إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. سلسلة مقدمة في الفقه
  5. مقدمة في الفقه - تعبد الإمام مالك واجتهاده

مقدمة في الفقه - تعبد الإمام مالك واجتهادهللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان الإمام مالك مثلاً في العبادة والإخبات، فقد ثبت في سيرته أنه كان يطيل القيام في جوف الليل، وفي آخر حياته أدام النظر في كتاب الله يقرؤه، وكان في خلال حياته طويل الصمت والفكرة، يكثر من محاسبة نفسه ويربيها، ولم يعرف عنه ضحكاً في حياته إلا ما ندر، فانعكس ذلك عليه مهابة وجلالاً في شخصيته، ولكثرة حبه لحديث رسول الله وإجلاله له وحرصه على النظر فيه أنعم الله عليه بكثرة رؤياه للنبي صلى الله عليه وسلم في نومه.

    1.   

    حب الإمام مالك من السنة ولا يبغضه إلا مبتدع

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحَزْن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    إخوتي الكرام! شرعنا في مدارسة ترجمة سيدنا الإمام مالك إمام دار هجرة نبينا عليه الصلاة والسلام، وتقدم معنا سنتدارس ترجمته ضمن أربعة أمور هي الأمور التي تدارسنا بها ترجمة سيدنا أبي حنيفة النعمان رضي الله عنهم أجمعين، أولها: في نسبه وطلبه العلم، وثانيها: في ثناء العلماء عليه، وثالثها: في فقهه، ورابعها: في عبادته وحسن صلته بربه سبحانه وتعالى، مرَّ الكلام على الأمور الثلاثة الأولى، ووصلنا إلى الأمر الرابع نتدارسه في هذه الموعظة بعون الله وتوفيقه.

    إخوتي الكرام! تقدم معنا أن الإمام مالكاً إمام مبارك خيِّر صالح فاضل هو نجم السنن، فإذا كان حب سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه من السنة ومن الدين، فحب هذا الإمام المبارك من السنة ومن الدين أيضاً كما هو الحال في سائر أئمتنا الكرام الطيبين، ولذلك لا يبغض هذا الإمام أو غيره من أئمة الإسلام إلا من غضب عليه ربنا الرحمن، وهو من أهل البدع اللئام.

    أُثر عن سيدنا الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه كما في ترتيب المدارك في الجزء الأول صفحة سبعين ومائة أنه قال: لا يبغض الإمام مالكاً إلا مبتدع، ووصل الأمر بسيدنا أبي داود صاحب السنن أنه ما لعن في حياته غير اثنين فقط، الأول: قيل له: إن فلاناً من أهل البدع لعن الإمام مالكاً، فقال: لعنة الله عليه، على هذا المبتدع الخبيث وسماه باسمه، وأنزل اللعنة عليه، هذا المبتدع الأول الذي وقع في عرض سيدنا الإمام مالك، فالإمام أبو داود رضي الله عنه وأرضاه حميته لربه ودينه وغيرته على أئمة شريعة الله المطهرة دعته إلى لَعنَ المعيَّن.

    والثاني: بشر بن غياث المريسي، وأئمتنا يقولون: إنه بشر الضلالة، بشر البدعة؛ ليفرقوا بينه وبين سيدنا بشر الحافي ، كما يقولون في حق سيدنا الإمام المبجل أحمد بن حنبل: أحمد السنة، ويقولون عن أحمد بن أبي دؤاد: أحمد البدعة، قاضي قضاة الدولة العباسية، وكان على طريقة الجهمية، وهو الذي امتحن عباد الله في محنة خلق القرآن.

    بشر بن غياث، توفي سنة ثماني عشرة ومائتين، انظروا ترجمته المظلمة في السير في الجزء العاشر صفحة مائتين فما بعدها، وقال الإمام الذهبي في ترجمته: إنه نظر في علم الكلام والفلسفة والهذيان فغلب عليه وانسلخ من الورع والتقوى، وهو صاحب خطب وليس بصاحب حجج، كلام بليغ مفوه فصيح لكن ما عنده حجج ولا بينات، صاحب خطب وليس بصاحب حجج، ختم الإمام الذهبي ترجمته بأنه كُفِّر من قبل عدد من أئمة الإسلام، ومع ذلك قال الذهبي: كل من كُفِّر ببدعة وإن جلَّت فلا يسوى بعباد الأصنام وبأهل الأوثان، فأمره إلى ذي الجلال والإكرام.

    بالنسبة للعن المعين تقدم معنا -إخوتي الكرام- أن عدداً من أئمة الإسلام كالإمام المهلب والإمام البُلقيني شيخ الحافظ ابن حجر ، وقلت: هو ما يُفهم من كلام الإمام النووي أنه يجوز لعن المعين إذا فعل ما يستوجب اللعن، وهنا عندما لعن هذا المبتدع الإمام مالكاً لعنه أبو داود وأنزل اللعنة عليه، وتقدم معنا أن الجمهور على المنع، والحافظ ابن حجر جمع بين القولين وقال: لا تعارض، فمن منع أراد المعنى اللغوي، وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله، وأنه لا ينال رحمة الله، وهو إذا كان عاصياً فستناله رحمة الله، وهو من عداد المؤمنين، ومن أجاز فأراد السب والتعيير والتحقير والتنفير مما وقع فيه هذا الإنسان الحقير.

    على كل حال: حب سيدنا الإمام مالك من السنة، ولا يبغضه إلا مبتدع، ووصل الأمر بـأبي داود أنه لعن من لعن الإمام مالكاً، رضي الله عن الإمام مالك وعن الإمام أبي داود وعن أئمتنا الكرام أجمعين.

    إخوتي الكرام! تقدم معنا ثناء العلماء عليه وقلت: إنه نجم السنن، إنه نجم العلماء، إذا ذُكر العلماء فـمالك النجم الثاقب، وقد حصَّل العلم النافع وقرنه بالعمل الصالح رضي الله عنه وأرضاه، فاكتملت فيه القوة العلمية كما اكتملت فيه القوة العملية، وهما منبع الكمالات، قوة علمية وقوة عملية رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    أدب الإمام مالك مع العلم ومع حديث النبي صلى الله عليه وسلم

    تقدم معنا شيء مما يتعلق بعبادته وحسن صلته بربه، ومن تعظيمه لخالقه، وقلت: إنه كان يسلك أحسن المسالك، ويتأدب أحسن الأدب مع هذا العلم الشريف مع حديث نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فلا يمسه إلا على طهارة، ولا يحدث بحديث النبي عليه الصلاة والسلام إلا على طهارة، ولا يحدث إلا وهو على أكمل هيئة وجلسة، فلا يتكئ، ويُعدِّل جلسته ويسوي هيئته، ويتطيب، وكأنه لا يعرف أحداً ولا يعرفه أحد عندما ينشر حديث نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وآخر ما ذكرته في ترجمته قصة العقرب عندما لدغته ست عشرة مرة تلدغه وتبتعد، ثم تعود إليه تلدغه، وهو يصفر ويتلوى ويتغير شكله وهيئته، ومع ذلك ما قطع حديث النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه؛ إجلالاً لهذا الكلام المبارك الشريف رضي الله عنه وأرضاه.

    إخوتي الكرام! حقيقة أدب الظاهر عنوان على أدب الباطن، وإذا تأدب القلب مع الرب ظهر الأدب على الجوارح، وإذا رأيت الإنسان على ظاهره فاعلم أنه لا أدب في باطنه، أدب الظاهر عنوان على أدب الباطن، استمع لحال الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، يقول: لقد رأيتني ما في وجهي طاقة شعر، وعندما جلس عند سيدنا ربيعة الرأي رضي الله عنه وأرضاه، وهو أول شيوخه، ما في وجه الإمام مالك شعرة، فقد طلب العلم قبل أن يبلغ عمره بضع عشر سنة رضي الله عنه وأرضاه، يقول: وقد رأيتني وما في وجهي طاقة شعر، وما يدخل أحد منا أنا ومن أمثالي إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام إلا معتماً إجلالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم! سبحان من أدبهم من صغرهم! ما في وجهه شعرة ومع ذلك لا يدخل ذلك المكان إلا وعليه العمة إجلالاً لنبينا عليه الصلاة والسلام.

    وكان يحضر في حلقة سيدنا ربيعة الرأي أربعون معتماً منهم الإمام مالك رضي الله عنهم وأرضاهم، هذا الأدب الظاهر دليل على أدب الباطن، وعلى خشية القلب من الرب.

    ومن كلام الإمام مالك المحكم فيما يتعلق بالعلم وأدبه وصيانته، كان يقول كما في الحلية في الجزء السادس صفحة عشرين وثلاثمائة: إن كنت لاعباً فلا تلعبن بدينك! إذا أردت أن تلعب وتتساهل وأن تمزح فلا حرج، لكن الدين دعه في صيانة، دعه في رفعة وعلو، من كان لاعباً فلا يلعبن بدينه، والله قال في حق المنافقين الذين قالوا عن القراء الطيبين: إنهم أكذب الناس ألسنة وأرغبهم بطوناً وأجبنهم عند اللقاء، قال في حقهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:65-66].

    فمن كان لاعباً فلا يلعبن بدينه، شعائر الله لابد من تعظيمها، والمزاح بعد ذلك تمزح ضمن حدود الأدب المباح، أما أن يدخل الإنسان شعائر الدين للسخرية والاستهزاء بها ويقول: أمزح! فهذا لا يجوز أبداً.

    تغير الإمام مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هيبةً له وإجلالاً

    إخوتي الكرام! لقد أورد أئمتنا في ترجمته عجباً، وهذا وما يليق بهم رضي الله عنهم وأرضاهم، كان هذا الإمام المبارك عندما يأتي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.. عندما يحدث بحديثه ويذكره، إذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام ظهر عليه أثر التغير، يتغير رضي الله عنه وأرضاه عند ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، وينحني إجلالاً وهيبةً لهذا النبي المبارك عليه صلوات الله وسلامه، ولما حصل في قلبه من الهيبة يتغير وينحني عند ذكر النبي عليه الصلاة والسلام.

    فقيل له في ذلك: يعتريك حالة غريبة كلما تذكر النبي عليه الصلاة والسلام، تغير على ظاهرك، انحناء؟! قال: كنا نأتي محمد بن المنكدر، وهو من شيوخ الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، وسيأتينا أن الإمام مالكاً كان يقول: إذا وجدت في قلبي قسوة ذهبت لأنظر إلى وجه محمد بن المنكدر، فقط نظرة، يقول: كنا نأتي محمد بن المنكدر فنسأله عن الحديث، فإذا سألناه عن الحديث لا يحدثنا إلا وهو يبكي! نسأله عن الحديث، إذا حدثنا مع كل حديث خشوع وبكاء، والتجاء إلى رب الأرض والسماء.

    و محمد بن المنكدر هو الإمام الثقة الفاضل، توفي سنة ثلاثين ومائة، حديثه في الكتب الستة، انظروا ترجمته الطيبة في السير في الجزء الخامس صفحة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، ونعته شيخ الإسلام الذهبي بأنه: الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام، قال: كان من سادات القراء، وكان لا يتمالك نفسه ولا عينيه عند قراءة حديث نبينا خاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وكان يحيي الليل رضي الله عنه وأرضاه، وكثيراً ما كان يردد آية ويقف عندها ويبكي.

    تقدم معنا في بعض الدروس في ترجمته عندما تلا قول الله جل وعلا: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47]، وقف عند هذه الآية وكَثر نحيبه ونشيجه وبكاؤه، فأهل البيت اغتموا لما حصل لهذا الإمام المبارك، فدعوا أبا حاتم ليخفف عنه، فلما جاء وعلم بحاله شاركه في البكاء، وظلا يبكيان حتى طلع الفجر.

    كان الإمام ابن الماجشون قرين سيدنا الإمام مالك رضي الله عنهم وأرضاهم، كان يقول: إن رؤية محمد بن المنكدر تنفعني في ديني، رؤيته فقط، وقال الإمام مالك ما ذكرته لكم: إذا وجدت في قلبي قسوة نظرت إلى وجه محمد بن المنكدر، انظروا هذا في ترتيب المدارك في الجزء الأول صفحة تسع وسبعين ومائة.

    وهذا الأمر كان موجوداً عند سلفنا الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، تقدم معنا في ترجمة العبد الصالح محمد بن واسع، أن جعفر بن سليمان كان إذا وجد في قلبه قسوة نظر إلى وجه محمد بن واسع، قال: وكان وجهه كوجه الثكلى، وتقدم معنا الأثر في الحلية وفي غير ذلك في السير في ترجمة هذين العبدين الصالحين: جعفر بن سليمان ومحمد بن واسع رضي الله عنهم وأرضاهم.

    فالإمام مالك عندما يقال له: يحصل لك عند ذكر النبي عليه الصلاة والسلام تغير وانحناء؟ يقول: نحن كنا نأتي محمد بن المنكدر فنسأله عن الحديث فلا يحدثنا إلا وهو يبكى.

    وقال الإمام مالك أيضاً كما في ترتيب المدارك: وكان جعفر بن محمد -وهو الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه وأرضاه- كثير المُزاح والتبسم، فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اخضرَّ واصفرَّ، قال الإمام مالك: وما أتيته وإلا وجدته يصلي أو يقرأ القرآن أو رأيته صائماً، على عبادة على الدوام، جعفر الصادق رضي الله عنه وأرضاه، وهو إمام مبارك ثقة عدل علم، روى له البخاري في الأدب المفرد والإمام مسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة، انظروا ترجمته في السير في الجزء السادس صفحة خمس وخمسين ومائتين، قال الذهبي في ترجمته: تواتر عن هذا الإمام أنه قال: برئ الله ممن تبرأ من سيدنا أبي بكر وعمر. تواتر عن هذا الإمام جعفر الصادق بن محمد بن علي بن محمد الباقر بن علي بن الحسين زين العابدين بن الحسين بن سيدنا علي، ما بعد هذا النسب نسب، رضي الله عنهم وأرضاهم، تواتر عن هذا الإمام أنه قال: برئ الله ممن تبرأ من سيدنا أبي بكر وعمر. إمام مبارك صالح توفي سنة ثمان وأربعين ومائة قبل سيدنا أبي حنيفة بسنتين. وكان يقول: خلق الله الذباب ليذل به الملوك، كما قال هذه المقولة لـأبي جعفر المنصور ليكسر من جبروته وكبريائه.

    جعفر الصادق كان كثير التبسم والمُزاح، ولا حرج في ذلك ضمن المباح، لكن عندما تأتي بعد ذلك مراسيم الشرع وشعائر الدين، وذكر النبي الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، انظر لهذا الأدب والخشوع والخضوع، فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اخضر واصفر، وهذا الأمر كما قلت: كان فاشياً في أئمتنا.

    أيوب السختياني كما تقدم معنا في أول ترجمة الإمام مالك، حج حجتين، والإمام مالك ما روى عنه ولا كتب، ولا يتهمه، هو شيخ أهل السنة كما لا يتهم غيره، لكنه ما رأى عليه أثر التعلق بنبينا صلى الله عليه وسلم، ما رأى عليه البهجة التي تكون على العالم وطالب العلم، قال: فلما حج حجته الثالثة وجلس في فناء زمزم وحدَّث، كان إذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام.. يقول الإمام مالك: يبكي حتى إني لأرحمه من كثرة بكائه، فكتبت عنه ورويت، أيوب السختياني عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، توفي بعد العبد الصالح محمد بن المنكدر بسنة، سنة إحدى وثلاثين ومائة، وحديثه في الكتب الستة، ثقة ثبت من كبار الفقهاء العباد، انظروا ترجمته الطيبة في أول الجزء السادس من السير صفحة خمس، قال: هو سيد العلماء، وكان يحيي الليل كله، وكان على تواضع عظيم فلا يدع أحداً من أصحابه وتلاميذه يمشي معه، يقول شعبة: جهدت أن أمشي معه فكان يمنعني، وشعبة هو أمير المؤمنين في الحديث، ويقول: كان يمشى هاهنا وهاهنا إذا خرج حتى لا يفطن له أحد، وكان يقول: ما صدق عبد مع الله فأحب الشهرة، إذا صدق لا يحب أن يُشتهر، ولا أن يعرفه أحد رضي الله عنه وأرضاه.

    إذاً: هذا الأدب كان عند سيدنا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، إذا ذكر النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه يعتريه التغير والوجل، وينحني إجلالاً للنبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    1.   

    عبادة الإمام مالك واجتهاده فيها

    قيامه الليل وقراءته القرآن

    وأما فيما يتعلق بعبادته وبحاله مع ربه سبحانه وتعالى، فأمره عجب! في أول أمره رضي الله عنه وأرضاه كان يحيي أول ليلة من الشهر، لا يحيي ليلة بكاملها إلا أول ليلة من الشهر القمري، وفي الليالي الأخرى يأخذ حظه من النوم ومن التهجد ومن مذاكرة العلم، لكن أول ليلة من الشهر هذا في أول أمره يجعلها خالصة لعبادة الله عن طريق الصلاة والذكر وقراءة القرآن والصلاة على نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم بعد فترة أضاف إليها ليلة ثانية، لكن تتكرر في الشهر أربع مرات على أقل تقدير، أول ليلة من الشهر وكل ليلة جمعة، هذه يحييها بكاملها، هذا بعد فترة ومرحلة، ثم قبل وفاته ببضع وأربعين سنة قلما صلى الفجر إلا بوضوء العشاء، فحاله كحال سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه، وحياة الإمام مالك امتدت أكثر من سيدنا الإمام أبي حنيفة كما تقدم معنا، فقد وُلد سنة ثلاث وتسعين وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة، فزاد عمره على الثمانين سنة، ستاً وثمانين سنة رضي الله عنه وأرضاه، والإمام أبو حنيفة عاش سبعين سنة، فكان قبل وفاته ببضع وأربعين سنة يحيي الليل قلما لا يحيي ليلة، ولا يصلي الفجر إلا بوضوء العشاء رضي الله عنه وأرضاه.

    وورد في نعته قيل: كأنه خشبة يابسة، إذا جاء الليل فالإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه من كثرة صلاته وانتصابه بين يدي ربه كأنه خشبة، لكن الخشبة الرطبة قد تتحرك، أما هذا فكأنه خشبة يابسة لا تميل من كثرة استقامته وتلاوة كلام ربه سبحانه وتعالى، هذا حال أئمتنا رضي الله عنهم وأرضاهم.

    انظروا هذه الأخبار في ترتيب المدارك في الجزء الأول صفحة سبع وسبعين ومائة، وفي غير ذلك من الكتب التي ترجمت لسيدنا الإمام مالك، وحاله يشبه حال سيدنا أبي حنيفة ، وأحوالهم متشابهة كما سيأتينا الفقهاء الأربعة رضي الله عنهم وأرضاهم، ولذلك قلت: سأترجم لكل واحد ضمن هذه الأمور الأربعة؛ لأنهم يتساوون فيه، كما كان سيدنا أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه يحيي الليل أحيانا بآية يكررها ويرددها، وهكذا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، مرة افتتح سورة التكاثر في صلاته وقرأها: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ [التكاثر:1]، فوقف عندها يكررها حتى طلع الفجر، أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:1-2]، يكررها حتى طلع الفجر.

    وهذه السورة فيها ما فيها من العظة والعبرة، وأن الإنسان لا يتلهى بهذه الحياة، وينبغي أن يعد العدة لما بعد الممات، وسوف يُسأل أمام رب الأرض والسماوات عن النعيم فضلاً عما يقع فيه بعد ذلك من معاصي رب العالمين، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:8].

    والسؤال -كما قرر أئمتنا كما في زاد المسير وغيره- عام لجميع الخلق، برهم وفاجرهم، وهو شامل لكل نعمة، والنعمة هي الحالة المستلذة، وأعظم النعم علينا نعمة الهداية والإرشاد، وأعلاها بِعثة نبينا خير العباد عليه الصلاة والسلام، فسنسأل عن هذا النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أعظم نعم الله علينا، هل قمنا نحوه بما يجب؟ وهل قدمنا حبه على حب النفس فما دونها؟ هذا سنسأل عنه، وعما سوى ذلك من النعيم من نعمة الخلق والإيجاد، السؤال عام وشامل لكل نعمة، لكن الكافر يسأل ليوبخ ويقرر، والمؤمن يسأل لإظهار فضل الله عليه، فعند السؤال يتبين أنه قد قام نحو هذه النعم بما في وسعه من شكر نحو المنعم، فالله جل وعلا يقول: كما أنعمتُ عليك في الحياة لك ما هو أعظم في نعيم الجنات، يقف الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه عند هذه السورة ويردد: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:8].

    وتقدم معنا ترداد سيدنا أبي حنيفة لبعض الآيات في جوف الليل إلى أن طلع الفجر، هذا أيضاً وارد إخوتي الكرام في المدارك في صفحة ثمان وسبعين ومائة من الجزء الأول.

    وقبل موته رضي الله عنه وأرضاه تفرغ لقراءة كلام الله، وأقبل عليه، وصار كلام الله هو شغله الشاغل، يقرؤه، وموضوع العلم والتحديث توقف عنه اشتغالاً بكلام الله في آخر حياته ليستعد للقاء ربه، إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]، أدام النظر في المصحف قبل موته بسنين، وكان كثير التلاوة طويل البكاء رضي الله عنه وأرضاه.

    حرصه على صلاح قلبه

    ومن كلامه الذي يدل على تعلق قلبه بربه أنه يقول: لو أعلم أن قلبي يصلح على كُناسة لذهبت حتى أجلس عليها، لو علمت أن قلبي يصلح لو جلست على الكناسة على المزبلة، لذهبت وجلست وما باليت، والناس يقولون: الإمام مالك جلس على مزبلة، هذا لا يضرني ولا يؤثر في، لو علمت أن قلبي يصلح لو جلست على كناسة لذهبت وجلست عليها.

    هذا حقيقة من تعلق قلبه بربه رضي الله عنه وأرضاه، وحال الخاشع المخبت المخلص ينبغي أن يكون هكذا، ينقل أئمتنا كما في الأذكار وغيره صفحة خمس نقلاً عن الإمام المحاسبي، وهذا في ترجمته أيضاً رضي الله عنه وأرضاه، يقول: المخبت لا يبالي لو خرج كل قدر له من قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه، ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله، أي: من عمله الصالح، ولا يكره أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله السيئ، الناس لا يبالي بهم، لو خرج قدره من قلوبهم لا يتأثر، لا يعجبه أن يروا ما يقوم به من صالحات، لا يحزنه ولا يكره أن يرى الناس شيئاً مما هو عليه من الخطايا، وإن بعد ذلك سقطت منزلته من قلوبهم، وهذا من علامة الإخلاص، من علامات صدق الإنسان، وهكذا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، لو علم أن صلاح قلبه بأن يجلس على كناسة ومزبلة لذهب حتى يجلس عليها رضي الله عنه وأرضاه.

    إخوتي الكرام! مكافأة له على هذا، والجزاء من جنس العمل، حصل نعيماً عاجلاً، وله عند الله أحسن وأعلا، ثبت عنه كما في الحلية في الجزء السادس صفحة سبع عشرة وثلاثمائة، قال: ما بت ليلة إلا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، ما بعد هذه المفخرة مفخرة، وما بعد هذا الجزاء جزاء في هذه الحياة، لا يبيت ليلة إلا ويرى النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    كثرة رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم في منامه

    إخوتي الكرام! الجزاء من جنس العمل، لما تعلق قلبه بالنبي عليه الصلاة والسلام، يلدغه العقرب ست عشرة مرة ولا يقطع حديث النبي عليه الصلاة والسلام إجلالاً لنبينا عليه الصلاة والسلام، لا يدخل مسجد النبي عليه الصلاة والسلام وهو صغير ما في وجهه طاقة شعر إلا وهو معتم إجلالاً للنبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، لا يمس حديث النبي عليه الصلاة والسلام وكتب الحديث، ولا يحدث إلا على طهارة، هذا الذي تعلق بالنبي عليه الصلاة والسلام، هذا التعلق كافأه الله عليه بأنه ما نام إلا ويرى النبي عليه الصلاة والسلام على الدوام، ويقول: ما بت ليلة إلا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كما قلت في الحلية.

    وهو يشبه في ذلك خادم نبينا أبا حمزة أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، فقد ثبت في المسند بسند رجاله رجال الصحيح كما في المجمع في الجزء السابع صفحة اثنتين وثمانين ومائة، عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: (قلَّ ليلة تأتي إلا وأنا أرى فيها خليلي)، وأنس يقول ذلك وعيناه تذرفان، عيناه تدمعان رضي الله عنه وأرضاه، قل ليلة تأتي إلا وأنا أرى فيها خليلي، يعني النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    والأمر -إخوتي الكرام- في محله، يُعرض على الإنسان ما يحب ويهتم له، ما الذي تحبه؟ ما الذي تهتم له؟ يعرض عليك في نومك، وإذا فكر الإنسان في عمارة فإنه يراها في نومه، وإذا فكر في سفر يرى سفره في نومه، وإذا فكر في أي شيء في هذه الحياة يراه، فمن تعلق فكره برسول الله عليه الصلاة والسلام وبالله جل وعلا سيجتمع بهما إذا نام، وهذا الذي يحصل لأئمة الإسلام.

    كنت ذكرت سابقاً قصة وقعت مع بعض التلاميذ مع شيخه عندما قال التلميذ لشيخه: إنه يريد أن يرى النبي عليه الصلاة والسلام، ويعجبه ذلك ويرغب في هذا الأمر، وهو متشوق، وما حصل له هذا، فقال له الشيخ: لو صدق حبك لنبيك عليه الصلاة والسلام لرأيته، لا يحتاج هذا إلى هذه العزيمة والاستعداد الذي تقوله بلسانك، إذا كان حبه في القلب صادقاً فسوف تجتمع الروح مباشرة بالنبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قال: إني صادق في محبتي، فتركه الشيخ فترة ثم دعاه إلى طعام عشاء وأطعمه طعاماً ووضع فيه ملحاً زائداً ومنع عنه الماء، وقال: الماء بعيد يا ولدي! وليس حالهم كأحوالنا، يقول: البئر تحتاج إلى ذهاب وفي ظلام الليل، فاصبر هذه الليلة، الماء قليل، وإذا استيقظنا إن شاء الله ما تيسر من التهجد نذهب نستقي من الماء وتشرب، فنام وهو عطشان، وحتماً سيفكر في الماء، ليلته من أولها إلى آخرها مياه من جميع الجهات، من السماء تنزل، والأرض تفيض، وسيول، وهو يسبح ويشرب، والعلم عند الله جل وعلا! فالشيخ أيقظه عند الفجر وذهب معه إلى البئر واستقوا وشربوا وتوضئوا وعادوا بعد ذلك إلى المسجد، فقال له: ماذا رأيت في نومك يا ولدي؟ فقص عليه الرؤيا، المياه من جميع الجهات، قال: صدقت يا ولدي، صدق عطشك فرأيت الماء، ولو صدقت في محبتك لرأيت النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، لقد صدقت في طلب الماء فرأيته، فلو كان صدقنا في محبة نبينا عليه الصلاة والسلام كصدقنا في رغبتنا في الماء لرأينا النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، والأمر كذلك، فالذي يتعلق بالنبي عليه الصلاة والسلام هذا التعلق حتماً سيقول: ما بت ليلة إلا رأيت النبي عليه الصلاة والسلام، هذا حال أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين.

    طول صمته ومحاسبته لنفسه

    إخوتي الكرام! كان هذا الإمام الهمام أيضاً مع أدبه مع العلم وعبادته للمنعم، كان أيضاً شديد المحاسبة لنفسه، فظهرت أثر مراقبته لربه على وجهه ولسانه رضي الله عنه وأرضاه، كان كما تواتر ذلك في ترجمته في سائر الكتب التي ترجمته في ترتيب المدارك وفي السير وفي الانتقاء وفي غير ذلك: كان صامتاً لا يتكلم إلا إذا سُئل، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ليس عنده ثرثرة ولا كثرة كلام، ولا يتكلم إلا بمقدار الحاجة، إذا سُئل أجاب وإلا سكت.

    وهذا حقيقة علامة حسن الإيمان في الإنسان، صامت لا يتكلم إلا إذا سئل، ثم بعد ذلك كما أنه يجتنب فضول الكلام، يجتنب أيضاً سائر الفضول، فلا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولا يتحرك إلا إلى ما ينفعه في دنياه وفي آخرته رضي الله عنه وأرضاه، فقيل له في ذلك: لم لا تتكلم؟ فقال: وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم، ثم قال: بلغني عن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يخرج لسانه من فمه ويقول: هذا هذا.. قال: فدخل عليه رجل، وسيأتينا أن الداخل سيدنا عمر، والأثر صحيح والإمام مالك رواه في الموطأ، لكن على عادة أئمتنا عندما يريد أن يستدل على أمر من الأمور لا يخرج ولا يعزو، يقول: بلغني عن سيدنا أبي بكر كذا، مع أنه ساق هذا في الموطأ، وإسناده صحيح، أن سيدنا أبا بكر كان يخرج لسانه ويقول: هذا هذا.. فدخل عليه داخل وهو سيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين، قال: ماذا تفعل يا خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قال: هذا الذي أوردني الموارد، فأنا أسكت لأنه لا يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم، وأضبط لساني ولا أخرجه؛ لأن هذا هو الذي يورد الإنسان الموارد كما نُقل عن هذا الإمام المبارك الفاضل سيدنا أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    أما جملته الأولى: هل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم، فهي جملة نبوية مأثورة عن نبينا خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة، والحديث رواه الإمام النسائي لكن في السنن الكبرى، ورواه الحاكم في المستدرك، والإمام ابن أبي شيبة في المصنف، وأبو داود الطيالسي في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان والطبراني في معجمه الكبير، وإسناد الحديث صحيح من رواية سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، قال: (كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر فاقتربت منه، فقلت: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج)، وهي أركان الإسلام، هذا عظيم إذا قمت به تدخل الجنة، وينجيك الله من النار، ثم قال له نبينا المختار على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: (ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت: بلى يا رسول الله! على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا نبينا صلى الله عليه وسلم: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17]، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! عليه الصلاة والسلام، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله. ثم قال له: ألا خبرك بمِلاك)، (بمَلاك) بكسر الميم وفتحها، وهو الأمر الذي تملك به نفسك، وتحافظ به على دينك، وهو أصل الشيء والرقيب على كل شيء، (ألا أخبرك بمِلاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! عليه الصلاة والسلام، فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا، قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكِلتك أمك! وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم ألا حصائد ألسنتهم).

    إذاً: الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه لا يتكلم إلا إذا سئل، فيقال له: لمَ لا تتكلم كما يتكلم الناس؟ فيقول: هل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم!

    والأثر الوارد عن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه ثابت أيضاً، رواه الإمام مالك في الموطأ، والإمام أحمد في الزهد، ورواه الإمام أبو يعلى بسند صحيح كما في المجمع في الجزء العاشر صفحة اثنتين وثلاثمائة، ورواه الإمام ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت في صفحة تسع وثلاثين وصفحة اثنتين وأربعين: أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه كان يخرج لسانه ويقول: هذا هذا.. فدخل عليه سيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين فقال: ماذا تقول يا خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ من تخاطب؟ قال: لساني، هذا الذي أوردني الموارد: موارد الهلكة، وموارد الفساد، فلابد من ضبطه.

    احفظ لسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثعبان

    فالإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه كان كثير الصمت لا يتكلم إلا إذا سئل، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً رضي الله عنه وأرضاه، وإذا كان صامتاً ساكتاً فحقيقة سيبتعد بعد ذلك عن كل طياشة وسفاهة.

    حرص الإمام مالك على عدم الضحك إنما كان يبتسم فقط

    ثبت في ترجمته أنه ما ضحك إلا مرة رضي الله عنه وأرضاه فقط، إنما كان يبتسم، إذا أعجبه الشيء يبتسم، إلا مرة واحدة ضحك وأصحابه تضايقوا ممن أضحكه، وقالوا: هذا مشئوم علينا، منذ بضع وثلاثين سنة نصحب الإمام مالكاً ما ضحك إلا في هذا اليوم، أضحكه هذا الإنسان، فدخل الإمام مالك إلى بيته رضي الله عنه وأرضاه كما ستسمعون سبب حصول الضحك منه، وما عدا هذا كان يبتسم رضي الله عنه وأرضاه.

    كان يقول كما في ترتيب المدارك صفحة تسع وسبعين ومائة وتسع وثمانين ومائة من الجزء الأول: لا ينبغي للعالم ولا لطالب العلم أن يضحك إنما يتبسم، وكان الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه لا يضحك ويقول: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ضحكه التبسم، وقال: إذا ضحك الإنسان فالضحك يدعوه إلى السفه، ثم إلى قلة المروءة والبعد عن الحياء، فليضبط نفسه ويتبسم، لا حرج إذا أعجبه الشيء، أما أن يصل به الأمر إلى حد الضحك وإلى القهقهة فهذا مذموم، وإذا حصل لمامة دون أن يصل إلى درجة القهقهة فلا بأس.

    نبينا عليه الصلاة والسلام كان هذا خلقه، ثبت في مسند الإمام أحمد، والحديث في الكتب الستة إلا سنن النسائي، وهو في غير ذلك من دواوين الإسلام عن أمنا الصديقة المباركة سيدتنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً )، أي: قاصداً للضحك مريداً له، إنما هكان يبتسم عليه الصلاة والسلام، ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى لهواته )، جمع لهاة، وهي لحمة صغيرة في آخر الحنك الأعلى، ( إنما كان يبتسم عليه الصلاة والسلام، وكان إذا رأى الريح عُرف في وجهه الكراهة، فكان يقوم ويقعد ويقبل ويدبر، فإذا أمطرت سُرِّي عنه، فتقول أمنا عائشة: يا رسول الله! عليه صلوات الله وسلامه، الناس إذا رأوا الريح استبشروا رجاء أن يكون فيه الغيث، وأنت تقوم وتقعد، وتقبل وتدبر، وتدخل وتخرج، فقال: وما يؤمنني يا عائشة ، لقد رأى قوم الريح وعُذب قوم بالريح، فقالوا: هذا عارض ممطرنا، بل هو ما ستعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ).

    الشاهد إخوتي الكرام: قولها: (ما رأيت رسول الله عليه الصلاة والسلام مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى لهواته، إنما كان يبتسم)، وهذا تقوله من تصاحبه في سره وفي علنه، وتخالطه حتى في فراشه عليه صلوات الله وسلامه، تقول: ما رأيت النبي عليه الصلاة والسلام ضحك حتى بدت اللهاة وهي اللحمة التي في مؤخرة الحنك الأعلى، إنما كان يبتسم، إذا أعجبه شيء يبتسم عليه صلوات الله وسلامه.

    والإمام مالك ضحك مرة واحدة كما ذكر هذا أئمتنا في ترجمته رضي الله عنه وأرضاه، انظروا سبب ضحكه في ترتيب المدارك وغير ذلك في الجزء الأول صفحة ثمانين ومائة: جاءه بعض الناس وقال: عندنا أناس يجتمعون في مكان فيأكلون كثيراً، ثم يأخذون في إنشاد القصائد، يقولون القصائد في مدح النبي عليه الصلاة والسلام والثناء على ذي الجلال والإكرام، يأكلون كثيراً، ثم يأخذون في القصائد، ثم يقومون فيرقصون، عندنا أناس هذه صفتهم، فقال سيدنا مالك رضي الله عنه وأرضاه: أصبيان هم؟ هؤلاء أولاد؟ سفهاء ما عندهم عقول يعني تزجرهم عن هذا السفه والعبث؟ فقال: لا، قال: مجانين؟ يعني كبار لكن لا عقول عندهم؟ قال: لا، قال: أناس من العباد يدَّعون أنهم عباد وزهاد! قال: من هم؟ قال: هم الصوفية، يسمون بالصوفية، وهؤلاء من الصوفية البطالين، وما أكثرهم في كل حين، يأكلون وينشدون ويرقصون، فضحك الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه حتى سمع أصحابه ضحكه، ثم تركهم ودخل إلى بيته لما ضحك رضي الله عنه وأرضاه، فقال أصحابه للرجل: أنت مشئوم، صحبناه من بضع وثلاثين سنة وما ضحك، ومجلسه مجلس وقار كما تقدم معنا، وهنا حرمتنا من بركته لما ضحك، ورأى أنه جرى منه ما هو خلاف عادته، فجمع نفسه رضي الله عنه وأرضاه وذهب إلى بيته، فأنت الآن بهذا الأمر حرمتنا من المجالسة معه رضي الله عنه وأرضاه.

    وهذا الأمر إخوتي الكرام انتشر في الصوفية البطالين، من الزمن القديم وما أكثره في هذا الحين.

    تلا الكتاب فأطرقوا لا خيفة لكنه اطراق ساهٍ لاهي

    وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا والله ما رقصوا لأجل اللهِ

    دف ومزمار ونغمة شادنٍ فمتى رأيت عبادة لله

    وما يفعله الصوفية في هذه الأيام تستحي منه بهيمة الأنعام، من مزامير حرام، ومن طعام، ومن رقص في بيوت الرحمن، ويقولون: نذكر الله! يا عباد الله! من كان لاعباً -كما تقدم معنا من كلام سيدنا الإمام مالك - فلا يلعبن بدينه، تريد أن تغني اذهب إلى الغناء واذهب إلى السينما، وبعد ذلك أمرك إلى الله، أما بعد ذلك تأتي وتجعل بيت الله مرقصاً وأشنع من السينما!

    ألا قل لهم قول عبد نصوح وحق النصيحة أن تستمع

    متى علم الناس في ديننا بأن الغناء سنة تتبع

    وأن يأكل المرء أكل الحمار ويرقص بالجمع حتى يقع

    وقالوا سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع

    كذاك البهائم إن أسكرت يرقصها ريها والشبع

    ويسكره النأي وحب الغنا ويسكن لو تليت من صدع

    لابد -إخوتي الكرام- من وعي هذا، فهؤلاء البطالون وجد أيضاً منهم في القرن الثاني، أناس يأكلون كثيراً، ثم ينشدون ثم يرقصون، وكانوا في بلاد الشام يقولون: هذا الرقص من أجل هضم الطعام، يجلس أحدهم يأكل ويأكل حتى ما يستطيع أن يتنفس، ما يستطيع أن ينام، فيقولون: قم إلى الذكر من أجل هضم الطعام، ويفعلون من الحركات أكثر مما يفعل في الأندية الرياضية! فالإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه عندما عُرض عليه هذا سأل: أهؤلاء صبيان؟ قال: لا، قال: مجانين؟ قال: لا، قال: من هم؟ قال: صوفية يدعون أنهم يعبدون الله جل وعلا، فضحك الإمام مالك، يعني وصلت السفاهة بهم إلى هذا الحد، يدعون أنهم يعبدونه وهذا فعلهم، ثم قام وترك أصحابه رضي الله عنه وأرضاه.

    إخوتي الكرام! انظروا ما يتعلق برقص الصوفية الذي انتشر في هذه الأوقات في إغاثة اللهفان للإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في الجزء الأول صفحة خمس وعشرين ومائتين، فقد ذكر كلاماً طيباً محكماً ينبغي أن يعيه طالب العلم على وجه الخصوص فيما يتعلق بالبدع التي أحدثوها، والرقص الذي يفعلونه في بيوت الله جل وعلا.

    تواضعه وذله وانكساره لله تعالى

    إخوتي الكرام! إذاً كان خاشعاً مخبتاً ساكتاً صامتاً لا يتكلم إلا إذا سئل، وإذا ضحك يتبسم، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ومع ذلك يوصي نفسه وطلبة العلم بالانكسار لله والتذلل له، فكان يقول عليه رحمة الله كما في ترتيب المدارك صفحة خمس وثمانين ومائة: من أُعطي علماً وصار رأساً يشار إليه يقال: هذا فلان، فينبغي أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لربه، وينبغي أن يمقت نفسه. وفي رواية: ينبغي أن يمتهن نفسه، ولا يفرح بالرئاسة، إذا أعطي علماً، وصار رأساً، أعطي رئاسة يشار إليه، ليذل نفسه ويضع التراب على رأسه تواضعاً لربه، يمقت نفسه يمتهن نفسه، ولا يفرح بالرئاسة التي حصلت له.

    ومثل هذا الكلام نُقل عن عدد من أئمة الإسلام، أن العالم ينبغي أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لربه، نُقل هذا عن العبد الصالح أيوب السختياني الذي تقدم معنا حاله توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة رضي الله عنه وأرضاه، وأثره ثابت عنه في الفقيه والمتفقه في الجزء الثاني صفحة ثلاث عشرة ومائة، وفي كتاب جامع بيان العلم وفضله في الجزء الأول صفحة إحدى وأربعين ومائة، ورواه الإمام الآجري في كتاب أخلاق أهل القرآن في صفحة ثلاث وثلاثين ومائة، وانظروا الأثر في التبيان لشيخ الإسلام الإمام النووي عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه في صفحة اثنتين وثلاثين: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لربه سبحانه وتعالى.

    إخوتي الكرام! لتلك الصفات التي وجدت في هذا الإمام المبارك قال أئمتنا فيه كما قال تلميذه عبد الله بن وهب، وتقدم معنا أنه تأثر بالإمام مالك تأثراً خاصاً،كان يقول: لولا أن الله هداني بمالك لضللت، لولا مالك لما اهتديت، لولا مالك والليث لضل الناس رضي الله عنه وأرضاه، كان يقول: ما رأيت أورع من مالك رضي الله عنه وأرضاه.

    وقال صاحبه وتلميذه العبد الصالح محمد بن خالد بن عثمة، وهو من رجال السنن الأربعة، صدوق مبارك، انظروا ترجمته في تهذيب التهذيب في الجزء التاسع صفحة اثنتين وأربعين ومائة، يقول محمد بن خالد بن عثمة: إذا رأيت الإمام مالكاً -أيها الإنسان أيها السامع اعلم لحال الإمام مالك- إذا رأيت الإمام مالكاً رأيت أعلام الآخرة في وجهه، علامات الآخرة، دلالات الآخرة تراها في وجهه عندما ترى هذا الوجه المبارك المنور رضي الله عنه وأرضاه، وإذا تكلم الإمام مالك رأيت الحق يخرج من فيه، وأعلام الآخرة في وجهه رضي الله عنه وأرضاه.

    وقال شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك ، وهو من تلاميذ الإمام مالك أيضاً، توفي بعده بسنتين، سنة إحدى وثمانين ومائة رضي الله عنهم وأرضاهم، كان يقول: كان الإمام مالك من الخاشعين، وإنما رفعه الله بسريرة بينه وبين ربه، عندما أخلص قلبه لله رفعه الله، وجعل له ذكراً في العالمين، وقال صاحبه عبد الرحمن بن مهدي رضي الله عنهم أجمعين: ما رأيت أحداً الله أجل وأهيب في قلبه منه في قلبه، ما رأيت أحداً يجل الله ويهابه كما يحصل من الإمام مالك من إجلال الله والهيبة منه، هذا -إخوتي الكرام- كلام أئمتنا فيه.