقاط مشروع، إما أن يكون عينياً وإما أن يكون كفائياً.

    قال أئمتنا: وتقتضيه الحاجة، والحاجة هي: أن الإنسان قد يضيع منه ولده، فكما أنك تريد لولدك السلامة والعافية، فأيضاً ينبغي إذا ضاع ولد غيرك أن تحافظ عليه وعلى سلامته وعافيته وأن تلتقطه، فإن جاء والده في المستقبل وعرفه فبها ونعمت، وإلا فهو عبد من عباد الله، وهو من ذرية مسلمة، فلابد إذاً من إيوائه وتربيته.

    ديانة اللقيط

    اللقيط هل يحكم بإسلامه؟ وما هو حكمه من حيث ديانته, هل هو مسلم أو كافر؟

    قال أئمتنا: لذلك تفصيل، وهو أن نقول: هذا اللقيط إما أن يوجد في بلاد الإسلام, أو ببلاد الكفر، وبلاد الإسلام هي: التي تحكم بشريعة الرحمن، فهذه هي بلاد الإسلام، سواء رعاياها مسلمون أو لا، ولها حالتان:

    إن كان فيها مسلم واحد هي بلاد إسلام، لكن أهلها أهل ذمة يهود أو نصارى، لكن هم تحت الحكم الإسلامي، يعني: لو قدرنا أن بلدة من البلدان نصارى, وهم تحت حكم أمير المؤمنين، لكن يعبدون الله على ضلال وعلى حسب ديانتهم المحرفة، لكن يقال لتلك الديار ديار إسلامية، ولو عندنا بلاد عدد رعاياها مليون وكلهم مسلمون، لكن لا تحكم بنظام الإسلام, لا يقال لها: بلاد إسلام ولا دار إسلام.

    إذاً: الدار دار إسلام ولو كان فيها مسلم واحد فقط يحكم بإسلام اللقيط تغليباً للإسلام على غيره، فهو يعلو ولا يعلى عليه؛ لاحتمال أن يكون هذا الولد من ذلك المسلم، ومادام هذا الاحتمال قائماً فنغلبه لمصلحة لهذا اللقيط ليحافظ على دينه، ونغلبه أيضاً من أجل أن العزة للإسلام.

    الحالة الثانية: دار إسلام وليس فيها ولا مسلم، كلهم يهود أو نصارى أهل ذمة، فلا يحكم بإسلام اللقيط في هذه الحالة؛ لعدم وجود السبب المقتضي للحكم بإسلام اللقيط.

    إذاً: إذا وجد مسلم واحد فقط غلبنا جانب الإسلام؛ لأنه يعلو ولا يعلى عليه ومصلحة لهذا اللقيط، أما هنا لا يوجد ولا مسلم، فالأصل أنه منهم، وعليه لا يحكم بإسلامه، وتكون ديانته كديانة هؤلاء، وهذا يترتب عليه أحكام، منها لو مات يعامل معاملة المسلمين، يغسل، ويكفن، ويصلى عليه, ويدفن في مقابر المسلمين، وإذا لم يحكم بإسلامه كالصورة الثانية لا يدفن في مقابر المسلمين ولا نصلي عليه، وإذا كبر وبقي على نصرانيته فلا نلزمه بالإسلام.

    القسم الثاني للدور: أن تكون الديار ديار حرب ليست بديار الإسلام، إنما هي ديار الكفار، وهذه الديار أيضاً لها حالتان:

    الحالة الأولى: أن تكون دياراً إسلامية سابقة، ثم استولى عليها الكفار ككثير من بلدان المسلمين في هذا الحين، كالأندلس مثلاً، وكما هو الحال في إسرائيل، كما هو دور لا تحصى، يعني: بلاد كانت إسلامية ثم استولى عليها الكفار شر البرية.

    نقول: هذه الدار التي كانت إسلامية وغلب عليها الكفار حكمها كحكم الديار الإسلامية، فإن كان فيها مسلم واحد حكم بإسلامه، وإذا ما بقي فيها ولا مسلم، إما أن المسلمين شردوا أو كفروا وارتدوا، جاءت بعد ذلك أجيال وأجيال وأجيال، ونشئوا على الكفر، ثم التقطنا ولداً من تلك الديار وليس فيها مسلم واحد، فلا يحكم بإسلام اللقيط في هذه الحالة.

    وذهب القاضي أبو يعلى من أئمة الحنابلة إلى أننا نحكم بإسلام اللقيط في الديار الإسلامية التي استولى عليها الكفار، وإن لم يكن فيها مسلم واحد؛ لأننا نجزم يقيناً أنه يوجد فيها مسلمون يسرون إسلامهم، ولا يستطيعون إظهاره لأجل الكفر الذي جثم على صدورهم، وهذا واقع في هذه الأيام وظهر في البلاد الروسية، على الشيوعية غضب رب البرية.

    يعني: لما انحسر حكمهم وظلمهم وبطشهم وحديدهم ونارهم ظهرت النماذج الإسلامية، وكيف كانوا يعلمون الإسلام لأولادهم سراً، مع أنهم في الظاهر كفار، يعني: هو في الظاهر كافر وملحد أمام الدولة، ولا يستطيع أن يبوح وأن يظهر أنه مسلم، لكنه في الحقيقة مسلم.

    بقي عندنا احتمال وجود مسلم واحد، فيقول أبو يعلى : نغلب هذا الاحتمال تمسكاً بالأصل؛ لأن الأصل أنها ديار إسلامية، والأصل أن فيها مسلمون، ويحتمل أن يكون من أبٍ مسلم، أو من أحد أبوين مسلمين، وإذا كان هذا الاحتمال قائماً فنغلبه.

    وهذا احتمال في الباطن قوي، فنحكم بإسلامه، وقول أبي يعلى وإن لم يأخذ به الحنابلة ولم يأخذ به الجمهور إلا أنه في منتهى الوجاهة والإحكام.

    الحالة الثانية: لم تكن ديار إسلام، كبلاد الهند مثلاً، هذه البلاد ماذا يحكم للقيط إذا التقط فيها، قال أئمتنا: هذه الديار التي هي ديار كفر وحرب، ولم تكن ديار إسلام سابقة، إنما هي ديار كفر منذ الأصل لها حالتان:

    الحالة الأولى: أنه لا يوجد فيها مسلمون، أو مسلمون يذهبون هناك لمصلحة دنيوية، فيحكم بكفر اللقيط بالاتفاق.

    فإن كان يتردد إلى تلك الديار التجار لمصلحة, ووجدنا لقيطاً فيها, هل نحكم بإسلام اللقيط أم لا؟ لأئمتنا قولان:

    القول الأول: وهو قول الجمهور: لا نحكم بإسلامه بناء على الأغلب والأكثر والأصل، الدار دار كفر، والناس -كما قلنا- كلهم كفار، ومجيء هؤلاء إليهم مجيء طارئ عارض.

    والقول الثاني: نحكم بإسلامهم أي: بإسلام من نلتقطه تغليباً لجانب الإسلام على جانب الكفر؛ لأنه يحتمل ولو كان بعيداً أن هذا من نسل هؤلاء التجار.

    إذاً: هل يحكم بإسلام اللقيط؟

    قلنا: هذا له تفصيل: الدور تنقسم إلى قسمين: دار إسلام، ودار كفر وحرب.

    دار الإسلام لها حالتان:

    الحالة الأولى: فيها مسلم واحد فيحكم بإسلامه إجماعاً.

    الحالة الثانية: دار إسلام وليس فيها ولا مسلم, لكنها تحت ظل الحكم الإسلامي، فلا يحكم بإسلام اللقيط؛ لأنه لا يوجد بينهم مسلم.

    الأمر الثاني: ديار الكفر، أيضاً تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: كانت ديار إسلام، ثم استولى عليها الكفار, فلها حالتان:

    الحالة الأولى: فيها مسلم واحد، فنحكم بإسلام اللقيط؛ لأن الأصل البلاد إسلامية ويحتمل أن يكون هذا اللقيط من نسل هذا المسلم الذي لا زال ظاهراً بارزاً.

    الحالة الثانية: إذا لم يكن فيها مسلم في الظاهر فالجمهور: لا يحكم بإسلام اللقيط.

    وقال أبو يعلى : يحكم؛ لأن الديار في الأصل ديار إسلام، وليس عندنا يقين بأنه ما بقي أحد على دين رب العالمين في باطنه وقلبه، وإن أظهر الكفر بظاهره خشية الحكم بالحديد والنار، وهذا في منتهى الوجاهة والسداد والقوة.

    القسم الثاني: لم تكن ديار إسلام، ولا فيها ديار كفر من الأصل، فإذا وجدنا لقيطاً فيها، وهنا حالتان:

    الأولى: إن كان يقيم فيها مسلمون فيحكم بإسلام اللقيط تقوية للإسلام على غيره.

    الثانية: ليس فيها مسلم وهي دار كفر من الأصل، ولا يتوقع الآن وجود مسلم فيهم يحكم بكفر اللقيط، فإن كان يتردد إليها التجار، لقضاء المصالح فلأئمتنا قولان:

    القول الأول, وهو قول الجمهور: الظاهر الحكم بكفر اللقيط تبعاً للأكثر والدار.

    والثاني: احتمال أن هذا من التجار فيحكم بإسلامه، والعلم عند الله جل وعلا.

    هذا اللقيط مبحث آخر فيه بعد حكم التقاطه وإسلامه من حيث الحرية والرق، هو حر بالإجماع، وقد حكى الإجماع على حريته عدد من أئمتنا، منهم: الإمام ابن المنذر وابن قدامة وغيرهما عليهم جميعاً رحمة الله.

    النفقة على اللقيط

    الأمر الرابع: من حيث نفقته:

    قال أئمتنا: الإنفاق عليه يكون على هذا الترتيب: إن كان اللقيط عنده مال ينفق عليه من ماله، وكيف لقيط وعنده مال؟ يقع هذا بكثرة، كم من إنسان ينبذ أحياناً ويوضع معه مئات الألوف، يعني: المرأة نبذته لأنه كما قلت من طريق حرام, ولئلا تفتضح، لكنه ولدها فوضعت فلوساً معه من أجل تربيته وهذا يقع بكثرة، وقد أخبرني عدد ممن وجدوا هذا وأنهم يجدون فلوساً في ملابسه.

    فإذا كان عنده مال ينفق عليه من ماله، وإذا لم يكن عند اللقيط مال ينفق عليه من بيت المال، وملتقطه يأخذ نفقته من بيت المال كما سيأتينا كلام عمر رضي الله عنه في ذلك عندما قال لمن التقط لقيطة: اذهب فهو حر، وولاؤه لك، وعلينا نفقته.

    (علينا) يعني: على بيت المال، فهو أمير المؤمنين والخليفة الراشد رضي الله عنهم أجمعين.

    فإذا لم يكن هناك بيت مال منتظم فينفق عليه المسلمون، وكما أن التقاطه فرض كفاية فالنفقة عليه كذلك، من علم منهم ينبغي أن يشارك، وإذا لم ينفقوا عليه وهلك هذا اللقيط فكلهم آثمون ويا ويلهم عند ربهم!

    فإذا تعذر وما أنفقوا يكلف الملتقط بالنفقة على اللقيط، على أن يعود بنفقته على لقيطه بعد أن يكبر فيسجل كم أنفق عليه، ويبقى هذا كما قلت ديناً في رقبة اللقيط ليرد هذا إلى ملتقطه بعد ذلك.

    لكن اشترط أئمتنا لثبوت استرداد النفقة من اللقيط أن يكون هذا بحكم قاضٍ، لكن أنا أقول: إذا كان هذا الحكم صدر من قاضٍ شرعي فهناك دولة شرعية تنفق عليه، وعليه هو ينفق عليه بقول أهل الخبرة والصلاح أو قول الناس، قد يكونون فقراء ما عندهم نفقة عليه مثلاً، فيقول: أنا أنفق عليه كل شهر ثلاثين ريالاً، والتقطته في وقت كذا، وأسجل النفقة عليه، حتى إذا بلغ أعطيه كشفاً بذلك، وهذا دين في رقبته ينبغي أن يرده إليه، هذا فيما يتعلق بنفقة اللقيط.

    دعوى نسب اللقيط

    هل يصح لأحد أن يدعي اللقيط ويقول: هذا مني وولدي، هل يصح دعوى النسب هذه؟

    دعوى النسب تقبل، وإن لم يكن هناك بينة، فكل من جاء وقال: هذا ولدي، فثبت له، وإذا اختلفوا لابد بعد ذلك من الترجيح بمرجح من المرجحات, وإذا لم يكن فعن طريق القرعة.

    إنما لو ادعاه واحد ولا منازع فهو له بدون بينة، جاء وقال: هذا الذي التقط في يوم كذا ولدي، تقبل دعواه عند أئمتنا بالاتفاق ولا ينازع في ذلك، قال أئمتنا: لأنها محض مصلحة للقيط وللملتقط وللمسلمين، وليس في ذلك مضرة على أحد من خلق الله أجمعين.

    فهي مصلحة للطفل أن نفقته تصبح واجبة عليك، أنه يستر بعد ذلك, ويكون له نسب معروف، أنه يرث منك لو مت، هذا فيه مصلحة ما فيه مضرة، لا على اللقيط ولا على أحد، وأنت ما آذيت أحداً؛ لأنه في الأصل منبوذ، يعني: أنت لو لم تدع نسبه سيبقى بلا نسب، فإن كان الذي ادعاه كافراً فلابد من بينة تثبت أنه ولده وأنه ولد على فراشه؛ فالولد للفراش، لأنه لو ثبت نسبه منه سيحكم بكفر اللقيط تبعاً لأبيه، وثبوت نسبه إليه.

    وهكذا لو قال: ولد على فراش أمتي ثبت رق اللقيط، وصار ملكاً لمن ادعاه ببينة، ولابد من بينة على أنه ولد على فراش أمته، إن كانت هذه الأمة مزوجة أو كان من حرام.

    ميراث اللقيط

    نشرع الآن في ميراث اللقيط, هل يورث؟ وهل يرثه ملتقطه؟ وكما قلت: هذا هو السبب الرابع من الأسباب المختلف فيها في أسباب الإرث، لعلمائنا الكرام في ذلك قولان معتبران:

    القول الأول: قال به الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي ، وهو أحد القولين للإمام أحمد ، وهو ظاهر مذهب الحنابلة: أن الملتقط لا يرث اللقيط؛ لأن اللقيط حر، ولا ولاء لأحد عليه، ومن أسباب الإرث كما تقدم معنا وجود نسب أو ولاء، ولا نسب بينك وبين من التقطته, وليس لك ولاية عليه، فإذا أحسنت إليه بالتقاطه وتربيته لا يكون هذا من أسباب إرثه.

    القول الثاني: أن الملتقط يرث اللقيط إذا لم يكن هناك أسباب الإرث المتفق عليها، يعني: لو مات وترك ابناً وملتقطه, المال للابن، وهذا لا إشكال فيه.

    لكن نحن نقول: إذا لم يكن هناك ورثة من أصحاب الأسباب المتفق عليها، ووجد ملتقط، هل ندفع المال لبيت المال أو لمن التقطه أو لذوي أرحامه؟ هل نقدم الملتقط وينزل منزلة المعتق؟

    يعني: مات وترك معتقاً وبنت عم، المال للمعتق؛ له عاصب، وهنا ترك بنت عم وملتقطه, فهل نعطي المال للملتقط، ونجعل له ولاية عليه كولاية العتق؟

    على القول الثاني الملتقط له ولاء على لقيطه، وهذا هو القول الثاني للإمام أحمد ، وقال به إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، وقال به الإمام النخعي كما في فتح الباري في الجزء الثاني عشر (صفحة: 32)، وقال به شريح من قضاة التابعين عليهم جميعاً رحمات رب العالمين.

    وقد أشار البخاري في صحيحه إلى هذه المسألة، فقال في كتاب الفرائض: باب: الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط، وسيأتينا ما ذكره الإمام البخاري عليه رحمة الله في هذا الباب من قصة وقعت في عهد عمر رضي الله عنه وأرضاه عند سرد أدلة هذا القول فاستمعوها إن شاء الله.

    وهذا القول الثاني قرره أئمتنا بدليلين معتبرين:

    الدليل الأول: قالوا: ثبت في السنن الأربعة، وقال الإمام الترمذي : حسن غريب، عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه وأرضاه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه )، أي: تكون عصبة في هذه الأحوال الثلاثة، وتأخذ مال هؤلاء بأكمله، وليس للمرأة تعصيب إلا في هذه الأحوال. أما الحالة الأولى فمجمع عليها:

    وليس في النساء طراً عصبة إلا التي منت بعتق الرقبة

    تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، إذا أعتقت إنساناً فهي عصبته، ( الولاء لمن أعتق ) كما تقدم معنا، ( عتيقها، ولقيطها ) , التقطت إنساناً ومات تحوز ميراثه، ( وولدها الذي لاعنت عليه )، إذا حصل اللعان بينها وبين زوجها في نفي الولد, فالولد ينسب بعد اللعان للأم, فإذا مات هذا الولد ترثه أمه.

    قال الإمام ابن الأثير في جامع الأصول: اللقيط حر في قول عامة الفقهاء، وذهب بعضهم يعني: إذا كان حراً فملتقطه لا يرثه وليس لملتقطه ولاية عليه، وذهب بعضهم إلى أن ولاء اللقيط لملتقطه احتجاجاً بهذا الحديث، وليس هذا الحديث حجة عند الأكثر، وهو ثابت عند الأكثر من أهل النقل، كأنه يقول: الذين لم يأخذوا به لم يروا في هذا الحديث حجية، وقالوا معارض بما تقدم معنا، والحديث قلنا: في أعلى درجات الصحة: ( الولاء لمن أعتق )، وقصر الولاية في هذه الحالة، وهي حصول العتق، كما تقدم معنا: من تسبب في إسلام أحد هل يكون له ولاية عليه؟ أقول: ما حصر النبي عليه الصلاة والسلام الولاء في جهة واحدة، فالذين لم يروا هذا الحديث حجة رأوا أنه معارض بما هو أقوى منه فيقدم عليه، وهنا سلكوا مسلك التأويل بعد ذلك في موضوع الولاية، قالوا: هذه الولاية معناها أولى الناس بمحياه ومماته، كما تقدم معنا فيمن تسبب بإسلام أحد, قالوا: هو أولى الناس ببره ورعايته وشهود صلاته والإحسان إليه وما شاكل هذا، وليس هو أولى الناس بإرثه؛ فهذا لا يثبت له لعدم وجود أسباب الإرث الثابتة، وهنا كذلك.

    يقول الإمام ابن الأثير : وليس حجة عند الأكثر، وهو ثابت عند الأكثر من أهل النقل، يعني: المحدثون يثبتون هذا الحديث ويصححونه، وقلت لكم: الإمام الترمذي قال عنه: حسن غريب، وهو في السنن الأربعة.

    الدليل الثاني: ما ذكره البخاري في كتاب الفرائض: باب: الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط، وأورده أيضاً في كتاب الشهادات: باب: إذا زكى رجلٌ رجلاً كفاه، وانظروه في الجزء الخامس من كتاب الشهادات في ( صفحة: 210).

    ولفظ الأثر: وقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: (اللقيط حر). قال الحافظ ابن حجر : وصله البيهقي ، والإمام مالك في الموطأ، ولكلام عمر رضي الله عنه قصة, وقد أوردها البخاري عليه رحمة الله في المكان الأول في الجزء الخامس، وهي في سنن البيهقي وموطأ الإمام مالك ، لكن البخاري رواها معلقة، وقد وصلها الإمام البيهقي والإمام مالك في الموطأ، وهي: عن سُنين بنونين مع التصغير، سُنين أبي جميلة، وهو رجل من بني سليم، قال: وجدت منبوذاً في زمان عمر -رضي الله عن الصحابة أجمعين- فجئت به إلى عمر , فقال عمر : عسى الغوير أبؤساً, وفي طبعة الريان عندكم في فتح الباري, ضبطها عسى الغُبر أبؤسا، عسى الغوير تصغير الغار، غار غوير، والغار معروف كالكهف يدخل الناس فيه في فجوة في الأرض، في جبل غار، عسى الغوير أبؤساً، أبؤساً أي: شدة, وفيه مشكلة من البؤس.

    قال أئمتنا: وهذا الكلام فاشٍ عند أهل المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، يقولونه لشيء ظاهره السلامة، لكن فيه هلاك وعطب، فيقولون: عسى الغوير أبؤساً.

    وأصل هذا الكلام قيل لأناس دخلوا غاراً، فسقط عليهم الغار فماتوا، وقيل: أناسٌ دخلوا غاراً فارين من أعداء لهم، فوجدوا أعداءهم في الغار فذبحوهم.

    فيقال لشيء ظاهره السلامة لكن فيه شدة وعناء وبؤس وخيانة: عسى الغوير أبؤساً.

    قال سنين أبو جميلة : كأنه يتهمني، عسى الغوير أبؤسا، يعني: من أين أتيت بهذا المنبوذ, وأنت تقول: إنك وجدته في الطريق؟!

    وما قاله بعض شراح الأثر: أنه يتهمه بالزنا، فنعيذ بالله عمر بن الخطاب والصحابة الكرام أن يتهموا أحداً بهذه المنقصة والرذيلة، إنما عمر رضي الله عنه على حسب فهم سنين أبي جميلة يتهمه بطلب النفقة، يقول: عسى الغوير أبؤساً، يعني: هذا ولدك وولد على فراشك، وجئت تقول: منبوذ لنفرض له في بيت المال، تأخذ نفقة على ولدك، هذا هو معنى قوله: يتهمني، يعني: هذا ولدي وادعيت أنه لقيط من أجل أن آخذ نفقته, عسى الغوير أبؤساً.

    يقول: فقال الحرسي, وهو الشرطي الحارس عند عمر رضي الله عنه وأرضاه، وقيل المراد بالحرسي هنا: العريف الذي جعله عمر رضي الله عنه على القبائل، فجعل لكل قبيلة عريفاً، فقبيلة بني سليم التي منها سنين يوجد عليها عريف، يعني: بمعنى العمدة أو المختار أو المزكي، على حسب اصطلاحات الناس، يعني: المسئول عن هذه القبيلة.

    قال: يا أمير المؤمنين! إنه رجل صالح، يعني: ما حوله تهمة، فقال عمر : أكذلك؟ قال: نعم. قال: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه. وسنين المعتمد صحابي، وشهد فتح مكة مع النبي عليه الصلاة والسلام، وبعض الأئمة وهم وقال: هو من التابعين، وهو صحابي كما حقق ذلك الحافظ ابن حجر .

    فقوله هنا: ولك ولاؤه، هذا ما استدل به الإمام أحمد في الرواية الثانية، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي وإبراهيم النخعي وشريح ، وقالوا: قيل هذا بمحضر الصحابة, وما أنكره أحد، فصار كأنه إجماع؛ أن الملتقط له ولاء على لقيطه.

    وهو حر, أي: لا يكون عبداً تتملكه، لكن لك ولاية عليه، والنفقة علينا كما تقدم معنا في مال اللقيط وإلا ففي بيت المال، وإلا فعلى المسلمين من علم منهم، وإلا فعلى الملتقط.

    وأجاب الجمهور عن هذا فقالوا: لك الولاء، ليس المراد من الولاء هنا الولاء الذي يشبه ولاء العتق بحيث يرث به، إنما لك ولاية عليه دون غيرك في تربيته، وأنت أولى الناس به، وأنت الذي تسببت في أخذه، وأنت عندما أخذته منعت ادعاء نسبه؛ لأنه لو لم تأخذه لربما جاء بعض الناس وقال: هذا ولدي فادعاه، فأنت لك هذه الولاية عليه، يعني: أنت المسئول عنه، لا أنك ترثه.

    وحقيقة أولى الناس بتربية اللقيط من التقطه، وهو يأخذ نفقته من بيت المال ويربيه، وليس المراد أن له الولاء الذي يثبت للمعتق على عتيقه، هناك من عليه بالعتق، فهذا قول الجمهور.

    لكن ظاهر كلام عمر : لك ولاؤه وعلينا نفقته هو حر، استدل به من قال بتوريث الملتقط، وكما قلت: هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد , وقال بهذا بعض أئمة الإسلام.

    هذا القول هو الذي رجحه الإمام ابن القيم في تعليقه على تهذيب السنن للإمام المنذري في الجزء الرابع (صفحة: 174) فقال الإمام ابن القيم : إن صح هذا الأثر وهو صحيح، فالقول ما قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، إسحاق بن راهويه ، أنا أقول وهو قول الإمام أحمد كما تقدم معنا في إحدى الروايتين، وقول إبراهيم النخعي وشريح ، ثم علل هذا بأمرين معتبرين:

    أولهما: قال: إن إنعام الملتقط على لقيطه ليس دون إنعام المعتق على عتيقه، وإذا اتفقنا على أن المعتق له ولاء على من أعتقه من غير وجود نسب بينهما، ويرثه بتلك النعمة، فنعمة المتلقط أكثر؛ لأن ذاك لو لم يعتقه لما تضرر، فهو في كنفه ورعايته، فهو إذا لم يعتقه لم يحدث شيء، يأكل ويشرب وينام، وإذا طلب الزواج ستزوجه رغم أنفك وتنفق عليه وعلى زوجته كما سيأتينا، لكن هذا اللقيط إذا ما التقطته هلك، فنعمتك على اللقيط أكثر من نعمتك على الرقيق بالعتق، وإذا اتفقنا على أن المعتق يرث عتيقه، فينبغي أن نقول بإرث الملتقط منه لقيطه.

    والتعليل الثاني: قال: إن الملتقط ساوى المسلمين في صلتهم بهذا اللقيط وامتاز عليهم بأنه أحسن إليه بما لم يحسنوا إليه، وهو التقاطه ودفع الهلاك عنه، فمن محاسن الشرع أن يكون الملتقط أحق بماله من سائر المسلمين وأن لا يرد هذا المال إلى بيت مال المسلمين، وقد استقر الشرع على تقديم النسب لا على نسخ الأسباب الأخرى، وهذا كقول الحنفية كما تقدم معنا في المعاهدة والمعاقدة، يقولون: الشرع قدم النسب، فنقدمه، لكن ما نسخ: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النساء:33]، فإذا ما وجد نسب نعطي من بينهما موالاة ومعاقدة ومعاهدة على أنك ترثني وأرثك، ودمي دمك، وهدمي هدمك، تعقل عني وأعقل عنك، فإذا مت وليس لك وارث من النسب أنا أولى الناس بمالك، وهكذا إذا مت أنت أولى الناس بمالي.

    فالحنفية كما تقدم معنا يقولون: لم ينسخ ذاك، إنما وجد ما هو أقوى منه، وهذا كلام ابن القيم هنا عليهم جميعاً رحمة الله, يقول: استقر الشرع على تقديم سبب النسب، لا على نسخ الأسباب الأخرى، فهنا عصبة الملتقط عصبة، والمعتق عصبة، والابن عصبة، فلو وجد ثلاث عصبات في وقت واحد فلا تعط عصبة المعتق والملتقط، لو وجد عصبتان في وقت واحد، ابن ومعتق، المال للابن، وجد ابن وملتقط، المال للابن، فنقدم النسب لأنه أقوى، لكن ذاك ما ألغي غيره.

    فأنا أقول كما قال الإمام ابن القيم عليهم جميعاً رحمة الله: إذا صح الحديث وقد صح, فحديث واثلة قد تقدم معنا، وهو صحيح: ( المرأة تحوز ثلاثة مواريث، عتقيها ولقيطها وولدها التي لاعنت عليه )، وهنا قول عمر رضي الله عنه: اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته, مما يدل على أنه صار لك إنعام عليه، وأنه بهذا الإنعام تثبت لك ولاية عليه، وظاهر اللفظ المراد من الولاية ولاية التعصيب التي يرث بها؛ لأن ولاية النعمة هذه معلومة، سواء قالها عمر أو لم يقلها، والعلم عند الله.

    ولذلك أدخل الإمام البخاري هذا كما قلت في كتاب الفرئض، فقال: باب: الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط، يعني: من يأخذ مال اللقيط؟ أي: يأخذه ملتقطه لأثر عمر المتقدم والعلم عند الله جل وعلا، هذا فيما يتعلق إخوتي الكرام بأسباب الإرث المجمع عليها والمختلف فيها.

    خلاصة الكلام: أسباب الإرث المجمع عليها ثلاثة: نكاح, وولاء, ونسب، والمختلف فيها أربعة: جهة الإسلام وهي بيت المال، الموالاة والمعاقدة والمعاهدة، من تسبب في إسلام غيره، من التقط غيره وأحسن إليه وصانه من الهلاك والتلف، هذه اختلف فيها، وبينت كما قلت وتقدم معنا تفصيل أقوال العلماء في ذلك ودليل كلٍ والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    موانع الإرث

    ننتقل إلى آخر المباحث معنا في هذه المقدمة، ألا وهو موانع الإرث.

    موانع الإرث جمع مانع، والمانع هو: الحائل والحاجز, يقال له: مانع وحاجز. واستعمل الله جل وعلا هذا في كتابه، فكل من حجز معروفه أو خيره عن الناس سماه بأنه ممن يمنعونه، فهو اتصف بصفة المنع، قال الله جل وعلا في سورة الماعون: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:4-7]، وقال في العاتي المشرك: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [القلم:12]، أي: يحول بين معروفه وبين وصوله إلى الناس، فلا يحسن إلى عباد الله، وقال جل وعلا: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا [البقرة:114].إذاً: معنى المانع في اللغة الحاجز والحائل.

    ومعناه في الاصطلاح: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، عكس الشرط، والشرط هو: ما يلزم من عدمه العدم, ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهنا: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، كيف هذا؟

    إذا وجد المانع ينعدم الإرث قطعاً وجزماً، لو كان الوارث قاتلاً أو رقيقاً أو كافراً فلا إرث، إذاً: يلزم من وجوده عدم الإرث، فإذا لم يوجد المانع، أي: أن الوارث ليس بقاتل ولا كافر ولا رقيق لا يلزم حصول الإرث ولا انتفاؤه؛ لأنه قد يكون هناك أخ وارث ليس بقاتل ولا كافر ولا رقيق، لكن وجد من هو أقرب منه كالابن، فليس للأخ شيء.

    فإذاً: هنا ليس عند الأخ مانع من موانع الإرث وما ورثه؛ لأن انتفاء المانع لا يلزم منه وجود للإرث ولا عدم للإرث.

    موانع الإرث: المتفق عليها أيضاً ثلاثة، والمختلف فيها يأتينا بعد بيان المتفق عليها إن شاء الله.

    المتفق عليها ثلاثة: الرق, والقتل, واختلاف الدين، قال الإمام الرحبي عليه رحمات ربنا القوي:

    ويمنع الشخص من الميراث واحدة من علل ثلاثِ

    رقٌ وقتلٌ واختلاف دينِ فافهم فليس الشك كاليقينِ

    1.   

    المانع الأول للإرث: الرق

    أول الأسباب: الرق, معناه: العبودية، والرقيق هو المملوك، وجمع الرقيق أرقاء.

    والرق في الاصطلاح: عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر؛ لأن عندنا عجز حكمي وعندنا عجز حقيقي حسي، فالعجز الحسي الجنون والصغر والمحجور عليه.

    وأما هنا فعجز حكمي، فقد يكون أعقل من مالكه بكثير, وأعلم منه وأفقه وأفصح، لكنه رقيق، فسلبه الشارع التصرف، وسبب ذلك الكفر الذي كان فيه أو في أصوله.

    قال أئمتنا الكرام: وهو حق لله ابتداءً وللسيد بقاء, أي: للمالك، فهذا الحق لله جل وعلا، وهو الذي أمرنا باسترقاق هؤلاء عندما نقاتلهم ونستولي عليهم وهم كافر، والله جل وعلا له على عباده جميعاً حق العبودية، ثم ملك الله جل وعلا المجاهدين هذا الحق وجعله إليهم، فسيد العباد وربهم ابتداءً هو الله جل وعلا، ثم أعطى بعد ذلك ربنا جل وعلا هذا الأمر إلى من ملكوا الأرقاء.

    فهو لا يدل معنى الرق على عقوبة في الرقيق، إنما جعله كما قلنا حقاً للمالك في المآل والنهاية لا لمعاقبة الرقيق.

    يعني: لو أن إنساناً ولد من أمة رقيقة، وما طرأ عليه الكفر طرفة عين، وهو مسلم صالح، يملكه مالك الأمة، وليس هذا عقوبة له أو جزاء له؛ ما عمل شيئاً.

    والرق مانع للإرث من جانبين:

    فالرقيق لا يرث ولا يورث، أما أنه لا يرث أحداً من أقاربه؛ لأنه لو ورث شيئاً لآل المال إلى مالكه وسيده، فالعبد وما ملكت يداه لسيده، والسيد أجنبي عن أقرباء الرقيق، فكيف سيرث السيد من أولئك؟ وعليه الرقيق لا يرث، فمن مات وترك ولدين أحدهما حر والآخر رقيق المال كله للحر وليس للرقيق شيء؛ لأن الرقيق إن أخذ سيأخذ اليد هذا المال، والسيد أجنبي عنه.

    قال أئمتنا: والرقيق لا يرث أيضاً، وإن أعتق قبل قسمة التركة بالإجماع، والسبب في ذلك: أن التركة استحقها الوارثون لها، ولم يكن الرقيق من جملتهم، فطروء الحرية بعد ذلك إذا حرر لا تفيد، إذ لابد من النظر إلى حاله عند موت المورث, فإن كان رقيقاً فلا يرث، وإن كان حراً صار وارثاً، وإن حرر بعد فترة والتركة لم تقسم نقول: لأن الحقوق وجبت لأهلها، كونها لم تقسم لأمر آخر، لكن عندما مات هذا الميت انتهى، هذه التركة موزعة لهذه النصف، وذاك له الباقي وانتهى الأمر.

    مات وترك بنتاً وأخاً شقيقاً، البنت لها النصف والأخ الشقيق له الباقي، فإذا أعتق الابن قبل قسمة التركة لا يأتي ويحجب الأخ ويعطى لأخته الثلث ويأخذ الثلثين، نقول: هذه التركة استحقت عند موت المورث، وصار هؤلاء أهلها، وأنت لم تكن من الورثة.

    وأما أنه لا يورث فلأنه لا يملك شيئاً، فكيف سيورث؟ ما بيد الرقيق الذي يجمعه ويحصله ملك لمالكه، فإذا مات كل ما يملكه الرقيق من ملابس وغيرها، كل هذا لمالكه، يعني: لو قدرنا عنده أمة وعليها من الحلي بمائة ألف، ثم ماتت، هل يرث والدها من حليها شيئاً؟ لا، بل هذا الحلي لمالك الأمة، فلا يرث الرقيق أحدٌ من قراباته، إنما يأخذ ماله مالكه سيده، فالرقيق لا يرث ولا يورث.‏

    حكم الرق في الإسلام

    إخوتي الكرام! هذا فيما يتعلق بمبحث الرق، قبل أن أنتقل إلى بيان المانعين الآخرين من موانع الإرث: القتل, والكفر, أحب أن أقف وقفة يسيرة؛ لأنه كثر اللغط حول أحكام الرقيق، ويذكر في مناقب بعض من يحكمون بغير ما أنزل الله أن من مناقبه أنه ألغى الرق في زمنه، وكأن هذه منقبة، وهذه في الحقيقة سفاهة، وأمر شرعه الله جل وعلا, وفيه من الحكم ما لا يحصى، ليس من حق أحد من البشر أن يلغيه وأن يبطله، فانتبهوا لهذا، وأريد كما قلت لكم أن أبين باختصار وضع الرق في الإسلام، لنرى أن استرقاق من استرق هو منتهى الرحمة لهم ولغيرهم، فتابعوا البحث معي.

    أولاً: الله جل وعلا خلق عباده ليعبدوه ويوحدوه، فهو خالقهم وهو المنعم عليهم بنعم لا تحصى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58]، خلقهم لهذا الغرض سبحانه وتعالى، ثم كما قلت: أنعم عليهم وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب ليقوم الناس بالقسط، هذه نعم متتالية، شرعها، أوجدها الله لعباده، فقام فرقة من الناس، فجحدوا خالقهم، وعصوا رسله، وبذلوا ما في وسعهم لقتل الرسل ولقتل عباد الله الموحدين، ولإطفاء نور الله العظيم في الأرض، وبذلوا ما في وسعهم، فمكن الله لحزبه من أعدائه، فهذا التمكين الذي حصل للمؤمنين ماذا سيكون حاله؟

    نحن الآن بالخيار إن شئنا أن نقتلهم فلنا ذلك، وقد بذلوا هم ما في وسعهم لقتلنا، ولو تمكنوا من رقابنا لما رقبوا فينا إلاً ولا ذمة، لنا أن نأخذ منهم فدية فنطلقهم مقابل مال يدفعونه، ولنا أن نمن عليهم بلا مقابل ونطلق سراحهم، ولنا أن نسترقهم، وولي الأمر يفعل ما يراه مصلحة.

    فعندما يسترقهم ولي الأمر هل في هذا منقصة لهؤلاء وظلم واعتداء، أو هذا أحسن من قتلهم، بل أحسن مما يفعل في هذه الأيام من سجنهم عندما يسجنونهم، ويبقون في السجون المظلمة لا أقول سنة، بل عشرات السنين، حتى يصبح بعد ذلك مبادلة بالأسرى إن حصلت حرب أخرى، فهذا أدخله الظلمات في السجن، وأما أنت ملكته يتمتع في الحياة كما تتمتع، لكن لا يتصرف لنفسه بنفسه، فهو مسلوب التصرف، لكن يأكل ويشرب ويتزوج ويستولد، ولا يجوز أن تظلمه ولا أن تضربه، لكن كما قلت: سلبه حق التملك في هذه الحياة، وجعله ملكاً لهؤلاء، كأن الله يقول له: عندما أعرضت عن عبادتي سأجعلك تخدم من عبدني رغم أنفك، ولا يظلم ربك أحداً.

    وأنا أقول لعتاة البشر في هذه الأيام الذين يعتبرون استرقاق الإنسان وحشية، أقول: لو أن أميراً من الأمراء وحاكماً من الحكام في بلاد الأرض بلا استثناء في البلاد العربية والغربية والشرقية بجميع جهاتها، لو أنه أحسن إلى أسرة من الأسر وقبيلة من القبائل، ولم يخلقهم إنما أحسن إليهم، فأفاض عليهم، فجعل لكل فرد منهم في الشهر مائة ألف ريال على أقل تقدير، وقال لهم: أخبروني بما يلزمكم حتى نوصله إليكم في النهار قبل الليل إن طلبتموه في النهار، وفي الليل قبل النهار إن طلبتموه في الليل، وقضى لهم جميع حاجاتهم، ثم بعد ذلك هذه القبيلة وهذه الأسرة تحزبت وقالت: لن نقنع بنعمة الأمير ولا الحاكم، وينبغي أن نقطع رقبته وأن نحكم مكانه، فخرجت عليه بالسيوف وقتلت عساكره، وأرادت أن تصل إليه لتقتله فقاتلها، وبذل ما في وسعه حتى قبض عليهم، ماذا يفعل فيها؟ يقتلها إن قتلها برحمة، والله الذي لا إله إلا هو، يذيقها الموت قبل أن تموت ملايين المرات.

    فانظر لرحمة الله ولسفاهة البشر، ثم كيف يعترضون على شرع الله، وهؤلاء كما قلت: الأمير ما خلقهم، إنما هنا الله خلقنا، وأنعم علينا، وسخر لنا ما في السماوات وما في الأرض، وقال: اعملوا بشرعي تسعدوا في الحياة وبعد الممات، قلنا: يا رب أنت لم تخلقنا، وليس لك حق علينا، وأنبياؤك لصوص كذابون، وهؤلاء الموحدون مجرمون، وسنبذل ما في وسعنا للقضاء على أتباعك، وإحراق كتابك, فنحن قاتلناهم واستعنا بالله عليهم، لما قبضنا عليهم قال الله ارفقوا بهم وأحسنوا إليهم.

    مع ذلك فالاسترقاق مواصلة نعمة من الله جل وعلا على الأرقاء، وهذا أحسن من أن تقتله يموت على الكفر، عندما يكون في كنفك وفي رعايتك، سيرى نور الإسلام وسماحة الإسلام، وسيهتدي في مستقبل الأيام، وهذا هو الذي حصل: (عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل)، أدخلناهم الجنة مقيدين، كانوا يقاتلوننا فأسرناهم، ثم آمنوا بالله فدخلوا الجنة، أي الأمرين أحسن؟

    عندما استرق كعب القرظي من بني قريظة وقتل قومه، أيهما كان أحسن مآلاً، صار من الصحابة، استرق لأنه لم ينكث, وأما قومه للشراسة التي عملوها قتلوا.

    حقيقة الاسترقاق نعمة، وهنا الآن ظلم البشر إما أن يقتلوا الأسير وإما أن يسجنوه، أيهما أحسن؟ الاسترقاق أحسنها، تسترقه ثم تحسن إليه بعد ذلك وتتقي الله فيه.

    ثبت في الكتب الستة إلا سنن النسائي ، فهو في الصحيحين والسنن الثلاثة من رواية المعرور بن سويد رضي الله عنه وأرضاه، قال: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه، وهي في الأصل ثوب من قطعتين.

    فقال له المعرور بن سويد : لو لبستهما لكان أكمل، وتلبس غلامك ما شئت. فقال أبو ذر رضي الله عنه للمعرور بن سويد: سببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم )، أي: الذين يخدمونكم إخوانكم وإن كانوا خدماً لكم وعبيداً، ( إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم, فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل, وليلبسه مما يلبس, ولا تكلفوهم ما يغلبهم, فإن كلفتموهم فأعينوهم ) سبحان الله! يعني: رقيق وسيلبس مثل لباس السيد، لو أدركنا الدولة الإسلامية لتمنينا وأنا أول واحد أن نكون أرقاء في ظل الدولة الإسلامية.

    استمعوا لبعض حقوق الرقيق, ثبت في المسند وصحيح مسلم وسنن البيهقي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( للملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق )، تطعمه وتكسوه بالمعروف على حسب ما يقتضيه العرف والعادة، ولا تنقص من حقه شيئاً، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق، فلا يجوز أن تتعبه.

    ثم ندبنا الشارع المطهر إلى العتق وجعل ذلك من أعظم القربات عند رب الأرض والسماوات، ففي الصحيحين وسنن الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضوٍ منها عضواً منه من النار حتى فرجه بفرجه )، عندما تعتق هذا الرقيق الذي هو في الأصل كافر أراد القضاء على دين الله، أخذته فآمن، ثم أعتقته بعد ذلك، يعتقك الله من النار بكل عضو منه عضواً منك حتى فرجه بفرجك، فعندما أعتقت فرجه أعتق الله فرجك من نار جهنم، والحديث في الصحيحين وغيرهما.

    مقارنة بين الرق في الإسلام والرق في العصر الحاضر

    مرة كنت في بعض الأماكن في كلية الشريعة، فبعض الأساتذة تكلموا وقالوا: يا شيخ! الحمد لله عصر الرق زال، قلت: أخي الكريم أنت حر أو رقيق الآن؟ قال: يا شيخ! الآن يوجد رق؟ قلت: أسألك: أنت حر أو رقيق؟ قال: أنا حر، قلت: والله ما تعرف معنى الحرية إلا بالكلام، أنت لا تصلح أن تكون رقيقاً عند الأرقاء في الإسلام، وليس لك حقوق الأرقاء في الإسلام، قال: كيف؟ قلت: هل تستطيع أن تسافر من أي بلد إلى أي بلد في هذا الوقت كما تريد؟ هل تستطيع أن تخرج من بلد إلى أي بلد وتجوب الدنيا كما تريد من غير بطاقة ولا جواز ولا رخصة؟ من يستطيع؟ ولا أحد، ولو حتى من المسئولين الكبار لابد من جواز كما يقال: جواز دبلوماسي، وعندنا الرقيق في الإسلام عندما يريد أن يسافر يأتي لسيده يقول: سيدي تأذن لي أن أذهب إلى زيارة بيت الله ومسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ يكفي لذهابه أن يقول له: أذنت فقط، فيجوب الدنيا بكلمة: أذنت، وهذا الإذن لئلا يكون عاصياً عند الله، أما في الحياة ما أحد يعترضه، هذا هو الرقيق في الإسلام، وهذا هو الحر في النظام الغربي الذي نعيش فيه.

    أحياناً يكون عندك زوجة ولا يسمح لك باستقدامها للبلد الذي أنت فيه، أوليس كذلك؟ وأنت حر وهي حرة وستنفق عليها من مالك ومع هذا في النظام ممنوع، إذاً: أين الحرية؟

    هذه هي الهمجية التي نعيش فيها باسم الحرية! استمع لحقوق الرقيق في الإسلام: يقرر الإمام ابن قدامة في المغني في الجزء التاسع صفحة: (315)، وهذا الحكم هو عند أئمتنا الكرام، يقول: يجب على السيد إعفاف مملوكه إذا طلب، وهذا أحد قولي الشافعي ، كيف هذا؟ يستدعيك القاضي ويلزمك أن تزوجه، فإن عجزت وقلت: ما عندي قدرة أن أزوجك وأنفق عليك فأنت مكلف رغم أنفك ببيعه من أجل أن يزوجه من يشتريه بعد ذلك، اختر أحد الأمرين: تزوجه وتفتح له بيتاً، وتنفق عليه وعلى زوجته، وإذا غربت الشمس فلا يجوز لسيده أن يستعمله يقول: اذهب إلى زوجتك، كل هذا من أجل أن يدفع الضر عن هذا العبد. دليل ذلك قول الله تعالى: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32].

    وأما من عنده أمة وقالت: سيدي أنا نفسي تتطلع إلى النكاح وأخشى أن أقع في الزنا، وأنا مسلمة فزوجني، يجب على السيد نحوها ثلاثة أمور رغم أنفه لا اختيار: إما أن يزوجها، وإما أن يطأها، وإما أن يبيعها، وإذا وطئها وحملت منه صارت أم ولد، وصار لها في البيت كما يقال: حجرة وشجرة، وبمجرد ما يموت تصبح حرة.

    لا تظن بما أنه رق، أنك تعامله كما تريد، فلا يجوز أن تسبه، ولا يجوز أن تضربه، ولا يجوز أن تؤذيه، نعم سلبه الله كما قلت حرية التصرف.

    إن النظام العالمي استرق الناس وجعلهم أرقاء عنده، فالشيوعية مثلاً نزعت الملكية الفردية من الناس، وجعلت الرعية بكاملها أجراء عند لينين واستالين عليهم جميعاً لعنات رب العالمين.

    وهؤلاء أيضاً كذلك بدل من أن يكون هذا عنده عبد ورقيق هذا ممنوع، لكن أنتم كلكم عبيد للدولة، تتصرف فيكم كما تريد، ما أحد يسافر إلا بإذن، ولا أحد يدخل إلا بإذن، ولا أحد يقيم إلا بإذن، لا أحد يأتي بزوجة إلا بإذن، أهكذا يعامل الأحرار؟

    أي حرية يتغنى بها سفهاء البشرية في هذه الأيام! إن أكرم الناس في هذه الأيام ما حصل بعض حقوق الرقيق في الإسلام، ويأتي بعد ذلك من يطعن فيه ويقول: الرق منقصة، وهمجية ووحشية، أي منقصة وأنتم استرققتم الناس بأكملهم، ثم بعد ذلك تأتون إلى رق فيه منتهى الإحسان والرحمة بأسباب معينة وهو الجهاد تتهجمون عليه.

    عندما ذهب طريق الرق ماذا حصل؟ خادمات وشغالات! والله رقيقات أحسن، يكون عندك أمة تراها وتطلع عليها عارية كما ولدت وليس عليك إثم، وإن اتصلت بها لك أجر: ( وفي بضع أحدكم صدقة )، أحسن من أن تأتي لهذه الخبيثة وأن تملأ بيتك بعد ذلك خبثاً وفساداً، لكن صرنا أرذل من بني إسرائيل، أولئك أرادوا ثوماً وبصلاً بدل المن والسلوى والعسل، ونحن بدل أشياء طاهرة في الأعراف وفي المعاملات أردنا أشياء دنسة، والله إن دنس الفرج أشنع من دنس الأكل، أولئك طلبوا أكلاً مباحاً، قالوا: لا نريد لا من ولا سلوى، أعطنا ثوماً وبصلاً! أمة منتنة، أمة بصل وثوم، صرنا أعظم نتناً منهم في هذه الأيام، ماذا نريد؟ نريد شغالة، الشغالة كيف تمتهنها، وكيف امرأة تخلو بها وهي أجنبية، وكيف تختلط بها وهي أجنبية، تقول: يا شيخ أنا أحسن إليها أيضاً عندما أعطيها أجرة، وذاك الرقيق كذلك، ذاك يعني صار وحشية، يعني: المسألة التي تراها أنت صار نظاماً وإحساناً، والذي يشرعه الله صار سقيماً ومنقصة؟ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة:61].

    إخوتي الكرام! موضوع الرق في الإسلام ينبغي أن نعيه تمام الوعي، وكل من يرتاب فيه ويرى فيه نقيصة فهو كافر مرتد، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، هذه شعيرة من شعائر الإسلام وحكم من أحكامه، ولا يوجد عندنا كتاب من كتب الفقه إلا وفيها بيان أحكام الرق، نحن عندما كنا ندرس الفرائض وأحكام الفقه ويأتي معنا بحث الرق، كان بعض السفهاء عندنا من الطلاب يقول: يا شيخ! ما فائدة دارسة هذه الأمور؟ هذا كله انقضى، يعني: يقول: لو حذف من كتب الفقه وكتبت كتب فقه جديدة ليس فيها رق ولا فيها ولاء لاسترحنا ولا داعي لتضييع الوقت فيها، وما أعلم لعله عما قريب سيقال تحذف أبواب الربا، وتحذف كذا؛ لأن الحياة أيضاً على خلاف ذلك، ولا مانع أن يلغى بعد ذلك الإسلام من أوله إلى آخره.

    قلت لهؤلاء: يا عباد الله أما تستحون من الله، إذا الجاهلية حرفت هذه المسائل وألغتها، فأنتم ينبغي أن تعلموها نظرياً وماذا فيها من حكمة ورحمة، وبعد ذلك أن تسعوا جادين مجدين من أجل إيجادها في هذه الحياة، يعني: إذا ضاعت شعائر الله ينبغي أن نهملها؟

    أقول: إخوتي الكرام انتبهوا لهذا الموضوع، واحذروا من اللغط الذي يثار في هذه الأيام حوله، وكما ذكرت لكم، قارنوا بين الصورتين، بين إحسان الله لمن أرادوا أن يطفئوا نوره فقال: ( أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون )، وبين سفاهة البشر عندما يحسنون بمقدار من مال الله لا من مالهم إلى مخلوق إذا عاداهم بعد ذلك ماذا يفعلون به.

    سبحان الله لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.

    اللهم صل على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم جمعنا هذا جمعاً مرحوماً وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً.

    اللهم لا تجعل فينا ولا منا شقاً ولا محروماً.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.

    والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.