إسلام ويب

مقدمة في الفقه - فقه الإمام أبي حنيفة [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى فقيهاً بارعاً لا يشق له غبار، ملتزماً في فقهه بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما صح عن الصحابة الكرام، وكان من طريقته ومنهجه أنه يأخذ بالقياس، ولكنه ليس كما يدعي عليه الجهال من أنه يأخذ بالقياس ويترك النص، وحاشاه رحمه الله من ذلك؛ بل كان رحمه الله لا يقدم على النص شيئاً، وما كان يقيس إلا إذا لم يوجد نص في المسألة، وهذا هو الفقه ودقة النظر والاستنباط التي أُعطيها هذا الإمام.

    1.   

    فقه الإمام أبي حنيفة ودقة نظره وفهمه

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:

    الجانب الثالث من جوانب ترجمة سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه: فقهه، تواتر عن سيدنا أبي حنيفة كما في تاريخ بغداد في الجزء الثالث عشر صفحة ثمان وستين وثلاثمائة، والانتقاء للإمام ابن عبد البر صفحة اثنتين وأربعين ومائة، والخيرات الحسان لـابن حجر الهيتمي صفحة واحدة وأربعين، وقال: رُوي هذا من طرق كثيرة عن أبي حنيفة ، وهو في عقود الجمان صفحة اثنتين وسبعين ومائة وغير ذلك.. تواتر عن سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: نأخذ بكتاب الله عز وجل، وهذا واجب على كل مسلم وهو فريضة علينا.. هذه طريقة فقهه يلخصها في هذه الكلمات المحكمة العذبة التي تدور على أربعة أمور.

    الأخذ بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة

    فاستمعوا إليها إخوتي الكرام: نأخذ بكتاب الله عز وجل، وما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فعلى الرأس والعين، وفي رواية: على الرأس والعينين، نأخذ به -هذا أيضاً فريضة- وما جاء عن الصحابة الكرام -وانظر لميزة أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه وأرضاه في هذا الأمر- وما جاء عن الصحابة الكرام تخيرنا ولا نخرج عن أقوالهم. أنا ملزم بأقوالهم وإذا أحدثت قولاً يخالف قول الصحابة فهذا خلاف طريقتي وقد انحرفت عن الهدى، والشافعي مع علو مقامه وتمام اتباعه لا يرى هذا, لا يرى الأخذ بأقوال الصحابة إلا إذا أجمعوا، أما ما عدا ذلك فيجتهد كما اجتهدوا، ولا يرى أن قول الصحابي ملزم، وأبو حنيفة يرى أن قول الصحابي مُلزم, نعم! إذا اختلفوا نتخير، يرى أي الأقوال أشبه بالأصول، وأقوى، هنا له مجال الاجتهاد فيأخذ به، أما أن يخرج عنها كلها فلا، فإذا اختلفوا في مسألة ما على قولين على ثلاثة فإنه يتخير بينها، فقد اختلفوا في مسألة الجد ورأي سيدنا أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه أن الجد ينزل منزلة الأب ولا يرث أخ مهما كان شأنه مع الجد، وهذا قضاء سيدنا أبي حنيفة ، أما أن يخرج ويقول: هذه الأقوال أنا لا ألتزم بها.. أجتهد كما اجتهدوا، فلا. قال: فإذا آل الأمر إلى التابعين -وأبو حنيفة تابعي رضي الله عنهم أجمعين- إلى إبراهيم النخعي والإمام الشعبي ومحمد بن سيرين والحسن البصري وعطاء وسعيد بن المسيب .. وعدَّد رجالاً، إذا آلَ إلى هؤلاء؛ فهؤلاء رجال اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا. يعني لا يلزمني أحد بقول تابعي، يقول: سعيد بن المسيب قال كذا، أو الحسن البصري قال كذا، ما لي ولهم؟!

    كان سيدنا أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه -كما في ترجمته في سائر الكتب التي ترجمته- في الحج، فجاء إنسان وسأله عن نسك من المناسك عمله، فأفتاه، فبعض الحاضرين شوش، وقال: الحسن البصري يفتي بخلاف هذا، فقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه: أخطأ الحسن ! والجواب ما ذكرته -هذا الحكم الشرعي- فقام بعض السفهاء -وما أكثرهم!- فقال: يا ابن الفاعلة! -نعيذ بالله سيدنا أبا حنيفة رضي الله عنه وأرضاه من ذلك- أنت تقول: أخطأ الحسن ! فهجم عليه أصحابه وأرادوا أن يبطشوا به، فقال: دعوه دعوه، ثم نكس الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه رأسه وذكر ربه وصلى على النبي، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ثم رفع وقال: يا عبد الله! أخطأ الحسن وأصاب عبد الله بن مسعود فيما رواه عن النبي المحمود عليه الصلاة والسلام في هذه الحادثة، وذكر له الدليل الشرعي. الحسن أخطأ، وماذا إذا أخطأ الحسن ؟! ولمَ تتهجم؟! وهل قول الحسن ملزم؟!

    أقوال التابعين ليست حجة في الفروع بإجماع أئمتنا، إنما اختلفوا في أقوال الصحابة، فسيدنا أبو حنيفة يقول: أنا ألتزم بأقوالهم, هذه طريقته في الفقه: كتاب الله نأخذ به، ما جاء في كتاب الله نلتزم به، لا خيار لنا في ذلك، وما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام على العين والرأس، وما جاء عن الصحابة تخيرت، وما جاء عن التابعين فهؤلاء رجال اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا رضي الله عنهم وأرضاهم.

    إخوتي الكرام! كما قلت: هذا الكلام متواتر عن سيدنا أبي حنيفة النعمان ، وهذا الكلام سار عليه معظم علماء الإسلام: الأخذ بكتاب الله، وبسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبالاجتهاد الذي يعنى به القياس وهو إلحاق فرع بأصل في الحكم لعلة جامعة بينهما، هذا هو الاجتهاد: أن تلحق النظير بالنظير، وأن تبحث عن حكم الله الجليل في الوقائع الحادثة، بحيث تلحقها بما وقع ووُجد فيه نص، هذا أيضاً متفق عليه عند الأئمة، وهو القياس، وبعد ذلك أقوى الأدلة وهو إجماع الأمة هذا مفروغ منه.. الإجماع لا يكون إلا عن نص، وهذا لا خيار للإنسان فيه، إجماع أئمتنا حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة, هذه الأمور الأربعة ما خرج عنها الإمام: كتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وقياس وهو الاجتهاد، ثم بعد ذلك الإجماع كما قلت يعد من الأدلة المتأخرة، كتاب وسنة وإجماع وقياس يأتي في الثالثة في الذكر وهو الأولى من حيث الاحتجاج، وأخر في الذكر تأدباً مع كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فيقدم القرآن ثم السنة ذكراً, والإجماع لا يكون إلا عن نص وهو أقوى الأدلة، ثم بعد ذلك القياس، هذا متفق عليه عند أئمة الإسلام قاطبة.

    حجية قول الصحابي

    ثم اختلفوا بعد ذلك في جزئيات: هل قول الصحابي يُستدل به أم لا؟

    يزيد بعد ذلك عند قول الصحابي لو روى حديثاً وخالفه هل يؤخذ بفعله أو بروايته؟

    فالإمام أبو حنيفة أيضاً يقدم فعل الصحابي، يقول: يستحيل أن يترك الصحابي ما رواه إلا إذا علم أنه منسوخ، وعليه فديانته تمنعه من ترك ما روى، فعندما يروي الحديث ويخالفه بعمله؛ دل على أن هذا الحديث منسوخ، وأما إذا كان الحديث يحتمل ويحتمل، والصحابي عمل بخلاف ما فهم من جاء بعده، ففهمه يقدم بالاتفاق؛ لأن هذا من باب تعيين المراد من الحديث، كما تقدم معنا في حديث سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في صحيح مسلم وغيره: (كان الطلاق على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة)، ثم بعد ذلك قال سيدنا عمر رضي الله عنه: (إن الناس تتابعوا في هذا الأمر، أرى أن نمضيه عليهم)، فأوقع الطلاق بالثلاث ثلاثاً، وتقدم معنا أن عبد الله بن عباس راوي هذا الحديث تواتر عنه أنه جعل الثلاث ثلاثاً.

    إذاً: هو ممن يقول بذلك، وعليه فالحديث معناه يحتمل ويحتمل, يحتمل أنهم كانوا يطلقون واحدة وأنتم تطلقون ثلاثاً، وهذا قول أبي زرعة ، وغير ذلك من التخريجات التي مرت معنا في توجيه الحديث.

    الشاهد: أن الصحابي عندما روى ثم بيَّن لنا معنى ما روى، تعين المصير إلى قوله، ولذلك تقدم معنا قول شيخنا عليه رحمة الله حينما قال هنا: عمل عبد الله بن عباس رضي الله عنه بخلاف ظاهر هذا الحديث الذي فهمه بعض الناس على حسب ما فهم، قال: يتعين المصير إليه، وهذا ليس مما اختلفوا فيه: هل إذا روى الصحابي شيئاً وخالفه العبرة بما روى أو بما رأى.. بما روى أو بما عمل؟ قال: هذا لا يرد هنا، فذاك فيما فيه مخالفة وظاهر الحديث صريحاً، أما إذا كان الحديث يحتمل ويحتمل، وعمل الصحابي حدَّد وبيَّن أحد الاحتمالين، فإن المصير إلى قوله مُتعيِّن؛ لأنه أعلم بما يروي.

    على كل حال إخوتي الكرام! كما قلت: بقيت جزئيات يسيرة حولها نزاع: هل يحتج بمذهب الصحابي؟ هل إذا روى الصحابي الحديث عن النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه ثم خالفه، المخالفة قد تكون من باب الذهول والنسيان، حتماً ليست من باب التعمد والعصيان قطعاً وجزماً.. من باب الذهول والنسيان، أو من باب بلوغ النسخ له عن نبينا عليه الصلاة والسلام، يحتمل هذا ويحتمل هذا، فمن قال: يحتمل النسخ؛ قال: العبرة بما رأى وعمل، ومن قال: ذهولاً ونسياناً؛ قال: العبرة بما روى ونقل، وهذا فيه مجال للاجتهاد، أما أنه يحتج بالقرآن، ثم بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وبإجماع علماء الإسلام، وبالقياس الشرعي السوي؛ فهذا لا خلاف فيه بين أئمتنا، وعليه فما سار عليه أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه هو الذي سار عليه الأئمة الثلاثة الذين جاءوا من بعده رضوان الله عليهم أجمعين.

    الاحتجاج بالقياس وبيان القياس الذي يأخذ به أبو حنيفة

    القياس هو الذي أخذ به سيدنا أبو حنيفة ونُسب إليه، ونسب المذهب بكامله إليه فيقال للحنفية: أهل الرأي، يعني أهل القياس، طيب لو سألنا المالكية: تأخذون بالقياس أم لا؟!

    فإن قالوا: لا؛ ضلوا، وإن قالوا: نعم؛ أقول: علامَ تخصيص الحنفية بهذا؟

    إذا سألنا الشافعية: تأخذون بالقياس أم لا؟!

    وإذا سألنا الحنابلة: تأخذون بالقياس أم لا؟!

    ما أحد من الأئمة المعتبرين إلا أخذ بالقياس، وأما من ألَّف كتاباً في إبطاله كالإمام ابن حزم يغفر الله لنا وله، فقد قال الإمام أبو بكر بن العربي : من أنكر القياس هذا ينحط عن رتبة البشر؛ ولذلك لا يُعوَّل على قوله في مخالفة الإجماع؛ لأنه ليس من عِداد بني آدم, الذي ما عنده عقل ليقيس النظير على النظير؛ هذا لا تعتبره من البشر، فمثلاً: عندما يأتي ويقول: حديث: ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه )، (لا يبولن) تقتضي المباشرة، فإذا باشر البول تنجس، وإذا بال في وعاء وصبه لا يتنجس!!

    يا عباد الله! هذا كلام لا يقبل بحال، فالعلة هنا واحدة, وهي أن البول نجس، سواء باشرت من عضوك إلى الماء، أو بُلت في وعاء وصبيت البول في ذلك الماء، فذاك يقول: هنا فارق (يبولن) للمباشرة، وأما هنا فلا يوجد مباشرة، فقد بال في إناء وصبه، طيب ما الفارق بين هذا وهذا؟!

    ولذلك من ألغى القياس فسيصل إلى متناقضات عجيبة، ولذلك فأئمة الهدى يحتجون بالقياس، فعلامَ نسبة المذهب ونسبة إمام المذهب إلى هذا، فيقال: إمام الرأي، ومذهب أهل الرأي، هل هم لا يحتجون بالآثار؟! نعيذهم بالعزيز القهار من ذلك، ولو كان أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه يرد الآثار ويقدم القياس عليها؛ لكان شيطاناً مريداً.. للعنه أئمتنا بدل من أن يثنوا عليه، هل يعقل أن يثني عليه أئمة الآثار مثل يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين وعبد الله بن المبارك وسفيان الثوري والشافعي وأئمة الإسلام وهو يَرُدُّ كلام النبي عليه الصلاة والسلام؟!!

    يا إخوتي الكرام! هذا لا يخطر ببال إنسان، فلا بد من وعي هذا؛ ولذلك هذه النسبة تحتمل أمرين:

    إن أرادوا بها الذم؛ فقائلها هو الكريه المذموم.

    وإن أرادوا بها أن للحنفية شأناً لا يصل إليه من بعدهم في القياس والفهم والاستنباط؛ فنِعم ما قالوا، والأمر في موضعه حقيقة.. فهم أهل الآثار، وهم أهل الفهم والاعتبار، ولا أقول: إن من عداهم لا فهم ولا اعتبار عنده، لكنه دون فهم أبي حنيفة ، ولهذا -كما تقدم معنا- كان مما نقل عن الأئمة: من أراد أن يتفقه فهو عيال على أبي حنيفة ، وهذا قول الشافعي ، الذي حَمل عن محمد بن الحسن -تلميذ أبي حنيفة - حِمل بعير من العلم من علم سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وعليه فإذا أُريد أن لإمام الرأي وإمام القياس من جودة النظر ما ليس لغيره من البشر؛ فالكلام في محله، وإذا أريد أن أئمة الرأي والقياس يطرحون الآثار ويأخذون بعد ذلك بالآراء والقياس؛ فهذا ضلال وانتكاس، ولا يمكن أن يقول به الإمام أبو حنيفة ولا أتباعه رضوان الله عليهم أجمعين.

    القياس: هو إلحاق فرع بأصل في حكم لجامع بينهما، وهذا القياس قياس سديد رشيد، وما أنكره أحد من أهل الرشد من أئمتنا، نعم. هناك قياس فاسد بعيد, كأن تقيس الربا على البيع، فتقول: هنا أربح وهنا أربح، كما قاس المشركون وقالوا: (إنما البيع مثل الربا)، أو أن تقيس الزنا على النكاح فتقول: هنا يحصل إيلاج وإدخال وهنا يحصل مثله، أو أن تقيس الميتة التي أماتها الله على الذبيحة، كما تقدم معنا في منازعة المشركين للموحدين، فهذه أقيسة باطلة، وأبو حنيفة أبعد الناس عنها، استمع لمقولةٍ لسيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه في القياس، ينبغي أن تنقش على القلوب، يقول كما في السير في الجزء السادس صفحة إحدى وأربعمائة، وفي الجزء الذي في ترجمة أبي حنيفة للذهبي أيضاً صفحة أربع وثلاثين، قال أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه: البول في المسجد أحسن من بعض أنواع القياس. يعني لو جاء إنسان وبال في المسجد وتغوط في المسجد، فهذا أحسن من أن يفعل ويقول ويعمل ببعض الأقيسة التي يلجأ إليها المبتدعة، البول في المسجد أيسر وأخف من بعض أنواع القياس، وهذا هو القياس المذموم الذي يقول فيه من يقول: الربا كالبيع، فهنا معاملة بربح وهنا معاملة بربح، وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]؛ ولذلك أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس, بالأقيسة الفاسدة المنكرة المردودة، أما القياس السديد السوى فلا حرج فيه.

    الرد على من زعم أن أبا حنيفة يأخذ بالقياس ويترك النص

    استمعوا إخوتي الكرام! لهذا الذي جرى حول سيدنا أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه وأرضاه، أثار أهل البدع وأهل الضلال وأهل الهذيان.. أثاروا حوله زوبعة في حياته، وأنه يأخذ بالآراء، ويرد حديث نبينا خاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وحاشاه من ذلك، وأهل البدع ديدنهم أن يلفقوا حول أئمة الإسلام التهم من أجل التنفير عنهم، فاستمع لهذه القصة المحكمة بين سيدنا أبي حنيفة وسيد جليل من آل البيت الطيبين الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، القصة رواها الإمام الكردي في مناقب سيدنا أبي حنيفة صفحة إحدى وعشرين ومائتين، والصالحي في عقود الجمان صفحة تسع وسبعين ومائتين، والإمام ابن حجر في الخيرات الحسان صفحة ست وسبعين عن سيدنا الإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ما بعد هذا النسب من نسب، والقصة ينقلها شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك رضي الله عنهم أجمعين، والإمام الباقر هو أعلى من أن يُقال عنه: ثقة, أئمتنا عندما ترجموه قالوا: ثقة فاضل، حديثه في الكتب الستة، توفي سنة بضع عشرة ومائة رضي الله عنه وأرضاه، قال عنه الذهبي في السير في الجزء الرابع صفحة أربعين: هو السيد الجليل الإمام الباقر، ومن كلامه المحكم: (سلاح اللئام قبح الكلام).

    اجتمع الإمام الباقر رضي الله عنه وأرضاه مع سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين، وهو أكبر من سيدنا أبي حنيفة ، ومع الكبر في السن والعمر فهو من بيت النبوة، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فله منزلة وله على سيدنا أبي حنيفة دالة كدالة الأب على الابن، بل أعلى، كدالة النبي على أمته على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فعندما اجتمع الإمام الباقر بسيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه قال له: يا إمام! بلغني أنك تخالف أحاديث جدي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه! فقال: معاذ الله أن أفعل ذلك! ثم قال: أيها الإمام! لك عليَّ من المنزلة والاحترام كما لجدك على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فاجلس في أي مكان شئت حتى أجلس إليك, ما أكلمك وأنت واقف، هذا لا يليق بمقامك, اجلس في أي مكان شئت، فجلس الإمام الباقر رضي الله عنه وأرضاه، فجاء الإمام أبو حنيفة وتأدب وجلس بين يديه على ركبتيه ووضع يديه على فخذيه، وقال: أيها الإمام! سأسألك ثلاث مسائل فقط، سيظهر بها هل أرد الحديث أو أتبع الحديث، قال: سل! قال: الرجل أضعف أم المرأة؟ قال: المرأة، قال: كم فرض الله للمرأة بالنسبة للرجل؟ قال: النصف.. لها نصف سهم الرجل.

    قال: لو قلت بالقياس؛ لأعطيت المرأة ضعف الرجل؛ لأن الضعيف ينبغي أن تزيد في نصيبه، وأعوذ بالله أن أفعل هذا.

    أنا أسألك الآن: من أضعف الرجل أو المرأة؟ ستقول: المرأة، وهذا هو الحق، الله جل وعلا جعل للمرأة نصف نصيب الرجل، فبالقياس في الظاهر أننا نعطي للضعيف أكثر؛ لأنه بحاجة، فلو قلت بالقياس لأعطيت المرأة ضعف الرجل، أي: لأعطيتها مثل حظ الرجلين، كما نعطي الرجل مثل حظ الأنثيين، هذه واحدة.

    ثم قال: يا إمام! أيها أفضل وأعلى في الميزان الصلاة أم الصوم؟

    قال: الصلاة، فهي عمود الإسلام، وهي أفضل من الصوم، قال: لو قلت بالقياس لأوجبت على الحائض أن تقضي الصلاة ولا تقضي الصوم، بأن تقضي الفاضل وتترك المفضول، نحن عندنا الآن النص بالعكس، تقضي المفضول ولا تقضي الفاضل، ولو أردت أن أحكِّم القياس فسوف أقول للمرأة: اقضي الصلاة، لأنها أهم من الصوم، لكن كيف سنلجأ إلى القياس هنا، والقياس لا يُلجأ إليه إلا عند عدم وجود نص، أما إذا وُجد نص عن جدك عليه صلوات الله وسلامه وعلى آل بيته وصحبه صلوات الله سلامه فمن يخالفه؟ ما يخالفه إلا الشيطان.

    ثم قال: يا إمام! أيها أفحش البول أم المني؟

    قال: البول أفحش، قال: لو قلت بالقياس؛ لأوجبت الغُسل من البول لا من المني.

    هذا هو الفقه حقيقةً الذي أعطاه الله لهذا الإمام الذي أعطاه الله الحكمة، وهذا كلام في محله.

    استمعوا -إخوتي الكرام- لشأن أهل الفضل في الإسلام، فقام الإمام الباقر وقبَّل جبهة أبي حنيفة ، وهو حقيقة سليل بيت النبوة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، إكرام العلماء هذا أخذه من جده خاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه, تقدم معنا أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين أخذ بركاب زيد بن ثابت ، فقال له: دع عنك يا ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام! فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقال: أرني يدك، فأخذها وقبلها زيد بن ثابت ، وقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وهذه الزيادة ذكرها الإمام ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله، وقال بعض أهل العلم: لا تصح، وقد تقدم معنا الكلام عليها.

    الشاهد: أن إكرام آل بيت النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه للعلماء ليس بغريب، فمن بيتهم خرج الأدب والاحترام، فقام الإمام الباقر على جلالة قدره وقبَّل رأس أبي حنيفة .

    إذاً: يقول أبو حنيفة : أنا لو قلت بالقياس مطلقاً لقدمت القياس في هذه الأمور، سبحان الله! فالبول أفحش من المنى، وما أحد يغتسل من البول، ولو قلنا بالقياس لأغتسلنا من البول، والمني هل هو طاهر أو نجس؟ الحنفية يقولون بنجاسته، يغسل إذا كان رطباً ويفرك إذا كان يابساً، ليس كالبول, والبول إن يبس وإن لم ييبس لا بد من غسله، إذاً: البول أفحش، وفي بعض الكتب أنجس، وهذا غلط، كلام أبي حنيفة : البول أفحش أم المنى؟ قال: البول، قال: لو قلت بالقياس لأوجبت الغسل منه، لكن لا بد من أن نقف عند النصوص.

    إخوتي الكرام! كما قلت: إن أرادوا بأهل الرأي وبأهل القياس الذم؛ فمن قال هذا هو الكريه المذموم، وإن أرادوا حقيقة تفضيل الحنفية على غيرهم في جودة النظر والغوص على الأسرار والدقائق، فإلى سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه المنتهى، على العين والرأس, أكرِم وأنعِم.

    دقة نظر أبي حنيفة وقوة فقهه وفهمه

    استمعوا لشيء من دقة نظر سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه، تقدمت معنا القصة العجيبة ولها سبب يتعلق بها، في الرجل الذي كان يزوج ابنه ويطلق.. إن زوجه حرة طلقها وخسر المهر، وإن زوجه أَمَةً أعتقها، وأبوه الثري في حيرة منه.. استمعوا لهذه القصة فلها سبب، يقول فقيه الكوفة مع سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين، وهو عبد الله بن شبرمة ، ثقة فقيه، روى له البخاري تعليقاً ومسلم في صحيحه، وأهل السنن الأربعة إلا الترمذي ، توفي سنة أربع وأربعين ومائة للهجرة، انظروا ترجمته في السير في الجزء السادس صفحة سبع وأربعين وثلاثمائة، وابن شبرمة تقدم ذكره ممن سردهم الإمام ابن عبد البر ضمن الأربعين الذين اثنوا على سيدنا أبي حنيفة ، وقد توفي قبل سيدنا أبي حنيفة بست سنين رضي الله عنهم أجمعين، يقول: كنت أسيء الرأي فيه، على حسب تشويش من الحاسدين، لا يقع فيه إلا جاهل أو حاسد، وكان ابن شبرمة يجهل قدره، يقول: حتى اجتمعت معه، وجاء هذا الإنسان وسأله، فقال: يا إمام! ثم ذكر له هذه القصة.. يا إمام! أزوج ولدي، إن زوجته حرة طلقها، وإن اشتريت له أَمَةً أعتقها، تضيع أموالي في ذلك، فماذا أعمل معه؟!

    فقال: خذه إلى سوق الإماء، فأي جارية أعجبته اشترها أنت لك على أنها أَمَةٌ عندك، ثم زوجه إياها، فإن طلقها تعود إليك، وإن أعتقها لا ينفذ عتقه، فأنت المالك، فقال عبد الله بن شبرمة: قلت: لا يستحضر هذا إلا فقيه. هذا حقيقة ليس بإنسان عادي عندما يقول هذا, من يستحضر الفقه وهو أمام عينيه.

    قصة ثانية وقعت: مات رجل في عهد سيدنا أبي حنيفة ، وأوصى بشيء له، وجعله وصياً له، وأشهد على ذلك، وأبو حنيفة رضي الله عنه كان في سفر، فلما جاء قيل له: فلان أوصى لك وجعلك وصياً على ماله، ويوجد شهود على ذلك، فرفع القضية عند القاضي عبد الله بن شبرمة من أجل أن يأخذ ماله من الوصية، وهو الوصي على مال هذا الميت على حسب الأمانة التي جُعلت في رقبته، وكان في سفر، فقال: هاتوا الشهود، فأحضر الشهود، قال عبد الله بن شبرمة عندما شهد الشهود على الوصية: احلف على صدقهم، قال: ما أوجب الله عليَّ أن أحلف، لمَ أحلف على أنهم صادقين؟ أنا ما رأيت، وأنا كنت في سفر، قال: أين أقيستك التي تدعيها؟ بطل قياسك يا أبا حنيفة ! اخرج فليس لك حق، وإذا ما حلفت على أنهم صادقون فلن تأخذ الوصية ولن تكون وصياً، قال: على رِسلك، أنت الآن ستناظر أبا حنيفة ، ثم قال: يا إمام! ما تقول في أعمى شدخه إنسان على رأسه، وحضر هذا الاعتداء عليه أناس فأقام دعوى، فقال له القاضي: هات الشهود؛ فأحضر الشهود، فشهدوا أن فلاناً ضرب هذا الأعمى وشدخ رأسه، فقال القاضي للأعمى: احلف على صدقهم، قال: ما علي أن أحلف، كيف سأحلف ولم أعرف هؤلاء الشهود ولا حالهم، فهل عليه يمين؟

    قال: لا، قال: لقد خُصمت، قال: صدقت، خذ وصيتك وأنت الوصي.. هناك أنا كنت غائباً، والأعمى الذي فقد عينيه كأنه غائب، فشهد الشهود وسيحلفون اليمين على صدقهم, وهو ما له علاقة بهذا، ما دام يوجد شهادة أنت ستقضي بها، وأنت ملزم بذلك، قال: صدقت! خذ الوصية وأنت الوصي. رضي الله عنهم وأرضاهم.

    إخوتي الكرام! عندما جرى من أبي حنيفة ما جرى قال عبد الله بن شبرمة : عجزت النساء أن تلد مثل أبي حنيفة .

    استمعوا لهذه القصة، وهي تتعلق بدقة نظر وفِراسة، مع تعلقها بالفقه والحكم الشرعي.. والقصة إخوتي الكرم! أوردها الإمام الكردي في مناقب أبي حنيفة صفحة اثنتين وعشرين ومائتين، وانظروها في عقود الجمان للإمام الصالحي ، وخلاصتها: أن بعض الموالي من المعتقين قدم الكوفة في زمن سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين، قال: وكان معه زوجة من أجمل النساء في ذلك الوقت، وهو مسكين، عبد معتَق محرر ما عنده عرَض دنيا ولا شأن، ما معه إلا متاع يسير في تنقله وسفره، مع شيء من ماشية معه في طريقه، فلما مر بالكوفة اتصل بعض العتاة من الأثرياء الأغنياء بهذه المرأة، وقال لها يخببها على زوجها: لا يوجد بينة على أنَّ هذا زوجك, تأتين إليَّ وإذا صارت دعوى تقولين: أنا عند هذا من زمن وهو زوجي، والأصل أنك مع من تكونين، إلا إذا قام هناك بينة على خلاف هذا، وهو الآن غريب مسكين من الموالي من أين له البينة؟ فسوف يُطرد وتبقين معي. هذا فساد إخوتي الكرام! ما خلا عصر من الفساد، وبالفعل أخذها الثري وزوجها المسكين بقي يصيح، فرفع دعوى عند عبد الله بن أبي ليلى ، فقد كان قاضياً في زمن الإمام أبي حنيفة في هذه القضية، فاستشار أبا حنيفة، ماذا نفعل في هذه القضية؟ رجل من الموالي جاء معه غنيمات وله بيت من الشعر نزل في جوار الكوفة، ويقول: إن زوجته أخذت منه، ولما ذهبنا لذاك قال: هذه زوجتي وهي معي من سنين، وهذا جاء وتطفل يريد أن يأخذ الزوجة مني، يعني يمر ببلادنا ويأخذ أيضاً نساءنا! ولا يوجد بينة، فماذا أعمل؟ فقال سيدنا أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه: أنطلق أنا معك إلى رحله، ويظهر الحق بإذن الله، فذهبا إلى رحل هذا المولى، وعنده غنيمات وكلب مع هذه الغنم، وهو في ذلك البيت، فقال: ادع بعض النساء غير زوجته إلى هذه الخيمة، فلما جاءت -استمع لفقه أبي حنيفة - نبح الكلب وصاح وعوى، فقال ابن أبي ليلى : ماذا ستفعل نساء تأتي وتذهب، فقال: استمع ولا تعجل، ثم قال: ادع الزوجة التي يدعي هذا المولى أنها زوجته وهي عند الغني، فدعيت، فلما وصلت إلى الخيمة جاء الكلب وبصبص حولها وشمها وما عوى، وبدأ يدور حولها حتى دخلت إلى الخيمة، فقال: ورب الكعبة إنها زوجته، أبو حنيفة يقول ذلك، ما عندي شك، اضغطوا عليها لتُقر؛ فضُغط عليها فقالت: نعم، خدعني الثري وأنا زوجة هذا المولى المسكين، هذا هو النظر.

    استمع الآن لفقه الحنفية، يقول: لو خلا الرجل بزوجته، غلِّقت الأبواب، ومعهما كلب، فإن كان الكلب للرجل فتعتبر الخلوة خَلوة شرعية، يترتب عليها ما يترتب على الدخول الكامل، يعني: كأنه وطئ وإن لم يطأ، ويترتب على ذلك جميع الأحكام.. هذا إذا خلا بها وأرخيت الستور والكلب في الخيمة أو في الحجرة الكلب وهو للزوج، وما مد يده إليها، يقول: هذه خلوة شرعية كما لو باشرها، إن طلقها فلها المهر كاملاً بعد ذلك، وإن لم يمد يده إليها، وأما إذا كان الكلب لها، فلا تحصل الخلوة الشرعية، وإن أرخيت الستور وغلقت الأبواب، لماذا؟ قالوا: لأن الكلب سينبح على هذا الذي يريد أن يقترب من صاحبته، لأنه سيعوي عليه، بينما عندما يكون الكلب له لن يفعل شيئاً، حتى الكلب فطره الله عندما يرى الزوج يريد أن يباشر زوجته، ويرى أن له كرامة، يعني هذا من حقه، وأما الزوجة فما علم ما هي القصة، والنكاح رِق في شيء.. كما يقال: من الوضاعة في حق المرأة، فإن كان ضمن الحلال أحله الله، وإلا فهو في منتهى العار، ولذلك إذا كان الكلب للمرأة فإن ذلك يدعوه أن يعوي وأن يصرخ إذا جاء الزوج ليقترب من زوجته.