إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في الفقه - أبو حنيفة فقيه الملة [1]

مقدمة في الفقه - أبو حنيفة فقيه الملة [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تتميز الشريعة الربانية عن القوانين الوضعية بالإنصاف والعدل بين جميع المخلوقات، وهذا الاعتبار لا يوجد إلا في شريعة رب الأرض والسماوات التي حددت أنواع المعاملات في الحياة؛ معاملة الإنسان مع ربه، ومع نفسه، ومعاملته مع غيره من حيوان وجماد.

    1.   

    تابع فوائد ذكر قصص الصالحين وأخبارهم

    ذكر الله تعالى عند ذكر أوليائه وعباده الصالحين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحَزْن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين. اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! شرعنا في مدارسة الأمر الثاني من المقدمة التي سنتدارسها قبل البدء بدروس الفقه، وقلت: هذه المقدمة ستدور على أمرين اثنين:

    الأمر الأول: مر الكلام عليه في تعريف علم الفقه ومنزلته، وفي وجوب الاحتكام إلى شريعة ذي الجلال والإكرام.

    والأمر الثاني كما قلت: في ترجمة موجزة لأئمتنا الفقهاء الأربعة، رضوان الله عليهم أجمعين.

    قدمت للأمر الثاني إخوتي الكرام بمقدمة في الموعظة الماضية، وهي في منزلة ذكر الصالحين في الدين، فقلت: هذا لون من ألوان الدعوة إلى رب العالمين، وهذا البحث ليس من باب النافلة والاستطراد، إنما ينبغي أن يعتني به أهل الرشاد، فعدا عن حق أئمتنا علينا، وعدا عن تقربنا بذلك إلى ربنا، عدا عن هذين الأمرين كما قلت: أن النفس البشرية تستروح إلى القصة والخبر، ثم بعد ذلك عندما تسمعها تسري فيها أمور الخير التي تحتويها هذه القصة من حيث لا تشعر النفس البشرية.

    وعليه فنحن بذلك نحصل فائدة عندما نسمع أخبار أئمتنا، وهذا الأمر نشبع به الشعور النفسي، الشعور الفطري في نفوسنا، ثم بعد ذلك نهذب أنفسنا من حيث لا نشعر عندما نعلم أحوال أئمتنا، وهذا يدعونا للاقتداء بهم رضوان الله عليهم.

    إخوتي الكرام! آخر ما ذكرته في الموعظة الماضية: أنه عند ذكر الصالحين تنزل رحمات رب العالمين سبحانه وتعالى، وقلت: إن هذا الأثر ثابت عن أئمتنا الكرام الطيبين، قاله سفيان بن عيينة ، وقاله سفيان الثوري ، وأيضاً استشهد به أئمة الإسلام كالإمام أحمد ومن بعده رضوان الله عليهم أجمعين.

    وقلت: إنه كلام حق ومعتبر، وبينت معناه، ووجهت هذا القول، ونقلت كلام الإمام الغزالي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في توجيهه وبيان معناه.

    وقلت: إخوتي الكرام! سنبدأ في أول هذه الموعظة بأمر يسير تكملة للأمر الذي تدارسناه في الموعظة الماضية، ثم ندخل في ترجمة سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه.

    هذا الأمر -إخوتي الكرام- الذي بقي علينا هو: كما أنه عند ذكر الصالحين تنزل رحمات رب العالمين، أيضاً عند ذكرهم يذكر رب العالمين سبحانه وتعالى، كما أنه عند ذكر الله يُذكر أولياء الله، وقد أشار إلى ذلك نبينا رسول الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    فقد ثبت في مسند الإمام أحمد، والأثر رواه أبو نعيم في الحلية، والحكيم الترمذي ، من رواية سيدنا عمرو بن الجموح الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، والأثر رواه الطبراني في معجمه الكبير عن عمرو بن الحنق ، فهو عن صحابيين عن عمرو بن الجموح وعن عمرو بن الحنق رضي الله عنهم أجمعين.

    وفي إسناد الحديثين رشدين بن سعد الإمام الصالح من بلاد مصر، قال عنه الإمام الهيثمي في المجمع، في الجزء الأول صفحة تسع وثمانين: فيه رشدين بن سعد ، ضعيف. وإطلاق الضعف فيه يحتاج إلى شيء من التفصيل كما قال الحافظ في التقريب: ضعيف، ورجح أبو حاتم ابن لهيعة عليه، قال: وكان -أي ابن رشدين - رجلاً صالحاً في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فكان يهِم ويخطئ، وقد أخرج حديثه الترمذي في السنن، والإمام ابن ماجه ، وتوفي سنة ثمان وثمانين بعد المائة، عليه رحمة الله ورضوانه.

    ومعنى الحديث إخوتي الكرام ثابت صحيح في آثار كثيرة، ولفظ الحديث عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أنه قال: ( لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله، فإذا أحب في الله وأبغض في الله استحق الولاية من الله )، صار ولياً لله عز وجل استحق الولاية من الله, ( قال الله عز وجل: وإن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري، وأذكر بذكرهم، فإذا ذكرت ذكروا وإذا ذكروا ذكرت )، فهم أوليائي وهم أحبابي، وأنا سيدهم ومالكهم سبحانه وتعالى.

    إذاً: يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم، والحديث -كما قلت- ما في إسناده من تُكُلم فيه إلا هذا العبد الصالح، الذي أخذته غفلة الصالحين، وهو رشدين بن سعد عليه رضوان رب العالمين.

    وهذا النعت لأولياء الله المتقين، هو المذكور أيضاً فيما أنزل على أنبياء الله السابقين، على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، روى شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد والرقائق، صفحة إحدى وسبعين، والأثر في المسند، والأثر رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد، في صفحة أربع وسبعين، وهو من أخبار أهل الكتاب، أخبار نبي الله موسى على نبينا وعليه وصحبه صلوات الله وسلامه:

    قال نبي الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه مخاطباً ربه جل وعلا: ( رب أخبرني عن أهلك الذين هم أهلك، فقال: المتحابون فيّ، الذين يعمُرون مساجدي بذكري، ويستغفروني بالأسحار، الذين إذا ذكرت ذكروا، وإذا ذكروا ذكرت، هم الذين يُنِيبون إلى طاعتي كما تنيب النسور إلى وكورها )، يرجعون إلى طاعة الله ويلازمونها كما تلازم النسور أوكارها أو بيوتها، ( ويَكلفَون بحبي -أي: يتعلقون- كما يكلف الصبي بأمه، ويغضبون لمحارمي إذا انتهكت كما يغضب الليث الحَرِب )، أي: يغضبون لمحارمي إذا انتهكت كما يغضب الليث الحَرِب، وهو الأسد إذا غضب وأراد أن ينتقم.

    حقيقة يذكر الله إذا ذكر أولياء الله، ويذكر الصالحون إذا ذكر الحي القيوم، ولذلك عند ذكرهم تنزل رحمة الله جل وعلا.

    وكما قلت إخوتي الكرام! لذكرهم أثر كبير على نفوس العباد، فالسعيد السعيد من وُفق لذكرهم، ومحبتهم، وتعلق بهم، رضوان الله عليهم أجمعين.

    ذكر الإمام ابن الجوزي في أول كتابه صفة الصفوة، في الجزء الأول صفحة خمس وأربعين، بعد الأثر المتقدم عن سيدنا سفيان بن عيينة ، نقل هذا الأثر عن محمد بن يونس أنه قال: ما رأيت للقلب أنفع من ذكر الصالحين.

    وقال العبد الصالح خلف بن حوشب ، وهو من العلماء الربانيين، روى له البخاري في صحيحه تعليقاً، والإمام النسائي في خصائص سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، قال: ما رأيت للقلب أنفع من أخلاق القوم. أي: من ذكر أخلاق القوم، أخلاق الصالحين، فإذا ذكرها الإنسان فإنها تسري معانيها في ذراته من حيث لا يشعر.

    1.   

    ترجمة إمام الملة أبي حنيفة رحمه الله

    إخوتي الكرام! والآن نبدأ بمدارسة أول الفقهاء الأربعة سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين.

    إخوتي الكرام! كما وعدت في الموعظة الماضية، أن مدارستنا لكل واحد من أئمتنا ستكون في موعظة، ويعلم ربي أنني جلست اليوم وقتاً طويلاً لأضغط ما يتعلق بترجمة سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه ليتم الكلام عليه في موعظة، وما أظن أن الأمر سيحصل، ولكن لعلنا نضاعف الأمر، لتكون ترجمة كل إمام في موعظتين، لنأخذ فكرة واضحة عن الإمام، واصبروا وما صبركم إلا بالرحمن.

    إخوتي الكرام! دراستنا للفقيه الأول رضي الله عنه وأرضاه ستقوم على أربعة أمور، سنتدارس أمرين في هذه الموعظة، فيما يتعلق بنسبه وطلبه، هذا الأمر الأول، والثاني: فيما يتعلق بثناء العلماء عليه رضوان الله عليهم أجمعين, بقي بعد ذلك طريقته في التفقه في الدين، وما اعتُرض على هذه الطريقة من قِبل الواهمين، سوف نتكلم على هذا في الأمر الثالث، والأمر الرابع الذي أختم به ترجمته هو حاله مع الله عز وجل في عبادته وزهده وورعه ومحاسبته لنفسه، رضي الله عنه وعن أئمتنا أجمعين. فلنأخذ الأمرين الأولين في ترجمة سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه.

    اسمه ونسبه ومولده

    إخوتي الكرام! أما فيما يتعلق بفقيه الملة، وأول الأئمة، وهو الإمام الأعظم، فقيه العراق، والمعظم في الآفاق: أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى ، على وزن موسى، أو على وزن سَلمى، زَوطى.

    وزَوطى قيل: لقب، واسم زَوطى زُوطى: النعمان، وعليه فيكون اسمه أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان ، وهو فارسي الأصل رضي الله عنه وأرضاه، وجده اسمه: النعمان ، وزُوطى أو زَوطى قيل: هو لقب، وقيل: اسم ثان له، والعلم عند الله جل وعلا.

    وُلد سنة ثمانين، وتوفي سنة خمسين بعد المائة من هجرة نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، أسلم جده وهو النعمان زُوطى أو زَوطى ، ووُلد له ثابت -وهو والد سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين- في عهد سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، فحمل النعمان ولده ثابتاً إلى سيدنا علي ليُبرِّك عليه، ليدعو له بالبركة، فقرأ عليه، ودعا له، ومسح عليه، فنالته البركة، ولذلك كان حماد ولد سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين يقول: أنا لنرجو البركة التي دعا لنا بها علي رضي الله عنهم وأرضاهم. لأن والد سيدنا أبي حنيفة دعا له سيدنا علي ، قرأ عليه، مسح عليه، إذاً: زَوطى الذي هو النعمان أسلم، ووالد سيدنا أبي حنيفة وُلد في الإسلام وهو ثابت .

    والإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه وُلد في عصر النور والإسلام أيضاً، وقد رأى سيدنا أنس بن مالك باتفاق أئمتنا، لكن اختُلف في رؤية غيره من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فقيل: رأى ستة، وقيل أكثر، وقيل أقل، وفي ذلك نزاع، والذي يهمنا أنه رأى سيدنا أنس بن مالك بلا شك، وهذا باتفاق أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين، وسيدنا أنس رضي الله عنه وأرضاه كان يسكن البصرة، وبها توفي سنة اثنتين وتسعين أو ثلاث وتسعين من هجرة نبينا الأمين، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وعليه فقد كان عُمْر سيدنا أبي حنيفة اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة سنة، وكان سيدنا أنس كثيراً ما يأتي إلى الكوفة، فرآه سيدنا أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه، قيل: إنه سمع منه وروى عنه، وقيل: رآه دون سماع، أما الرؤية فهي ثابتة بيقين.

    وعليه: فـأبو حنيفة من التابعين، وهذه منقبة عظيمة جليلة لهذا الإمام الكريم العظيم لم تثبت لغيره من الأئمة الأربعة الكرام الطيبين، رضوان الله عليهم أجمعين.

    والتابعون لهم فضل عظيم في الدين، روى الإمام الترمذي في سننه وقال: هذا حديث حسن غريب، والحديث رواه الإمام ابن أبي عاصم في كتاب السنة، ورواه أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة، ورواه الإمام الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، والحديث تقدم معنا ضمن مواعظ الجمعة، وقلت: إنه صحيح صحيح صحيح، وقد حسنه الإمام الترمذي ، وصححه الضياء المقدسي وصححه جم غفير من أئمتنا، ولفظ الحديث: عن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تمس النار مسلماً رآني، ولا رأى من رآني )، لا تمس النار مسلماً رآني، وهو الصحابي، ولا رأى من رآني، وهو التابعي رضوان الله عليهم أجمعين.

    وقد تقدم معنا -إخوتي الكرام- ما يتعلق بهذا الحديث، وقلت: إنه لا ينزل عن درجة الحسن، وتقدم أنه في إسناده موسى بن إبراهيم الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، وقلت: إنه من رواة أهل السنن الأربعة إلا سنن أبي داود فلم يروِ له الإمام أبو داود ، وتقدم معنا أنه صدوق مبارك، ووُثق من قِبل جم غفير من أئمتنا، وما ضعفه أحد، وتقدم معنا أن تشويش المشوشين على هذا الحديث تشويش باطل، ويكفي في بطلانه أنهم حسنوا الحديث الذي من طريق موسى بن إبراهيم الأنصاري في رواية أخرى، وهي: ( أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله ).

    فالحديث مروي بنفس الإسناد من طريق موسى بن إبراهيم الأنصاري ، رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، كما قال عن هذا، وقال: لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم الأنصاري ، والحديث رواه الإمام ابن ماجه وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه: ( أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله )، أيضاً من رواية سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين.

    فالحديث الثاني وافقوا الترمذي في تحسينه، والحديث الأول خالفوا الترمذي في تحسينه، لماذا؟ ما عندهم نهج مستقيم يسيرون عليه في الدين، فالإسنادان فيهما موسى بن إبراهيم ، وهو صدوق لا ينزل حديثه عن درجة الحسن، وُثق من قِبل جم غفير من أئمتنا، وما ضعفه أحد, فلماذا هناك نضعف الحديث من أجل موسى بن إبراهيم لا من أجل علة أخرى، وهنا انفرد بالرواية فيحسن الحديث؟ هذا هو حال بعض المعاصرين، ولما كلمت بعض الإخوة الذين فعلوا هذا، قال: لا علم لي بذلك، يحتاج الأمر إلى مراجعة مرة ثانية، قلت: الحديثان من طريق هذا العبد الصالح، والترمذي يقول: غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم ، وأنت هناك تحسن وهنا تضعف، لماذا؟ هنا في الحديث استغربته بعقلك وبناء عليه تقول: إنه ضعيف: ( لا تمس النار مسلماً رآني، ولا رأى من رآني )، هكذا عقلك، ما راق له الحديث فقلت: إنه ضعيف! يا عبد الله! ما هكذا تورد الإبل، الحديث صحيح كما قلت، والحديثان ثابتان، وقد حسنهما الإمام الترمذي ، والإمام الترمذي إمام هُمام يدري ما يخرج من رأسه.

    فإذا حسن لـموسى بن إبراهيم فسيلزم هنا التحسين، ولا يلتفت لحال المتناقضين الذي يحسن للراوي في موضع ويضعفه في آخر، وتقدم معنا مَن وقعوا في هذا من المعاصرين، وقلت: إن كلامهم مردود عليهم كما يرد عليهم سائر شذوذهم الذي يقعون فيه في هذا الحين، وهذا مما يلزمنا باتباع أئمتنا المتقدمين، وترك ما أحدثه من أحدثه من المتأخرين في هذا الحين.

    فالحديث صحيح، وهذه -كما قلت- منقبة عظيمة لسيدنا أبي حنيفة، فهو مسلم، وهو شيخ المسلمين في زمنه، وقد رأى بعض الصحابة الكرام الطيبين، فهنيئاً له عند رب العالمين بحديث: ( لا تمس النار مسلماً رآني، ولا رأى من رآني ).

    إذاً: هو تابعي، وأبوه وُلد في الإسلام، وجده النعمان زُوطى أو زَوطى أسلم، ولما وُلد له ثابت أتى به إلى سيدنا علي ، وكان سيدنا علي يداعب النعمان زَوطى أو زُوطى، فأهدى له مرة فالوذجاً، وهي نوع من الحلوى، فسأله: ما هذا؟ قال: هذا كنا نأكله أيام النيروز والمهرجان، يعني: عند الفرس، فقال: نيرزون ومَهرِجون كل يوم! إذا كان عندكم هذا الطعام الطيب فهاتوا منه بكثرة، سيدنا علي يقول لجد سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين: نيرزون كل يوم، ما دام هذا الطعام الطيب تأكلونه أيام النيروز، وهكذا المِهرجان، فمَهرِجون ونيرزون وهاتوا الفالوذج على الدوام باستمرار.

    تحصيله للعلم وجده واجتهاده

    لا زلنا ضمن الأمر الأول في نسبه وتحصيله، ثم في الأمر الثاني في ثناء العلماء عليه رضوان الله عليهم أجمعين.

    حقيقة إخوتي الكرام! لقد جَدَّ الإمام أبو حنيفة جداً، واجتهد اجتهاداً في طلب العلم لا نظير له، أحصى أئمتنا شيوخ سيدنا أبي حنيفة فبلغوا أربعة آلاف شيخ، تلقى العلم عن أربعة آلاف شيخ من كبار التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، لأن الطبقة التي هو فيها هي صغار التابعين، أدرك سيدنا أنس بن مالك ، لكن الذين تلقى العلم عنهم هم من كبار التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، أربعة آلاف شيخ، كما في سائر الكتب التي ترجمت ولا أريد أن أحدد أجزاء وصفحات، وهي: الخيرات الحسان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ، للحافظ ابن حجر الهيتمي، وهو شافعي يترجم لسيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين، وقد ألف كتابا قبل هذا في تراجم سيدنا أبي حنيفة ، عندما جاء بعض المشايخ الكرام من القسطنطينية، وأعطاه نسخة واحتفظ بنسخة، ثم استعار منه بعض مَن يغفر الله لنا ولهم، وأحياناً بعض الناس يستعير ولا يبالي، فاستعار هذه النسخة وأهملها حتى ضاعت، فحَزِن عليها الحافظ ابن حجر وما عنده إلا هي في مناقب سيدنا أبي حنيفة ، فأراد أن يكتب كتاباً آخر، ثم عثر على كتاب: عقود الجمان في ترجمة الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ، لـمحمد بن يوسف الصالحي ، صاحب كتاب سبل الرشاد في سيرة نبينا خير العباد، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فاختصر المجلد الكبير، وهو مطبوع أيضاً في هذا الكتاب الصغير، وسماه: الخيرات الحسان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ، وهكذا في الانتقاء، وهكذا في السير، وهكذا في كتب كثيرة لا تحصى في تراجم هذا الإمام المبارك، فقيه الملة رضي الله عنه وأرضاه، ذكرت أن شيوخه أربعة آلاف شيخ.

    وقد حصلت له بشارة في بدء طلبه فَزِع منها، لكنها تبشره بكل خير، وهي في سائر الكتب التي ترجمته، يقول: رأيت رؤيا أفزعتني في بدء طلبي، رأيت كأني أنبش قبر النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فأخرجت عظامه الطيبة المباركة الطاهرة عليه صلوات الله وسلامه، قال: فاحتضنتها، فهالني ذلك وأفزعني، فذهبت إلى محمد بن سيرين ، وهو في البصرة، شد رحله من أجل أن يسأله.

    وفي رواية: أنه عندما وصل ما استطاع أن يشافهه بالرؤيا خشية أن تكون مفزعة، ومنذرة، ومخيفة، فلما وصل إلى البصرة كلَّف بعض إخوانه من طلبة العلم أن يسأله، فقال محمد بن سيرين : من صاحب الرؤيا؟ قال: كائن من كان، قال: من هو؟ قال: أبو حنيفة ، هذا طالب العلم المبتدئ، الذي سيكون له شأن إن شاء الله، قال: بشره أنه يجمع أخبار النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه وينشرها، قال له: لتنبُشن أخبار النبي عليه الصلاة والسلام ولتحيين سنته، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    ذكر شيخه حماد بن أبي سليمان وطلبه للعلم على يديه وأدبه معه

    ولن نستطيع أن نذكر شيوخه كلهم، ولا عشرهم، ولا عشر عشرهم، سآخذ واحداً منهم فقط وهو أبرز شيوخه الذي لازمه ثماني عشرة سنة حتى قُبض، وهو سيدنا حماد بن أبي سليمان ، وأبو سليمان اسمه: مسلم وعليه فهو حماد بن مسلم أبو إسماعيل الكوفي ، فقيه، صدوق، إمام، مبارك، روى له البخاري في الأدب المفرد، والإمام مسلم في صحيحه، وروى له أهل السنن الأربعة، وتوفي سنة عشرين ومائة للهجرة، قبل وفاة سيدنا أبي حنيفة بثلاثين سنة، وقد لازمه ثماني عشرة سنة، من سنة مائة إلى سنة مائة وعشرين، لازمه الإمام أبو حنيفة عندما كان عمره عشرين سنة، وبقي ملازماً له عشرين سنة، إلى أن أكمل الأربعين، عليه رضوان رب العالمين.

    وحماد بن أبي سليمان له شأن عظيم، انظروا ترجمته في السير، في الجزء الخامس صفحة إحدى وثلاثين ومائتين، قال عنه الذهبي : هو أحد الأذكياء، كان من الكرام الأسخياء، هو العلامة الإمام فقيه العراق حماد بن أبي سليمان ، وأبو سليمان اسمه مسلم كما ذكرت.

    من سخائه وجوده: كان يطعم كل يوم في رمضان خمسمائة إنسان، يفطر عنده خمسمائة، فإذا صارت ليلة العيد كسى كل واحد منهم ثوباً، وأعطاه مائة درهم، أي: أنه ينفق ليلة العيد خمسين ألف درهم، وأيام رمضان يفطرون عنده، وحتماً الذي يفطر عنده سيرسل إلى أهله، فليس الرجل يأتي ليأكل والأسرة تبقى بدون أكل، فهذا حال هذا العبد الصالح السخي، شيخ سيدنا أبي حنيفة ، وأبو حنيفة تلقى العلم، والجود، والسخاء، والنبل، والفضيلة عن هذا الإمام المبارك حماد بن أبي سليمان رضي الله عنه وعن أئمة الإسلام.

    قال الذهبي في السير، في ترجمة حماد ، وختم ترجمته بهذا الكلام، صفحة ست وثلاثين ومائتين، قال: أفقه الكوفة سيدنا علي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، وما حل الكوفة أفقه منهما، قال: وأفقه أصحابهما علقمة رضي الله عنهم أجمعين، وأفقه أصحاب علقمة إبراهيم النخعي ، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد بن أبي سليمان ، وأفقه أصحاب حماد سيدنا أبو حنيفة النعمان ، وأفقه أصحاب أبي حنيفة الإمام أبو يوسف ، قال: وفي عهد أبي يوسف انتشر أصحابه في الآفاق وتفرقوا في الأمصار، وأفقه أصحاب أبي يوسف محمد بن الحسن ، وأفقه أصحاب محمد بن الحسن الإمام الشافعي رضوان الله عليهم أجمعين.

    خذ هذه السلسلة: الإمام الشافعي عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين، عن شيخه حماد بن أبي سليمان عن شيخه إبراهيم النخعي عن شيخه علقمة عن عبد الله بن مسعود وسيدنا علي ، إذاً: ماذا تريد أعلى من هذا الإسناد؟!

    لما اجتمع سيدنا أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه بـأبي جعفر المنصور، ونسأل الله الرحمة للمسلمين أجمعين، لكن شتان بين سيدنا أبي حنيفة وأبي جعفر المنصور ، قال له: عمن أخذت يا أبا حنيفة ؟ قال: عن أصحاب علي وأصحاب عبد الله بن مسعود وأصحاب عمر ، الذين أرسلهم أيضاً إلى الكوفة ليفقهوا الناس، قال: لقد تَثَبَّتَ.

    إذا أخذت العلم عن التابعين الذين تلقوا عن خليفتين راشدين سيدنا عمر وسيدنا علي ، وعن عبد الله بن مسعود ، فما بعد هذا التثبت من تَثَبُّت، فأنت على بينة وهدى إذا كان هذا هو إسنادك، وهؤلاء هم شيوخك رضي الله عنهم وأرضاهم.

    إخوتي الكرام! لزمه كما قلت ثماني عشرة سنة، وقد كان يقرنه بوالديه، في الحب، والمنزلة، وحفظ الود، والحقوق، فكان سيدنا أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه يقول كما في الكتب التي ترجمته، وانظروا مثلاً الخيرات الحسان، صفحة اثنتين وسبعين وغير ذلك, كان يقول رضي الله عنه وأرضاه: ما صليت صلاة إلا استغفرت لوالدي، ولشيخي حماد بن أبي سليمان . ما أصلي صلاة إلا أدعو لوالدي ولشيخي، وقد أمرنا أن ندعو للوالدين، والشيخ له حق، الذي رباك وعلمك: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14].

    قال سيدنا سفيان بن عيينة رضي الله عنه: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه عقيب كل صلاة فقد شكر لوالديه أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14]، فما صلى سيدنا أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه صلاة إلا دعا لوالديه ولشيخه حماد ، وكان يقول: ما مددت رجلي نحو بيت شيخي حماد بن أبي سليمان ، وبيني وبينه سبع سكك. سبع طرق بيني وبينه، ولا أمد رجلي جهة بيت شيخي، احتراماً وإجلالاً له.

    وتقدم معنا مثل هذا الأدب عن سيدنا الإمام أحمد مع الإمام الشافعي رضوان الله عليهم أجمعين، وهذا هو الأدب إخوتي الكرام، وقلت: ينبغي أن نجعل علمنا ملحاً، وأدبنا دقيقاً، والآن انعكست، بل ضيعنا العلم والملح، ما بقي عندنا إلا نخالة وتراب وزجاج، تأتي وتقول له هذا الكلام, فيقول: ما الدليل على هذا؟! هذا تنطع!! أبو حنيفة رضي الله عنه يمتنع من مد رجليه إلى جهة بيت شيخه، هذا تنطع!! هاتِ دليلاً من الكتاب والسنة؟ يا قليل الأدب! هل الأدب يحتاج إلى دليل؟ من مشى أمام والده فقد عقه، هل هذا يحتاج إلى دليل؟ يا عبد الله! ومن نادى أباه باسمه فقد عقه، هذا هو القول الكريم!! ينبغي أن تخاطب والديك بقول كريم: وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23]، هذا هو القول الكريم، أن تنادي أباك باسمه، يا إخوتي الكرام! هذا الأدب لا يحتاج إلى دليل.

    والآن كما قلت: قلة أدب نعيشها في هذه الأيام، لا مثيل لقلة الأدب التي نعيشها في هذه الأيام، تراه يأخذ المصحف ويطرحه على الأرض، أو يطرح المصحف فوق الأحذية، تقول له: يا عبد الله! اتق الله، فيقول: هات دليلاً!! لا إله إلا الله! الأدب يحتاج إلى دليل؟! هل هذا الآن تعظيم لكلام رب العالمين، والله يقول: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

    وهنا من إكرامه لشيخه يدعو له عقيب كل صلاة، هذا الشيخ الذي لازمه ثماني عشرة سنة لله ينبغي أن تكون هذه الملازمة لها أثر, فما يمد رجليه إلى جهة بيت شيخه وبينهما سبع سكك، كما هو في ترجمة هذا الإمام المبارك، رضوان الله عليهم أجمعين.

    إخوتي الكرام! كما قلت الإفاضة في أحوال شيوخه الذين تلقى عنهم يحتاج إلى مواعظ كثيرة، فلنقتصر على هذا المقدار.

    وعليه وُلد سنة ثمانين، وهو من التابعين الطيبين، وأبوه ولد في الإسلام، وجده أدرك سيدنا علياً رضي الله عنهم أجمعين وآمن، وأسرة طيبة مباركة رضي الله عنهم وأرضاهم، تلقى العلم عن شيوخ كثيرين، وصلوا إلى أربعة آلاف، أبرزهم شيخه حماد بن مسلم أبو إسماعيل رضي الله عنهم أجمعين، الذي توفي سنة عشرين ومائة.