إسلام ويب

مقدمة في الفقه - اختلاف الأئمة [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد اختلف أئمتنا رحمهم الله تعالى في مسائل كثيرة في العبادات والمعاملات ونحوها، وذلك الاختلاف لم يكن مبنياً على الهوى والتشهي؛ بل إن كل إمام لا يقول قولاً إلا وله عليه دليل صحيح معتبر، وقد يستدلون جميعاً بنفس الدليل لكن كل إمام يفهم منه غير ما فهمه منه الآخر، وكلهم مجتهدون إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر وخطؤهم مغفور لهم، ولا يجوز لأي أحد كائناً من كان أن ينكر عليهم أو يخطئهم فيما اختلفوا فيه ما دام أن ما اختلفوا فيه مما يقبل الخلاف.

    1.   

    اختلاف الأئمة في المراد بحديث: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) لاختلاف أفهامهم للحديث

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فلا زلنا في ذكر الأمثلة على اختلاف الأئمة رحمهم الله في فهمهم لنصوص الشريعة ودلالاتها.

    المثال الثاني: اختلف فيه أئمة المذاهب الأربعة على قولين: إمامان قالا بقول وهما: أبو حنيفة وبعده مالك ، وإمامان قالا بقول وهما: الشافعي وبعده الإمام أحمد ، رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو في الحديث المستفيض، الذي رُوي عن ثمانية من الصحابة كما سأبين لكم في التخريج عن نبينا عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أنه قال: ( البيعان بالخيار ما لم يفترقا، أو قال: حتى يفترقا، فإن صدقا وبينا بُورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما ).

    هذا الحديث نص ثابت، مستفيض، مروي في الصحيحين وغيرهما، لكن النص يحتمل أكثر من معنى، وأئمتنا رضي الله عنهم وأرضاهم مفاهيمهم اختلفت نحو هذا الحديث، ومع المفاهيم هناك قرائن أخرى حول هذا الحديث تؤيد تلك المفاهيم، فدعاهم هذا أن يقولوا بقولين نحو هذا الحديث، وأن يقرروا حكمين شرعيين في مسألة: هل للمتبايعين الخيار بعد الإيجاب والقبول؟

    القول الأول: أن المقصود افتراق الأقوال لا افتراق الأبدان

    قال أبو حنيفة ومالك رضي الله عنهم أجمعين: لا خيار لأحد المتبايعين بعد الإيجاب والقبول، فإذا قال البائع: بعت، وقبل المشتري وقال: اشتريت، انتهى الأمر, بعد ذلك لو قال: ما أعجبتني السلعة ولن أدفع الثمن, يقال له: يا عبد الله! تم الإيجاب والقبول، يقول: لا زلنا في المجلس، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام: ( البيعان بالخيار حتى يفترقا ) أي: إلى أن يفترقا، يقال له: يا عبد الله! هذا معناه ما ستسمع عن هذين الإمامين المباركين، فقد ذكروا له تأويلات ثلاثة:

    من جملتها وهو أولها: أن المعنى: حتى يفترقا بالأقوال، لا بالأبدان، فإذا أنا قلت: بعت، وأنت قلت: اشتريت، انتهى الأمر، أما إذا أنا قلت: بعتك هذه السلعة بخمسين ريالاً، وقبل أن توافق ويتم القبول منك رجعت أنا وقلت: ما أريد أن أبيعها، أريد فيها مائة، فتقول: أنا قبلتها بخمسين، أقول لك: أنا الآن رجعت قبل أن تقبل أنت، فلي الخيار قبل أن يحصل الإيجاب والقبول، وأنت لك الخيار، فلست بملزم أن أبيعك هذه السلعة بخمسين ريالاً، وأنت قد تشتريها وقد لا تشتريها، وإذا لم تعطِ مباشرة القبول بذلك ولم توافق فلي الخيار أن أسحب نفسي مباشرة، وأقول: لا أريد بيعها، لا بخمسين ولا بمائة، وليس من حقك أن تعترض.

    لكن متى يلزم تسليم السلعة وأخذ الثمن؟ إذا تم الإيجاب والقبول، إلا إن شئت أن أقيلك فهذا موضوع آخر وإلا يجب عليك أن تسلم السلعة بعد الإيجاب والقبول، هذا هو قول سيدنا أبي حنيفة وسيدنا الإمام مالك .

    القول الثاني: أن المراد افتراق الأبدان في المجلس

    قال الإمام الشافعي والإمام أحمد رضي الله عنهم أجمعين: المعنى: حتى يفترقا بالأبدان, فما داما في المجلس فكل واحد منهما له الخيار، فإذا قلت: بعتك هذه السلعة بخمسين ريالاً، وقلت: قبلت، ونحن نتحدث، وما افترق أحد منا عن الآخر, لا زلنا في مجلس العقد، وأخذ معنا المجلس ربع ساعة نصف ساعة، لا زلنا في المجلس نتحدث عن أمور خارجية عن البيع والشراء، عن الذهاب والإياب والأكل وما شاكل هذا، نتباحث عن مسائل العلم، ثم بعد ذلك طرأ لي طارئ وقلت: هذه السلعة أنا لست بحاجة إليها، ثم قلت لك: خذها، أنا رجعت عن الشراء، فليس من حقك أن تمتنع وتأبى عن الرجوع؛ لأننا لا زلنا بالخيار ما دمنا في المجلس، هذا قول الإمام الشافعي والإمام أحمد .

    إذاً: عندنا فهمان معتبران، ومن جاء ليقول عن واحد منهما أنه خطأ فقد قصر وأخطأ.

    تخريج الحديث وذكر رواياته

    استمعوا إخوتي الكرام لتخريج الحديث: أولاً: الحديث كما قلت مستفيض مروي عن ثمانية من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين: رواه الإمام أحمد في المسند، والإمام مالك في الموطأ، والبخاري في الصحيح، وهو في السنن الأربعة إلا سنن ابن ماجه من رواية سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

    والحديث في المسند، والكتب الستة إلا سنن ابن ماجه أيضاً من رواية سيدنا حكيم بن حزام رضي الله عنهم أجمعين، وهو أيضاً في السنن الكبرى للإمام البيهقي ، وغير ذلك من رواية حكيم بن حزام .

    الرواية الثالثة: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، مروية في المسند أيضاً، وسنن النسائي والترمذي ، والسنن الكبرى للإمام البيهقي .

    الرواية الرابعة: من رواية أبي برزة الأسلمي في مسند الإمام أحمد ، وسنن أبي داود وابن ماجه ، والحديث في سنن الدارقطني ، والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، ورواه الإمام أبو داود الطيالسي والإمام الطحاوي .

    الراوية الخامسة: رواية سمرة بن جندب رضي الله عنهم أجمعين، في سنن النسائي ، وسنن ابن ماجه ، ومستدرك الحاكم .

    الرواية السادسة: في المسند من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، انظروها في المجمع، في الجزء الرابع صفحة مائة.

    والرواية السابعة: في المسند أيضاً بسند رجاله رجال الصحيح، عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، لكن بلفظ: ( بايع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً، ثم قال له: اختر، هكذا البيع ).

    فيحتمل أنه صار إيجاب من أحد الطرفين قبل القبض، وقال له: اختر، إذا كان عندك نظر وتريد أن ترجع فارجع، ولا تلزم الآن، فقبل حصول القبول لك الخيار، ويحتمل المعنى الثاني، وهو بعد أن تم الإيجاب والقبول، كما قرر الإمام الشافعي والإمام أحمد رضي الله عنهما، قال: اختر ما دمنا في مجلس العقد فلك الخيار، هكذا البيع.

    الرواية الثامنة: من رواية عبد الله بن قيس الأسلمي ، نحو رواية سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين في معجم الطبراني الكبير، انظروا هذه الرواية في المجمع أيضاً.

    والحديث إخوتي الكرام! ذكر الإمام ابن عبد البر في التمهيد طرق ست روايات بأسانيده، فانظروها أيضاً في التمهيد في الجزء الرابع عشر، من صفحة سبع عشرة إلى صفحة خمس وثلاثين، قرابة عشرين صفحة، من رواية ستة من الصحابة الكرام، وهم الستة المتقدمون: ابن عمر وسمرة بن جندب وأبو برزة وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة وحكيم بن حزام ، فلم يذكر رواية ابن عباس ولا رواية عبد الله بن قيس الأسلمي ، وفي الاستذكار في الجزء العشرين صفحة تسع عشرة ومائتين إلى خمس وخمسين ومائتين، أفاض في شرح هذا الحديث وبيان الأحكام الفقهية فيه، في قرابة خمس وعشرين صفحة رضي الله عنه وأرضاه.

    مآخذ القائلين بأن المراد هو تفرق الأقوال لا الأبدان

    إخوتي الكرام! كما قلت: الحديث واحد وثابت، ويحتج به، لكنه احتمل معنيين: تفرقاً باللسان، أو تفرقاً بالأبدان، فذهب إمامان مباركان وهما أبو حنيفة وبعده الإمام مالك رضي الله عنهم وأرضاهم، إلى أن التفرق هو التفرق باللسان بالأقوال لا بالأبدان.

    هذا إخوتي الكرام! أحد توجيهات للحديث، قالوا: تفرق باللسان والكلام، لمَ تقولون أن هذا معنى الحديث؟ قالا: لأن الاجتماع بالأبدان لا يؤثر في البيع، وكذا الافتراق، فلا يشترط لصحة البيع اجتماع الأبدان، فقد يحصل البيع بالكتابة ولا يشترط وجود البدنين، قال: اجتماع الأبدان لا يؤثر في صحة البيع، وكذا الافتراق، فالوجود بالبدن وعدمه سواء، إنما الإيجاب والقبول هو الذي يتعلق به الحكم وثبوت البيع، ثم بينوا أن التفرق يراد منه التفرق بالأقوال، وهذا مستعمل في كلام ذي العزة والجلال، وكلام نبينا عليه الصلاة والسلام.

    قال الله عز وجل في كتابه في حق الزوجين: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء:130]، والمراد بالتفرق هنا الطلاق، فهو تفرق بالأقوال، ترتب عليه بعد ذلك افتراق بالأبدان هذا موضوع آخر، لكنه تفرق بالأقوال، وقال جل وعلا: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105]، بأي شيء تفرقوا؟ بأقوالهم وعقائدهم، والأبدان قد تكون مع بعضها، كما قال الله: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر:14] فقلوبهم متفرقة، وهم في الظاهر في مجلس واحد، هذا تفرق، ومنه حديث افتراق الأمة: ( إن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة ) وقد تقدم معنا أن هذا الحديث متواتر، وتقدم معنا تخريجه، والمراد بتفرق الأمة هو تفرق العقائد والأقوال والأديان؛ فهذا يقول بقول، وهذا بقول، وهذا يعتقد شيئاً، وهذا يعتقد شيئاً آخر.

    وهنا: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا، أو حتى يفترقا)، يحتمل التفرق بالكلام؛ لأن وجود الأبدان لا أثر له في صحة البيع، وتفرق الأبدان لا أثر له أيضاً في ذلك، وهذا حقيقة كلام معتبر، وتوجيه شرعي مقرر، وقد تقدم أن الاجتهاد من أوله لآخره جاء ليقرر حكماً شرعياً حسب ما في وسع المجتهد، عن طريق القطع أو الظن، وهنا حقيقة أمر ظني، يمكن أن يكون الأمر كذلك، ومتى يكون هذا قطعياً؟ لو أن الأمة أجمعت على هذا المعنى لصار قطعياً، فما دام هنا خلاف فالأمر ظني، هذا يحتمله الحديث، وهذا يحتمله الحديث، والحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، هذا الأمر الأول من توجيهات الحديث بأن المراد من التفرق التفرق بالكلام لا بالأبدان.

    توجيه آخر للحديث: يقول الإمام مالك : العمل عندنا في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه على خلاف ما فهم من فهم أن المراد بالتفرق التفرق بالأبدان، العمل عندنا على خلاف ذلك، والإمام ابن عبد البر مع أنه مالكي رضي الله عنه وأرضاه ردَّ هذا، وقال: لا تصح دعوى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة؛ لأن الاختلاف فيها بالمدينة معلوم، وأي إجماع يكون في هذه المسألة إذا كان المخالف فيها ابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، وابن شهاب الزهري ، وابن أبي ذئب ؟ ثم قال: وقد قال ابن أبي ذئب : من قال: إن البيعين ليسا بالخيار حتى يفترقا استُتيب، يقول: وجاء بقول -يعني الإمام ابن أبي ذئب - فيه خشونة، تركت ذكره، وهو محفوظ عند العلماء.

    والقول الذي فيه خشونة هو قوله في حق سيدنا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه: الإمام مالك يُستتاب، عندما قال: إن معنى الحديث حتى يفترقا بالأقوال لا بالأبدان، فإن تاب وإلا ضُربت رقبته، يعني: أنه قد كفر بالله جل وعلا!! هو على هدى وصواب، وكلمته فجة غليظة، ومع ذلك يلتمس له عذر رضي الله عنه وأرضاه، أخذته الغيرة على فهمه الشرعي، لا أقول: على النص الشرعي, فالنص الشرعي مع الإمام مالك كما هو مع الإمام ابن أبي ذئب ، لكن الغيرة على فهمه الشرعي، وليس من حقه أن يرد فهم غيره، أخذته الغيرة وقال كلمة يُعذر فيها، وهو مخطئ فيما قال يغفر الله لنا وله.

    ولذلك يقول الإمام ابن عبد البر : جاء بقول فيه خشونة، تركت ذكره، وهو محفوظ عند العلماء.

    والذي يبدو لي والعلم عند ربي: أنه لا يُعترض بهذا على كلام الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، فالإمام مالك يقصد بالعمل أي: العمل المنتشر المشتهر الذي عليه أهل المدينة، لا يقصد أنه لا يوجد في هذا خلاف من بعض الأفراد منهم، وإلا لصارت المسألة قطعية، ما يحق لأحد أن يخالف، لا من أهل المدينة ولا من غيرهم، فقد يوجد أفراد لهم رأي في هذا الحديث، لكن الذي عليه العمل في أسواق أهل المدينة في بيعهم في شرائهم هو هذا، يبقى أن الإمام ابن عمر رضي الله عنه يرى أن التفرق بالأبدان، وبعده ابن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب ، وهكذا ابن أبي ذئب ، هؤلاء أفراد، لكن العمل الذي عليه أهل المدينة على منورها صلوات الله وسلامه، هو ما قرره الإمام مالك ، ولا يقصد بالعمل أنه لا مخالف في ذلك.

    هناك إخوتي الكرام توجيه ثالث للحديث: يقولون: هذا الحديث: (البيعان بالخيار) عارض قواعد العقود وأصولها، فتقدم عليه لأنه متفق عليها، والله جل وعلا يقول: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، والعقد يتم بالإيجاب والقبول، فجاء هذا الحديث يستثني الوفاء عندما يجعل الخيار لأحد المتعاقدَين بعد إيجاب وقبول، فمثلاً: في عقد النكاح بعد أن يتم إيجاب وقبول لا يحق لأحد التراجع، وفي عقد الطلاق بعد أن يطلق ليس له أن يتراجع ويقول: أنا سأرجع، متى ما صدرت الكلمة يترتب عليها أثرها، وهنا كذلك عقد يرتبط به الحكم، وعليه فالحديث هذا جاء مخالفاً لنصوص قررت وجوب الوفاء بالعقود بعد اكتمالها بالإيجاب والقبول، وهنا علق الوفاء ولا يزال اختيار لأحد المتعاقدَين، فخالف القاعدة التي دلت عليها نصوص شرعية.

    إذاً: تقدم تلك لأنها تثابتة بنصوص كثيرة، فعارضها هذا وهو ألزم منها، فيقدم ما هو أقوى، ولا يقصد بالتفرق إذاً تفرق الأبدان.

    الإمام ابن عبد البر رضي الله عنه وأرضاه مع أنه مالكي، وهذا لديانته وصلاحه وإمامته، يرى أن التفرق بالأبدان، مع أنه شيخ مالكي، ولا غضاضة ولا حرج إخوتي الكرام، هذا دين الرحمن، وليعلم بعد ذلك السفهاء في هذه الأيام عندما يقولون: تعصب وما تعصب، الإنسان إذا استبان له حقيقة الديانة تلزمه أن يقول: هذا فيما يظهر لي أرجح، لكن ليس من حقه أن يعترض على القول الآخر.

    فالإمام ابن عبد البر يرى أن المراد بالحديث التفرق بالأبدان، لكنه عرَّض بالمالكية والحنفية بكلام فيه خشونة، كما قال هو عن كلام الإمام ابن أبي ذئب فيه خشونة، والله يغفر لنا وله بفضله ورحمته، استمع لعبارته، قال في التمهيد: أكثر المتأخرون من المالكيين والحنفيين من الاحتجاج بمذهبهما -يعني: أكثروا من إيراد الحُجج في بيان توجيه هذا الحديث، وأن التفرق المراد منه تفرق بالأقوال- أكثر المتأخرون من المالكيين والحنفيين من الاحتجاج بمذهبهما بما يطول ذكره، وأكثره تشغيب لا يحصل منه شيء لازم لا مدفع له.

    ثم قال في الاستذكار: واحتجاجهم بمذهبهم في رفع ظاهر الحديث طويل، أكثره تشغيب لا معنى له؛ لأن الأصول لا يُرد بعضها ببعضاً يقول: عندكم أصل، وهو أن العقود إيجاب وقبول ولا خيار لأحد المتعاقدَين، نقول: يستثنى منه عقد البيع, فهذا أصل وهذا أصل، والأصول لا يرد بعضها ببعض، وما تقولونه لا طائل من روائه.

    لا إنكار على أحد من أصحاب القولين في هذه المسألة وفي غيرها من مسائل الخلاف

    الشاهد إخوتي الكرام! أن الحديث احتمل معنيين، ولم ينفرد الحنفية برأي، ولو أن الحنفية انفردوا لجاء معترض وقال: هؤلاء أهل الرأي وأهل القياس! لقد وافقهم شيخ الشافعية، إمام أهل الأثر في مدينة سيد البشر، عليه صلوات الله وسلامه، وهو الإمام مالك نجم السنن قال بهذا.

    طيب: يا إخوتي الكرام لابد إذاً من أن نتقي ربنا وأن نقف عند حدودنا، نقول: هذا فهم معتبر، وهذا فهم معتبر، كما قلت مراراً في مواعظ سالفة، أمور الخلاف التي تتعلق بالمعاملات وبالقضاء يتدخل فيها ولي الأمر ليلزم الناس بعد ذلك بما يتبناه وبما يأخذ به مما اختلف فيه أئمتنا، فإذا رأى ولي الأمر أنه هناك خياراً للمتعاقدين ما داما في مجلس العقد، فهو يلزم الحنفية والمالكية بهذا، ويقول: هذا قول يقرر في دروس العلم وفي المساجد, تذكر أدلته، لكن لابد من الحياة العملية من التزام بعد ذلك بقول، فأنا أرى أنه يُعمل بمذهب الشافعي في هذه المسألة، وعليه خيار المجلس ثابت مادام المتعاقدان في المجلس، هذا له ذلك.

    وكذلك لو اختار مذهب أبي حنيفة ، ومذهب الإمام مالك رضي الله عنهم وأرضاهم، وقال: إذا صدر الإيجاب والقبول فلا خيار، ليس من حق أحد أن يقول: أنا على مذهب الشافعي ، وسأفسخ العقد، نقول: يا عبد الله! الآن لا خيار لك، وكونك تميل لهذا المذهب الآن يوجد تبني لحكم كذا، إن أراد بعد ذلك المتعاقد الثاني أن يفسخ من باب الرضى فهذا خير وبركة، وإلا فليس من حقك أن تلزمه ولا أن تغضب.

    هذا -إخوتي الكرام- مثال من أمثلة كثيرة في المعاملات، فكثيراً ما نجد أنه اختلف الأئمة الأربعة على قولين، والنص واحد لكنه احتمل عدة معانٍ، والفهوم اختلفت، وأسباب الاختلاف -كما قلت- أكثرها ترد إلى هذين الأمرين: احتمالات النصوص، وتعدد معانيها، وتغاير الفهوم وتباينها، وكما قلت: أهل العلم في حفظهم متقاربون، وفي استنباط فقهه متباينون، وهنا كذلك، هذا الحديث حفظه أئمتنا وما غاب عن أحد، ولا يأتين بعد ذلك إنسان ويقول: هذا الحديث ما بلغ أبا حنيفة وما بلغ الإمام مالكاً ، فقد رواه في الموطأ، وتقدم معنا أن رواية ابن عمر مروية في الموطأ، والعلم على خلافه، فقف عند حدك.

    فهنا إخوتي الكرام! الذي ينظر في هذين المعنيين لهذه الأحاديث بالروايات المتقدمة، يقول: هذا معتبر وهذا معتبر، بقي بعد ذلك الخلاف في القضايا الاجتماعية بين الناس العملية، فيأتي ولي الأمر ويتبنى قولاً ليرفع الخلاف، هذا له ذلك، إنما هذا قول معتبر وهذا قول معتبر، وليس من حق أحد أن يضلل أحد القولين أو يقول إنه فاسد, إذا كنت تميل إلى هذا أو تميل إلى هذا، بناء على ما يطمئن إليه قلبك من دليل، فالأمر فيه سعة ورحمة الله واسعة.

    إنكار ابن أبي ذئب على مالك قوله بأن التفرق يكون بالأقوال لا بالأبدان

    إخوتي الكرام! الإمام ابن أبي ذئب رضي الله عنه وأرضاه من رجال الكتب الستة، واسمه: محمد بن عبد الرحمن ، ثقة، فقيه، فاضل، توفي سنة ثمان أو تسع وخمسين بعد المائة، إمام صالح من العلماء القانتين الربانيين، قال الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه: كان يشبه بـسعيد بن المسيب . وتوفي قبل الإمام مالك وعمره ثمان وخمسين أو تسع وخمسين سنة، توفي قبل الإمام مالك رضي الله عنهم وأرضاهم بقرابة عشرين سنة، قيل للإمام أحمد : خلَّف مثله ابن أبي ذئب ؟ قال: لا، ثم قال: كان أفضل من الإمام مالك، إلا أن مالكاً رحمهم الله أجمعين كان أشد تنقية للرجال منه.

    هذا رأي للإمام أحمد أيضاً رضي الله عنه وأرضاه، قال الذهبي : قلت: وهو أقدم لقيا للكبار من مالك ، ولكن مالكاً أوسع دائرة في العلم والفتيا والحديث والإتقان منه بكثير، ونعته الإمام الذهبي بأنه: الإمام شيخ الإسلام رضي الله عنه وأرضاه.

    ومن مناقبه، وفضائله، وجرأته بالحق، وعدم مداهنته: أن الخليفة المهدي عندما دخل إلى مسجد نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قام من قام، وفي رواية: ما بقي أحد إلا قام، إلا الإمام ابن أبي ذئب ، فجاء إليه الحاجب ومعه الحراس، وقال له: قم، خليفة المؤمنين أمير المؤمنين الخليفة المهدي ، قال: إنما يقوم الناس لرب العالمين، وهو قاعد، فقال المهدي : دعوه، والله لقد قفَّ كل شعرة في جسدي، وقفت من هذا الكلام: إنما يقوم الناس لرب العالمين.

    وتقدم معنا: صدعه بالحق في مجلس أبي جعفر المنصور رحمهم الله وغفر لهم.

    الإمام ابن أبي ذئب من العلماء القانتين، ومع ذلك قال ما قال، فعلق الإمام الذهبي على كلمته بما ستسمعونه في السير، في الجزء السابع صفحة اثنتين وأربعين ومائة، قال الذهبي: قال الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه: بلغ ابن أبي ذئب أن الإمام مالكاً لم يأخذ بحديث: ( البيعان بالخيار )، وكلمة (لم يأخذ) في الحقيقة فيها تساهل، إنما لم يفهم منه ما فهم غيره أن المراد بالتفرق التفرق بالأبدان، هو هذا الذي لم يفهمه، فقال: يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم قال أحمد: هو أورع وأقول بالحق من الإمام مالك رضي الله عنهم وأرضاهم، قال الذهبي معلقاً على كلام الإمام أحمد رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين: قلت: لو كان ورعاً كما ينبغي لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم. وحقيقة هو كلام قبيح، كلام فج، كلام غليظ، من نفس طيبة طاهرة مؤمنة صالحة قانتة، وليس من شرط الولي ألا يخطئ، وليس من شرط الولي إلا يغضب، والله يقول في كتابه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201].

    ويقيننا أن ابن أبي ذئب ندم على هذه الكلمة، لكن كل بني آدم خطاء، والتسرع خطأ، وقول الذهبي : لو كان ورعاً كما ينبغي!! نقول: الورع كما ينبغي لا يوجد إلا في الأنبياء الكرام، فهم المعصومون، ومن عداهم لا يسلم من زلة، على نبينا وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، قال الذهبي : لو كان ورعاً كما ينبغي لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم، فـمالك -استمع لالتماس العذر، ولبيان صحة قول الإمام مالك ، والذهبي شافعي، يرى أن التفرق بالأبدان، لكن لابد من إنصاف علماء الإسلام، وهذا فهم شرعي معدود على أنه من أحكام الشريعة، لا يجوز التسفه عليه- قال: فـمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث لعلتين: الأولى: لأنه رآه منسوخاً، وقيل: عمل به وحمل قوله (حتى يتفرقا) على التلفظ بالإيجاب والقبول.

    فـمالك في هذا الحديث، وفي كل حديث له أجر ولابد، فإن أصاب ازداد أجراً آخر، قال: وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورية، وهم الخوارج شر البرية، الذين يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وقد سموا بالحرورية نسبة إلى بلدة حروراء بظاهر الكوفة، عندما اجتمعوا فيها وتعاقدوا على حرب وتكفير سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، قال: وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورية، وبكل حال: فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة الإمام مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه.

    فهذه كلمة غضب وانفعال لا تقف عندها كثيراً، بشر زل وأخطأ، فلا الإمام ابن أبي ذئب يضعف بهذه الكلمة الخشنة، والإمام مالك ما نزلت مكانته ورتبته بكلام ابن أبي ذئب فيه، فهو كلام لغو، لا أثر له في القائل ولا في المقول فيه، بل هما عالما المدينة المنورة، على منورها صلوات الله وسلامه، في زمانهما رضي الله عنهما. هذا هو الإنصاف، وهذه هي الديانة.

    1.   

    الاعتذار للأئمة في اختلافهم

    إخوتي الكرام! لابد من أن نعي هذا في هذه الأيام على وجه الخصوص؛ لأنه كثر لغط حول هذه القضايا، ويأتيك بعد ذلك سفيه من السفهاء فيقول: تقولون: الأئمة الأربعة أصولهم واحدة فلمَ اختلفوا؟

    يا عبد الله! لو أردنا أن نلغي مذاهبهم لتتفضلوا أنتم لتجتهدوا، ستخبطون تخبيطاً، وتضعون من الأقوال ما لا يخطر على بال الخلق من خلافات فيما بينكم، فاتقوا الله وقفوا عند حدكم, نص احتمل أكثر من معنى، وأئمتنا جاءوا بعد ذلك والتمسوا هذه المعاني، ولو أجمعوا على معنى من معانيه لكان حجة قاطعة، ولكن عندما اختلفوا الحمد لله رحمة واسعة.

    إثارة هذه المشاكل والتشويش حولها ما يفعله إلا من غضب الله عليه، والتماس مثل هذا الزلل، يأتي إنسان ويقول: الإمام مالك عندما خالف الحديث قال ابن أبي ذئب : تضرب رقبته، وهذا ينبغي أن نعمله مع من يخالف السنة، ونقول لكم: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتقولون: قال أبو بكر وعمر ، يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء.

    يا عبد الله! قف عند حدك، إنسان انفعل وقال ذلك الكلام، غاية ما يقال: أنه انفعل وأخطأ يغفر الله لنا وله.

    وتقدم معنا عندما قال عروة بن الزبير لسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: هما أعلم بالسنة منك. فيا عبد الله! لا داعي لهذا الكلام المعسول الذي يُخدع به السامع، تريدنا أن نتبع السنة ونترك ما عليه أبو بكر وعمر ؟! لا يا عبد الله، هما أعلم بالسنة منك، ففعلهما سنة، وأما أنت ففهمك دون فهمهم، فسكت ابن عباس عند تلك المقولة، وهنا كذلك، ما يأتي إنسان ويستدل بهذا أو ينشر هذا بين المسلمين، ولا ينشره بينهم إلا من غضب عليه رب العالمين.

    خطر الانشغال بخلافات الأئمة وتخطئتهم وترك ما هو أهم

    نحن إخوتي الكرام -كما قلت مراراً- أمام كفر بواح، وردة عن دين الله جل وعلا في هذه الأيام، وأمام فسوق وانحلال، بدل من أن نحاربها نُشغل الأمة بهذه الأشياء، فلعله لا يخلو بيت من بيوت المسلمين في هذه الأيام من الجهاز اللعين، فلماذا لا نشغل دروسنا وتحذيرنا للمسلمين من هذا الفساد، وأن من في بيته هذا الجهاز وهذا الفساد لا تقبل له صلاة، ولا يقبل له صيام، هذا -إخوتي الكرام- لابد من وعيه، وكيف سيلقى الرحمن، أما أن هذا كله يترك، ونأتي بعد ذلك لهذه الأمور! هذا لا ينبغي.

    والله -يا إخوتي الكرام- لو بُعث نبي من الأنبياء وهذا الجهاز في البيوت، لا يمكن لهذا النبي أن يؤثر ولا أن ينتفع بدعوته مادام هذا الجهاز في البيوت، فلنكن على علم بذلك، ومع هذا فهذا كله يُترك، ونأتي الخلافات بين أئمة الإسلام!

    يا إخوتي الكرام! ينبغي أن نتقي الله وأن نقف عند حدوده، وهكذا بقية المفاسد التي نخوض فيها إلى آذاننا، كلها تُترك، وتُشغل دروس العلم بعد ذلك كلها خلافات، واتباع النص، وعدم اتباع المذاهب، واتباعها بدعة، وهو يُشغل الناس بهذيان لا وجود له في هذا الزمان، ثم بعد ذلك نسمع دعوا الاجتهاد، ودعوا التطوير ونحوها، كأن الأمة فقط لا يلزمها إلا مجتهدون ليُحكم باجتهادهم ليكون شريعة مقررة في العالم من أوله لآخره.

    يا عبد الله! ماذا تنفع الاجتهادات وشريعة الله كلها نُحيت عن الحياة، وبعد ذلك نأتي نثير هذه الخصومات بيننا وبين سلفنا.

    تقدم معنا كلام العبد الصالح يحيى بن عمار أبي زكريا ، المتوفى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وهو من العلماء الربانيين القانتين، وانظروا ترجمته في السير، في الجزء السابع عشر صفحة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وكلامه في مجموع الفتاوى في الجزء العاشر، صفحة خمس وأربعين ومائة، قال: أنواع العلوم خمسة: علم فيه حياة الدين، وهو علم التوحيد، وعلم هو قوت الدين، وهو علم العظة والتذكير، وعلم هو دواء الدين، وهو علم الفقه، وعلم هو داء الدين، وهذا هو النزاع الذي جرى بين الناس، وعلم هو هلاك الدين، وهو علم الكلام والفلسفة، وعلم الشعوذة والطلاسم.

    فداء الدين هو أن تثير النزاع الذي كان بين سلفنا الكرام الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين.

    إخوتي الكرام! هذه مسألة، والمسألة الثانية في العبادات لابد من ذكرها أيضاً على وجه الاختصار، أشير إليها وأذكرها في أول الموعظة الآتية بعون الله وتوفيقه، وكنت أشرت إليها باختصار، في آخر تفسير سورة الفاتحة.

    إخوتي الكرام! اتفق أئمتنا أنه لابد من القراءة في الصلاة، هذا محل اتفاق، واتفقوا أيضاً على أنه إذا قرأ الفاتحة أحسن وأجزأه ذلك، لكن هل تتعين الفاتحة أو لا؟

    على قولين: عند سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه لا تتعين ويجزئ غيرها، وعند المذاهب الثلاثة تتعين.

    القول الثاني الذي يترتب على هذا: هذا الشيء الذي يتعين ولابد منه وهو القراءة من فاتحة أو من غيرها، على من يلزم؟ هل يلزم كل مصلٍ أو بعض المصلين؟

    فالإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه يقول: يلزم كل مصل إلا المأموم، فلا يقرأ فاتحة ولا غيرها، في جميع أحوال اقتدائه في جهرية أو في سرية.

    والإمام مالك والإمام أحمد يريان أنه لا يتعين على المأموم القراءة من باب الوجوب، لكن إن جهر الإمام فيُكره للمأموم أن يقرأ الفاتحة، ومن باب أولى ما عداها، وإن أسر فيسن له أن يقرأ.

    والقول الثالث: قول الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، أن القراءة بالفاتحة واجبة في جميع الركعات، ويسن ما زاد عليها، سواء كان إماماً أو مأموماً أو فذاً.

    إذاً: عندنا خمسة أحوال: القراءة لابد منها، لكن هل تتعين الفاتحة؟ على قولين، وإذا تعينت القراءة الفاتحة أو غيرها فهل هي على كل مصل؟ على ثلاثة أقوال، فهذه خمسة أقوال، ولا يوجد واحد منها إلا وعليه دليل أظهر وأضوأ من ضوء القنديل، وأقوال معتبرة، كل قول قال به إمام جليل، فأنت ماذا تفعل نحو هذه الأقوال؟ حقيقة ما تراه أحوط يطمئن قلبك إليه إن كنت تبحث في الأدلة فلك أن تعمل به، أما أن تلزم أحداً بذلك وتقول: من لم يقرأ الفاتحة إذا كان مأموماً صلاته باطلة، أو إذا قرأ فصلاته مكروهة، فليس من حقك هذا.

    وحقيقة كما قلت لكم مراراً: يعلم الله ما أمرت أحداً أو نهيته نحو هذه المسألة، لا قلت اقرأ ولا لا تقرأ، ولما يأتي معنا بحث أذكر حسب الأدلة التي قررها أئمتنا، أحياناً بعض الناس يسأل يقول: ما الذي تفعله أنت؟ أقول: ما لك ولي يا عبد الله، أنا لست بحجة على نفسي فضلاً عن غيري، هذه أقوال أئمتنا، لكن من باب البيان قول كذا أراه في حق نفسي أحوط، أما أنني أدعو إليه، وألزم الناس به، وأحمل السيف في وجه الأمة إذا لم تفعلوا هذا ما صحت صلاتكم!

    يا إخوتي! هذا ضلال، ليس من حق أحد أن يفرض نفسه على أمة نبينا عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، هذه أقوال كلها عليها أحاديث صحيحة صريحة في المطلوب، بقي بعد ذلك أن أئمتنا رجحوا هذه على هذه، أو هذه على هذه، على حسب ما قالوه من أقوال، وهم مأجورون.

    نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    والحمد لله رب العالمين.