إسلام ويب

مقدمة في الفقه - أبو حنيفة فقيه الملة [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء عن كثير من العلماء والأئمة ما يدل على منزلة الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وعلى حبه ومكانته عندهم، بل ورد عنهم أنهم أوصوا بحبه، وذكروا أنه لا يحبه إلا سني، ولا يبغضه إلا مبتدع، وهكذا جاء الثناء على أبي حنيفة عن كثير من المحدثين الكبار أمثال يحيى بن سعيد القطان وغيره، ولا غرو في ذلك فقد كان أبو حنيفة من القراء المشهورين، كما كان محدثاً حافظاً، وفقيهاً عالماً، فاستحق بذلك مدحهم وثناءهم وحبهم رضي الله عنهم وأرضاهم.

    1.   

    حب الإمام أبي حنيفة وأقوال الأئمة في ذلك

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحَزْن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين..

    اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك.. سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! شرعنا في مدارسة أئمة الإسلام.. الأئمة الفقهاء الأربعة العظام رضوان الله عليهم أجمعين، وبدأت بسيدنا أبي حنيفة، فقيه هذه الملة المباركة المرحومة، وهو أول الفقهاء الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين، وقد حصلت فيه ثلاثة أمور حسان لم تحصل لبقية الفقهاء الكرام رضوان الله عليهم أجمعين:

    أولها كما تقدم معنا: أنه تابعي فاز بشرف صحبة ورؤية أصحاب النبي عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا ثبوت رؤيته لسيدنا أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين.

    الأمر الثاني: أنه هو الذي وضع الطريقة المتبعة في دراسة الفقه، فكل فقيه بعده بدءاً بسيدنا الإمام مالك فمن بعده ساروا على طريقة ترتيب وتبويب سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين في الفقه، بحيث يبدأ بالعبادات، ثم ينتقل إلى البيوع وهكذا, هذا الترتيب الذي وضعه بهذه الصورة والشاكلة الحنفية بقيادة إمامهم سيدنا أبي حنيفة النعمان رضوان الله عليهم أجمعين.

    الأمر الثالث الذي امتاز به أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه: هو حاله مع علماء الأمة كحال نبينا عليه الصلاة والسلام مع رسل الله الكرام، فنبينا عليه الصلاة والسلام أكثر الأنبياء تابعاً، وسيدنا أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه أكثر العلماء تابعاً من هذه الأمة, مذهبه حصل له رواج وقبول وانتشار، وعمل به الصالحون الأبرار في سائر الأقطار، بحيث لم تحصل تلك النسبة لأحد من أئمة الإسلام.

    هذه المزايا الثلاث امتاز بها هذا الإمام المبارك رضوان الله عليهم أجمعين.

    قلت إخوتي الكرام: سنتدارس ما يتعلق بترجمته ضمن أربعة أمور: الأول: نسبه وطلبه العلم، الثاني: في ثناء العلماء عليه وبيان منزلته ورتبته وفضيلته ومكانته، والثالث: في طريقة تفقهه في الدين، والرابع: في عبادته لرب العالمين سبحانه وتعالى.

    وكنا نتدارس الأمر الثاني -إخوتي الكرام- في بيان منزلة سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه حسبما قرر أئمة الإسلام أقرانه ومن جاء بعده رضوان الله عليهم أجمعين، تقدم معنا آخر شيء تدارسناه أن حبه من السنة، وأنه يجب على أهل الإسلام أن يدعوا لسيدنا أبي حنيفة النعمان في صلواتهم؛ لأنه حفظ عليهم السنن والفقه، وتقدم معنا أن هذا الكلام مأثور عن عدد من أئمة الإسلام العظام الكبار الكرام، منهم أبو معاوية محمد بن خازم ، ومنهم الإمام أبو عبد الرحمن الخريبي ، وغيرهم، ووقفت عند هذا الأمر، وسأكمل تقريره بعون الله وتوفيقه.

    نعم إخوتي الكرام! إن حب المسلمين فرض في الدين، فكيف بحب الأولياء الصالحين؟! فكيف بحب علمائنا وساداتنا الفقهاء المتقين؟! لا شك أن هذا من آكد الفروض، وأوجب الواجبات؛ فهم أولياء رب الأرض والسماوات، فهنيئا لمن هُدي إلى محبتهم، وتعطير المجالس بذكرهم، وشقاءً ثم شقاءً لمن حُرم من محبتهم، ولمن وقع في أعراضهم، نسأل الله أن يحفظنا من ذلك بمنه وكرمه؛ إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    أولياء الله حبهم فرض.. حبهم واجب، وقد تقدم معنا أنه عند ذكرهم تنزل الرحمات، وإذا ذكروا ذكر رب الأرض والسماوات، كما أنه إذا ذكر الله ذكروا رضوان الله عليهم أجمعين، فحب أبي حنيفة من السنة، وإذا أردت أن تعرف الإنسان هل هو سني أم لا؛ فانظر لموقفه نحو أئمتنا وفي مقدمتهم أولهم وفقيههم وأسبقهم رضي الله عنهم أجمعين سيدنا أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه.

    قول الإمام عبد العزيز بن أبي رواد

    قال العبد الصالح عبد العزيز بن أبي رواد ، كما في الخيرات الحسان في مناقب سيدنا أبي حنيفة النعمان صفحة ثمان وأربعين، والكلام موجود في عقود الجمان أيضاً في مناقب سيدنا أبي حنيفة النعمان ، الكتاب الأول كما قلت للإمام ابن حجر الهيتمي ، والثاني عقود الجمان للإمام الصالحي رضوان الله عليهم أجمعين. وعبد العزيز بن أبي رواد من أئمة الخير والصلاح، صدوق عابد خرَّج له البخاري في صحيحه تعليقاً وأهل السنن الأربعة، وانظروا ترجمته العطرة في السير في الجزء السابع صفحة أربع وثمانين ومائة، وقال عنه الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء الأول صفحة أربع عشرة ومائتين: ثقة. ووالده تقدم معنا وهو عبد المجيد بن أبي رواد من أهل مكة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، من أئمة الإسلام الكبار.

    كان عبد العزيز بن أبي رواد يقول: من أحب أبا حنيفة فهو سني، ومن أبغضه فهو مبتدع شقي، من أحب سيدنا أبا حنيفة رضي الله عنه وأرضاه فهو سني هذا على السنة، ومن أبغضه فهو مبتدع شقي، وكان يقول: بيننا وبين الناس أبو حنيفة النعمان ، فمن أحبه وتولاه؛ فهو على السنة، ومن أبغضه وانحرف عنه؛ فهو على البدعة. هذا هو الفيصل بين أهل الهدى وأهل الردى، فمن أحبه فهو على السنة، من تولاه فهو على السنة، ومن أبغضه وانحرف عنه فهو على البدعة، يقول هذا الكلام شيخ الإسلام العبد الصالح عبد العزيز بن أبي رواد رضوان الله عليهم أجمعين.

    الطعن في الإمام أبي حنيفة وفي غيره من الأئمة طعن في الإسلام

    ولذلك -إخوتي الكرام- الوقيعة فيه وفي أئمة الإسلام وقيعة في الإسلام، وقد تفطن سيدنا أبو زرعة رضي الله عنه وأرضاه لعمل الزنادقة اللئام، فقال: إذا رأيت أحداً ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله -على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه- فاعلم أنه زنديق ولا دين له، لمَ؟

    قال: لأن القرآن حق، والسنة حق، والذين نقلوا لنا القرآن والسنة هم الصحابة، فإذا كان الناقل لا يوثق به فما قيمة المنقول، ونحن -إخوتي الكرام- فقه ديننا يعود إلى هؤلاء الأئمة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وقلت مراراً: نصوص القرآن والسنة مع فهم الصحابة انحصر ذلك فيما عليه الفقهاء الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين، فإذا جئنا ووقعنا فيهم وطعنا فيهم فقد طعنا في الإسلام حقيقة، وهذه زندقة لكن كما يقال: من وراء جدار وستار، لا يريد أن يطعن في الإسلام مباشرة، يتوصل إلى الطعن في الإسلام عن طريق الطعن في أئمة الإسلام، بدءاً بسيدنا أبي حنيفة النعمان ومن بعده من الأئمة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    1.   

    مكانة ومنزلة الإمام أبي حنيفة عند علماء الحديث

    إخوتي الكرام! حقيقة الثناء على سيدنا أبي حنيفة النعمان من قِبل أئمة الإسلام لا يتسع للإحاطة به المقام، فقد جمع الله في هذا الإمام المبارك خصال الخير على التمام، وقد أثنى عليه -كما تقدم معنا- المحدثون والفقهاء والقراء والزهاد والعباد والأولياء رضوان الله عليهم أجمعين.

    قول يحيى بن سعيد القطان في الإمام أبي حنيفة

    قال العبد الصالح يحيى بن سعيد القطان، وقوله في تهذيب التهذيب في الجزء العاشر صفحة خمسين وأربعمائة، وهو في السير أيضاً في الجزء السادس في ترجمة سيدنا أبي حنيفة في صفحة اثنتين وأربعمائة، وهو أيضاً في الجزء الذي ألفه الإمام الذهبي في فضائل أبي حنيفة وصاحبيه، صفحة اثنتين وثلاثين يحيى بن سعيد القطان ، استمع ماذا يقول، يقول: نكذِب الله، ما سمعنا أحسن رأياً من أبي حنيفة ، وقد أخذنا بأكثر آرائه.

    (لا نكذب الله) أي: لا نقول عليه الكذب، لا نكذبه؛ فهذا ولي من أوليائه، وجعله حجة بين عباده، لما منَّ عليه من الفقه والفهم والحكمة، لا نُكذِّب الله فيما اختاره، ولا نَكْذبه فنحن نتكلم حقاً، وهذا إمام مبارك نقتدي به.. ماذا عندك؟

    قال: ما سمعنا أحسن رأياً من أبي حنيفة ، وقد أخذنا بأكثر آرائه، أكثر فقهه نحن نلتزم به وندين الله به. هذا يقوله يحيى بن سعيد القطان الذي قال عنه أئمتنا: ثقة متقن حافظ إمام قدوة، حديثه في الكتب الستة، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة، وقال عنه الذهبي في السير في الجزء التاسع صفحة خمس وسبعين: هو الإمام الكبير أمير المؤمنين في الحديث، ومن مناقبه أنه كان يختم القرآن كل ليلة، ولا يحدث بعد الختمة بشيء في الصباح حتى يدعو لألف من شيوخه، يسميهم بأسمائهم، ثم بعد ذلك يبدأ بنشر حديث النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وكان إذا جاء إلى المجلس مع أصحابه -كما في السير في ترجمته- كان بيده سُبحة يسبح بها، هذا أمير المؤمنين في حديث نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وقرئت مرة سورة الدخان بحضرته؛ فصعق، قال سيدنا الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه: لو أن أحداً يملك نفسه، ويستطيع أن يدفع الوارد إذا ورد عليه؛ لملك يحيى بن سعيد القطان نفسه. يقول: عندما يقع هذا الأمر على مَن يقع، ويصاب بالصعق عندما يسمع كلام الله جل وعلا، هذا ليس من باب التكلف، ولو أن الإنسان يمكن أن يضبط نفسه وهذا في وسعه؛ لضبط نفسه يحيى بن سعيد القطان ، وهذا الكلام في ترجمته في كتب الجرح والتعديل، لا في كتب الأساطير.

    وقد توفي هذا العبد الصالح سنة ثمان وتسعين ومائة، أي: بعد سيدنا أبي حنيفة بثمان وأربعين سنة.

    انتبه لحال يحيى بن سعيد القطان ! استمع هذا الكلام وعض عليه بالنواجذ، قال الذهبي في ترجمته: قلت: كان متعنتاً في نقد الرجال، فإذا رأيته قد وثق شيخاً فاعتمد عليه.. إذا وثَّق فما بعد توثيقه توثيق، لأنه كان يتشدد في التوثيق، فإذا كان يتشدد ويقول تلك الكلمة البليغة الحكيمة الجليلة العذبة الجميلة في سيدنا أبي حنيفة ؛ فإن قوله معتمد، فخذه وأنت مطمئن.

    وعليه فمن قال غير ذلك؛ فهو أحد اثنين: إما جاهل أو حاسد, من قال غير ذلك الكلام في سيدنا أبي حنيفة النعمان ؛ فهو أحد رجلين: جاهل بمكانته، أو حاسد لنعمة الله على عباده.

    يقول الذهبي: قلت: كان متعنتاً في نقد الرجال، فإذا رأيته قد وثَّق شيخاً فاعتمد عليه، أما إذا ليَّن أحداً فتأن في أمره حتى ترى رأي غيره فيه. هذا إذا لين، وهو الآن قد وثَّق وأبو حنيفة أعلى من يحيى بن سعيد القطان ، وحاشا أن نستدل على توثيق سيدنا أبي حنيفة بكلام يحيى بن سعيد القطان ! بل بكلام البخاري وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين، إنما فقط أذكر هذا لأبين أن مكانته مُسلَّمة رضي الله عنه وأرضاه، ولنعطر بعد ذلك المجلس بذكر أقوال هؤلاء الأئمة في هذا الإمام رضي الله عنهم وأرضاهم، وإلا فـأبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه في غنى عن توثيق من جاء بعده، يكفي شهادة الأقران له بأنه إمام الأئمة وفقيه الفقهاء رضي الله عنهم أجمعين، فلا يحصل التوثيق بكلام يحيى بن سعيد القطان ، إنما كما قلت: لبيان هذا الذي نُقل في ترجمة هذا الإمام، وإلا فعندنا الإمام أبو حنيفة أعلى منزلة من يحيى بن سعيد القطان ، وممن جاء بعده من أئمة الإسلام، فلا يمكن أن يُقاس به رضي الله عنهم أجمعين، ولكلٍ مقام معلوم, فلا بد من وعي هذا إخوتي الكرام! وليس المراد هنا إثبات توثيق سيدنا أبي حنيفة بكلام يحيى بن سعيد القطان، إنما هو إذا كان متعنتاً ووثق؛ فعض على ذلك بالنواجذ, فلو كان في أبي حنيفة شيء، فكيف يقول يحيى بن سعيد القطان هذا الكلام؟!!

    وتقدم معنا كلام يحيى بن معين أنه ثقة، وما سمع فيه تجريحاً وتضعيفاً، ما سمع أحداً يضعفه، وعليه فهذا حادث بعد ذلك لأسباب نسأل الله أن يغفر لنا وللمسلمين؛ إنه كريم وهاب.

    ثناء زهير بن معاوية على الإمام أبي حنيفة

    استمع لشهادة المحدثين الكبار في زمن سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم وأرضاهم، والمقارنة بين مجالسهم ومجالس سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم وأرضاهم، بإقرار ألسنتهم، فاستمع لكلامهم، لا كما قلت: من كتب الأساطير، إنما من كتب الجرح والتعديل.

    هذا العبد الصالح زهير بن معاوية وهو ثقة ثبت، حديثه في الكتب الستة، توفي سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع وسبعين بعد المائة، أي: بعد أربع وعشرين سنة على أكثر تقدير بعد سيدنا أبي حنيفة ، فقد عاصره وحضر مجالسه، ويعرفه رضي الله عنهم أجمعين.. ولد زهير بن معاوية سنة مائة، أي: بعد سيدنا أبي حنيفة بعشرين سنة كما في تقريب التهذيب، وقال الذهبي : وُلد سنة خمس وتسعين، أي: بعد سيدنا أبي حنيفة بخمس عشرة سنة، وحديثه في الكتب الستة، قال عنه الحافظ الذهبي في السير في الجزء الثامن صفحة واحد وثمانين ومائة: هو الإمام الحافظ المجود، كان من أوعية العلم، صاحب حفظ وإتقان، استمع لمنقبة لـزهير بن معاوية ، ثم اسمع لكلامه في مجالس سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه ومجالس غيره.

    حدَّث شعيب بن حرب ، وقد توفي سنة سبع وتسعين ومائة، وحديثه في صحيح البخاري، وسنن أبي داود والنسائي ، ثقة عابد.. قال الذهبي في ترجمته في السير في الجزء التاسع صفحة ثمان وثمانين ومائة: هو الإمام القدوة شيخ الإسلام شعيب بن حرب ، حدث بحديث رواه عن اثنين من شيوخه، عن زهير بن معاوية وعن شعبة بن الحجاج أبي بسطام ، إمام زمانه في الجرح والتعديل، حدث عن هذين الاثنين، وقد تقدم معنا ثناء شعبة على سيدنا أبي حنيفة ، وأمر سيدنا أبي حنيفة لـشعبة بأن يحدث كما تقدم معنا، وشعبة شعبة ، وإذا وجدت شعبة في حديث فاشدد يدك به, حدَّث شعيب بن حرب بحديث يرويه عن شيخيه عن زهير بن معاوية وعن شعبة ، فقدم زهير بن معاوية على شعبة ، فقيل له: تقدم زهير بن معاوية على شعبة ؟ فقال: زهير بن معاوية أفضل من عشرين مثل شعبة . فماذا يقول زهير بن معاوية في سيدنا أبي حنيفة ؟! استمع لكلامه:

    قال لرجل جاء ليحضر مجلسه ليتلقى حديث النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: أين كنت؟ قبل أن تأتيني أين كنت؟

    قال: في مجلس أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه.. كنت عند أبي حنيفة ، انتهى المجلس فجئت إليك. قال: والله إن ذهابك يوماً واحداً إلى مجلس أبي حنيفة أنفع لك من مجيئك إليَّ شهراً. مجلس واحد تجلسه عند أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه أفضل من أن تأتي إلى مجلسي شهراً كاملاً، هذا الكلام يقوله من هو أفضل من شعبة بعشرين مرة، زهير بن معاوية رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وحقيقة إخوتي الكرام! لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل، وقد ابتُلينا في هذه الأيام بأهل شطط وجَور، بينهم وبين سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه ما يزيد على ألف سنة، ويقعون في عرضه، قاتلهم الله أنى يؤفكون! وانظر لجهابذة المحدثين وكبار شيوخ أهل العلم في زمنه، يقول: أنت كنت في مجلس أبي حنيفة وجئت إلي! ذهابك لمجلس أبي حنيفة أنفع لك وأفضل من أن تحضر مجلسي شهراً كاملاً، وزهير بن معاوية هو زهير بن معاوية رضي الله عنه وأرضاه!

    هذا -إخوتي الكرام- ثناء الأقران الذين شهدوا حياة سيدنا أبي حنيفة النعمان، وليس بعد شهادة الأقران شهادة؛ ولذلك ما حصل بعد ذلك من كلام سيأتينا إنما هو جهل أو حسد، ما وقف على حقيقة هذا الفقيه فقال ما قال، وهو معذور لجهله أو حسده، فكلامه يرد عليه، لكن هذا كلام شيوخ المحدثين الكبار، المتعنت كما تقدم معنا في التوثيق والمتشدد يقول ما يقول في سيدنا أبي حنيفة ، إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين يقول ما يقول في سيدنا أبي حنيفة .. شعبة يقول ما يقول في سيدنا أبي حنيفة .. زهير بن معاوية .. عبد الله بن المبارك ، وهؤلاء كلهم رأوه، وجلسوا عنده وحضروا مجالسه، باستثناء سيدنا يحيى بن معين رضي الله عنهم أجمعين.

    1.   

    الإمام أبو حنيفة من القراء المشهورين

    إخوتي الكرام! كما قلت: جمع الله فيه خصال الخير، فهو من القرَّاء، وهو من حفاظ أحاديث نبينا خاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وهو أول الفقهاء، وهو من كبار الأولياء، فماذا تريد بعد هذه الفضائل من فضائل؟! من القراء وتُرجم له في كتب القراء، راجعوا غاية النهاية للإمام أبي الخير بن الجزري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.. غاية النهاية في طبقات القراء في الجزء الثاني صفحة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، عند حرف النون النعمان ، قال: هو إمام فقيه العراق المعظم في الآفاق، أخذ القراءة عرْضاً عن الإمام الأعمش وعاصم -الذي نقرأ بقراءته حفص عن عاصم - ثم قال: وأفرد أبو الفضل الخزاعي جزءاً في قراءة سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه، وفي النفس شيء من ذلك الجزء، ولو صح الإسناد إليه -إلى سيدنا أبي حنيفة -؛ لكانت قراءته من أصح القراءات، لكن هذا الإسناد حوله كلام، الذي اتُهم به هو الحسن بن زياد حين وضع هذه القراءة على سيدنا أبي حنيفة ، وقيل: إن الذي وضعها هو أبو الفضل الخزاعي ، والإمام أبو الخير بن الجزري برَّأ أبا الفضل الخزاعي ، وقال: الذي وضعه -وهو الذي يمر الإسناد إليه- الحسن بن زياد ونسبها إلى سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه، فهو من القراء هذا مجمع عليه، أخذ القراءة عن الأعمش وعن عاصم ، لكن هناك جزء في قراءته لو صح الإسناد إليه لكانت من أصح القراءات، لكن الإسناد اتُهم به أبو الفضل الخزاعي ، واسمه محمد بن جعفر ، يلقب بركن الإسلام، توفي سنة ثمان وأربعمائة كما في غاية النهاية في طبقات القراء في ترجمته، أما الإمام الخطيب البغدادي وبعده الإمام ابن الجوزي في المنتظم وبعدهما الإمام ابن كثير في البداية والنهاية فقد ذكروا أنه توفي -أعني: أبا الفضل الخزاعي - سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، وفي غاية النهاية سنة: أربعمائة وثمانية.

    وقد ذكر هذا الجزء في تاريخ بغداد والمنتظم والبداية والنهاية في حوادث سنة تسع وسبعين وثلاثمائة عُرض هذا الجزء، وهو الذي يقال له بجزء قراءة أبي حنيفة ، وفيه: (إنما يخشى اللهُ من عباده العلماء) هذه قراءة منسوبة لسيدنا أبي حنيفة بهذا الإسناد، وفيه (مَلَكَ يوم الدين) وهذه كلها لا تثبت، هذه يقال عنها: قراءة شاذة بإسناد موضوع لا تثبت.. موضوعة مزورة مكذوبة، الذي اتهم بها أبو الفضل الخزاعي أو الحسن بن زياد وقد عُرضت على سيدنا الإمام الدارقطني الجبل في الحفظ والإتقان وخشية الرحمن، فقال: هذا الإسناد موضوع، لكن هؤلاء الأئمة يقولون هذا أو هذا، والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    الإمام أبو حنيفة محدثاً

    وهو من الجهابذة الكبار الناقلين لحديث نبينا المختار على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه؛ ولذلك وردت ترجمته ضمن طبقات الحفاظ, انظروا كتب طبقات الحافظ يوجد ترجمة سيدنا أبي حنيفة في تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي في الجزء الأول صفحة ثمان وستين ومائة، وقال الإمام الذهبي في هذا المكان -وهذا كلامه بالحرف-: هو الإمام الأعظم فقيه العراق. ثم بعد أن ذكر نسبه كما تقدم معنا: النعمان بن ثابت بن زوطى بن المرزوبان رضي الله عنه وأرضاه، قال: كان إماماً ورعاً عالماً عاملاً متعبداً كبير الشأن، لا يقبل جوائز السلطان، وكان يتجر ويأكل من كسبه رضي الله عنه وأرضاه، ثم أورد ما أورد في ترجمته من ثناء ونقل عن العلماء، كما نقلت بعضه في قرابة صفحة ونصف.

    هذا كلام الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ، أي: حفاظ حديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وقال في السير في ترجمته في الجزء السادس صفحة تسعين وثلاثمائة: (هو فقيه العراق عالم الآفاق)، استمع! (عُني بطلب الآثار)، وهذا محل الشاهد (عُني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه فإليه المنتهى، والناس عيال عليه في ذلك)، عُني بطلب الآثار، وارتحل في تحصيل أحاديث نبينا المختار عليه الصلاة والسلام، أما الفقه والبحث في الرأي وغوامض الفقه والمسائل والدقائق، فهذا لا يلحقه فيه أحد، إليه المنتهى فيه، والناس عيال عليه في ذلك، هذا كلام الذهبي في السير، وهكذا أورده السيوطي في طبقات الحفاظ صفحة ثمانين من طبقات الحفاظ، وقال: هو فقيه العراق وإمام أصحاب الرأي، ثم نقل عن سيدنا عبد الله بن المبارك شيخ الإسلام أنه قال: ما رأيت في الفقه مثله، وتقدم معنا أنه قال: لولا أبو حنيفة وسفيان لضللت، وفي رواية: لولا أبو حنيفة وسفيان لكنت مبتدعاً، لولا أن منَّ الله عليَّ بهذين الرجلين الصالحين المباركين.

    ثم نقل السيوطي عن مكي بن إبراهيم ، ومكي ثقة ثبت، حديثه في الكتب الستة، توفي سنة خمس عشرة ومائتين عن تسعين سنة، وقد عاصر سيدنا أبا حنيفة خمساً وعشرين سنة، وحج ستين حجة، وتزوج ستين امرأة, ما جمع بينهن في وقت واحد، لعلهن كن يمتن أو كان يحصل طلاق والعلم عند الكريم الخلاق, وجاور في مكة المكرمة عشر سنين، قال: وكتبت عن سبعة عشر تابعياً، ولو كنت أعلم أنه سيُحتاج إليَّ وأن الناس سينقلون الحديث عني لما كتبت إلا عن التابعين، لكن يقول: لقد فرطت، ولو أكثرت من الرواية عنهم، فما كنت أظن أنه سيأتي يوم وأكون فيه رأساً، ويخرج حديثي في الكتب الستة، وانظروا ترجمة مكي بن إبراهيم في السير في الجزء التاسع صفحة خمسين وخمسمائة، قال مكي بن إبراهيم : أبو حنيفة أعلم أهل زمانه، ما رأيت في الكوفيين أورع منه رضي الله عنه وأرضاه، هذا يقوله مكي بن إبراهيم وهو من كبار المحدثين، فحديثه في الكتب الستة.

    إذاً: هو من القراء، وتقدم معنا أنه من الفقهاء، ومن حفاظ حديث نبينا خاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وهو من كبار الأولياء رضي الله عنه وأرضاه، يُتبرك بذكر اسمه، وتنزل الرحمة عند ذكره رضي الله عنه وأرضاه.

    استمع لكلام أئمتنا في تقرير هذا الأمر، قال الإمام الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث صفحة أربعين مائتين في النوع التاسع والأربعين، تحت عنوان: النوع التاسع والأربعين من أنواع علوم الحديث، في كتاب معرفة علوم الحديث للإمام الحاكم صاحب المستدرك، يقول: النوع التاسع والأربعون في معرفة الأئمة الثقات المشهورين من التابعين وأتباعهم ممن يجمع حديثهم للحفظ والمذاكرة والتبرك بهم وبذكرهم من الشرق إلى الغرب. يعني: سأورد في هذا الباب أسماء رواة الآثار من التابعين وتابعيهم ممن يجمع حديثهم ويحتج به وينقل، ويتبرك بهم وبذكرهم من الشرق إلى الغرب، ثم أورد خيار الفقهاء المحدثين في هذا الباب، فبدأ بأنصار المسلمين بمكة المكرمة، وبالمدينة المنورة على منورها صلوات الله عليه وسلامه، ولما وصل إلى الكوفة عدَّدَ مَن عدَّدَ، ومن ضمنهم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت ، إذاً هو ممن يتبرك به وبذكره، وهو من العلماء الصالحين رضوان الله عليهم أجمعين، هذا كلام أئمتنا إخوتي الكرام! وهذا -كما قلت- في كتب العلم، لا في كتب التاريخ والحكايات والقصص، حتى لا يقولن قائل: من أين هذا؟! هذا في كتاب معرفة علوم الحديث لعالم من علماء القرن الرابع الهجري وهو الإمام الحاكم رضي الله عنه وأرضاه، يقول هذا الكلام في سيدنا أبي حنيفة النعمان رضوان الله عليهم أجمعين.

    إخوتي الكرام! كما قلت: لا يمكن أن أحصي في هذا المقام عُشر معشار ثناء أئمة الإسلام على سيدنا أبي حنيفة النعمان، وهو في غنىً عن ثناء من أثنى عليه، إنما هذا كله من باب استنزال الرحمة، والتقرب إلى الله جل وعلا بذلك، وأن هذا هو الذي شهد به أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين، وإلا فهو أعلى من أن يوثقه من بعده، وأن يمدحه من جاء بعده رضي الله عنهم أجمعين.

    1.   

    ذكر الجم الغفير من الأئمة الذين أثنوا على الإمام أبي حنيفة

    من باب الإشارة العارضة فقط إلى جم غفير أثنوا عليه ووثقوه وتبركوا بذكره رضي الله عنهم أجمعين، أشار إليهم الإمام ابن عبد البر حافظ الدنيا في زمانه، الذي توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة في كتابه: الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء، في ترجمة سيدنا أبي حنيفة صفحة سبع وثلاثين ومائة، والإمام ابن عبد البر مالكي، وابن حجر الهيتمي صاحب كتاب الخيرات الحسان في مناقب سيدنا أبي حنيفة النعمان شافعي، والإمام الصالحي صاحب كتاب سبل الهدى والرشاد وصاحب كتاب عقود الجمان في مناقب سيدنا أبي حنيفة النعمان شافعي أيضاً، فهذا من كلام غير أهل مذهبه، يعني: لو أثنى عليه الحنفية قد يأتي صعلوك في هذا الزمان ويقول: هؤلاء ينتسبون إلى مذهبه، حتماً سيمدحونه، ولذلك أنقل لكم مدحه من كلام المحدثين وكلام الفقهاء من غير الحنفية، أما كلام الحنفية وثناؤهم عليه فما ذكرته، لا لأنه يوجد مَطعن في ثنائهم، لكن لأن هذا مفروغ منه، فالحنفي ما تبع أبا حنيفة رضي الله عنه وأرضاه إلا لتقديم هذا الإمام على غيره من أئمة الإسلام دون احتقار لأحد، لكنه يرى أن أقواله أقوى وأرجح، وفيه مزايا -كما ذكرت في أول هذه الموعظة- ثلاث خصال ما وُجدت في إمام من الأئمة الأبرار: فهو تابعي، وهو أول من وضع الترتيب الفقهي، وهو أكثر العلماء تابعاً، فحاله يشبه حال النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه بين الأنبياء، حال أبي حنيفة بين العلماء كحال نبينا بين الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فمن رضي فليرضَ، ومن لم يرضَ فليضرب رأسه في ألف جبل، واستقرئ علماء المسلمين في بلاد المسلمين ستجد أن أبا حنيفة أكثر العلماء تابعاً منذ أن وُجد مذهبه إلى هذه الساعة وإلى أن تقوم الساعة، هذه خصلة ومزية يحصل له من ورائها أجور لا يعلمها إلا العزيز الغفور، فهذه ثلاث خصال ما وجدت في إمام من الأئمة، وكلهم على العين والرأس رضوان الله عليهم أجمعين.

    ولذلك فقد نقل ما يتعلق بالثناء على سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه أئمة من المحدثين، ومن المالكيين ومن الشافعيين ومن الحنابلة كما تقدم معنا رضوان الله عليهم أجمعين.

    قال الإمام ابن عبد البر في الانتقاء صفحة سبع وثلاثين ومائة، بعد أن ذكر ما ذكر من الثناء عليه عن وكيع ، وخالد الواسطي ، والفضل بن موسى ، وعيسى بن يونس ، وزهير بن معاوية ، وعبد الرزاق ، والشافعي ، وابن جريج ، كل واحد يذكره في ترجمة ويذكر أقواله، وبعد ذلك الأقوال لا تنتهي، قال رحمه الله: وممن انتهى إلينا ثناؤه على أبي حنيفة ومدحه له -ولن أذكر كلام واحد منهم، وكلام هؤلاء كلهم موجود في كتب الثناء والتراجم والجرح والتعديل وبعضه تقدم معنا والباقي لم يتقدم- قال: وممن انتهى إلينا ثناؤه على أبي حنيفة ومدحه له: عبد الحميد بن يحيى ، ومعمر بن راشد ، والنضر بن محمد ، ويونس بن أبي إسحاق ، وإسرائيل بن يونس ، وزفر بن الهذيل ، وعثمان البتي ، وجرير بن عبد الحميد ، وأبو مقاتل حفص بن مسلم ، وأبو يوسف القاضي ، وسلم بن سالم ، ويحيى بن آدم ، ويزيد بن هارون ، وابن أبي رزمة ، وهو عبد العزيز بن أبي رزمة ، وهو ثقة، خرج حديثه الإمام أبو داود والترمذي في السنن، توفي ست ومائتين، وله ابن يقال له: ابن أبي رزمة ، اسمه: محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة ، وهو ثقة أيضاً، خرج له البخاري وأهل السنن الأربعة، توفي سنة إحدى وأربعين ومائتين، ووالده سنة ست ومائتين.. قال: وابن أبي رزمة ، وسعيد بن سالم القداح ، وشداد بن حكيم ، وخارجة بن مصعب ، وخلف بن أيوب ، وأبو عبد الرحمن المقري ، ومحمد بن السائب الكلبي ، والحسن بن عمارة ، وأبو نعيم الفضل بن دكين ، والحكم بن هشام ، ويزيد بن زريع ، وعبد الله بن داود الخريبي -وقد تقدم معنا الخريبي الذي يقول: إن حبه من السنة، ولا يقع فيه إلا جاهل أو حاسد- ومحمد بن فضيل ، وزكريا بن أبي زائدة ، وابنه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، وزائدة بن قدامة ، ويحيى بن معين ، ومالك بن مغول ، وأبو بكر بن عياش ، وأبو خالد الأحمر ، وقيس بن الربيع ، وأبو عاصم النبيل ، وعبد الله بن موسى ، ومحمد بن جابر الأصمعي ، وشقيق البلخي ، وعلي بن عاصم ، ويحيى بن نصر . كل هؤلاء أثنوا عليه ومدحوه بألفاظ مختلفة، هذا بعد أن ذكر من ذكر من أئمة الإسلام، ونقل أقوالهم على التفصيل سيطول الأمر.

    وهؤلاء الذين ذكرهم عددهم أربعون، وهم من ألوف مؤلفة لا يعلمها إلا رب العالمين ممن أثنوا عليه رضي الله عنهم وأرضاهم.

    ولذلك كما قلت إخوتي الكرام! لا يقع فيه إلا من غضب عليه الرحمن، فإن الفارق بين أهل الهدى وأهل الردى حب أبي حنيفة .. حبه علامة على السنة، وبغضه علامة على البدعة.

    وحقيقةً سفهاء هذا الزمان أتباع الخوارج اللئام لا يتورعون من الوقوع في سيدنا أبي حنيفة النعمان ، وبعضهم يقول على المنابر في بعض البلدان -مع الكفر البواح الذي نعيشه في هذه الأيام- يقول: هذا أبو جيفة وليس بـأبي حنيفة ! أيها المجيف المنتن! كيف ستلقى الله بهذا الكلام النتن؟!

    والله يا إخوتي الكرام! لو وُجد من يعظم الرحمن ويغار على حرمات الإسلام لضربوه على رأسه وأوقفوه عند حده، أبو حنيفة أبو جيفة! وأنت يا صعلوك! بعد ذلك تتطاول على أئمة الإسلام! لكن هذا حالنا، يلعن آخر هذه الأمة أولها، فقيه تابعي تقدم معنا له بشارة من النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أن النار لا تمسه، ثم بعد ذلك يقال: أبو جيفة! سلم منك عتاة الأرض في هذا الوقت وما سلم من لسانك الخبيث أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه!

    إذاً: هذا ما يتعلق بالجانب الثاني، ثناء الأئمة عليه رضوان الله عليهم أجمعين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.