إسلام ويب

مقدمة في الفقه - أدب الإمام مالك في فقههللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد روي عن الإمام مالك رحمه الله كلام عظيم، يدل على سداد رأيه، وحسن أدبه ونظره في الفقه والعلم، وهكذا حال العلماء الأخيار الذين يقدرون العلم حق قدره فيحرصون على أن ينقلوا ما علموه لمن بعدهم ليكون لهم مناراً يسيرون عليه، ويهتدون بهديه.

    1.   

    تتمة ثناء الأئمة على الإمام مالك

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحَزْن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    إخوتي الكرام! شرعنا في مدارسة ترجمة موجزة لإمام ثانٍ من أئمتنا الفقهاء الأربعة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وهو سيدنا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، وتقدم معنا أننا سنتدارس ترجمته أيضاً ضمن أربعة أمور: فما يتعلق بنسبه وطلبه قد مر الكلام عليه، وما يتعلق بمنزلته وثناء أئمتنا عليه كنا نتدارسه، ووصلنا إلى آخر جزئية في هذا الموضوع أكملها في هذه الموعظة، ثم نتدارس بعدها الأمر الثالث في فقهه وطريقته في التفقه في الدين، والأمر الرابع في عبادته لرب العالمين.

    إخوتي الكرام! أما فيما يتعلق بمنزلة هذا الإمام المبارك فتقدم معنا أنه نجم العلماء، وإذا ذُكر العلماء فمالك النجم الثاقب رضي الله عنه وأرضاه، وهو في الحقيقة أعلى من أن يُذكر لبيان عدالته، فهو الذي يعدل ويوثق رضي الله عنه وأرضاه، وقد جعل الله له لسان صدق في هذه الأمة، ولذلك أشار أئمتنا إلى مرتبته ضمن مبحث العدالة في كتب المصطلح فقالوا:

    وصححوا استغناء الشهرة عن تزكية كمالك نجم السنن

    وهذه بعض أبيات في الألفية لشيخ الإسلام الإمام عبد الرحيم الأثري العراقي رحمة الله ورضوانه عليه.

    فأول طريق لإثبات العدالة: الشهرة بالخير والصلاح، واستفاضة ذلك على ألسنة الصالحين الطيبين، فمكانة الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه كمكانة النجوم في السماء يستضيء بها الناس في ظلام الليل، ولولا مالك وسفيان لذهب علم الرجال، وكما قلت مراراً: نتدارس تراجم أئمتنا لنشحذ عزائمنا، ولنتقرب إلى ربنا، ولتنزل الرحمات علينا، لا لنثبت عدالة الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين.

    ثناء عبد الله بن وهب على الإمام مالك

    آخر شيء إخوتي الكرام! كما قلت في المبحث الثاني عندنا ما يتعلق بمنزلته وثناء العلماء عليه، قول سيدنا عبد الله بن وهب رضي الله عنه وأرضاه، وقلت: هو من تلاميذه، ومن أقرانه، وهذا كلام من عاصروه، وتتلمذوا عليه، وعاشوا معه رضوان الله عليهم أجمعين، والإمام أبو محمد عبد الله بن وهب المصري إمام مصر، ومفتي بلاد مصر، وما نعت الإمام مالك أحداً بهذا الوصف إلا هذا العبد الصالح، وكان يكتب له: إلى مفتي بلاد مصر أبي محمد عبد الله بن وهب رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه في الكتب الستة، توفي سنة سبع وتسعين ومائة من هجرة نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وكما قلت: كلهم عاصروه الإمام الشافعي، وقرينه سفيان بن عيينة، والأئمة الذين أثنوا عليه،كلهم ممن عاصره، وعاش معه، ونقل عنه، وجلس في مجلسه رضوان الله عليهم أجمعين، هذا عبد الله بن وهب ثقة عابد فقيه زاهد، انظروا ترجمته الطيبة في السير في الجزء التاسع صفحة ثلاث وعشرين ومائتين، نعته بقوله: هو الإمام شيخ الإسلام، كان من أوعية العلم، وكنوز العمل، وهو حجة مطلقة، وحديثه كثير في الصحاح وفى دواوين الإسلام.

    وكان يقسم عمره إلى ثلاثة أقسام: قسم للرباط والغزو في سبيل الرحمن، وقسم لنشر العلم وتعليم عباد الله، والقسم الثالث للحج والاعتمار، وقد حج ستاً وثلاثين حجة رحمة الله ورضوانه عليه.

    وسبب موته رقة قلبه، قُرئ عليه كتاب الأهوال فيما يتعلق بيوم الآخرة ولقاء ذي العزة والجلال فغُشي عليه، وما ملك نفسه، ثم لما استيقظ بقي أياماً عليلاً، ثم لحق بربه إلى رحمة الله ورضوانه، رضي الله عنه وأرضاه، هذا الإمام الذي هذا نعته، وهذا حاله، شيخ الإسلام، وحديثه في الصحاح ودواوين الإسلام، يقول: لولا مالك لضللت. وكان يقول: هداني الله بـمالك، ولولا أربعة لضل الناس -هذا من جملة كلامه - عمرو بن الحارث والليث بن سعد في بلاد مصر، والإمام مالك وابن الماجشون في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، وكان لا يفتي في المدينة إلا هذان، الإمام مالك والإمام ابن الماجشون كما سيأتينا الإشارة إلى حاله رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا بأمر من السلطان في ذلك الزمان، أيام الخلافة الإسلامية العباسية، لا يفتي إلا الإمام مالك وابن الماجشون في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! هذا الكلام سديد محكم رشيد منقول عن هذا العبد الصالح المبارك، انظروه في المدارك في طبقات أصحاب سيدنا الإمام مالك ، في الجزء الأول صفحة إحدى وأربعين ومائة، ونقله عنه الإمام الخطيب في تاريخ بغداد في الجزء الثالث صفحة سبع، والإمام الذهبي كرره في عدد من الصفحات والمجلدات في سير أعلام النبلاء، ففي الجزء الثامن مثلاً أورده في صفحة خمس وسبعين، وصفحة إحدى عشرة ومائة، وصفحة ثمان وأربعين ومائة، وفى الجزء السادس أورده في صفحة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وعندما ينقل هذا الكلام يقره، إلا في المكان الأخير، فكأن الإمام الذهبي رضي الله عنه وأرضاه خشي أن يفهم الناس من هذا الكلام محذوراً، فعلَّق عليه بما هو مقبول كما أن ذلك الكلام مقبول، قال: لولا مالك ما اهتدينا، لولا هؤلاء الأربعة ما اهتدى الناس، لولا هؤلاء لضل الناس، قال: قلت: والله لولا الله ما اهتدينا ولا حرج ولا إشكال!

    توجيه قول عبد الله بن وهب: هداني الله بمالك ولولا مالك لضللت

    إخوتي الكرام! تقدم معنا في مبحث الهداية ضمن تفسير سورة الفاتحة عند قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] أن الهداية نوعان: هداية دلالة وبيان، وهداية توفيق وامتنان.

    وهداية الدلالة والبيان نوعان: هداية غريزية موجودة في كل مخلوق لأجل أن يقوم بما خُلق له، كما قال تعالى: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50]، للإنسان ولغيره من الحيوان، وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل:68] إلى آخر الآيات الكريمات، فهذه هداية، والهداية الثانية: هداية تعريف وبيان، وهي تكون بإرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ ليكون الناس على المحجة البيضاء.

    وهداية التوفيق والامتنان أيضاً نوعان: إلهام الله العبد ليختار الإيمان، وطاعة الرحمن، ليقوِّي بواعث الخير فيه، فهو يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم سبحانه وتعالى.

    والهداية الثانية: أن يهدينا ربنا جل وعلا يوم القيامة إلى منازلنا في جنات النعيم بفضله العميم الكريم سبحانه وتعالى، يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:6]، هذه هداية، وهذه هداية.

    فالهداية الأولى يملكها المخلوق، وهي في وسعه، كما قال ربنا لنبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ [الشورى:52-53].

    والهداية الثانية لا يملكها إلا من بيده مقاليد الأمور، وهو العزيز الغفور: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56]، سبحانه وتعالى.

    إذاً: قول الإمام عبد الله بن وهب: لولا مالك ما اهتديت. معناه: لولا هو ما وُفقت إلى الصواب، وما عرفت الهدى من الردى، وأشكل عليَّ الأمر، يوضح لنا هذا كلامه: قيل له: كيف؟ يعني: كيف اهتديت بـمالك؟

    قال: أكثرت من الحديث فحيرني، ما عِت أميز المجمل من المبيِّن، والمحكم من المتشابه، والناسخ من المنسوخ، والمتروك الذي لا يعمل بظاهره، أكثرت من الحديث فحيرني، فعرضت الأمر على الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه فقال: دع هذا، واترك هذا، واعمل بهذا، وبيَّن له ما الذي يُعمل به، وما الذي لا يُعمل به، مما رُوي ونُقل عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ولذلك كان هذا العبد الصالح يقول كما في المدارك في الجزء الأول صفحة ست وتسعين: الحديث مَضِلَّة إلا للفقهاء.

    إخوتي الكرام! إذا لم يكن الإنسان فقيهاً، وما صحَّفَ لفظ الحديث، وقرأه قراءة سوية سديدة، فسيصحف في المعنى، ويتلاعب به، ولا يضعه في موضعه، أما إذا صحَّفَ اللفظ، وترتب على تصحيف اللفظ تصحيف في المعنى، فهذه بلية البلايا، ورزية الرزايا، كما هو حالنا وحال أمثالنا نسأل الله العافية. إذاً: الحديث مَضِلَّة إلا للفقهاء.

    وكان يقول كما في كتاب الجامع للإمام ابن أبي زيد القيرواني: كل محدث ليس له إمام في الفقه فهو ضال. لأنه لم يضع حديث نبينا عليه الصلاة والسلام موضعه، ويتسور عليه بعد ذلك برأيه وفهمه، فيَضل ويُضل، ولذلك كان يقول: لولا مالك ما اهتديت، أكثرت من قراءة الحديث فحيرني، وبعض الأحاديث فيها شيء من التعارض في الظاهر، وأشرف مباحث علوم الحديث كما قال أئمتنا: علم مختلِف الحديث، كيف تجمع بين هذه الأحاديث وتعمل بها، وتوجه كلاً في وِجهة سديدة بحيث لا يتعارض كلام نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه؟

    إذاً: الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه جمع الإمامة في الفقه والحديث، هذا عدا عن الإمامة في الديانة والعبادة لله سبحانه وتعالى، فهو إمام عالم قانت فقيه محدث، جمع الله فيه خصال الخير كحال سيدنا أبي حنيفة، وكحال من بعده من الأئمة الشافعي وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين.

    وقد تقدم معنا كلام سيدنا سفيان بن عيينة أنه بعد مالك ستَخرُب المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، أي: هذا النور والضياء سيفقد منها، كما أنه فُقد أيضاً منها بموت نبينا عليه الصلاة والسلام، وأظلم فيها كل شيء كما ثبت هذا عن سيدنا أنس رضي الله عنه وأرضاه في المسند وغيره، وهنا كذلك هذا الإمام الذي هو وراث النبي عليه الصلاة والسلام، وضُربت إليه أكباد الإبل من كل مكان، إذا مات فإن المدينة ستقع فيها ظلمة، ولا يراد من الظلمة الظلام الحسي كما يفهم أو يتبادر لأذهان بعض الأغبياء، لا يراد هذا إخوتي الكرام! إنما هذا العلم، وهذا النور، وهذه البهجة، وهذا الجد والحركة العلمية، هذه كلها ستذهب بموت هذا الإمام، وواقع الأمر كذلك

    هذا إخوتي الكرام هو معنى الأثر الذي نُقل عن هذا الإمام المبارك رضي الله عنه وأرضاه.

    ننتقل إلى الأمر الثالث فيما يتعلق بفقه سيدنا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، وكلامه في العلم عليه رحمة الله ورضوانه.

    1.   

    الرؤى التي رئيت للإمام مالك تبشره بحمله للعلم ونشره بين الناس

    إخوتي الكرام! كما رُئيت رُؤىً مبشرة لسيدنا أبي حنيفة، وأنه ينبش قبر النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وأُوِّل هذا بأنه ينشر علم النبي، ويكون فقيه هذه الأمة، ويفقه حديث نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، هكذا رئيت رؤى متعددة لسائر الفقهاء الأربعة، فيما يتعلق بترجمة الإمام مالك أذكر بعضها، مع أن القاضي عياضاً عليه رحمة الله في ترتيب المدارك عقد باباً خاصاً في الرؤى التي رُئيت للإمام مالك تبشره بمكانته ومنزلته في هذه الحياة وبعد الممات عند رب الأرض والسموات، انظروها إخوتي الكرام في الانتقاء للإمام ابن عبد البر صفحة تسع وثلاثين، وفى المدارك في صفحة أربعين ومائتين من الجزء الأول.

    ومن هذه الرؤى: أنه جاء رجل لسيدنا الإمام مالك وقال: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام في مكانك الذي تجلس فيه، فقال: ائتوني بالإمام مالك، فجئت ترتعد فرائصك هيبة وإجلالاً للنبي عليه الصلاة والسلام ومنه عليه صلوات الله وسلامه، فقال لك: لا تخف أبا عبد الله، وكناك في الرؤيا، قال: فجلست، فقال: افتح حجرك، ففتحت حجرك فألقى فيه مسكاً يفوح، وقال: انشر هذا بين الناس. فبكى سيدنا مالك رضي الله عنه وأرضاه، وقال: إن صدقت رؤياك فهذا هو العلم الذي منَّ الله عليَّ به، ثم قال: الرؤيا تسر ولا تغر.

    الإنسان يسر بها، لكن لا ينبغي أن يغتر بها، وينبغي أن يكون على خوف ووجل، فهذا سرور، وهذه عاجل بشرى المؤمن، الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له.

    رؤيا ثانية حصلت له أيضاً: جاءه رجل وقال: يا أبا عبد الله! رأيت النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، والناس حوله يقولون له: أعطنا يا رسول الله، مُنَّ علينا يا رسول الله عليه الصلاة والسلام، يطلبون منه، فقال لهم: إني قد وضعت كنزاً تحت المنبر. وفى رواية: وضعت كنزاً في قبري سيقسمه عليكم الإمام مالك، فخذوا منه الأعطيات، الذي سيوزع عليكم ميراث النبوة هو الإمام المبارك أبو عبد الله مالك بن أنس رضي الله عنه وأرضاه. فلما عُرضت عليه هذه الرؤية بكى بعد أن اعتراه الخوف والوجل، ورق حاله، وبدأ يبكي، فتركه صاحب الرؤيا ولا زال الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه على بكائه.

    هذه من الرؤى المبشرة لهذا الإمام المبارك رضي الله عنه وأرضاه، وحقيقة هو أهل لذلك، وهو إمام دار الهجرة النبوية على منورها صلوات الله وسلامه بلا نزاع.

    1.   

    سبب أخذ الإمام مالك بعمل أهل المدينة

    من كلامه المحكم إخوتي الكرام! الذي يدل على أدبه وسداد رأيه، وحسن نظره، وصواب قوله في فقهه وعلمه، سأذكر شيئاً من الكلام، ثم ألخص طريقته الفقهية كما تقدم معنا في طريقة سيدنا أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه وأرضاه، وهى طريقة الأئمة الأربعة أئمة الإسلام، لكن الإمام مالك امتاز في طريقته الفقهية بأمر لابد من التنويه به وذكره، وما موقف أئمتنا نحوه فيما وثقوه فيه وعارضوه في هذا الأمر في طريقة التفقه في دين رب العالمين كما سيأتينا، أذكر بعض أقواله السديدة بين يدي هذا المبحث، ولا أريد في هذا المبحث أن أبحث إلا فيما اختص به الإمام مالك في أمر التفقه في الدين، أما ما عدا هذا فإنه يعول على كتاب الله جل وعلا، وعلى حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعلى الإجماع الصحيح الثابت، وعلى القياس السوي السديد، وهذا -كما ذكرت- متفق عليه بين أئمتنا الأربعة، لكن الإمام مالكاً رضي الله عنه وأرضاه له عند الإجماع إجماع خاص أيضاً مع الإجماع العام، وهو إجماع أهل المدينة المنورة، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فهذا من مصادر الأدلة عنده، بل يقدم هذا على أحاديث الآحاد كما سيأتينا.

    وإذا تعارضت الأحاديث وشهد عمل أهل المدينة لأحد الحديثين، يقدم عمل أهل المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، يقدم الحديث الذي شهد له عمل أهل المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، هذا الأمر هو ما امتاز به الإمام مالك في الطريقة الفقهية، وحقيقة قد أدرك نوراً في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، الأئمة الآخرون ما أدركوا هذا النور الذي في هذه البقعة المباركة الطيبة الطاهرة، فالإمام الشافعي تقدم معنا أنه يمني مكي مصري رضي الله عنه وأرضاه، وأبو حنيفة كوفي، والإمام أحمد عراقي رضي الله عنه وأرضاه، أما هذا الإمام فله شأن، وتقدم معنا أن المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه لها ميزة على سائر البقاع حتى على مكة المكرمة، وتقدم معنا أنه عندما يُذكر أئمتنا يُبدأ بالعلماء الذين هم من المدينة النبوية؛ إجلالاً لنبينا خير البرية على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وذكرنا أن هذا من جملة الاعتبارات التي لأجلها بدأ الإمام ابن عبد البر بالإمام مالك في ترجمته، وهكذا أئمتنا عند تراجم القراء بدءوا بالإمام نافع إمام دار الهجرة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فلها شأن خاص، قيل للإمام مالك -كما في ترتيب المدارك في الجزء الأول صفحة ستين، وهذا الذي سُئل عنه الإمام مالك وأجاب به يجده كل أحد، وسلوا كل حاج يجد هذا التفريق-، قيل للإمام مالك: لمَ صار لأهل المدينة لين القلوب، ولأهل مكة غِلظ القلوب؟ أهل مكة عندهم قسوة وشدة في المعاملة وإلى هذا الوقت، وأهل المدينة عندهم ليونة عجيبة، حتى في بيعهم وشرائهم، فعندما يأتي إليهم إنسان ويشتري منهم شيئاً ويكون الميزان قد رجح، فيأخذ بعد ذلك تفاحة ربع كيلو ويضعها، أو موزة ويضعها لك، مع أن الوزنة في الأصل راجحة، اللهم بارك لهم من حيث لا يحتسبون، مع الليونة التي عندهم، وأما في مكة أحياناً لو أردت أن تتكلم مع البائع كلمة ثانية صاح بك أو ضربك.

    فقيل للإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه: لمَ أهل المدينة فيهم لين القلوب، وأهل مكة فيهم غلظ القلوب وقسوة؟

    قال: لأن أهل مكة أخرجوا النبي.. على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فهذا الأثر وهو القسوة بقي بعد ذلك في هذا المكان، وأهل المدينة آووا النبي عليه الصلاة والسلام ونصروه، فجعل الله في قلوبهم الرقة والرحمة والليونة والعطف والحنان.

    فالإمام مالك عاش في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، وهو يروي عن التابعين الذين أدركوا الصحابة الطيبين، وهو من أتباع التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، فعصر النور أدركه، وما بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام إلا تابعي وصحابي، إذاً عمل النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه لا زال موجوداً في المدينة، فبقية الأمصار التي فُتحت ذهب إليها الصحابة، فدخلتها الرواية مع شيء من الاجتهاد والاستنباط، وعادات الناس التي هناك، أما هنا فقد أُسست على النور عند مجيء نبينا المبرور على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وهذا النور تزيد نسبته على النور الذي في أي مكان، وهذا لا شك فيه إخوتي الكرام!

    فالإمام مالك هذا الذي رآه جعل لهذه المدينة ميزة على ما عداها، فقال: عمل أهلها عندي حجة، لكن هذا العمل لابد إخوتي الكرام من وعيه، فهو في العصور المفضلة، وأما بعد ذلك فكما سيأتينا بالإجماع لا يستدل بعمل أهل المدينة فضلاً عن أن يكون حجة، هذا في العصور المفضلة التي هي عصور الصحابة والتابعين وتابعيهم رضوان الله عليهم أجمعين، وهذا سيأتينا ضمن خطوات البحث في إجماع أهل المدينة، وما الذي وُوفق عليه الإمام مالك من قِبل الأئمة الآخرين، وما انفرد به المالكية في هذا الأمر الكريم العظيم بعون رب العالمين.

    1.   

    ذكر شيء من كلام الإمام مالك الدال على أدبه وفقهه

    أعود إلى ذكر شيء من أقواله التي تدل على أدبه، وسداد رأيه، وحسن نظره، وصواب قوله رضي الله عنه وأرضاه.

    قوله: (ما أفتيت حتى شهد لي سبعون من أهل العلم أني أهل للفتيا)

    قال كما في كتاب الحلية في الجزء السادس صفحة ست عشرة وثلاثمائة، والأثر انظروه في ترتيب المدارك في الجزء الأول صفحة ست وعشرين ومائة، وهو في السير في ترجمة الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه في صفحة مائتين وست وتسعين من الجزء الثامن، ورواه عنه الخطيب في الفقيه والمتفقه في الجزء الثاني صفحة أربع وخمسين ومائة، والبيهقي في المدخل إلى السنن صفحة أربعين وأربعمائة، وغير ذلك من الكتب، يقول هذا العبد الصالح الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون من أهل العلم بأني أهل للفتيا. ومتى أفتى؟ تقدم معنا أنه جلس للفتيا، وتصدر للتدريس ونشر العلم وعمره عشرون سنة، يقول: ما أفتيت، ولا تكلمت في العلم، ولا حدَّثت، حتى شهد لي سبعون من أهل العلم بأنني أهل للفُتيا، وسبعون سيشهدون في ذلك العصر المبارك الميمون، كـمحمد بن شهاب الزهري وكـربيعة الرأي وكـيحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وشهادة واحد من هؤلاء كافية.

    وكان يقول أيضاً ضمن هذا الأمر، وهو أنه ما تكلم إلا بعد أن تأهل حسب إخبار الثقات، قال: ما تكلمت ولا أفتيت ولا حدثت حتى سألت من هو أعلم مني: هل تراني أهلاً لذلك؟ فقالوا: نعم أنت أهل، حدِّث، وكان يقول: سألت شيخي ربيعة ويحيى بن سعيد: هل أنا أهل للتحديث؟ فقالا: حدِّث، فقال له تلاميذه رضي الله عنه أجمعين: فلو نهوك ماذا كنت تعمل؟ لو قالوا لك: لا تحدث ولا تفتِ ولا تتصدر للتدريس في هذا الوقت، ماذا كنت تعمل؟ قال: كنت انتهيت.

    تظنون أن المسألة لعب! لا ثم لا، هذه ديانة، لا أجوز أن أتكلم إلا إذا شهد لي الثقات أنني أهل للتكلم، ولو نهوني كنت انتهيت، وهذا -إخوتي الكرام- لابد من أن نعيه في هذه الأيام، يأتي الواحد منا يتعلم كلمتين ولا يتقن قراءة حديث واحد، ثم يتصدر للإرشاد والفُتيا والدعوة والوعظ والتبليغ، إخوتي الكرام! لابد من أن نعي أمرنا، وأن نقف عند حدودنا، شهد له سبعون من أهل العلم وأئمة الإسلام أنه أهل للفتيا، ونشر العلم، والتحديث؛ لأنه إذا وُجد المتطفلون سيعكرون ويغبرون بعد ذلك على من هو أهل للتحديث وللتعليم، سيشتغل الناس ببنيات الطريق كما هو حال الأمة في هذه الأيام.

    وتقدم معنا كلام عدد من أئمة الإسلام، منهم الإمام العابد الثقة الزاهد أحمد بن أبي الحواري، ريحانة الشام، كان يقول: إذا حدثت في بلد فيها هشام بن عمار ينبغي للحيتي أن تحلق!

    فالإمام مالك في زمنه أئمة الإٍسلام، هل سيحدث؟ قالوا: يا أبا عبد الله ! أنت تأهلت، عمرك عشرون سنة، لكن أنت إمام عظيم، حدِّث وقل، وبعد ذلك جاءه ناس من أقطار الدنيا وهو شاب طرير ينشر علم النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قال: لو نهوني لانتهيت، لا خير فيمن يرى لنفسه ما لا يراه الناس له، يعني يرى لنفسه مقاماً ومكانة والناس لا يرونه في هذه الدرجة.

    هذا مما يدل على سداد رأيه ورجاحة عقله في أمر العلم، وأنه إذا تعلم لا ينشر شيئاً إلا بعد أن يتمكن، وحتى يشهد له أهل العلم الثقات بأنه تأهل لنشر العلم على المخلوقات.

    قوله: (العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)

    ومن كلامه المحكم في العلم وسداد نظره ورأيه، أنه كان يقول: العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. العلم دين، ولا يُؤخذ إلا عن صاحب الدين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. وهذا الأثر -إخوتي الكرام- نقله عنه الإمام ابن عبد البر في الانتقاء في صفحة ست عشرة، وهو في ترتيب المدارك في الجزء الأول صفحة ثلاث وعشرين، وانظروه في المحدث الفاصل للإمام الرامهرمزي صفحة ست عشرة وأربعمائة، العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.

    وهذا الكلام أُثر عن عدد من أئمتنا الكرام الطيبين، فقد أُثر عن سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، وأثر عن تلميذه محمد بن سيرين رضوان الله عليهم أجمعين، وعن الإمام الضحاك ومجاهد بن سعيد رضي الله عنهم أجمعين، كلهم قالوا: العلم دين، ولا يُؤخذ إلا عن صاحب الدين، انظروا عمن تأخذون دينكم. انظروا هذا الكلام في المحدث الفاصل وفى الكفاية للخطيب البغدادي في صفحة إحدى وعشرين ومائة فما بعدها، فقد أورد آثاراً كثيرة عن السلف فيها تقرير هذا الأمر، وأنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ علمه عن مبتدع زائغ ضال فاسق، فسيُرى فيه أخلاق شيخه من حيث شعر أو لم يشعر.

    وتقدم معنا أن سيدنا الإمام مالكاً رضي الله عنه وأرضاه ما رُؤي مثله أشد انتقاداً وانتقاء للرجال، وشهد له بذلك قرينه سفيان بن عيينة رضي الله عنهم وأرضاهم، وكان لا يأخذ العلم إلا ممن اكتملت فيه أهلية نشر العلم، وإذا لم يكن فيه بدعة، ولم يكن فيه فسق، فإذا لم يكن مبتدعاً ولا فاسقاً، وليس بأهل لنشر العلم، لا يكفي لأخذ العلم عنه، فلابد من أن يرى عليه نور العلم، بهجة العلم، العمل بالعلم، الوعي، الحفظ، الفهم، البصيرة، ألا يُخدع.

    وتقدم معنا قوله: أنه رأى سبعين ممن يقول: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام عند أساطين المسجد، فما روى عن أحد منهم، وقال: لا أتهمهم، لكن لا أراهم أهلاً لهذا الشأن.. العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.

    قوله: (العلم ينقص ولا يزيد...)

    ومن كلامه المحكم رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يقول: العلم ينقص ولا يزيد. ولذلك كما قيل: بعد موته ستخرب المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه؛ لأن العلم ينقص ولا يزيد، ولم يزل العلم ينقص بعد الأنبياء والكتب على نبينا وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    انظروا هذا القول في ترتيب المدارك، وغير ذلك من الكتب التي ترجمت لسيدنا الإمام مالك، ولذلك أُثر عن العبد الصالح مسروق كما في العزلة للإمام الخطابي صفحة إحدى وثمانين، قال: ذهب العلم وبقيت بقية في أوعية سوء. نسأل الله العافية والسلامة من سخطه، بقيت بقية وقليل من العلم في أوعية سوء.

    يصدق هذا أن كل يوم شر مما قبله، كما ثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي من رواية الزبير بن عدي رضي الله عنه وأرضاه، وهو من التابعين الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، إمام ثقة حديثه في الكتب الستة، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة، قال: أتينا أنس بن مالك رضي الله عنه نشكو إليه ظلم الحجاج، وما يعاني منه العباد، فقال: اصبروا، سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوني)، حتى تلقوا نبيكم عليه الصلاة والسلام على الحوض في عرصات الموقف، ما من زمان إلا والذي بعده شر منه.

    فالعلم ينقص، ولم يزل العلم ينقص بعد الأنبياء والكتب، وهذه المقولة ينبغي أن نعيها لنعلم سفاهة السفهاء في هذه الأيام، الذين يقولون: إن العلم في ازدياد، ومخطوطات تحقق، وعلوم تنشر، يا عبد الله! ماذا تحقق؟! ستحقق ما كتبه سلفنا، وتحقق بعض ما كتبه سلفنا، وأكثر ما كتبه سلفنا لا زال في عالم الظلمات مخبأ، فإذا نشرت شيئاً من علمهم فهل صار العلم عندنا أكثر من علم سلفنا! سبحان ربي العظيم! ما هذا القياس الفاسد الذميم؟! ننشر شيئاً من علم سلفنا، ونحقق بعض تراثهم، ثم نقول: العلم تطور، وعندنا الآن من العلم ما ليس عند سلفنا، وسائل العلم الآن متيسرة لدينا! يا عبد الله! اتق الله في نفسك، ثم ذاك العلم الذي كتبوا بعضه في الأصل هو محفوظ في صدورهم، بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت:49]، فلابد من أن نعي قدرنا، ونعرف حدنا، لكن هذا هو من لم يعرف قدر نفسه في هذه الأيام التي نعيش فيها، عندنا لُعاعة من العلم، لعاعة نفتخر بها ونتطاول بها على أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين.

    العلم ينقص، ولم يزل العلم في نقص بعد الأنبياء والكتب، منذ أن نزلت الكتب، وأُرسل الرسل على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه، العلم ينقص بعد ذلك، البركة تقل، ويخفى عليهم أسرار هذه النصوص، ويجهلون ويجهلون، فالعلم لم يزل في نقص، هذا من كلام هذا الإمام المبارك رضي الله عنه وأرضاه.

    قوله: (جُنة العالم لا أدري ...)

    ومن أقواله السديدة في علمه وفقهه، وينبغي أن يحافظ عليها طالب العلم، وأن تكون نصب عينيه دائماً، كان يقول: جُنة العالم -وقايته من غضب الله ونار الله ولعنة الله- جنة العالم لا أدري، وإذا أخطأ العالم (لا أدري) أصيبت مَقاتله. جنة العالم أن يقول: لا أدري، فيا عبد الله! إذا علمت وتحققت فتكلم وإلا فاسكت، تكلم بعلم أو اسكت بحلم، وإياك من الجهل والظلم، وإذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مَقاتله، إذا أغفلها أصيبت مقاتله.

    قال تلميذه عبد الله بن وهب رضي الله عنه وأرضاه: لو استطعت أن أملأ مجلداتي من قول الإمام مالك: لا أدري في المسائل التي سُئل عنها وقال: لا أدري لملأت، سئل عن مسألة كذا جوابها لا أدري، مسألة كذا لا أدري، مسألة كذا لا أدري، يقول: لو شئت أن أجمع ما أجاب عنه بلا أدري من مسائل العلم لأخذ مجلدات، لكتبت ألواحاً كثيرة في ذلك، وهو إمام دار الهجرة النبوية على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، يشهد له سبعون من أئمة التابعين الكبار بأن يحدث، وهو أهل لنشر العلم، ومع ذلك لو أُحصيت المسائل التي قال فيها: لا أدري، لأخذت مجلدات رضي الله عنه وأرضاه.

    هذا الكلام المحكم انظروه -إخوتي الكرام- في جامع بيان العلم وفضله في الجزء الثاني صفحة أربع وخمسين، وبوَّب عليه: ما يلزم العالم إذا سئل عما لا يعلم من وجوه العلم، وانظروه في الفقيه والمتفقه في الجزء الثاني صفحة أربع وسبعين ومائة، وبوب عليه: باب الإحجام عن الجواب إذا خفي عن المسئول وجه الصواب، إذا خفي عليك وجه الصواب فلا تتكلم، أحجم واسكت، وانظروا هذا الأثر في الانتقاء صفحة سبع وثلاثين، وهو في المدارك وغير ذلك.

    وكان يقول: ينبغي أن يُورِّث العالم جلساءه لا أدري، إذا سُئل يقول: لا أدري، فيما لا يدري.

    قال الإمام ابن عبد البر في الانتقاء بعد هذا الأثر: صحَّ عن سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: لا أدري نصف العلم. وهذا القول مأثور عن الشعبي أيضاً كما في الفقيه والمتفقه، قال: لا أدري نصف العلم. وسأل رجل مرة الشعبي رضي الله عنه، وهو أحفظ أهل زمانه، وما كتب سوداء في بيضاء رضي الله عنه وأرضاه، يعول على ذاكرته وحفظه، سأله سائل فقال: لا أدري، قال: أما تستحي وأنت إمام العراقين؟ إمام البصرة والكوفة وتقول: لا أدري! قال: إن الملائكة ما استحيت عندما قالوا: لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة:32]، وأستحي أنا؟!

    وسأل رجل أيوب السختياني عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، فقال: لا أدري، قال: فمن يدري؟ قال: ولا أدري من يدري، الذي عنده جواب سؤالك أيضاً لا أدري من هو.

    إخوتي الكرام! آثار كثيرة في هذه الكتب والمصادر فيها هذا الأمر ينبغي الرجوع إليها، مما وقع لسيدنا مالك رضي الله عنه وأرضاه: أنه جاءه رجل من بلاد العراق، شد رحله وضرب أكباد الإبل إلى المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، ومعه أسئلة أرسل بها قومه، ثمانية وأربعون سؤالاً، عرضها على سيدنا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، فقال في اثنين وثلاثين منها: لا أدري، ماذا بقي؟ ستة عشر سؤالاً فقط أجاب عنها، يا إمام! ماذا أقول للناس إذا رجعت إليهم؟ قال: قل لهم: قال مالك: لا أدري.

    وجاءه رجل من بلاد الأندلس شد إليه الرحل ستة أشهر في مسألة تنازعوا فيها، فعرضها على الإمام مالك فقال: لا أحسن جوابها. قال: يا إمام! ماذا أقول لهم إذا رجعت؟ رحلة خاصة جئت من أجل سؤال! قال: قل لهم: قال مالك: لا يحسن، عد إليهم، سؤال واحد لا أعرفه.

    هذا هو الإمام المبارك، وحقيقة إخوتي الكرام نحن عندما نقول: هذا حرام وهذا حلال، فنحن نوقِّع عن ذي العزة والجلال سبحانه وتعالى، أنت الآن عندما تفتي توقع عن رب العالمين سبحانه وتعالى، ونبيه الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، إذا أردت أن تفتي اعرض نفسك على الجنة والنار، فينبغي أن يورث العالم جلساءه: لا أدري، هذا من كلامه المحكم السديد.

    أُثر عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه في الكتب المتقدمة في الفقيه والمتفقه، وكتاب جامع بيان العلم وفضله، في المكان الذي حددته، أنه قال: يا أيها الناس! من علم منكم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: لا أعلم، والله أعلم؛ فإن من علم المرء أن يقول فيما لا يعلم: لا أعلم، والله أعلم. من الذي يعلم؟ الله أعلم الله سبحانه وتعالى. هذا أيضاً إخوتي الكرام من أدب سيدنا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه.

    قوله: (ليس العلم بكثرة الرواية، تعلمت العلم لنفسي لا ليحتاج الناس إلي)

    وكان يقول: ليس العلم بكثرة الراوية، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب. وهذا هو الذي يورث خشية الرب سبحانه وتعالى، عِلْمُ اللسان هذا حجة على الإنسان، وإذا وقع العلم في القلب نفع وقرَّب إلى الله عز وجل، فليس العلم بكثرة الراوية، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب.

    وكان يقول رضي الله عنه وأرضاه: تعلمت لنفسي لا ليحتاج الناس إلىَّ. تعلمت لنفسي، لأزكي نفسي، ما تعلمت ليحتاج الناس إليَّ. وهذا أول مقصود وغاية من طلب العلم أن يزكي الإنسان نفسه، ثم بعد ذلك ينشر هذه التزكية بين عباد الله، لكن إذا ما زكيت نفسك كيف ستزكي غيرك يا عبد الله؟! فلابد من أن تبدأ بنفسك، ثم بعد ذلك بالأقرب فالأقرب، أما إذا حرمت نفسك هذا العلم، وتريد أن تنشره لغيرك وبين عباد الله، فهذا ضلال، ومن تعلم العلم لنفسه كسره، ورزقه الخشية من ربه سبحانه وتعالى، ومن تعلم العلم ليحتاج الناس إليه تطاول على عباد الله، وتزين بالعلم، وافتخر، وأمره إلى الله عز وجل.

    قوله كلما أراد أن يفتي: (لا حول ولا قوة إلا بالله)

    وكان من آدابه وفقهه: أنه لا يفتي في مسألة إلا بعد أن يقول في بدايتها: لا حول ولا قوة إلا بالله، كان يكثر منها، لا يتكلم بكلمة في العلم حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة، وهى كنز من كنوز الجنة، لا حول لك ولا طول ولا تحول من حال إلى حال، ولا قوة على أمر من الأمور، إلا بمعونة العزيز الغفور، لا تحول من حال إلى حال، ولا قدرة على عمل من الأعمال، إلا بمعونة ذي العزة والجلال، هذا هو التفويض والالتجاء إلى الله جل وعلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة، ثبت في المسند والحديث في الكتب الستة، وهو في كتاب عمل اليوم والليلة للإمام النسائي من رواية سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، قال: (كنا مع النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه في سفر، فرفع الناس أصواتهم بالتكبير وجهروا، فقال: أربعوا على أنفسكم)، أشفقوا عليها، وارفقوا بها، ولا داعي لرفع الصوت، وإتعاب النفس، (أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، قال أبو موسى الأشعري: وأنا أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، فالتفت إلىَّ النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه وقال: يا عبد الله بن قيس ! ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟) هذا الذي تقوله في نفسك انتبه له، له شأن، ( قلت: بلى يا رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله).

    والأحاديث -إخوتي الكرام- في الدلالة على أن هذا الكلمة كنز من كنوز الجنة مروية عن عدة من الصحابة، أوصى بها نبينا عليه الصلاة والسلام عدداً من الصحابة الكرام، انظروها في الترغيب والترهيب في الجزء الثاني صفحة ثلاث وأربعين وأربعمائة، وفى جامع الأصول في الجزء الرابع صفحة تسع وتسعين وثلاثمائة، عدة روايات عن عدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ولها أثر عظيم، ينقل الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه الوابل الصيب من الكلم الطيب صفحة اثنتين ومائة عن شيخه شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية، وكلام الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء العاشر صفحة ثلاث وثلاثين، ينقل أثراً، يقول الإمام ابن القيم: وجدته بعد ذلك في كتاب ابن أبي الدنيا . أقول: وهو موجود أيضاً في تفسير الطبري، يقول نقلاً عن شيخه، والأثر كما قلت في مجموع الفتاوى، يقول: ( لما خلق الله ملائكة لحمل العرش، قالوا: ربنا لم خلقتنا؟ قال: لتحملوا عرشي. قالوا: من يقوى أن يحمل عرشك وعليه جلالك وجمالك ووقارك؟! قال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله ).

    يقول: فكان شيخنا يقول: بهذا الدعاء استطاعت حملة العرش الملائكة أن تحمل العرش، (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وله أثر عجيب في تحمل المشاق والقوة على الأعمال.

    يقول الإمام ابن القيم : كنت أسمع هذا من شيخي، قلت: وهو موجود في مجموع الفتاوى، حتى وجدته في كتاب ابن أبي الدنيا، رواه عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح، قال: حدثنا المشيخة -مشيختنا-: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، ثم أورد الأثر، وأنا أقول: هو في تفسير الطبري أيضاً، انظروه في الجزء التاسع والعشرين صفحة سبع وثلاثين، عند تفسير قول رب العالمين: وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17]، أورد الأثر عن ابن أبي زيد رضي الله عنهم أجمعين قال بعد أن بيَّن أنهم ثمانية في الآخرة وأربعة في الدنيا، حملة العرش الأربعة الذين هم في الدنيا يحملون العرش، إذا كان يوم القيامة جعلهم الله ثمانية، والله على كل شيء قدير، قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن حملة العرش لما خلقهم الله قالوا: ربنا لم خلقتنا؟ قال: لتحملوا عرشي، قالوا: فأعطنا قوة لنحمله، قال: سلوا ما شئتم، فواحد منهم قال: رب أعطني قوة الماء -لأن عرش الله كان على الماء، فهو أقوى الأشياء، والماء قوته عجيبة عظيمة- وملك ثانٍ قال: ربنا أعطني قوة السماوات وعظمتها، وملك ثالث قال: رب أعطني قوة الأرض والجبال، والملك الرابع قال: رب أعطني قوة الريح، قال: لكم ما سألتم).

    فصاروا بعظمة وقوة السماوات والأرض والجبال والريح والماء، (فوضع العرش على كواهلهم فضعُفوا وما استطاعوا حمله، فقال ربنا جل وعلا: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقالوا هذه الجملة المباركة فحملوا عرش الله)، وهو أول المخلوقات، وأكبر المخلوقات، وأعلى المخلوقات، ولا يعلم بحقيقة أمره إلا رب الأرض والسماوات، عرش الرحمن سبحانه وتعالى تحمله الملائكة الكرام بهذه الجملة: لا حول ولا قوة إلا بالله.

    فسيدنا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه لا يفتي في مسألة حتى ينكسر لله جل وعلا، ويتذكر عظمته ويستعين به؛ ليُقدره على فهم المطلوب، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم يجيب عليه رحمة الله ورضوانه.

    قوله نقلاً عن عمر بن عبد العزيز: (سن رسول الله وولاة الأمر من بعده سنناً...)

    إخوتي الكرام! ختام كلامه المأثور في العلم والفقه، نسبه الإمام الذهبي إليه في السير، وهو في الحقيقة مما نقله سيدنا الإمام مالك عن سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، وهو كلام محكم، ويبين لنا طريقة فقيهنا سيدنا الإمام مالك، وطريقة فقهاء الأمة، والأثر الذي سأورده من كلام سيدنا عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين، وهو منقول عنه في عدد من دواوين الإسلام، انظروه في كتاب الجامع للإمام ابن أبي زيد القيرواني صفحة سبع عشرة ومائة، وهو في كتاب الفقيه والمتفقه في الجزء الأول صفحة ثلاث وسبعين ومائة، وفى كتاب جامع العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله في الجزء الثاني صفحة سبع وثمانين ومائة، وفى شرح أصول أهل السنة للإمام اللالكائي في الجزء الأول صفحة أربع وتسعين، ونسبه إلى تفسير الإمام ابن أبي حاتم والإمام السيوطي في الدر في الجزء الثاني صفحة اثنتين وعشرين ومائتين، ورواه الإمام الفسوي في المعرفة والتاريخ، وهو في السير كما قلت، وفي إغاثة اللهفان، وفي غير ذلك من دواوين الإسلام في كتاب الشريعة للإمام الآجري وغير ذلك.

    والأثر في الحلية، وقد انفرد كتاب الحلية بزيادة لابد من التنبيه عليها إذا مر الإنسان بهذا الأثر في ترجمة سيدنا مالك في الحلية فلينتبه له، في الجزء السادس صفحة أربع وعشرين وثلاثمائة، عن ابن أخت سيدنا الإمام مالك وهو مُطرِّف بن عبد الله، وقد تقدم معنا كلامه عندما سأله سيدنا الإمام مالك: ما يقول الناس فيَّ؟ قال: أما الصديق فيثني وأما العدو فيقع، فقال: الحمد لله لم يزل الناس كذلك، ونعوذ بالله من تتابع الألسنة كلها.

    وابن أخته مطرف بن عبد الله كما تقدم معنا ثقة، ولم يصب الإمام ابن عدي في تضعيفه، خرج له الإمام البخاري والترمذي والإمام ابن ماجه القزويني عليهم رحمة الله، يقول مطرف: كان الإمام مالك إذا ذُكر عنده أبو حنيفة والزائغون في الدين.. هذه المقولة تحتمل أمرين اثنين:

    الأمر الحسن، وهذا أحسن الأمرين، يعني: إذا ذُكر له منهج سيدنا أبي حنيفة واستقامته، وذُكر له أهل البدع وضلالهم الذين لا يتقيدون بالطريق المستقيم، كان يذكر كلام سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الذي يفرق بين طريقة أهل الهدى وطريقة أهل الردى، هذا كلام حق.

    وإذا كان يريد أن يقرن المذكور الأول مع الثاني، أي: هؤلاء عندهم طريقة فيها انحراف، فهذا الكلام لا ينطبق على سيدنا أبي حنيفة، وكما ستسمعون هذا الكلام لا ينطبق على سيدنا أبي حنيفة أنه انحرف عنه، بل هو كان يقول بهذا الهدي الذي رسمه سيدنا عمر بن عبد العزيز وقاله، حذو القُذة بالقذة، والإمام أبو نعيم يغفر الله لنا وله عنده انحراف عن سيدنا أبي حنيفة، وكلامه لا يُعوَّل عليه عندما يُعرِّض بسيدنا أبي حنيفة في عدد من التراجم، كما فعل في ترجمة سيدنا أيوب السختياني وسيدنا أبي حنيفة، فاحذروا هذا، واستغفروا له، وهذا كما تقدم معنا كلام من يخالفون في الطريقة والمشرب والمذهب ونحو ذلك، له اعتبارات يغفر الله لنا ولهم وهو الغفور الرحيم.

    ومن عجيب أمر الإمام أبي نعيم رضي الله عنه وأرضاه أنه أورد في الحلية تراجم البله والمجانين من العباد، وتراجم من لا يعرفون من المجاهيل؛ لأنه عندهم جد واجتهاد أُثر على ألسنتهم، وكلمات محكمة، وأيضاً ما وُجد أعبد من سيدنا أبي حنيفة في زمانه، ولا أزهد، وكتابك موضوع في الأصل لا للثقات، إنما للزهاد والعباد، فإذا كنت ترى ما تراه حول سيدنا أبي حنيفة، فعبادته وزهده وورعه هذا محل اتفاق عند الموافق والمخالف، فالأصل أن تذكر ترجمته، فلمَ لم تترجم لسيدنا أبي حنيفة في الحلية؟! يغفر الله لنا ولك، فهو -كما قلت- عنده انحراف عن سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين.

    فهنا أورد هذه المقولة، وهي إما من الزيادات التي زادها بعض الرواة إذا أراد أن يقرن سيدنا أبا حنيفة بمن بعده في الذكر: إذا ذُكر أبو حنيفة والزائغون، قال الإمام مالك: بلغنا. يا عبد الله! إذا كنت تقصد أن هؤلاء طريقتهم متساوية وتخالف ما قاله سيدنا عمر بن عبد العزيز، فهذا كلام باطل.

    على كل حال: استمعوا ما نقله الإمام مالك عن سيدنا عمر بن عبد العزيز، وأضاف الذهبي هذا الكلام في السير إلى الإمام مالك، وهو ليس من كلامه، إنما ينقله عن سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم وأرضاهم، قال: (سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفها، من اقتدى بها فهو مهتدٍ، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً).

    فهذه الطريقة لم يخرج عنها سيدنا أبو حنيفة رضي الله عنه بمقدار شعرة، وقد تقدم معنا أنه له ميزة حتى على بقية الفقهاء الأربعة، وهي: أن ما اختلف فيه الصحابة لا يخرج عن اختلافهم، ويتخير ما شاء من أقوالهم حسبما يراه أقرب إلى أصول الشريعة ونصوصها، فما خرج عن هذا، ما خرج عما سنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده، ما خرج عما قرره الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وعليه كما قلت: إن كان يراد الاحتمال الثاني فهذا بلاء، وإن كان يراد أنه إذا ذُكر عند سيدنا الإمام مالك أبو حنيفة المهتدي الهادي، والزائغون الضالون المضلون، يقول: استمعوا لما نقل عن سيدنا عمر بن عبد العزيز الذي يبين هداية وصحة طريقة أبي حنيفة، ويبين ضلال وفساد طريقة الزائغين، فهذا كلام محكم، وإن كان يراد غير هذا، فهو باطل حتى وإن جاء عن الإمام مالك، وقد تقدم معنا ثناء سيدنا الإمام مالك على سيدنا أبي حنيفة رضوان الله عليهم أجمعين.

    إخوتي الكرام! كما قلت: هذه كلها كلمات محكمة حقة نُقلت عن هذا الإمام المبارك، تبين لنا حسن نظره، ورجاحة عقله، وسداد رأيه في أمور العلم.