إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. سلسلة مقدمة في الفقه
  5. مقدمة في الفقه - نجابة الإمام الشافعي وجده

مقدمة في الفقه - نجابة الإمام الشافعي وجدهللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ولد الإمام الشافعي رحمه الله في غزة من بلاد فلسطين يتيماً، فاعتنت به أمه، ورحل إلى مكة صغيراً طلباً للعلم، وجد واجتهد فيه، وظهرت عليه علامات النجابة والذكاء والفطنة، فحفظ القرآن وهو في السابعة، وحفظ الموطأ وهو دون العاشرة، ثم رحل إلى الإمام مالك فأخذ عنه، وأعجب به مالك أيما إعجاب، وأثنى عليه وتوسم فيه الإمامة، كما أثنى عليه وعلى علمه وفقهه سائر العلماء والأئمة رحمهم الله تعالى.

    1.   

    ترجمة الإمام الشافعي رحمه الله

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    ننتقل إلى الإمام الثالث إلى سيدنا أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، كما تدارسنا أحوال الإمامين المتقدمين ضمن أربعة أمور أيضاً سنتدارس ترجمة سيدنا الإمام الشافعي ضمن أربعة أمور, أولها: فيما يتعلق بنسبه وطلبه، وثانيها: في ثناء العلماء عليه ومنزلته، سنتدارس هذين الأمرين في هذه الموعظة بعون الله وتوفيقه.

    اسمه ونسبه ومولده

    أما نسبه الطيب المبارك رحمة الله ورضوانه عليه، فاتفق علماؤنا على أنه يلتقي مع نبينا عليه الصلاة والسلام في جده عبد مناف ، هذا لا خلاف فيه بين أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين, انظروا توالي التأسيس للحافظ ابن حجر في مناقب الإمام محمد بن إدريس ، وهو كتاب في حدود مائتين وخمسين صفحة في مناقب الإمام الشافعي ، وانظروا تهذيب الأسماء واللغات في الجزء الأول من القسم الأول صفحة تسع وأربعين في ترجمة الإمام الشافعي ، قال الإمام ابن حجر ناقلاً عن شيخ الإسلام الإمام النووي رضي الله عنهم أجمعين: جمع الله في الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه خيرات كثيرة فيما يتعلق بنسبه وولادته ونشأته، فهو من ناحية النسب جمع الله له شرف النسب، فهو يلتقي مع نبينا عليه الصلاة والسلام في جده عبد مناف .

    فالإمام الشافعي اسمه: محمد بن إدريس بن عباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف ، فنسب الشافعي يلتقي بنبينا عليه الصلاة والسلام في جده عبد مناف ، فنبينا عليه الصلاة والسلام خير خلق الله سيدنا محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وهاشم الذي هو من أجداد الإمام الشافعي ليس هو هاشم الذي هو جد النبي عليه الصلاة والسلام، فهو هاشم بن المطلب ، وجد النبي عليه الصلاة والسلام هو هاشم بن عبد مناف , فـعبد مناف له أولاد، أحدهم اسمه المطلب ، والآخر اسمه هاشم ، والمطلب له ولد اسمه هاشم ، هذا هو جد الشافعي : هاشم بن المطلب بن عبد مناف ، وجد النبي: هاشم بن عبد مناف ، وهو يساوي المطلب ، فهما ولدان لـعبد مناف ، وعبد مناف هو الأب الخامس لنبينا عليه الصلاة والسلام، فيلتقي الإمام الشافعي نسبه بنسب نبينا عليه الصلاة والسلام في جده عبد مناف ، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    هذا شرف النسب، وهذه منقبة عظيمة حصلت لهذا الإمام المبارك ما حصلت للأئمة الآخرين رضوان الله عليهم أجمعين.

    الأمر الثاني: له شرف المولد؛ لأنه ولد في بلاد الشام، وُلد في غزة، وما ورد أنه ولد في عسقلان فلا تعارض ولا تضارب بينهما؛ لأن الإقليم الكبير عسقلان وغزة تتبعها, وهو من بلاد الشام، وهو البلاد المباركة التي بارك الله حولها بنص القرآن: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء:1].

    قد يقول قائل: لماذا ولد الإمام الشافعي رضي الله عنه في بلاد الشام في فلسطين وهو قرشي مكي وأمه أزدية من بلاد اليمن رضوان الله عليهم أجمعين؟ فما الذي أخذ والديه إلى هناك؟ كان والده في فقر شديد، فخرج في تجارة لبلاد الشام، فتوفي والده والإمام الشافعي حمل في بطن أمه، فولدته أمه في غزة وأبوه دفن هناك في بلاد الشام عليهم جميعاً الرحمة والرضوان, فله شرف المولد في هذا المكان المبارك، وهذا له أثر، حينما يولد الإنسان في مكان مبارك له أثر, أن يكون له أيضاً نسب مبارك له أثر, أن ينشأ في مكان مبارك -كما سيأتينا أنه نشأ في مكة- له أثر، فالخيرات اجتمعت له، شرف النسب، وشرف المولد، والمنشأ.

    ونبينا عليه الصلاة والسلام أشار إلى هذا الأثر الذي في بلاد الشام، كما في المسند وسنن الترمذي وصحيح ابن حبان ، والحديث رواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده وأبو نعيم في الحلية والخطيب في تاريخ بغداد، وإسناد الحديث صحيح كالشمس، من رواية سيدنا معاوية بن قرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم )، هذه البلاد المباركة التي هي بلد الرباط وبلد الغزو وبلد الجهاد، وفيها ما فيها من خيرات الدين والدنيا، إذا فسد أهلها فمن عدا تلك البلاد أفسد وأشنع.

    والحديث رواه الحافظ الإمام الربعي في فضائل الشام في صفحة سبعة بلفظ:( إذا هلك أهل الشام فلا خير في أمتي )، ويراد من الهلاك هنا هلاك الأديان لا هلاك الأبدان. فهذا الإمام المبارك له شرف المولد، وله شرف النسب، وله شرف المنشأ فقد نشأ في مكة المكرمة.

    إخوتي الكرام! عندما ولد في غزة بقيت أمه معه فترة، قيل: بقيت في غزة مدة سنتين ثم ذهبت إلى اليمن، وهذا أحسن ما يُجمع به بين الروايات, جلست فترة عند أسرتها فهي أزدية، وذهبت إلى أخوال الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، ولذلك عندما ذهب إلى اليمن قال: أنزل عند أخوالي، فذهب إلى اليمن، ثم بعد ذلك خشيت أمه أن يضيع نسبه، فهو قرشي له شأن، وأعمامه وعشيرته وعصبته في مكة المكرمة، فعادت به إلى مكة المكرمة، فنشأ وترعرع وحصل العلم فيها كما سيأتينا في مراحل طلبه العلم، عندما عاد إلى مكة المكرمة حفظ القرآن ولم يكمل سبع سنين من عمره المبارك رضوان الله عليه وعلى أئمتنا أجمعين, هذا أحسن ما يُجمع به بين هذه الآثار التي وردت له بعد ولادته: ذهب إلى اليمن أو إلى مكة؟ الذي يظهر أنه ذهب إلى اليمن ثم إلى مكة المكرمة، والى هذا ذهب الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في توالي التأسيس.

    ذكر أجداده الذين لهم صحبة

    إخوتي الكرام! فيما يتعلق بآبائه وأجداده رضوان الله عليهم أجمعين، حسبما رجعت إلى كتب تراجم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، أربعة من آبائه لهم شرف الصحبة، وهذا حقيقة من العجائب، أربعة من آبائه لهم شرف الصحبة، وشرف رؤية نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فجده شافع له رؤية لسيد الشافعين نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وشافع هو الأب الرابع للإمام الشافعي ، فله رؤية لسيد الشافعين نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، كما في تجريد أسماء الصحابة للحافظ الذهبي في الجزء الأول صفحة واحدة وخمسين ومائتين، وفي الإصابة في الجزء الثاني صفحة خمس وثلاثين ومائة.

    ولوالد شافع وهو السائب صحبة أيضاً, فقد أسلم يوم بدر، وكان أشبه الناس بنبينا عليه الصلاة والسلام، وهو السائب بن عبيد ,كان بينه وبين نبينا عليه الصلاة والسلام شبه كثير، وهو الجد الخامس للإمام الشافعي ، نص على ذلك أيضاً الإمام الذهبي في تجريد أسماء الصحابة في الجزء الأول صفحة ست ومائتين، والحافظ في الإصابة في الجزء الثاني صفحة إحدى عشرة، ووالد السائب وهو عبيد بن عبد يزيد ، ووالده وهو عبد يزيد ، كلهم لهم صحبة، نص على ذلك الحافظ في الإصابة في ترجمتهما في الجزء الثاني صفحة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وخمس وأربعين وأربعمائة.

    إذاً: شافع والسائب وعبيد وعبد يزيد كلهم لهم صحبة رضي الله عنهم وأرضاهم, أربعة من الصحابة من أجداده الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    هذا الإمام المبارك العلَم الهمام ولد في العام الذي توفي فيه سيدنا أبو حنيفة ، وهذا بالإجماع، فقد ولد سنة خمسين ومائة، لكن كثيراً من كتب التاريخ والتراجم تقول: وُلد في اليوم الذي مات فيه سيدنا أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه, لكن قال أئمتنا: لا يوجد دليل على ذلك، لكن إن ثبت فحقيقة في ذلك دلالة أنه ذهب إلى رحمة الله ودار كرامته إمام من أئمة الإسلام، وجاء من يخلفه، فتلك الثغرة جاء من يسدها، وهو الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه.

    أما أنه وُلد في العام الذي توفي فيه، فهذا محل اتفاق، سنة خمسين ومائة ولد الإمام الشافعي ، وتوفي سنة أربع ومائتين عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهو أقل الأئمة الأربعة عمراً، وأما في القدر فكلهم كسبيكة الذهب الخالص رضي الله عنهم وأرضاهم، كما تقدم معنا لا نفرق بين أئمتنا في المنزلة والرتبة والمكانة رضوان الله عليهم أجمعين.

    ذكر أمه وبعض ما حصل لها مما يدل على صلاحها وفقهها

    أمه رضي الله عنها وأرضاها كانت صالحة ديِّنة فقيهة مباركة أزدية, أقتصر على خبرين من أخبارها رضي الله عنها وأرضاها.

    الأول: يشير هذا الخبر إلى مكانة الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، قالت: عندما حملت به رأيت كأن المشتري -وهو أكبر الكواكب السيارة- تقول: كأنه خرج منها، فوقع في كل مكان منه شظية، ثم هبط في مصر، تقول هذا وما تعلم حال الإمام الشافعي وأنه سيقبض في نهاية الأمر في مصر، وأنه سيرحل إلى مصر، رضي الله عنها وعن ولدها وعن المسلمين أجمعين, فعرضت هذه الرؤيا على المعبرين فقيل لها: ستلدين غلاماً يصل علمه إلى كل مكان وصلت إليه تلك الشظايا، إلى أرجاء الأرض سينتشر علمه، وذِكر الإمام الشافعي لا يخفى على أحد.

    وحقيقة من العجائب الغريبة أنه في أقصى الدنيا في شرقها الأقصى بلاد إندونيسيا يزيدون على مائة مليون، ما فيهم أحد على غير مذهب الإمام الشافعي ، كلهم شوافع, لا يوجد حنفي ولا حنبلي ولا مالكي, فهذا الإمام الشافعي رحمة الله ورضوانه عليه, الظاهر أن الشظايا كانت كثيرة التي نزلت في تلك البلاد المباركة، وهم يزيدون على المائة، يعني قرابة مائتي مليون أهل إندونيسيا، قرابة مائتي مليون كلهم شافعي، لا يوجد مذهب آخر على الإطلاق. هذه رؤيا رأتها هذه المرأة الصالحة القانتة الأزدية المباركة رضي الله عنها وأرضاها.

    خبر آخر من أخبارها السارة التي تدل على منزلتها: أنها استُدعيت مرة لأداء الشهادة، ونصاب الشهادة إذا أريد أن تشهد المرأة رجل وامرأتان، فأراد القاضي في ذلك الوقت أن يفرق بين المرأتين ليتحقق من شهادة كل منهما, فقالت: غفر الله لك أيها القاضي! ليس لك ذلك، ستفرق بين ما أمر الله بالجمع بينه، الله يقول: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282]، قالت له: لقد شرع شهادة امرأتين مكان شهادة رجل حتى إذا ذهلت إحدى المرأتين عن الواقع تذكرها الأخرى، فكيف ستفرق بيننا؟! اقرأ الآية: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282]، فقال: جزاك الله خيراً. قال الحافظ ابن حجر في توالي التأسيس عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا صفحة إحدى وأربعين: هذا من طريف ما يُحكى، وهو استنباط قوي.

    وتقدم معنا إخوتي الكرام أن الله جل وعلا جعل شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل في الأمور المالية والحقوق؛ لأن المرأة في الأصل ينبغي أن تبتعد عن الحياة العامة، ولذلك هي ما أهلت لذلك، فذهنها لا يضبط، لا لآفة في ذهنها، إنما ما خُلقت لهذا الشأن، والإنسان إذا ما كان له عناية بالشيء لا يعتني به، ولذلك قد ترى محدثاً ولا ترى عنده فقهاً، وتراه مُقرئاً ولا ترى عنده حديثاً، فكل صنعة يستعان عليها بصالحي أهلها، فالمرأة عندها اختصاص معين، والأمور المالية وأمور الحياة ليس لها عناية بها.

    أما فيما يتعلق بالأمور المنزلية فرأيها يُقدم على رأي زوجها، فكل واحد له كما يقال: اختصاص وشأن، فمن أجل عدم اختصاصها إذا حضرت الواقعة قد تذهل عنها، فلابد من شريك لها يعاضدها ويقويها؛ لنتأكد أنها ضبطت، وأنها ما ذهلت في هذا الأمر، هذا -كما قلت- في الحقوق المالية.

    وأما في الحدود فمضت السنة ألا تُقبل شهادة النساء في الحدود ولو اجتمع آلاف النساء، فلو شهد في سرقة رجل وألف امرأة، فلا تقطع يد السارق، ولو شهد ثلاثة رجال في حد الزنا ومائة ألف امرأة لتكمل نصاب الشهادة الرابعة فلا تُقبل، فلابد من الرجال على الإطلاق في ذلك الأمر، مضت السنة ألا تقبل شهادة النساء في الحدود، وهذا له حكمة, وفي الأمور المالية بينت الحكمة، وهي الضعف الذي فيها (أن تضل إحداهما) كما قلت: لا لآفة في الذهن، إنما هي ما خُلقت لهذا، فلا تعتني به، ما خُلقت لتضبط أمر العقار وتعد الريال، ما خُلقت لهذا، وكثير من النسوة للآن في هذه الحياة التي يعتبرونها متطورة في الأمور الدنيوية لا الدينية، ما تعرف الفلوس، فلا تميز بين الخمسمائة والخمسة والخمسين، لا تعرف الفلوس على الإطلاق.

    نعم، هناك نساء لهن شأن، هذا موضوع آخر، إنما كثير من النساء لا تعرف الفلوس حقيقة، لو وضعت ما تعرف شأنها ولا قيمتها ولا حالها، هي لها شأن معين مع أولادها وطاعة ربها، فهذه قد تذهل، فإذا وُجدت امرأة أخرى تذكرها، واتفقت الشهادتان، حلت محل شهادة الرجل ، هذا كما قلت في الأمور المالية، أما فيما ما يتعلق بالحدود فلا تُقبل مطلقاً.

    وقد تقدم معنا أن ذلك لثلاثة اعتبارات لا ينبغي أن تغيب عنا، أولها: صيانة للمرأة عن امتهانها في تلك القضايا، أن تأتي وتشهد أنها رأت ذاك منه في ذاك منها، وما شاكل هذا, هذا لا يتناسب مع طبيعة المرأة وحيائها، وإن قيل: يُعطل الحد فيعطل ولا تمتهن المرأة, يعطل الحد من أوله لآخره، وإذا عُطل في الدنيا فلن تضيع الحقوق فسيئول العباد إلى ربهم ليوفي كلاً بما عمل، لكن لا نمتهن المرأة لتشهد تلك الشهادة ولتضيع حياءها.

    والأمر الثاني: أن فيها ضعفاً جِبلياً فلا تضبط الوقائع، هي في الأمور المالية لا تضبط، فكيف عندما ترى ضرب الرقاب! إذا رأت الدماء تتطاير، والأبدان غرقت في الدماء، من القاتل؟ ومن المقتول؟ لا تدري، وقد ترى إنساناً دخل للإصلاح فتقول: فلان هو الذي قتل, وهذه بلية، فلابد إذاً من عدم شهادتها، لأنها لا تضبط, الفزع الذي فيها لا يجعلها تستوعب هذه القضايا.

    وتأملوا أحوال النساء في هذا, رأيت مرة بعض النساء في حادث سيارة -نسأل الله العافية- مع زوجها مع أخيها مع ولدها ما أعلم، المقصود في حادث، ولم يقع موت، إنما سيارتان الضرب بينهما خفيف، فنزلوا وعلى عادتنا همجية وخصام ومضاربة, يا عباد الله! سيارة ضربت سيارة، خطأ حتماً, المسألة كل واحد يأخذ حقه بلطف، لا داعي لحصول سباب ومشاتمة ومضاربة، نزل السائقان يختصمان، والمرأة جلست تبكي! أراها بعيني في وسط الشارع وهي تبكي، فالمرأة نثرها بكاء وصدقتها سرقة، فلا تضبط.

    الأمر الثالث: ما هو أهم من هذين الأمرين، أن المرأة أعظم ما عندها عرضها، فقد تهدد من قِبل إنسان إما أن تشهد شهادة زور على أن فلاناً زنى من أجل أن يقام عليه الحد إذا كانت تُقبل شهادتها، وإلا سوف نفضحك، ونتكلم عليك بالباطل، وأننا اتصلنا بك، ويأتون ببعض الصفات التي في جسمها مما لا يمكن أن يطلع عليه إلا النسوة بواسطة بعض النسوة, يقول: نحن ننشر منشوراً أننا لنا بك صلة، واطلعنا على كذا وكذا، أو تشهدين، وبعد ذلك من أجل المحافظة على عرضها وعفتها تشهد شهادة زور.. فالإسلام، وهذا شرع الحكيم العلام من البداية قال: لا داعي لإدخال المرأة في هذه المشاكل، شهادتها لا تُقبل في الحدود وانتهينا، لا داعي بعد ذلك لأن تمتهن، وأن يضيع حياؤها، ولا يقال: ما ضبطت، ولا يقال: هددت وشهدت شهادة باطلة مزورة، لا تقبل شهادة النساء في الحدود على الإطلاق.

    الرؤى المبشرة التي رآها الإمام الشافعي لنفسه

    إخوتي الكرام! عند هذين الخبرين اللذين حصلا لأم سيدنا أبي عبد الله الشافعي رضي الله عنه وأرضاه أذكر بعض المبشرات والرؤى التي حصلت للإمام الشافعي رضي الله عنه وهو صغير تبشره بما سيكون له من شأن جليل، وتقدم معنا رؤى حصلت لسيدنا أبي حنيفة ، ورؤى حصلت لسيدنا الإمام مالك رضي الله عنهم تدل على أنه سيكون له المستقبل المشرق المنير، وهكذا للإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه.

    إخوتي الكرام! انظروا هذا في الكتب التي ترجمته، فهو في صفحة ستين من توالي التأسيس، وهو في غير ذلك من الكتب التي ترجمته، لا داعي إلى عزو كل خبر إلى الجزء والصفحة، لئلا يطول الأمر في ذلك، يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه: كنت صبياً، وكان هذا وهو دون العاشرة، لا زال في مكة لم يذهب إلى شيخه الإمام مالك رضي الله عنهم أجمعين، قال: فرأيت في النوم معلماً يعلم الناس ويؤدبهم، فتقدمت إليه، وهو الحريص على العلم رضي الله عنه وأرضاه، فقلت: علمني مما علمك الله، فقال: أما أنت فلك شأن خاص، ثم قال له: خذ هذا الميزان وانصرف بارك الله لك فيه, واستيقظ، ولا زال صغيراً، ما ناهز الاحتلام رضي الله عنه وأرضاه، فعرض رؤياه على المعبرين فقالوا له: ستكون على الهدى المستقيم، ستكون على طريقة أهل الحق، وسينفع الله بك الناس، وستنشر الهدى بين الناس، فهنا دِلالتان لهذه الرؤيا: أنت على هدى واستقامة، وستزن بالقسط، وستوفق لإصابة الحق، ثم ستنشر بعد ذلك هذا الهدى بين الناس.

    وقال أيضاً: كنت صبياً فرأيت النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فقال لي: تعال أقبل، من أنت؟ فقلت: أنا من رهطك يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه، بيني وبينك نسب، وبيني وبينك صلة وثيقة، أنا من رهطك يا رسول الله! أنا محمد بن إدريس ، وذكر له نسبه، فقال له نبينا عليه الصلاة والسلام: ادنُ مني أبا عبد الله ، وكناه في الرؤيا، وهو لا زال صغيراً لم يتزوج ولم يعرف الزواج، قال: فدنوت، قال: فأخرج شيئاً من ريقه الشريف عليه صلوات الله وسلامه فدهن شفتي ولساني وفمي، وقال: انصرف بارك الله فيك، قال الشافعي : فما لحنت في حديث ولا في شعر قط.

    وسيأتينا أن الشافعي حجة في اللغة باتفاق علماء الشريعة المطهرة، وعلماء اللغة العربية، كلامه حجة كالعرب الأقحاح الفصحاء، ما لحن قط رحمة الله ورضوانه عليه، وقال: هذا من أثر ريق النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ومع ذلك الريق قال له: اذهب بارك الله فيك، هذه البركة وهذه الدعوة التي حصلت له من نبينا عليه الصلاة والسلام صار لها هذا الأثر الكبير في حياة هذا الإمام المبارك الجليل رضي الله عنه وأرضاه.

    آخر ما سأذكره من الرؤى التي رآها، يقول: إنه رأى سيدنا علياً رضي الله عنه وأرضاه في المنام، قال: فأعطاني خاتمه وجعله في أصبعي، وحركه سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه وقال: بارك الله لك فيه، يقول: فسألت المعبرين عنه، فقالوا: سيصل اسمك وعلمك إلى المكان الذي وصل إليه اسم علي رضي الله عنه وأرضاه، اسمك قرين مع اسم سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، أينما يُذكر علي يذكر الشافعي رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.

    وواقع الأمر كذلك، فما أظن أحداً من المسلمين يجهل الإمام الشافعي ، مع أنه لا يعرف عصره ولا زمنه ولا حاله، وقد لا يتمذهب بمذهبه، لكنه لا يخفى على أحد الإمام الشافعي ، والإمام أبو حنيفة ومالك وأحمد ، رضي الله عنهم وأرضاهم، جعل الله لهم لسان صدق في هذه الأمة وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. هذه رؤى مبشرة لهذا الإمام المبارك رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    طلبه للعلم وجده واجتهاده فيه

    إخوتي الكرام! هذا فيما يتعلق بنسبه الطيب المبارك، وأما فيما يتعلق بطلبه العلم وجده واجتهاده في تحصيله، وظهور النجابة والذكاء والألمعية عليه منذ نعومة أظفاره فحدث ولا حرج، أجمعت كتب التراجم والتاريخ التي ترجمت لسيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه وعن أئمتنا، كما في توالي التأسيس صفحة أربع وخمسين، وفي السير في الجزء العاشر صفحة إحدى عشرة وصفحة أربع وخمسين من المجلد العاشر، وفي هامش السير مصادر كثيرة في تحقيق هذا الكلام وعزوه إلى كتب كثيرة من كتب التاريخ والتراجم، فهو إجماع من المؤرخين في حياة هذا الإمام الكريم على هذا الأمر الذي سأذكره: أجمعوا على أن الإمام الشافعي حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين, ما أكمل السابعة، دخل في السابعة وقد حفظ القرآن عليه رحمة الله ورضوانه.

    ثم بعد ذلك حفظ الموطأ ولم يُكمل عشر سنين، وكان يقول: حفظت الموطأ ولم أحتلم. والموطأ هو الذي يقول فيه الإمام الشافعي : ما أعلم تحت أديم السماء كتاباً أصح من موطأ الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه. ولا يتعارض هذا -إخوتي الكرام- مع ما قرره أئمتنا من أن أصح كتب الحديث الصحيحان، فالإمام الشافعي قال هذا قبل أن يصنف أحد من الصحيحين رضوان الله على مؤلفي هذه الكتب جميعاً. ثم شد رحله إلى الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه وعمره ثلاث عشرة سنة, حفظ الموطأ وهو في عشر سنين، ثم ذهب إلى شيخه الإمام مالك رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين ليتعلم العلم، ويأخذ الحديث عنه -كما سيأتينا- بعد أن درس على شيخه سفيان بن عيينة في مكة المكرمة وعلى مسلم بن خالد الزنجي رضي الله عنهم أجمعين، ذهب إلى الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه.

    رحلته إلى الإمام مالك لطلب العلم

    لما ذهب إلى الإمام مالك أخذ كتاباً من والي مكة وأميرها إلى والي المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه ليوصي به إلى الإمام مالك رضي الله عنهم أجمعين، فأخذ الإمام الشافعي الكتاب ودفعه إلى والي المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، فأرسله إلى الإمام مالك رضي الله عنهم أجمعين، فلما قرأه الإمام مالك طرحه وقال: سبحان الله! أيضاً حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى كتب، يكتب في ذلك: فلان سيأتيك وكذا, العلم موجود يأخذه كل أحد لا داعي لا لواسطة ولا لأمير مكة ولا لوالي المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، قال: فقصصت عليه قصتي، وذكر له حياته، وأن والده توفي وهو في بطن أمه رضي الله عنهم أجمعين، ونشأ وهو من أسرة كذا، قال: فنظر في ساعة يتأملني، ثم قال لي: ما اسمك؟ قلت: محمد بن إدريس ، قال: فأطرق الإمام مالك عليه رحمة الله ورضوانه ورفع رأسه وقال: أبا عبد الله ! أيضاً كناه، فسبحان من أنطقه بذلك، والكنية جرت عليه، أبا عبد الله ! ليكونن لك شأن في هذه الحياة، فاتق الله في نفسك. أنت الآن ما احتلمت ولا جرى عليك القلم، والإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه تقدم معنا أنه ما كان يسمح أن يحضر في حلقته في مجلسه أحد من المُرد, الإمام الشافعي دخل ولما نظر إليه قال: سيكون لك شأن، فقال له الإمام مالك : أحضر من يقرأ لك الموطأ، وما كان الإمام مالك يقرأ من لفظه وإنما يُقرأ عليه وهو يصحح، فقال: أنا أقرأ يا إمام! قال: أحضر من يقرأ لك الموطأ، قال: أنا أقرأ، فإن أعجبتك قراءتي وإلا يقرأ غيري، فأعاد الثالثة، قال: أنا اقرأ، وزاد: وقد حفظت الموطأ، قال: أنت تحفظه؟! قال: نعم، قال: اقرأ، فقرأ فأُعجب به الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه كثيراً، فقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام، رضي الله عنهم وأرضاهم. هذا حال الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه.

    طلبه للعلم في مكة قبل رحليه إلى الإمام مالك

    إخوتي الكرام! في بدء طلبه حينما كان في السابعة بعد حفظ القرآن، ما توجه مباشرة لحفظ الحديث والفقه، وإنما حفظ القرآن وأقبل على الشعر، قال: فبينا أنا في جبال مكة وشِعابها أقول الشعر -وهو في السابعة- إذا رجل من أهل مكة حَجَنيّ، قال: سبحان الله! رجل من قريش، فتى من قريش، يقول الشعر! رضيت من مروءتك أن تقول الشعر! أين أنت من القفه والحديث؟! أنت من قريش، من آل البيت الطيبين الطاهرين، لك شأن، يجتمع نسبك بنبينا عليه الصلاة والسلام، قرشي، بعد ذلك رضيت من مروءتك أن تقبل على الشعر وأن تعتني به.

    قال: فدعاني هذا للذهاب إلى رجلين مباركين -وعمره في السابعة- ذهب إلى سيدنا سفيان بن عيينة أمير المؤمنين في الحديث، أبي محمد الذي توفي سنة ثمان وتسعين ومائة كما تقدم معنا، وإلى شيخه مسلم بن خالد الزنجي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهو فقيه صدوق، روى له الإمام أبو داود في السنن والإمام ابن ماجه في سننه أيضاً، وتوفي في السنة التي توفي فيها سيدنا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، سنة تسع وسبعين ومائة، وقيل: بعده بسنة، سنة ثمانين ومائة، وقيل: سُمي بالزنجي وكان أبيض أشقر كالبصلة، سُمي بالزنجي بالضد، يعني هو أبيض أشقر، الأصل أن يقال: هذا أبيض أشقر، لكن من باب التسمية بالضد لكثرة شُقرته وبياضه قيل له: الزنجي، وقيل: كان عنده جارية وكان يحب التمر، وكان كلما طلب منها تمرة تقول: ما أنت إلا زنجي، لأنهم يحبون التمر ويكثرون من أكله، فجرى عليه هذا اللقب والعلم عند الله، وهذا هو المعتمد، وأما من قال لُقِّب بذلك لسواد بشرته فأئمتنا ردوا ذلك وقالوا: ما كان كذلك رحمة ورضوانه عليه.

    فالإمام الشافعي تلقى الفقه عن شيخه مسلم بن خالد الزنجي ، وتلقى الحديث عن شيخه أبي محمد سفيان بن عيينة ، وأجاز الزنجي الشافعي بالفُتيا وعمر الشافعي خمس عشرة سنة، قال: أفتِ يا أبا عبد الله ، فقد آن لك أن تفتي، وعمره خمس عشرة سنة، وقيل وهذا أقصى ما قيل: كان عمره ثماني عشرة سنة، ولعله تكرر منه هذا، أذن له في الفتيا وعمره خمس عشرة سنة، ثم رغبه وحثه وقال: أنت أهل لذلك عندما بلغ ثماني عشرة سنة.

    هذا -إخوتي الكرام- موجود في سائر الكتب التي ترجمته، في توالي التأسيس صفحة أربع وسبعين، وفي مناقب الإمام الشافعي للإمام البيهقي ، وفي آداب الشافعي ومناقبه للإمام ابن أبي حاتم ، وفي تاريخ بغداد والحلية، وانظروا السير أيضاً صفحة ست عشرة من المجلد العاشر.

    إخوتي الكرام! الإمام الزنجي كما قلت: إنه صدوق فقيه، وحديثه لا ينزل إن شاء الله عن درجة الحسن, لكن دار حوله كلام، والإمام الذهبي في السير في ترجمته يقول في الجزء الثامن صفحة سبع وسبعين: قال بعض النقاد: يرتقي حديثه إلى درجة الحسن، نص الحافظ على ذلك، صدوق فقيه، والإمام الهيثمي في المجمع في الجزء الثالث صفحة اثنتين وتسعين ومائة قال: فيه كلام وقد وُثِّق، وقد أخذ الإمام الشافعي القراءة عن شيخه مسلم بن خالد الزنجي عن ورش عن شيخه عبد الله بن كثير ، وأخذ عنه أيضاً الفقه, فأخذ الفقه والقراءة عن شيخه مسلم بن خالد الزنجي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    فهذه شهادة من هذا الإمام المبارك: أفتِ يا أبا عبد الله ، آن لك أن تفتي، والإمام مالك يتفرس فيه تلك الفِراسة الطيبة المباركة، والإمام الشافعي سيأتينا في ترجمته أنه تعلم الفراسة من شيخه الإمام مالك ، فقد كان الإمام مالك أفرس أهل زمانه، ثم انتقلت الفراسة إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، وكان الإمام مالك يدرك من الكلمات ما لا يخطر ببال أحد من المخلوقات.

    استمع لهذه القصة اللطيفة التي يوردها القاضي عياض في ترتيب المدارك في تراجم وطبقات أصحاب سيدنا الإمام مالك رضي الله عنهم أجمعين، أوردها في الجزء الأول صفحة خمس وثلاثين ومائتين، قال الإمام مالك : غلست على شيخي محمد بن شهاب الزهري ، أي: ذهب إليه في الغلس قبل طلوع الفجر من أجل أن يقف على بابه، حتى إذا خرج ليصحبه إلى مسجد النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قال: فخرج محمد بن شهاب الزهري وخرج معه غلامه أنس ، عنده غلام اسمه أنس ، كان قد زوجه تلك الليلة، فقال محمد بن شهاب لغلامه: كيف رأيت حالك في زواجك؟ زوَّجه جارية في تلك الليلة، قال: جزاك الله خيراً، الحمد لله وجدتها جنة, فضحك الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، فقال: علامَ تضحك يا أبا عبد الله ؟ قال: أما فهمت مراده؟ قال: إنه يحمد الله أن زوجته كالجنة، فهو مع هذه الزوجة في نعمة، قال: غفر الله لك، يقول: إنها باردة واسعة الفرج، فأُعجب شيخه محمد بن شهاب الزهري والتفت إلى غلامه أنس وقال: أصحيح ما يقول أبو عبد الله ؟ قال: نعم، ما عندها حركة النساء، مع الأمر الذي هو خَلقي فيها لا لوم عليها بسببه، وهو السعة التي فيها، لكن موضوع البرودة وأنها لا تستجيب لحاجة الزوج، وهذه في الحقيقة تكسر نفس الإنسان, قال: من أين علمت هذا يا أبا عبد الله ؟ قال: إنه شبهها بالجنة، والجنة واسعة وباردة، ولو قال لك: هي جهنم، فإنه يدل على أن فيها حرارة، وهذا الأمر -وهو السعة والبرود- لا يرغب فيه الرجال، لكن إذا كان أمر طبيعي جِبلي فيصبر الإنسان عليه، لكن الأمر الثاني وهو البرود وعدم النشاط والحركة، اجتمع الأمران، فالحمد لله على كل حال.

    هذه فراسة الإمام مالك رحمه الله، وهنا ينظر إلى الإمام الشافعي ويقول هذا الكلام: أبا عبد الله ليكونن لك شأن، فاتق الله في نفسك.

    وواقع الأمر إخوتي الكرام كذلك، الإنسان ينبغي أن يراقب ربه في نفسه لا سيما إذا كان له شأن في العلم، فالعلم لا يُهدى لمن يعصي رب العالمين، ولذلك يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه:

    شكوت إلى وكيع سوء حفظني فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي

    الأبيات يوردها الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي في أول شؤم من شؤم المعاصي وآثارها السيئة: أنها تحول بين الإنسان وبين العلم النافع، لعلها في حدود صفحة سبعين والعلم عند رب العالمين.

    1.   

    ثناء الإمام أحمد على الإمام الشافعي وإجلاله له

    إخوتي الكرام! هذا فيما يتعلق بجده واجتهاده في طلب العلم رضي الله عنه وأرضاه، وتتضح لنا بعد ذلك منزلته عندما نعلم ثناء العلماء عليه في الأمر الثاني الذي سنتدارسه بعون الله وتوفيقه.

    ‏إخوتي الكرام! لقد أثنى عليه أئمتنا ثناء يليق بحاله رضي الله عنه وأرضاه، أبدأ بثاء أعرف الناس به، وهو إمام أهل السنة بلا نزاع، بثناء سيدنا الإمام أبي عبد الله الإمام المبجل سيدنا أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه، وهو من التلاميذ الخواص للإمام أبي عبد الله الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، يقول هذا الإمام المبارك كما في توالي التأسيس صفحة خمسين وصفحة سبع وسبعين، والأثر في كتب كثيرة, انظروا السير الجزء العاشر صفحة سبع وأربعين، كان يقول: ما أحد من أهل الحديث مس محبرة ولا قلماً إلا وللشافعي عليه منة. يقول: لا يوجد طالب حديث يمس محبرة، يمس قلماً يكتب فيه حديث النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه إلا وللشافعي عليه منة. ترى لماذا؟

    السبب -إخوتي الكرام- هو أثر الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه في الطريقة التي مزج بها بين الفقه والحديث، وحرك طلبة الحديث للتفقه، وألا يقتصروا على الرواية والبحث في طرق الحديث، فهذا الفقه الذي نشره بين طلاب الحديث ليكون طالب الحديث فقهياً, هذا له شأن عظيم، ولذلك يقول الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه: تفقهت من الإمام الشافعي ، وما عرفت ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالست الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه.

    إذاً: ما أحد يمس المحبرة من أهل الحديث على وجه الخصوص، ولا قلماً، إلا وللشافعي عليه منة؛ لأنه هو الذي جعلهم ينشطون في التفقه في دين الحي القيوم، مع حفظ كلام نبينا المبارك الميمون على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وقبله كان طلبة الحديث يعتنون بالروايات دون أن يتفقهوا في كلام نبينا خير البريات على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ولذلك سُمي الإمام الشافعي بناصر السنة وبناصر الحديث في زمنه في مكة المكرمة، وفي بلاد العراق عندما جمع الفقه مع الحديث، وجعل طلبة الحديث يعتنون بالفقه، ويمزجون الحديث الذي يحفظونه بالفقه الذي يفهمونه ويستنبطونه رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وفي توالي التأسيس صفحة ثلاث وثمانين وغير ذلك، عن عبد الله ولد سيدنا الإمام أحمد رضي الله عنهم أجمعين، قال: جاء الإمام الشافعي زائراً لوالدي وكان عليلاً، ـالشافعي يزور الإمام أحمد ، والإمام أحمد فيه علة ومرض رضي الله عنه وأرضاه، قال: فلما علم والدي به وثب لاستقباله وقبَّل ما بين عينيه، وأجلسه مكانه، وجلس بين يديه، هذا وهو عليل مريض رضي الله عنه وأرضاه! قال: فلما قام الإمام الشافعي قام وشيعه وأخذ له بالركاب. هذا إجلال الإمام أحمد للإمام الشافعي رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وكان الإمام أحمد -كما في صفحة أربعة وثمانين من توالي التأسيس وغير ذلك- يقول لأمير المؤمنين في الحديث إسحاق بن راهويه وهو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي رضي الله عنهم أجمعين، يقول: تعال حتى أريك عالماً لم تر عيناك مثله، تعال حتى أريك عالماً فقيهاً محدثاً لم تر عيناك مثله، فيأخذه إلى سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وعوتب الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه مرة فقيل له: إنك تتأخر عن مجلس سفيان بن عيينة ولا تحضر مجلسه أحياناً، ومجلسه في نشر الحديث، فقال سيدنا أحمد رضي الله عنه وأرضاه: ويحكم! إن فاتكم حديث بعلو طلبتموه في نزول. إن فاتنا سفيان بن عيينة لن يفوتنا الحديث، نأخذ الحديث من غيره، إن صحبنا سفيان بن عيينة سوف يكون الحديث عندنا بإسناد عالٍ قلَّت الرجال بيننا وبين نبينا عليه الصلاة والسلام، وإذا فاتنا سفيان بن عيينة سوف نأخذه بزيادة راو أو راويين، فالحديث لن يفوتنا, لكن إن فاتكم الشافعي فسيفوتكم عقله وفقهه، من أين ستحصلون هذا العقل المبارك المنوَّر النير؟! وهذا الفقه الذي هو أغلى من الجوهر من أين ستحصلونه؟! هذا لا يوجد عند سفيان بن عيينة ولا عند غيره كما سيأتينا.

    والإمام الشافعي عندما كان في مجلس سفيان بن عيينة ، وتكلم سفيان بن عيينة في الفقه، نهاه الإمام الشافعي رضي الله عنهم وأرضاهم، وقال: ما لك وللنظر؟! موضوع النظر في الفقه لست من أهله، يبحث الآن في أمر الروايات وسردها، وسيأتينا هذا إن شاء الله في ثناء سفيان بن عيينة رضي الله عنه وأرضاه على الإمام الشافعي رضوان الله عليهم أجمعين، فهذا تلميذ هذين الإمامين، الإمام أحمد تلميذ لـسفيان بن عيينة وتلميذ للإمام الشافعي ، وبينهما في الوفاة ست سنين، فـالشافعي توفي سنة أربع ومائتين، وهذا سنة ثمان وتسعين ومائة، وهو تلميذ هذين الإمامين, يقول: إن فاتنا حديث سفيان بن عيينة ، غاية ما يفوتنا حديث بعلو نحصله بنزول، أما إذا فاتنا الشافعي فمن أين سنحصل عقله وفقهه رضي الله عنه وأرضاه؟! هذا كان يقوله الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه.

    وكان يقول: لولا الشافعي ما عرفت فقه الحديث.

    وكان يقول: كلام الشافعي حجة في اللغة. وهذا قاله أيضاً الإمام ابن هشام صاحب السير، كلام الشافعي حجة في اللغة. وكان مرة رضي الله عنه وأرضاه -كما في توالي التأسيس وغيره في صفحة ست وثمانين- مع الإمام الشافعي ، والإمام الشافعي على بغلته والإمام أحمد يمشي بجواره بجنب البغلة، فـيحيى بن معين ما راق له هذا المنظر، لما رأى إمام المحدثين الإمام أحمد يمشي بجنب البغلة والشافعي يركب البغلة في بغداد، فقال: يا أبا عبد الله بلغ بك الأمر هذا! يعني أنك تمشي مع الإمام الشافعي وهو راكب، ثم بجوار بغلته! قال: ويحك! إن أردت أن تنتفع فالزم الجانب الآخر، وفي رواية: لو لزمت ذنب البغلة لانتفعت! إن أردت أن تتفقه وأن تنتفع، فكن في الجانب الثاني كما أنا في هذا الجانب، ولو مشيت وراء البغلة بجوار ذنبها لحصلت نفعاً وخيراً وفائدة من هذا الإمام المبارك رحمة الله ورضوانه عليه وعلى أئمتنا.

    وكان يقول كما في الحلية وتاريخ بغداد ومناقب الإمام الشافعي للإمام البيهقي ، وانظروا توالي التأسيس أيضاً صفحة أربع وثمانين، كان يقول: ما بت ليلة منذ ثلاثين سنة إلا واستغفرت للشافعي ودعوت له. من ثلاثين سنة لا يبيت إلا ويدعو للشافعي ويستغفر له، وكان يقول: إنني أدعو له سَحَراً وفي صلواتي، وإذا أراد أن ينام يدعو, إذا استيقظ يدعو, إذا صلى يدعو، وسيأتينا أن كثيراً من أئمتنا كانوا يدعون للشافعي في صلواتهم، وتقدم معنا أنه ينبغي أن ندعو لسيدنا أبي حنيفة أيضاً في صلاتنا، وهكذا الإمام مالك ولأئمة الإسلام، الذين حفظوا علينا السنة والفقه، جزاهم الله عنا وعن دينه خير الجزاء، يدعو له في الليل عند السحر وفي الصلوات.

    وقال له مرة ولده عبد الله كما في السير في الجزء العاشر صفحة خمس وأربعين: يا والدي! أراك تكثر ذكر الشافعي وتدعو له باستمرار، فمَن كان الشافعي ؟ ما شأنه؟ ما قدره؟ ما منزلته ورتبته رضي الله عنه وأرضاه؟ فقال: يا ولدي! كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فهل لهذين من عوض أو عنهما من خَلَف؟ لا يخلفهما شيء، ولا يمكن أن يعوضهما شيء، عافية البدن والشمس للدنيا، فـالشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن.

    قال الإمام أبو داود كما في السير وغيره، وانظروا مصدر هذا الأثر في صفحة خمس وأربعين من السير، وعزاه في الحاشية إلى تاريخ دمشق وغير ذلك، كان أبو داود رضي الله عنه وأرضاه يقول: ما رأيت الإمام أحمد يميل إلى أحد كميله للإمام الشافعي رضي الله عنهم وأرضاهم. وهذا الذي كان معلوماً بين أئمتنا، قيل للإمام الشافعي : الإمام أحمد يزورك، وهو تلميذك، وهذا إمام أهل السنة، فأنت لك إذاً قدر عظيم جداً، وواقع الأمر كذلك، فنظم بيتين من الشعر أرسلهما إلى الإمام أحمد فأجابه الإمام أحمد بما أجابه كما ستسمعون رضي الله عنهم وأرضاهم، الأبيات في غذاء الألباب في الجزء الأول صفحة تسع وسبعين ومائتين للإمام السفاريني في شرح منظومة الأداء:

    قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الفضائل لا تفارق منزله

    إن زارني فبفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له

    هذا تواضع الشيخ مع تلميذه: إذا زارني فهو متفضل، وإذا زرته فطلباً لفضله، هذا حال الشيخ مع تلميذه.

    وانظر لجواب سيدنا الإمام أحمد لسيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، فكتب له يقول:

    إن زرتنا فبفضل منك تأتينا أو نحن زرنا فللفضل الذي فيكَ

    كما أنت تقول: إذا أنا زرتك فهذا بفضل مني، وإذا أنت زرتني فللفضل الذي في، لا، الأمر ليس كذلك.

    إن زرتنا فبفضل منك تأتينا أو نحن زرنا فللفضل الذي فيك

    فلا عُدمنا كلا الحالين منك ولا نال الذي يتمنى فيك شانيك

    هذا أدب أئمتنا وتواضعهم مع بعضهم رضوان الله عليهم أجمعين، وما أرق وأعذب هذه الأبيات، هذا إجلال الشافعي لتلميذه، وهذا إجلال التلميذ لشيخه رضوان الله عليهم أجمعين.

    1.   

    ثناء محمد بن الحسن الشيباني على الإمام الشافعي

    إخوتي الكرام! الثناء من أئمتنا كثير، اسمعوا لثناء من شيخ وقرين وهو على خلاف مذهبه أيضاً وهو الإمام محمد بن الحسن الشيباني عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، توفي سنة تسع وثمانين ومائة، الإمام محمد بن الحسن الشيباني ، وهو الذي درس عليه الإمام الشافعي كما تقدم معنا وحمل عنه وِقر بعير، وكان يقول: ما رأيت أحداً أفصح من محمد بن الحسن . ولو قلت: إن القرآن نزل بلغته لما بالغت! بلغة محمد بن الحسن شيخه تلميذ سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وكان يقول: ما رأيت أحداً أخف روحاً من محمد بن الحسن مع سِمن فيه. والسمين في الغالب فيه ثِقل وبلادة، فيقول: هذا سمين، لكنه خفيف الروح، ما رأيت أخف روحاً منه، ولا رأيت أفصح منه، وحملت عنه وقر بعير، هذا التلميذ يقول في حق شيخه محمد بن الحسن ، وقد توفي كما قلت سنة تسع وثمانين بعد المائة في بلاد الشام في الرقة، وكان مع هارون الرشيد ، ومات معه الإمام الكسائي ودفنا في يوم واحد في وقت واحد، فقال هارون الرشيد بعد أن حزن حزناً كثيراً: دفنا الفقه واللغة في يوم واحد, الإمام الكسائي هو القارئ اللغوي، وهذا هو الفقيه اللوذعي عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه.

    انظروا ترجمته الطيبة في الانتقاء، وختم الإمام ابن عبد البر الانتقاء بترجمة محمد بن الحسن ؛ لأن آخر التراجم ترجمة سيدنا أبي حنيفة ، فلما ترجم لأصحابه آخر الأصحاب هو محمد بن الحسن ، ترجم لـأبي يوسف ومحمد بن الحسن وأنهى الكلام، انظروا كما قلت الانتقاء صفحة أربع وسبعين ومائة، وانظروا ترجمته في السير في الجزء التاسع صفحة خمس وثلاثين ومائة.

    وفي لسان الميزان ترجمة فيها شيء من الإجحاف والنقصان في حق هذا الإمام لا تتناسب مع ما في السير، ومع ما في الانتقاء، ولذلك ما أحلت إليها، لكن من نظر فليحذر مما سُطِّر فيها من قِبل بعض المتكلمين بأنه كان جهمياً، وكان.. وكان.. كل هذا هذيان لا يعول عليه، ولا يُستمع إليه، وتقدم معنا إما أن يكون غير ثابت، وإما أن يكون من باب المنافسة بين الأقران، وإما غير ذلك، نسأل الله أن يعفو عنا وعن أئمتنا.

    يقول هذا العبد الصالح محمد بن الحسن في تلميذه الإمام الشافعي رضي الله عنهم أجمعين: إن تكلم أهل الحديث فبلسان الشافعي ، يقول: أي محدث يتكلم في الفقه والاستنباط والبحث، فهذا مرده للإمام الشافعي هو الذي نبههم,كانوا رقوداً فأيقظهم. كما قال الإمام أحمد: لولاه لما تعلمت الفقه، وما أحد من أهل الحديث يمس محبرة ولا قلماً إلا وللشافعي عليه منة! وهنا يقول الإمام محمد بن الحسن عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: إن تكلم أهل الحديث فبلسان الشافعي .

    نعم -إخوتي الكرام- لقد سُمي بناصر السنة في بلاد الإسلام عندما حرض وحرك طلبة الحديث للتفقه في دين الله جل وعلا، وقد أثنى عليه أئمتنا ثناء عظيماً، الإمام ابن خزيمة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا الذي له شأن، يقول الإمام الذهبي في ترجمته في الجزء الرابع عشر صفحة خمس وستين وثلاثمائة: محمد بن إسحاق الحافظ الحجة الفقيه شيخ الإسلام إمام الأئمة، استمع لهذه الجزئية في ترجمته، يقول: عُني في حدَاثته بالحديث والفقه حتى صار يُضرب به المثل في سعة العلم والإتقان.

    سُئل الإمام ابن خزيمة الذي يُضرب به المثل، وهو إمام الأئمة في سعة العلم والإتقان: هل تعلم سنة في الحلال والحرام لم يُودعها الشافعي في كتبه؟ قال: لا. هذا الكلام علق عليه المعلق على السير بكلام منكر كما سأوضح، أترك هذا الأثر لأول الموعظة الآتية بعون الله وتوفيقه، وأستعرض توجيهه وثناء الإمام ابن خزيمة على الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.