إسلام ويب

مقدمة في الفقه - أبو حنيفة فقيه الملة [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • منزلة الإمام أبي حنيفة عند العلماء والأئمة منزلة رفيعة، فهو الإمام الفقيه الحافظ، الزاهد العابد الورع، الذي لم يبلغ أحد ما بلغ في فقهه وعلمه رحمه الله، ولذلك فقد أثنى عليه الأئمة ثناءً عاطراً، وذكروه ذكراً جميلاً، سواء كانوا من أقرانه وممن صاحبوه، أو من معاصريه الذين جمعهم وإياه حب العلم والعمل لدين الله.

    1.   

    ثناء العلماء على الإمام أبي حنيفة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:

    ثناء العلماء على سيدنا أبي حنيفة فقيه الملة إمام الأئمة، وهو الذي يُنعت بالإمام الأعظم رضي الله عنه وأرضاه.

    ثناء أبي داود ومسعر بن كدام على أبي حنيفة

    نقل الإمام ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله، في الجزء الثاني صفحة ثلاث وستين ومائة، وهكذا في الانتقاء في ترجمة الإمام الأول سيدنا الإمام مالك رضي الله عنهم وأرضاهم، حسب ترتيب الانتقاء، نقل عن سيدنا أبي داود رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: رحم الله أبا حنيفة كان إماماً، رحم الله مالكاً كان إماماً، رحم الله الشافعي كان إماماً.

    هذا يقوله أبو داود صاحب السنن، والإمام هو الفقيه، المحدث، الورع، التقي، هذا هو الذي يطلق عليه إمام عند سلفنا الكرام، وكل واحد من هؤلاء أئمة هدى.

    وفي الانتقاء عن العبد الصالح مسعر بن كدام ، صفحة خمس وعشرين ومائة، وهو ثقة ثبت فاضل فقيه إمام، حديثه في الكتب الستة، توفي سنة ثلاث وخمسين، وقيل: خمس وخمسين بعد المائة، يعني: بعد سيدنا أبي حنيفة بثلاث أو خمس سنين، كان يقول: رحم الله أبا حنيفة كان فقيهاً عالماً. وهو من أقرانه، وأصحابه، ومن المعاصرين له، وكان في الكوفة.

    ومسعر بن كدام كان شعبة يسميه بالمصحف، كان ينعته بأنه مصحف، قالوا: لأنه كان لا يخطئ، كما أن المصحف لا خطأ فيه، فما عُثر على خطأ لـمسعر بن كدام .

    يقول شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك رضي الله عنه وأرضاه:

    من كان ملتمساً جليساً صالحاً فليأت حلقة مسعر بن كدام

    هذا كلام أئمة الإسلام في أئمتنا الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وعليه فتشويش المتأخرين عليهم إنما هو صرير باب، أو طنين ذباب, الأئمة الجهابذة أولو الألباب يقولون هذا عمن عاصروه، ورأوه، وعرفوا حاله، وسبروا شأنه: رحم الله أبا حنيفة كان فقيهاً عالماً.

    انظروا ترجمة مسعر وكلام شعبة فيه في تهذيب التهذيب، في الجزء العاشر صفحة أربع عشرة ومائة.

    ومع ذلك -من باب التعليق كلمة على الهامش، لأنها ستأتينا في ترجمة سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم وأرضاهم- لما مات لم يشهد الثوري جنازته غفر الله له ورضي عنه، فقيل له: لمَ لمْ تشهد جنازته يغفر الله لنا ولك؟ قال: لأنه يقول: الصلاة ليست من الإيمان، أي: أنه من المرجئة. يا عبد الله! وسعوا الصدر، ما بينكم وبينه خلاف إلا في اللفظ، ولا داعي بعد ذلك للشدة في غير محلها.

    قال الإمام الذهبي في الميزان في الجزء الرابع صفحة تسع وتسعين: قلت: الإرجاء مذهب لجُلة من العلماء لا ينبغي التحامل على قائله: وتقدم معنا ما يتعلق بالإرجاء ضمن مواعظ سنن سيدنا الإمام الترمذي ، وفي التقريب ما أكثر الرواة الذين هم رووا لهم في الصحيحين ورموا بالإرجاء.

    إخوتي الكرام! باختصار هو يقول: الإيمان اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، فإن أطعت الرحمن صرت من المتقين، وإن عصيته فأنت من العاصين الفاسقين، وهذا قول حق، وجمهور أهل السنة يزيدون ويقولون: الإيمان اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، وحينما نأتي للتفصيل نقول: من عمل صار من المتقين، ومن لم يعمل فهو من العاصين، التفصيل هو هو، يعني: إذا لم يعمل هل هو من الكافرين؟ قالوا: لا يكفر، إذا لم يعمل لا يكفر، إذاً ما بينكم وبين القول الأول خلاف إلا في اللفظ، ولا ينبغي أن تكون مشاحات اصطلاحات يقع فيها مشاحنات وخصومات ومنازعات.

    إخوتي الكرام! الإمام الثوري حقيقة غضب للرحمن، لكن ينبغي للإنسان أن يتثبت، وأن يضع الأمور في مواضعها، والله يغفر لنا وله بفضله ورحمته.

    ثناء الإمام الأعمش على الإمام أبي حنيفة

    أما الإمام الأعمش سليمان بن مهران ، وهو إمام الدنيا في زمانه، وهو شيخ سيدنا أبي حنيفة كما سيأتينا في القراءة، لأنه تلقى القراءة عن الأعمش وعن عاصم الذي نقرأ بقراءته، رضي الله عنهم أجمعين, أخذ القراءة عَرْضاً عن عاصم وعن الإمام الأعمش ، فـالأعمش من شيوخه، وهو شيخ الدنيا في زمانه في الحديث، عندما أراد أن يحج أرسل بعض تلاميذه لسيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين ليكتب له المناسك، وهو محدث، لكن كيفية الحج ومناسكه لا بد لها من فقيه. وهذا مذكور في سائر الكتب التي تترجم لسيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وكان الإمام الأعمش إذا سئل عن مسألة يقول: يحسن الجواب عليها أبو حنيفة ، اذهبوا إليه، فذاك إنسان بُورك له في علمه. يعني: عنده علم لكن رزقه الله بركة العلم، وهي الفقه، يفتق هذا العلم ويستخلص منه الأحكام.

    وسُئل مرة عن مسألة وأبو حنيفة بجواره، وقد سألوا الإمام الأعمش لأنه شيخ أبي حنيفة ، فقال: قل فيها يا نعمان ، قال: تُسأل أنت وأجيب أنا؟ السؤال موجه إليك، قال: أنتم الأطباء ونحن الصيادلة، هذا يحال إليك، أنتم الأطباء معشر الفقهاء، ونحن الصيادلة، وكثيراً ما كان يقول الإمام الأعمش لـأبي حنيفة هذا، فإذا سأله عن مسألة وأجاب يقول: من أين لك؟ يقول: مما رويتم لنا، أنت شيخي في الحديث، وشيخي في القراءة، أنت الذي رويت لي هذا، فيقول: أنتم الأطباء ونحن الصيادلة.

    وواقع الأمر أن سيدنا أبا حنيفة طبيب وصيدلي؛ لأنه من المحدثين الكبار، لكنه ما صرف جهده للرواية كما صرف الإمام الأعمش ، هذا شأن آخر، وحاله في الرواية كحال سيدنا أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين، فسيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه ما صرف جهده للرواية؛ لانشغاله بأمر آخر، وهكذا سيدنا عمر رضي الله عنه، وهكذا سيدنا أبو حنيفة ، فما تفرغ لنشر الحديث بالأسانيد والطرق والروايات، إنما ما أخذه بذل جهده في استنباطه واستخلاص الأحكام منه، وهذا أعلى من الرواية، أما أنه محدث فهذا لا خلاف فيه، ولا يوجد كتاب من كتب الحديث إلا ترجم لسيدنا أبي حنيفة ، كما سيأتينا في تذكرة الحفاظ، وطبقات الحفاظ، ولا يوجد كتاب من كتب القراء إلا ترجموا لسيدنا أبي حنيفة ، فهو من الأئمة القراء، ولا يوجد كتاب في الفقه إلا ترجم لسيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه، وقال: محدث فقيه ورع زاهد عابد ناسك، لا توجد خصلة من خصال الخير إلا وجعلها الله فيه رضي الله عنه وأرضاه.

    هذا لا بد من وعيه إخوتي الكرام! فالفقيه طبيب، وهو أعلى من أن يقال عنه صيدلي، إذا كان فقيهاً فهو طبيب، يقال عنه: طبيب ولا يقال عنه صيدلاني.

    ثناء الإمام يحيى بن معين على الإمام أبي حنيفة

    وقال الإمام ابن معين كما في صفحة سبع وعشرين بعد المائة من كتاب الانتقاء: أبو حنيفة ثقة. استمع لكلام إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين رضي الله عنه وأرضاه: أبو حنيفة ثقة، ما سمعت أحداً ضعفه، قال يحيى بن معين : هذا شعبة يكتب إليه أبو حنيفة ويأمره أن يحدث، وشعبة شعبة . يعني: أبو حنيفة يقول لـشعبة : حدث وانشر العلم، ويأتمر شعبة بأمر أبي حنيفة ، يقول: وشعبة شعبة ، يعني: هو أول من نشر علم الجرح والتعديل شعبة بن الحجاج رضي الله عنه وأرضاه، فـأبو حنيفة يكتب إلى شعبة ويقول: حدث وانشر العلم، وأنت أهل لذلك، فإذا كان هو يأمر المحدثين بالتحديث في ذلك الحين فله شأن عظيم. هذا يقوله يحيى بن معين عليهم جميعاً رحمات ورضوان رب العالمين.

    وكان يحيى بن معين يقول: الفقه عندي فقه أبي حنيفة ، والقراءة عندي قراءة حمزة . يعني: أعلى القراء في الكوفة حمزة بن حبيب الزيات ، وأعلى الفقهاء الإمام أبو حنيفة أول الفقهاء الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين.

    وقال يحيى بن معين : ما رأيت مثل وكيع -وهو وكيع بن الجراح وهو ثقة حافظ عابد، حديثه في الكتب الستة، توفي سنة سبع وتسعين بعد المائة، إمام الأئمة- يقول: ما رأيت مثل وكيع ، وكان يفتي برأي أبي حنيفة ، إذا علم بمذهبه يفتي به ولا يتجاوزه.

    ثناء وكيع بن الجراح على الإمام أبي حنيفة

    وقيل لـوكيع -كما في الخيرات الحسان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، صفحة ثلاث وأربعين- قيل له: يزعم بعض الناس أن أبا حنيفة يخطئ، أخطأ في مسائل، فقال وكيع بن الجراح -الذي يلتزم بمذهب سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين-: لا يقول هذا إلا من كان كالأنعام أو هو أضل سبيلاً، هذا الكلام يقوله من هو في درجة الأنعام أو هو أضل منها، لماذا حكم عليه بهذا الحكم؟

    استمعوا لهذا التقرير، وانتبهوا لهذا التوجيه الذي ليس هو من باب تعصب لفرد، أو تقديس آراء فرد، يا إخوتي الكرام! هذا لا بد من وعيه، ثمانمائة طالب من طلبة العلم يجلسون في مجلس أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه، ومعهم كبار المحدثين، كبار الفقهاء، كبار الزهاد، كبار العباد، كبار اللغويين، هذا لا بد من معرفته، فقال وكيع بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين: كيف يخطئ أبو حنيفة وحوله الفقهاء كـأبي يوسف ومحمد بن الحسن .. وعَدَّدَ، وكيف يخطئ أبو حنيفة وحوله المحدثون.. وعدد المحدثين، وكيف يخطئ أبو حنيفة وحوله في حلقته اللغويون علماء اللغة العربية، وكيف يخطئ أبو حنيفة وعنده الزهاد وأهل الورع، لو أخطأ لرده هؤلاء.

    وهذا إخوتي الكرام! هو الفقه الجماعي، وهذه هي المدرسة الفقهية، هذا ليس رأياً فردياً، إنسان جالس في حجرته في مكتبته، جالس يرقع من هنا وهنا، ويقول: يبدو لي ويظهر لي.. يا عبد الله! ما يبدو لك ويظهر لك ضعه في جيبك وأرحنا منك، لست أنت ممن يقول: يبدو لي ويظهر لي!!

    يا إخوتي! في زمن التابعين رضوان الله عليهم أجمعين ثمانمائة من طلبة العلم، في عصر النور والبركة والسرور، من فقهاء، ومحدثين، ولغويين، وزهاد، وعباد، وورعين، هؤلاء كلهم في هذا المجلس، وأبو حنيفة ينشر العلم ويقرر، فإن أخطأ في اللغة رده فلان، وإن أخطأ في الحديث رده فلان، وإن أخطأ في الفقه رده فلان، هؤلاء علماء الدنيا في سائر الاختصاصات في ذلك المجلس، وفي تلك الحلقة، فكيف سيخطئ؟!

    نعم، أبو حنيفة وغيره كلهم يخطئون ويصيبون، لكن كما يقال: إذا كان الرأي فردياً، أما إذا كان معه جماعة، فإنه إذا أخطأ رده ذاك، وبعد التداول رجعوا إلى الصواب، هذا لا بد من وعيه إخوتي الكرام، مسائل تطرح، ويتناظرون فيها، ويتباحثون، ثم يُقرر الحكم الشرعي بعد ذلك.

    ولذلك قال وكيع : لا يقول هذا إلا من كان كالأنعام أو هو أضل سبيلا، لماذا؟ لأنه خطَّأ رأي الأمة برأيه، وهذا هو حال الأنعام السائمة أو من هو أضل منها، سترد رأي الجماعة برأيك الفردي، وشتان شتان، ولن ترد الآن رأي أبي حنيفة وحده، يعني فقد ترد رأي أبي حنيفة برأيك فيقال: رجل ورجل، لكن هذا المجلس جمع من جمع من سائر الاختصاصات، فلا يخطِّئ هذا المجلس إلا من كان في درجة العجماوات أو هو أضل سبيلاً.

    هذا حقيقة هو الإنصاف إخوتي الكرام! ووضع الأمور في مواضعها، ومن العجب أن يأتيك سفيه في هذه الأيام صعلوك لا يتقن أحكام الطهارة ويقول: أبو حنيفة يخطئ، وثلثا المذهب الحنفي خطأ! ويخرف ويهرف بما لا يعرف! مع أنه لو قلت له: تعال لنقرأ في جزء عم، نتساءل عن المفردات، دعنا بعد ذلك من أحكام الآيات، لما عرف المفردات، ولعلكم رأيتم في امتحان معهد الأئمة أئمة وخطباء ومدرسين جاءهم سؤال عليه أربعون درجة، يعني باقي للنجاح عشر درجات، السؤال كله مفردات فقط ما معنى عسعس؟ ما معنى طحاها؟ مفردات من جزء عم، فرسب منهم يعني ما يقارب العشرين في الدورة، يعني المفردات ما يعرفها، هذا حال الأئمة والخطباء، فكيف حال من عداهم؟

    لنفوض أمرنا إلى ربنا، هذه مفردات في جزء عم فقط مفردات، ما طلب شرح كلمة، ولا حكمها، ولا كذا، سؤال كامل في المفردات، ما معنى كلمة كذا فقط؟

    يا إخوتي الكرام! لا بد أن نعرف قدرنا، ولذلك من يخطئ أبا حنيفة فهو كما قال سيدنا وكيع كالأنعام أو أضل سبيلاً، لأن رأيه ليس برأي فردي، إنما هذا رأي له شأن، إذا كان الناس الآن يشيدون بشأن المجامع الفقهية، وأنها وأنها، وما يخفى عليكم حال الاجتماعات الرسمية في هذه الأيام، يعني: شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها الأغنياء ويمنع منها الفقراء، والمجامع التي تجري في هذه الأيام قد يحرم منها من هو أعلى ممن حضر؛ لأنه يحصل فيها ترتيبات معينة على حسب الأمور الرسمية، ومع ذلك يقولون: هذا رأي مجمع فقهي، ورأي متخصصين، ورأي جماعة متعددين، لا يرده فرد، فهو يقارب الإجماع.. أين المجمع الفقهي من مدرسة سيدنا أبي حنيفة ، ومن مجلس سيدنا أبي حنيفة ؟ هنا لا دخل للسلطان في هذا المجلس لا من قريب ولا من بعيد، وفيه اختصاصات من سائر الأنواع، ولا يريدون من ذلك الاجتماع إلا إرضاء رب الأرض والسماء، فذاك الاجتماع يرد، والآن المجامع الفقهية تعتبر!! هذا هو الضلال المبين.

    ثناء الإمام عبد الله بن المبارك على الإمام أبي حنيفة

    وممن أثنى على سيدنا أبي حنيفة شيخ الإسلام في زمانه، وهو من تلاميذ سيدنا أبي حنيفة ، وهو عبد الله بن المبارك، الذي اجتمعت فيه خصال الخير رضي الله عنه وأرضاه.

    تكلم رجل في سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه في مجلس حضره سيدنا عبد الله بن المبارك رضي الله عنهم أجمعين، فقال: اسكت يا هذا، فلو رأيت أبا حنيفة لرأيت عقلاً ونبلاً.

    وكان عبد الله بن المبارك يقول: إذا اجتمع هذان -يعني أبا حنيفة والثوري - على حكم، فتمسك به. رضي الله عنهم أجمعين.

    وكان يقول: لولا أن منَّ الله عليّ بـأبي حنيفة وبـسفيان لكنت كسائر الناس.

    فقيل له: أيهما أفقه أبو حنيفة أو مالك ؟ قال: أبو حنيفة أفقه من مالك . هذا حكم عبد الله بن المبارك رضي الله عنهم أجمعين.

    وكان يقول: عُرضت الدنيا بحذافيرها على أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه، فأعرض عنها وزهِد فيها.

    أرادت الدولة الأموية -كما سيأتينا- في آخر عهدها بواسطة يحيى بن هبيرة أن يولَّى القضاء أبو حنيفة ، فامتنع، وفي عهد الدولة العباسية أراد أبو جعفر أن يوليه القضاء فامتنع، وفي عهد الدولة الأموية أرادوا أن يضموا إلى القضاء شيئاً آخر وهو الخَتْم، والختم يعني ألا ينفذ حكم بقطع رقبة وتنفيذ حد إلا أن يختم بالختم وهو بيد سيدنا أبي حنيفة , القضاء مع توقيع عن الدولة, هذا يكون بيدك، وأنت المسئول عنه فامتنع، لقد عُرضت عليه الدنيا بحذافيرها فأعرض عنها وزهِد فيها، كما يقول شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك رضي الله عنهم أجمعين.

    وكان عبد الله بن المبارك يقول: رأي أبي حنيفة عندي إذا لم أجد أثراً كالأثر، يقول: نحن عندنا الحجة الكتاب والسنة, إذا ما رأينا الحكم في الكتاب والسنة، يقول: أنا عندي رأي أبي حنيفة كأنه أثر، هذا يقوله عبد الله بن المبارك ، رأي أبي حنيفة عندي إذا لم أجد أثراً كالأثر, أستدل بكلامه وأعول عليه، إذا لم أرَ نصاً في المسألة وفي حكم شرعي.

    قال الإمام ابن عبد البر في الانتقاء: الروايات كثيرة عن عبد الله بن المبارك في فضائل أبي حنيفة رضي الله عنهم وأرضاهم، يقول: روايات كثيرة متعددة بصيغ مختلفة يثني عليه، تارة يثني عليه من جهة الفقه، وتارة جهة الزهد، وأنه لولا أن منَّ الله عليه بـأبي حنيفة لما كان له شأن، وأن رأي أبي حنيفة عند عدم وجود الأثر كالأثر، يقول: الروايات عن عبد الله بن المبارك كثيرة في فضائل أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه.

    ثناء الإمام مالك على الإمام أبي حنيفة

    وهكذا أثنى عليه إخوتي الكرام الأئمة الثلاثة المُكمِلون للأربعة، ولنبدأ بأولهم بعد سيدنا أبي حنيفة وهو سيدنا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، قال الإمام مالك : لم أرَ مثل أبي حنيفة ، ولو رأيتَ أبا حنيفة -للمخاطب- لو رأيت أبا حنيفة لرأيت رجلاً لو قال لك: إن هذه السارية ذهب لقام بحجته. أي: من بلاغته وحسن كلامه وترتيبه وفصاحته، باستطاعته أن يدلل على صحة قوله.

    وهذا -إخوتي الكرام- كما تقدم معنا من باب المبالغة في بيان منزلة الرجل، كما قال أئمتنا: لو ارتد عبد الرزاق ما تركنا حديثه، والذي يرتد لا كرامة له كائناً مَن كان, لكن حاشا لسيدنا عبد الرزاق أن يرتد، فأئمتنا يريدون أن يدللوا على مكانته، وصدق لهجته رضي الله عنهم أجمعين، وهنا يقول: هذا الفصيح، البليغ، المِنطِيق، الذي بُورك له في علمه، ما رأيت مثله، ولو أراد أن يدلل على أمر من الأمور لما أعجزه ذلك، من فصاحته وبلاغته، فإذا أراد أن يثبت لك إن هذه السارية من ذهب لكان بإمكانه، وهذا لبيان منزلته في الاحتجاج وقوة البيان رضي الله عنهم وأرضاهم.

    ثناء الإمام الشافعي على الإمام أبي حنيفة

    وقال سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، وهذا متواتر عن الإمام الشافعي : الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة . من أراد أن يتفقه فهو عيال على أبي حنيفة ، ونحن في زمن العيال يردون فيه على الأئمة الكبار، وهذا الشافعي يقول هذا الكلام.

    والله -يا إخوتي الكرام- لو وُجدنا في زمن سلفنا لو رجمنا بالحجارة لكان قليلاً في حقنا فيما نستحق، يقول الشافعي لنفسه، ولتلاميذه الذين ملئوا الدنيا علماً، يقول: نحن عيال على أبي حنيفة ، هذا ما يقوله لنا في هذه الأيام، من أراد أن يتفقه فهو عيال أيضاً على أبي حنيفة ، الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة ، وهذا الكلام -كما قلت- متواتر عن الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه.

    قال الذهبي في السير، صفحة ثلاث وأربعمائة معلقاً على كلام سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنهم أجمعين: قلت: الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه. هذا لا يحتاج إلى أن يرتاب فيه إنسان، هذا أمر لا شك فيه، هذا كلام الذهبي ، ثم قال:

    وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل

    يعني: إذا أردت أن تدلل على فقه أبي حنيفة، كما لو أردت أن تدلل على وجود النهار عند كون الشمس طالعة في وسط النهار، هذا جنون ما بعده جنون, شمس طالعة وتريد أن تأتي ببراهين على طلوع النهار ووجوده.

    ثم قال الذهبي : وسيرته تحتمل أن تفرد في مجلدين رضي الله عنه ورحمه.

    إذاً: الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام، هذا لا شك فيه ولا نزاع.

    ثناء الإمام يزيد بن هارون على الإمام أبي حنيفة

    وقال العبد الصالح يزيد بن هارون -وهو ثقة متقن عابد، حديثه في الكتب الستة، توفي سنة ست ومائتين للهجرة، كما في تذكرة الحفاظ، في الجزء الأول صفحة ثمان وستين ومائة- قال عندما سُئل عن سفيان الثوري وعن أبي حنيفة النعمان : أبو حنيفة أفقه، وسفيان للحديث أحفظ.

    وسبب حفظ سفيان : أنه تفرغ لرواية الحديث ونشره، فظهرت صفة الحفظ فيه أكثر منها في أبي حنيفة ، وأبو حنيفة فقيه حافظ متقن، إن لم يزد على سفيان في الحفظ فلا ينقص عنه، لكن ما انفرد للرواية فقط, فهو أفقه، وسفيان أحفظ للحديث، تفرغ للحفظ وذاك تفرغ للفقه، وسفيان عنده فقه وهو فقيه، وإن كان في الفقه دون سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين، لكن كما قلت: هذا ظهر عليه صفة الحفظ، وذاك صفة الفقه.

    وقال يزيد بن هارون كما في التذكرة: ما رأيت أحداً أورع ولا أعقل من أبي حنيفة , رضي الله عنه وأرضاه.

    ثناء الإمام أحمد على الإمام أبي حنيفة

    وقال الفقيه الرابع الإمام أحمد كما في الخيرات الحسان، صفحة ست وأربعين، قال: أبو حنيفة من أهل الورع والزهد، وإيثار الآخرة على الدنيا، وهو في ذلك بالمحل الذي لا يدركه أحد، ولقد ضُرب رحمه الله بالسياط لِيلي القضاء فامتنع.

    وكان سيدنا الإمام أحمد يتأسى بسيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين في محنة خلق القرآن، يقول: ضُرب أبو حنيفة لِيلي القضاء فامتنع، إذاً أنا من باب أولى أن أصبر على الضرب، لكنه من أجل نعمة امتنع، وأنا الآن من أجل فتنة، فمن باب أولى ينبغي أن أصبر, صبر على الضرب ومع ذلك يريدون أن يعطوه نعمة فامتنع، وأما أنا فيريدون مني فتنة، فمن باب أولى أن أصبر وأتأسى به، فإذا صبر ذاك على الرخاء ورضي بالبلاء من أجل الرخاء، فمن باب أولى أن أصبر أيضاً على الشدة من أجل البلاء، أنا سينزل بي بلاء وفتنة في ديني، هكذا كان يقول الإمام أحمد رضي الله عنهم وأرضاهم.

    إخوتي الكرام! كما قلت أئمتنا قاطبة أثنوا عليه، وهو محل اتفاق في ذلك من قِبل من عاصره، وأدرك أحواله رضي الله عنه وأرضاه.

    ثناء أبي يوسف على شيخه أبي حنيفة وأدبه معه

    وتلاميذه الذين لهم شأن أيضاً كانوا يثنون عليه وهم أخبر الناس بأحواله، وإذا كان هو يتأدب مع شيوخه فله شأن كما تقدم معنا مع شيوخه كـحماد وغيره رضي الله عنهم أجمعين، فتلاميذه أيضاً كانوا يقومون بمثل ذلك، فيفعلون مع أبي حنيفة ما كان يفعله مع شيوخه رضي الله عنهم أجمعين.

    فهذا العبد الصالح أبو يوسف رحمة الله ورضوانه عليه أكبر تلاميذه، كما في الانتقاء صفحة أربعين ومائة، كان يقول: إني لأستغفر لوالدي ولشيخي أبي حنيفة في دبر كل صلاتي. والجزاء من جنس العمل، كان أبو حنيفة يستغفر لشيخه مع والديه، ويدعو لشيخه مع والديه، فقيظ الله وهيأ له التلاميذ لمثل هذا الخُلق الكريم، فكانوا يدعون لـأبي حنيفة مع أبويهم في دبر كل صلاة.

    وكان أبو يوسف يقول: الثوري أكثر متابعة مني لـأبي حنيفة ، الإمام الثوري رضي الله عنه كما وقف موقفاً سلبيا نحو مسعر ، فعلى هذا أيضاً نحو أبي حنيفة ، واتهمه بالإرجاء كما سيأتينا في طريقة سيدنا أبي حنيفة في الفقه والاستنباط، وماذا وُجه إلى طريقته، فأيضاً موضوع الإرجاء الثوري أثاره حول سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين، فـأبو يوسف يقول: انتبهوا الثوري أتبع لـأبي حنيفة مني، يعني هو يتبعه ويقلده أكثر مما أنا أستفيد منه وآخذ.

    وواقع الأمر -إخوتي الكرام- هو كذلك، فهو في الظاهر يخالفه في هذه المسألة، لكنه واقعاً لا يستغني عن أقوال أبي حنيفة ، وهو أتبع لـأبي حنيفة من أبي يوسف ، وعندكم أكبر المحدثين سيدنا البخاري ، أكثر الترجيحات التي رجحها في الفقه في صحيحه وافق فيها مذهب أبي حنيفة ، وهو أكبر المحدثين، شيخ أهل الحديث، الترجيحات الفقهية في الجامع الصحيح يوافق فيها الإمام أبا حنيفة .

    انظر مثلاً مثل من باب المثال: إخراج القيمة في صدقة الفطر، رأي البخاري أنه جائز على حسب ما قرر أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه، وأورد الآثار التي استنبط منها هذا، فأكثر ترجيحات البخاري التي مال إليها واجتهد فيها توافق مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه.

    ونجد من يقولون بعد ذلك: مذهب أهل الرأي، وهذا إمام أهل الأثر وافق أبا حنيفة ولم يوافق الأئمة الآخرين الذين تزعمون أنهم أئمة أثر، وهذا إمام رأي على زعمكم، فهذا كلام باطل، كلهم أئمة أثر، وأئمة هدى، وأئمة خير واستنباط.

    وكما قال الإمام ابن حزم ونِعْمَ ما قال: أجمع الحنفية على أن الحديث الضعيف يقدَّم على القياس. إذاً أين الرأي؟ إذا كان الحديث الضعيف يقدم على القياس فلن يكون القياس إلا فيما لا يوجد فيه نص، أو استنباط في مسألة طرأت ولا بد من نظر فيها، هنا يأتي أبو حنيفة ولا يستطيع أحد أن يلحق أثره، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

    1.   

    ذكاء أبي حنيفة وقوة استنباطه وبديهته

    استمع من باب التعجل لما سيأتي التمثيل عليه، من باب التعجل، امرأة حلف عليها زوجها بالطلاق ثلاثاً، كما في الكتب التي ترجمت لسيدنا أبي حنيفة ، انظروا مثلاً الخيرات الحسان صفحة تسع وسبعين، قال لها: إذا لم تطبخ زوجته له قدراً فيه مكوك ملحاً، ولا ينبغي أن يظهر أثر الملح في الطعام فهي طالق ثلاثاً، والمكوك صاع ونصف على حسب رأي الحنفية، أربعة كيلو ونصف، يعني تضع أربعة كيلو ونصفاً من الملح، وعلى حسب الجمهور ثلاثة كيلو ونصف, الصاع اثنين كيلو إلا ربع.

    تضع قدراً من الطعام فيه مكوك من الملح، وإذا جاء ليأكل لا يجد للملح طعماً، فما الحل؟ وأئمتنا قالوا: إن سرعة جواب أبي حنيفة في ذلك أعلى من فقهه، عُرضت عليه المسألة بعد أن أشكلت على الفقهاء، والمرأة ستطلق، إذا ما طبخت فهي طالق، قال: ما أيسرها! كيف أشكل عليكم هذا؟ قالوا: وكيف؟ قال: تضع بيضاً في القدر، وتلقي عليه مكوكاً وزيادة من الملح وتسلق له البيض، فإذا نضج البيض يأكله وليس فيه طعم الملح، أليس كذلك؟

    يا إخوتي الكرام! هذا هو الفقه، وهذا هو الاستنباط، وحقيقة لو جلس إنسان يفكر قد يهتدي إلى هذا الجواب في النهاية، أن هذا الطعام لن يظهر فيه أثر الملح، لكن هذه هي البديهة، وهذا الجواب المحكم له شأن.

    يقول الإمام الليث بن سعد رضي الله عنه وأرضاه، وهو إمام أهل مصر، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، حديثه في الكتب الستة، توفي سنة خمس وسبعين بعد المائة، وتقدم معنا أن عبد الله بن وهب كان يقول: لولا أن الله منَّ علي بـمالك والليث لضللت، يقول الإمام الليث بن سعد الذي له شأن عظيم رضي الله عنه: كنت أسمع بـأبي حنيفة -وهو كان في مصر وذاك في الكوفة- فاشتهيت أن أراه وأتحقق من جودة ذهنه، وحسن نظره رضي الله عنه وأرضاه، قال: فبينا أنا في مكة، رأيت الناس قد اجتمعوا على إنسان يسألونه، وقالوا: هذا أبو حنيفة ، يقول: نعمت الغنيمة، يعني في النسك رأيت أبا حنيفة في هذه الحجة، قال: فاقتربت منه وهو لا يعرفني، لأسمع ماذا سيسأل وبأي شيء سيجيب، فانبرى له سائل، وقال: يا أبا حنيفة ! إنني من الأغنياء الأثرياء، وعندي ابن أتعبني، إذا زوجته وتكلفت المهر وخسرت يطلق، فيذهب المهر، وإذا سريته واشتريت له أمة يتسرى بها يعتقها، يجلس معها ليلة ثم يعتقها، فما الحل؟ ما تستقر معه زوجة، هذه يطلقها ويذهب المهر، وتلك يعتقها ويذهب ثمنها، فماذا ترى من حل شرعي لهذه القضية؟

    فقال: خذه واذهب به إلى سوق الإماء، سوق النخاسين، فأي أمة أعجبته اشترها لك، ثم زوجه إياها، فإن طلق تعود إليك، وإن أعتق لا يصح عتقه؛ لأنها مملوكة لك، وحينذاك لن تخسر ولا ريالا، وإذا أراد أخرى أيضاً زوجه، المسألة سهلة، والملك سيعود إليك.

    قال الليث بن سعد رضي الله عنه وأرضاه: فأُعجبت بسرعة جوابه أكثر من إعجابي بجوابه، حقيقة هذا هو الذي يستحضر الفقه أمام عينيه، ويجيب بجواب محكم، لا خلل فيه في شريعة الله عز وجل، هذا هو الفقه، هذا حسن نظر، أما أنه يترك الحديث ويعمل رأيه فلا، وقد أجمع الحنفية على أن ضعيف الحديث يقدم على القياس، فكيف سيعمل بعد ذلك القياس عند وجود الأحاديث الصحيحة، كما سيأتينا في طريقته في الفقه والاستنباط رضي الله عنه وأرضاه.

    إخوتي الكرام! حقيقة حب هذا الإمام من الإسلام، قال الإمام الصالح أبو معاوية الضرير وهو محمد بن خازم ، توفي سنة خمس وتسعين ومائة، وحديثه في الكتب الستة، وهو الذي دعاه هارون الرشيد إلى بيته، وكان أعمى رضي الله عنه وأرضاه، وبعد أن طعم صب هارون الرشيد على يديه ليغسل، وقال: أتدري من يصب عليك الماء؟ قال: من؟ قال: أمير المؤمنين هارون ، فقال: أجلك الله يا أمير المؤمنين كما أجللت العلم وأهله.

    أبو معاوية الضرير محمد بن خازم يقول: حب أبي حنيفة من السنة، كما في السير وغيره في الجزء السادس، صفحة واحدة وأربعمائة.

    وقال الإمام عبد الله بن داود الهمداني الخريبي ، ثقة، روى له البخاري وأهل السنن الأربعة، وقد أمسك عن الرواية في آخر أيامه، فما استطاع البخاري أن يروي عنه مباشرة، إنما روى عنه بواسطة، حديثه في صحيح البخاري لكن بواسطة، وإنما أمسك لما رأى أن نية الطلاب فسدت فما حدث حتى مات رضي الله عنه وأرضاه، انظروا ترجمته في السير، في الجزء التاسع صفحة ست وأربعين وثلاثمائة، كان يقول كما في السير: ما يقع في أبي حنيفة إلا جاهل أو حاسد، والناس أعداء لما جهلوا، أو يحسده، وهو شر الأوصاف، شر الصفتين.

    وقيل له كما في تذكرة الحفاظ، في الجزء الأول صفحة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، في ترجمة الخريبي لا في ترجمة أبي حنيفة ، قيل للخريبي : يذكرون أن أبا حنيفة يرجع عن بعض أقواله. يعني أحياناً يقرر قوله ثم يرجع، قال: سبحان الله! إن الفقيه إذا اتسع علمه فعل ذلك، يعني هم قرروا ما قرروا بناء على ما بلغهم من أثر، ثم رأوا ما يعارض هذا من آثار أخرى، مما هو أقوى أو مما هو ناسخ، أو نحو ذلك، فرجعوا عن ذاك وقالوا بهذا، قال: هذا شأن الفقيه إذا اتسع علمه، وهذا من نبل أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه.

    أما قال سيدنا عمر هو الخليفة الراشد الثاني، في المسألة المشتركة: ذاك على ما قضينا به، وهذا على ما نقضي، وهو الخليفة الراشد، فالإنسان إذا اتسع علمه وتغير بعد ذلك حكمه كان ماذا؟ بل هذا من نبل أبي حنيفة ، الإنسان إذا اتسع علمه قد يرجع أحياناً عن بعض الأقوال التي تم رأي الجماعة عليها لوجود دليل أقوى بلغهم بعد ذلك، رضي الله عنهم وأرضاهم.

    والإمام الخريبي انظروا ترجمته في تذكرة الحفاظ، في المكان الذي ذكرته، في الجزء الأول صفحة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، يقول فيه سيدنا وكيع بن الجراح : النظر إلى وجهه عبادة. هذا في تذكرة الحفاظ في ترجمة الإمام الخريبي، النظر إلى وجه عبد الله بن داود الهمداني الخريبي عبادة، ونعته الحافظ بقوله: ثقة، عابد، من الزهاد الأولياء، النظر إلى وجهه عبادة.

    وروى عنه الإمام المزي في تهذيب الكمال قال: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا لـأبي حنيفة النعمان في صلاتهم للرحمن، لأنه حفظ عليهم السنن والفقه.