إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في الفقه - تقوية اليقين بأخبار الصالحين [2]

مقدمة في الفقه - تقوية اليقين بأخبار الصالحين [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قصص وأخبار السابقين من الأمم الغابرة فيها عظة وعبرة للمؤمنين، ولذلك فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم في التحديث عنهم بلا حرج، وأعظم العبر والدروس تستقى من ذكر أخبار الصالحين والأئمة المتقين من خيار هذه الأمة وساداتها، فبذكر أخبارهم تتنزل رحمة أرحم الراحمين؛ لأن ذلك مما يدعونا إلى الاقتداء بهم، وسلوك طريقهم، التي هي الطريق الموصلة إلى رحمة الله ورضوانه، ومن أعظم من ينبغي أن يهتم بقصصهم وسيرهم هم الأئمة الأربعة عليهم وعلى أئمتنا جميعاً رحمة الله ورضوانه.

    1.   

    جواز الحديث عن الأمم السابقة وتناقل أخبارهم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    إخوتي الكرام! الحكايات جند من جنود رب الأرض والسماوات، يثبت الله بها المؤمنين والمؤمنات، وهذا الكلام مذكور عن العبد الصالح الجنيد بن محمد القواريري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، كما نقل ذلك عنه أئمتنا كما في كتاب قواعد التصوف، صفحة تسع عشرة ومائة، قال: الحكايات جند من جنود الله يثبت الله بها من شاء من عباده، قال: وشاهد ذلك في كتاب الله عز وجل: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120]، فالحكايات جند من جنود رب الأرض والسماوات يثبت الله بها المؤمنين والمؤمنات.

    ولذلك أَذِن لنا نبينا خير البريات عليه الصلاة والسلام بالحديث عن الأمم السابقة -كما قلت- لتقرير ما تقدم من أمر التوحيد والأحكام العملية؛ لتسري الفضائل في النفس البشرية من دون قصد وشعور من الإنسان.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري ، والحديث رواه الإمام الترمذي والدارمي في السنن، ورواه الخطيب في تاريخ بغداد، وفي كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، كما رواه أيضاً في كتاب شرف الحديث، والحديث رواه أبو نعيم في الحلية، والطحاوي في مُشكِل الآثار، وهو صحيح صحيح، فهو في صحيح البخاري كما سمعتم من رواية سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )، وهذا الحديث -إخوتي الكرام- رُوي عن عدد من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، رُوي عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود ، ومسند الحميدي وصحيح ابن حبان ، وكتاب شرح مشكل الآثار للإمام الطحاوي ، وشرف ألقاب الحديث للإمام الخطيب البغدادي ، ورُوي من رواية سيدنا أبي سعيد الخدري في مسند الإمام أحمد ، ورُوي من رواية سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي ، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد ، ورواه عبد بن حميد في مسنده والبزار في مسنده، وعليه فهو من رواية عبد الله بن عمرو، ومن رواية أبي هريرة ، وأبي سعيد ، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين.

    1.   

    معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)

    وهذه الجملة (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) تحتمل ستة أمور حسان أوردها أئمتنا الكرام، انظروها في الفتح في الجزء السادس صفحة ثمان وتسعين وأربعمائة:

    أولها: لا حرج عليكم في التحديث عنهم فقد كان فيهم العجائب، ومن التحديث عنهم فوائد لتقرير ما تقدم من أمر توحيد الله عز وجل، والأحكام العملية.

    (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) أي: لا حرج عليكم في التحديث عنهم حسبما نُقل في كتبهم حتماً مما لا يدل شرعنا عل فساده وضلاله وزيغه وبطلانه وكذبه، هذا لا بد من وعيه، إنما أمر قرره شرعنا أو أشار إليه أو سكت عنه، ويدخل في دائرة الجائز الممكن الذي لا يُتصور عدمه واستحالته، فلا حرج إذاً من التحديث به، وإن لم يرد هذا عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    المعنى الثالث: عكس هذا المعنى: أي: ولا حرج عليكم في ألا تحدثوا، لأن الأمر وهو قوله: (حدثوا عن بني إسرائيل) قد يفهم منه الوجوب، ولذلك قال: (ولا حرج) أي: لا حرج عليكم في ترك التحديث، إنما الأمر مما هو جائز، فإن فعلتموه فلا حرج عليكم، وإن تركتموه فلا حرج عليكم، إن فعلتموه ففيه خير، وإن تركتموه ففي شريعتنا ما يغني عنه، ولا حرج عليكم في أن تحدثوا، ولا حرج عليكم في ألا تحدثوا؛ لأن الأمر قد يفهم منه الإلزام والحتم والوجوب، فقال: ولا حرج في ترك التحديث.

    المعنى الثالث: المراد من الحرج هنا ليس ما يتعلق بموضوع الحرج في الدين، أنه يجب أو لا يجب، إنما المراد من الحرج ضيق الصدر، وعليه فلا تضق صدوركم، ولا تسترعد قلوبكم مما في تلك القصص من أعاجيب، فقد كان فيهم العجب، يعني: حدثوا عنهم ولا يحصل حرج في نفوسكم، أي: ضيق واستغراب، فقد كان فيهم العجائب، وهذا حقيقة واقعة، وقد تمنى نبينا عليه صلوات الله وسلامه لو صبر كليم الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه مع العبد الصالح الخضر حتى يقص عليه من أمرهما العجائب، والحديث ثابت في الصحيح، وقصتهما ذكرت في سورة الكهف، إذاً هم كان فيهم العجائب، ولذلك لا ينبغي أن يحصل في نفوسكم حرج أو ضيق أو استغراب أو استبعاد أو استنكار عندما تنقل تلك العجائب المروية عنهم، فقد كان فيهم ذلك.

    المعنى الرابع: ولا حرج على من يحكي أخبارهم إذا كان فيها ما يُستشنع للتحذير منها، حدثوا عنهم، وأنهم قالوا كذا، وفعلوا كذا، مما يمكن أن يقع، ومما هو جائز، أو مما هو ممنوع، حدثوا به وحذروا منه، ولا حرج عليكم، عندما تقولون: إن اليهود قالوا: إن عُزيراً ابن الله! فعندما نتحدث بهذا لا حرج علينا، وإن كان هذا الخبر مستشنعاً، نتحدث به من أجل أن نحذر منه، فلا حرج علينا عندما نحكي أخبارهم لنزنها بميزان الشرع.

    المعنى الخامس: المراد ببني إسرائيل أولاد نبي الله يعقوب على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وعليه فلا مانع أن نتحدث بأخبارهم حسبما ورد في كتاب الله عز وجل، وحسبما أشارت سورة نبي الله يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال الحافظ : وهذا أبعد الأقوال وفيه غرابة.

    المعنى السادس: وهو معنى حق نقل عن سيدنا الإمام الشافعي وغيره رضي الله عنهم أجمعين، قال: حدثوا بما تعلمون صدقه، ولا حرج عليكم في التحديث عنهم بما تجوزونه مما لا تعلمون صدقه ولا كذبه، ما تعلمون أنه صدق وحق حدثوا به، وانشروه بينكم، ثم ما لا تعلمون صدقه ولا كذبه، لا يوجد عندنا دليل، لا على هذا ولا على هذا، لكنه في دائرة الإمكان، فلا حرج عليكم في التحديث به أيضاً، ما علمتم صدقه حدثوا به، وما لم تعلموا فأنتم بالخيار، إن شئتم أن تحدثوا وإن شئتم ألا تحدثوا.

    1.   

    نماذج من قصص السابقين فيها عظة وعبرة

    الحكايات جند من جنود رب الأرض والسماوات يثبت الله بها المؤمنين والمؤمنات، وقد حدثنا القرآن عما جرى للأنام في غابر الزمان، وتواترت بذلك الأخبار الحسان عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ولذلك أثر بليغ في نفس الإنسان، استمعوا لحديثين من أحاديث كثيرة وردت في الحديث عن أخبار من سبقنا:

    قصة الرجل الذي باع داراً فوجد المشتري فيها ذهباً فاختصما إلى القاضي

    الحديث الأول: في مسند الإمام أحمد والصحيحين، ورواه الإمام ابن ماجه في السنن، وانظروه في جامع الأصول في الجزء الحادي عشر صفحة سبع وسبعين وسبعمائة، عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أنه قال: ( إن رجلاً في الأمم السابقة في بني إسرائيل اشترى من رجل عقاراً -والمراد من العقار هنا الدار- فحفر فيها فخرج له جرة ذهب، فجاء المشتري إلى البائع وقال: أنا اشتريت منك الدار ولم أشترِ منك الذهب، فهذا مالك خذه، فقال البائع: أنا بعتك الدار بما فيه، فهذا الذهب لك لا آخذه )، اختصم البائع والمشتري، هذا يقول: خذ الذهب، وذاك يقول: هو لك، كيف سآخذه؟! وحكم المسألة لو جرت في شريعتنا: لو أن الذهب لصاحب الدار، وهو الذي دفنه، فهو حتماً له، يعاد إليه، ولعل ذاك لم يدفن الذهب، ظاهر القصة يدل على أنه لا علم له به، وأن هذا رزق ساقه الله إلى المشتري، لكن لو علم أنه لصاحب البيت وهو الذي دفنه، فينبغي أن يعاد إليه في شريعتنا.

    وإذا كان من دفون الجاهلية فهو ركاز، والركاز لمن استخرجه، ففيه الخمس زكاة، وبقية الأخماس له، وإن كان هذا المال ليس من دفن الجاهلية، إنما عليه علامات الإسلام، ولا يُعلم صاحبه، فحكمه حكم اللقطة التي لا يعلم صاحبها، فهو يمسكها عنده من أجل الأمانة والتعريف، فإذا لم يأت صاحبها فحكمها حكم اللقطة؛ ينتفع بها، فإن عاد صاحبها في مستقبل السنين، فهو مكلف بإعادتها لصاحبها.

    على كل حال: لم يتفقا فاختصما بعد ذلك إلى قاضي ذلك الزمان، انظر للرعية، وانظر للقضاة في ذلك الوقت، وحقيقة الأمة إذا انحط صنف منها اعلم أن جميع الأصناف منحطة، وإذا ارتقى صنف منها اعلم أن جميع الأصناف راقية، ولذلك إذا نظرت إلى السوق فرأيت فيه انحطاطاً، فاعلم أن حال المسئولين أشد انحطاطاً، وأن حال الدعاة أشد انحطاطاً، وأن الأمة من أولها لآخرها في ضلال، هذا لا بد منه، مترابطة ببعضها، وعندما ترى الجهل فاشياً فاعلم أن حال العلماء يندى له جبين النبلاء، وإلا لو كان هناك علم لحيتِ البلاد، لكن الانحطاط -كما قلت- عام، ولذلك عالمنا هو عالم من أجهل منه فقط، ولكن إذا عُرض مع علماء سلفنا لما استطاع أن يتكلم، عالمنا عالم ممن هو أجهل منه، يعني لما وُجد من الجهلة من عنده كلمتان صار من علماء الزمان في هذه الأيام، ونشكو أحوالنا إلى ربنا سبحانه وتعالى.

    انظروا إلى الحياة في زمن الخلافة الإسلامية العباسية، كان هناك جاريتان تمشيان في عهد أبي جعفر المنصور ، وكل واحدة تحمل قلة ماء على رأسها، وتتناظران في الأحكام الشرعية، في موضوع الاستثناء في اليمين، هل يجوز الاستثناء في اليمين بعد اليمين بفترة؟ أم لا يجوز الاستثناء إلا إذا كان متصلاً؟ فمتى ما حصل انفصال، إلا إذا كان لسعال أو لأمر ضروري، لكن متى ما حصل انفصال بين اليمين والاستثناء، فإن الاستثناء لغو واليمين انعقدت، هل يجوز الاستثناء في اليمين بعد حين بعد يوم يومين وشهر وسنة يحلف ثم يرجع ويستثني؟ جاريتان تبحثان في هذه القضية فواحدة قالت: لا يجوز الاستثناء في اليمين، ينبغي أن يكون الاستثناء متصلاً وإلا فإن الاستثناء يلغى، قالت: ما الدليل؟ ما شاء الله فقيهات، يستقيان الماء وكل واحدة القلة على رأسها، قالت: ما الدليل؟ قالت: كلام الله الجليل أفتى في هذه المسألة في قصة في كتابه، تأخذ الحكم الشرعي من قصص، قالت: وفي أي سورة؟ قالت: عندما حلف نبي الله أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن يضرب زوجته وما أخطات ولا قصرت، لكنه عليه وعلى نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ظن أنه جرى منها تساهل، فحلف أن يضربها مائة ضربة، فالله جل وعلا أفتاه بحيلة شرعية ليبر في يمينه، ولئلا تعاقب زوجته، فقال: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44]، والضغث: هو الحزمة من الحشيش اليابس، من أعواد مثلاً القمح أو الشعير، خذ مائة من ذلك واضرب به ولا تحنث.

    الشاهد: لو كان الاستثناء يعلق اليمين لقال الله له: استثنِ، فيمينه تصبح معلقة بعد فترة، ولا يلزمه أن يبر فيها، إنما قال: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ص:44]، تستنبط حكماً شرعياً، وتقرره من قصص قرآني، هذا هو رقي الأمة.

    يقول الإمام الغزالي رحمة الله ورضوانه عليه في الإحياء، يذكر هذا إخوتي الكرام في الجزء الرابع صفحة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، يقول: أكثر أسرار القرآن معبأة في طي القصص والأخبار، فكن حريصاً على استنباطها لينكشف لك فيه العجائب، أي: في القصص العجائب، وانظروا شرح هذا الكلام في إتحاف السادة المتقين للإمام الزبيدي في الجزء التاسع صفحة ست وأربعين وستمائة.

    إذن: اختصما إلى القاضي، الأمة كلها راقية، وهذه حقيقة خصومة عجيبة، المشتري يقول: أنا اشتريت العقار ولم أشترِ ذهباً، والبائع يقول: بعت العقار بما فيه، وهذا رزق ساقه الله إليك، فليأخذ جرة الذهب، فالقاضي بهت من هذه الخصومة الفاضلة الشريفة، فقال: ألكما ولد؟ أي: لكل واحد منكما ولد؟ وقيل: وُلد، وهو جمع ولد، أو وِلْد بضم الواو أو كسرها مع إسكان اللام، قال: ألكما ولد؟ عندكما أولاد؟ لكما وِلْد؟ فقالا: نعم، أحدهما قال: لي ابن، والآخر قال: لي جارية، قال: أنكحوا الجارية الغلام، زوجوهما وادفعوا هذا المال إليهما، وأنفقوا عليهما منه وتصدقوا، أيضاً تصدقوا على المساكين، وهذا المال اجعلوه لهذين الولدين من هذين الأبوين المباركين.

    هذه القصة يرويها لنا نبينا عليه الصلاة والسلام، وكم في هذه القصة من معاني الفضيلة والأمانة وتأدية الحقوق إلى أهلها، وأن الإنسان إذا اتقى الله في النهاية يحفظه الله، أيضاً ما خرج المال عنه، ذهب إلى ثمرة فؤاده إلى ولده وإلى ابنته، وبارك الله له في داره، ورزقهما ذرية طيبة، والسعادة اكتملت من جميع الجهات، وحصل بعد ذلك اتصال عن طريق المصاهرة بين هاتين الأسرتين، فكم في هذه القصة من معانٍ! عندما وُجدت الأمانة وجدت الديانة في النفوس، كم حصل لها من أثر طيب في العاجل دون أن يوجه هذا على سبيل: افعلوا أو اتركوا، المعاني التي في القصص تسري في النفس من حيث لا يشعر الإنسان.

    قصة الرجل من بني إسرائيل الذي اقترض من رجل آخر وما وجد مركباً ليرد إليه ماله

    القصة الثانية: خبر ثان يرويه لنا أيضاً نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري ، ورواه الإمام ابن حبان في صحيحه أيضاً عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، انظروه في جامع الأصول في الجزء العاشر صفحة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، والأثر مرفوع متصل من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، ورواه شيخ الإسلام عبد الرزاق في مصنفه في الجزء الحادي عشر صفحة سبع وستين وأربعمائة عن طاوس مرسلاً، ولم يتصل الحديث، إنما قال: كان في الأمم السابقة كذا، ولفظ الحديث إخوتي الكرام عن نبينا عليه الصلاة والسلام كما قلت في رواية البخاري وغيره، والحديث متصل صحيح ثابت:

    ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يقرضه ألف دينار )، رجل من بني إسرائيل جاء إلى غني من بني إسرائيل وسأله أن يقرضه ألف دينار، قال: ( هلم بالكفيل -ائت بالكفيل- قال: كفى بالله كفيلاً، قال: صدقت، قال: هلم بالشهداء، قال: كفى بالله شهيداً، قال: صدقت، فدفع إليه ألف دينار، وحدد موعداً للقضاء، فأخذ الألف دينار وذهب، وكان بينهما بحر، فركب سفينته وذهب إلى جهته، ولما حان موعد الوفاء جهز الدنانير، وجاء إلى شاطئ البحر ليرى سفينة ليذهب إلى المُقرِض ليعيد إليه حقه، وقد جعل الله كفيلاً وشهيداً عليه، فما تيسرت له سفينة في ذلك الوقت، فخاطب ربه وقال: رب! طلب مني شهيداً فقلت: كفى بالله شهيداً، وطلب مني وكيلاً فقلت: كفى بالله وكيلاً، فأدِّ هذا المال إليه، وأخذ جذع شجرة فنقره ووضع الدنانير فيه، ووضع رسالة، ويمم بعد ذلك البحر وطرح الجذع في البحر، وذهب بعد ذلك إلى بيته، ولما وجد مركباً بعد ذلك حمل ألف دينار أخرى وذهب إلى صاحبه المقرض، والمقرض خرج في اليوم الذي حُدد للوفاء ينتظر صاحبه على شاطئ البحر، فما جاء، ولما أراد أن يعود إلى بيته، وإذا بالأمواج تضرب جذع شجرة، فقال: نأخذها من أجل أن تكون وقوداً لنا، صاحبنا ما جاء لعله لعذر، فنأخذ هذا الجذع ولا نعود بلا فائدة، فأخذه، فلما كسره تناثرت الدنانير، فأخذ دنانيره وحمد الله وانتفع بهذا الجذع أيضاً، فعاد صاحبه بعد فترة واعتذر إليه أنه ما لقي مركباً، وأخرج له الدنانير، قال: ما قصتك؟ أخبرني؟ قال: جَهْدت أن أجد مركباً فما تيسر لي، فهذا دنانيرك، قال: اذهب فقد أدى الله عنك )، ما وضعته أوصله الله جل وعلا، وفي رواية: ( قال المستقرض: ذاك لربي، وهذا لك )، يعني أنا جعلت الله كفيلاً وشهيداً، فأنا لا أريد أن أخفر ذمة الله، ولا أريد أن أغدر مع الله، أنا أعطي الحق إذا أوصله لي فبها ونعمت، ذاك لربي، لكن من أجل أن أتحلل أمام ربي، وأن لا يكون مني تقصير نحوه، وأما أنت فهذه دنانيرك، قال: قد أدى الله عنك، يعني يقول له: لو لم تصل لا يضر، أنا فقط من أجل أن يعلم الله عذري دفعت الألف دينار، يا رب اشهد أنني ما قصرت، وأما حق ذاك فسأعيده إليه بعد حين.

    يا إخوتي الكرام! هذه الأمثلة ما أعظمها! يقول سيدنا أبو هريرة في القصة الأولى والثانية: فلقد رأيتنا يكثر لغطنا عند رسول الله عليه الصلاة والسلام أيهما أعظم أمانة؟! هل البائع أو المشتري؟ هل المستقرض أو المقرض؟! أيهما أعظم أمانة؟! ذاك طرح الألف، كان بإمكانه أن يقول: خلاص أنا لن أذهب، إن وصلت وإلا فقد برئت، وهذا استلم الألف، ما عليه لا بينة ولا شهود، بإمكانه أن يأخذ ألفاً أخرى، وذاك كان بإمكانه ألا يطرح حتى الألف، فلا يوجد كفيل ولا شهيد.

    1.   

    فوائد ذكر قصص الصالحين وأخبارهم

    يا إخوتي الكرام! الأمة عندما تكون في هذا المستوى هنيئاً لها، هذا القصص الذي يقصه علينا نبينا عليه الصلاة والسلام كما قلت: له أثر في نفس البشر من حيث يشعرون أو لا يشعرون، ولذلك قرر أئمة الإسلام أنه عند ذكر الصالحين تنزل رحمات أرحم الراحمين ويرضى رب العالمين، يقول سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه كما في أُسد الغابة في الجزء الرابع صفحة اثنتين وستين ومائة بسنده إلى سيدنا عبد الله بن عباس بسند الإمام ابن الأثير فى ترجمة الخليفة الراشد سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه، قال سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: (أكثروا من ذكر عمر رضي الله عنه وأرضاه، أكثروا من ذكره وأخباره، فإنكم إذا ذكرتم عمر فإنما تذكرون العدل، وإذا ذكرتم العدل فإنما تذكرون ربكم). هذا كلام سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أكثروا من ذكر عمر ، فإنكم إذا ذكرتم عمر فإنما تذكرون العدل، العدل الذي مشى عليه في هذه السنين الطويلة التي زادت عن العشر سنين، وهو يحكم بشريعة رب العالمين، والعدل الذي وُجد في زمنه رضي الله عنه وأرضاه عظيم عظيم، الأمة الإسلامية تتسع مساحتها وهو ينام بعد ذلك في ظل شجرة، وهو خليفة المسلمين رضي الله عنه وأرضاه.

    تنزل الرحمة عند ذكر الصالحين

    يقول العبد الصالح سيدنا سفيان بن عيينة رضي الله عنه وأرضاه: كان يُقال: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، تنزل رحمة أرحم الراحمين. وهذا الأثر إخوتي الكرام عن سيدنا أبي محمد سفيان بن عيينة، رواه شيخ الإسلام أبو داود في مسائل الإمام أحمد صفحة ثلاث وثمانين ومائتين بأصح إسناد على وجه الأرض، أبو داود عن شيخه الإمام أحمد عن شيخه سفيان بن عيينة ، هذه سلسلة صحيحة في أعلى درجات الصحة، وأثر سفيان بن عيينة هذا مذكور في ترجمته في الحلية في الجزء السابع صفحة خمس وثمانين ومائتين، ورواه الإمام ابن الجوزي في أول كتابه صفة الصفوة، في الجزء الأول صفحة خمس وأربعين، وأئمتنا تتابعوا على نسبة هذا القول إلى سيدنا سفيان بن عيينة ، وهو ثابت عنه، انظروا المقاصد الحسنة للسخاوي عند حرف العين، صفحة اثنتين وتسعين ومائتين، وانظروا مختصره تمييز الطيب من الخبيث في صفحة عشر ومائة، وانظروا المصنوع في معرفة الحديث الموضوع صفحة خمس وعشرين ومائة، وانظروا الأسرار المرفوعة للشيخ علي القاري صفحة خمسين ومائتين، وانظروا أسمى المطالب صفحة أربعين ومائة، والأثر في غير ذلك من الكتب.

    وقد وَهِم الإمام الغزالي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا فظن أن هذا الكلام من كلام نبينا عليه الصلاة والسلام، فنسبه إلى نبينا عليه الصلاة والسلام على أنه حديث مرفوع في الإحياء في الجزء الثاني صفحة واحدة وثلاثين ومائتين، قال شيخ الإسلام الإمام أبو فضل العراقي رحمة الله ورضوانه عليه: ليس له أصل في المرفوع، وإنما هو من كلام أمير المؤمنين سفيان بن عيينة رضي الله عنهم أجمعين. وقال الزبيدي في شرح الإحياء عند هذا الأثر في الجزء السادس صفحة إحدى وخمسين وثلاثمائة: أنه لا أصل له في المرفوع بعد أن نقل كلام العراقي . وقال تلميذه -يعني تلميذ أبي الفضل العراقي ، وهو الحافظ ابن حجر - قال: وقال تلميذه: لا أستحضره مرفوعاً، إنما هو من كلام سفيان بن عيينة ، وقد نسبه إلى سفيان الثوري الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله في الجزء الثاني صفحة اثنتين وستين ومائة، قال الإمام الزبيدي في إتحاف السادة المتقين: المشهور أنه من كلام سفيان بن عيينة ، ولا مانع أن يصدر هذا الكلام الحكيم من هذين الحكيمين الصالحين: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري رضوان الله عليهم أجمعين.

    وكان أئمتنا يتمثلون بهذ الكلام ويقولونه عند ذكر أخبار الصالحين، فالإمام أحمد كما نقله عن شيخه سفيان بن عيينة ، كان يقوله، وأحياناً دون أن ينسبه إلى شيخه، كما في مناقب الإمام أحمد للإمام ابن الجوزي عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه صفحة ثلاث وسبعين ومائتين، قال أبو بكر المروزي : ذكرت للإمام أحمد الفضيل بن عياض وعُريِّه -أي: زهده في هذه الحياة، وما كان عليه من عُري وتقشف وشدة وشظف- وذكرت له فتح الموصلي وعُريه وصبره، قال: فتغرغرت عينا أبي عبد الله بالدمع، وقال: رحمهما الله، كان يقال: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة.

    وقد ثبت في علوم الحديث للإمام ابن الصلاح صفحة ثمان وستين وثلاثمائة، قال: رُوينا عن أبي عمرو إسماعيل بن نجيد، قال: سألت أبا جعفر أحمد بن حمدان -وكانا عبدين صالحين-: بأي نية أكتب الحديث؟ يعني ماذا أنوي عندما أكتب حديث النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه؟ فقال له أبو جعفر أحمد بن حمدان : ألستم ترْوُون -بواوين، أو ألستم ترَون، أو ألستم تُرون؟ هذه ثلاثة أوجه من الضبط انتبهوا لها وسوف أبين توجيهها إن شاء الله- ألستم ترْوُون -ترَون تُرون- أنه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة؟ قلت: بلى، قال: فرسول الله صلى الله عليه وسلم رأس الصالحين، اكتب الحديث بهذه النية أنك ترحم. أي: عندما تكتب حديثه عليه الصلاة والسلام، وعندما تذكره تتذكر حاله، وما كان عليه صلوات الله وسلامه، فتقتدي به، فتنزل رحمة الله عليك عندما تذكر النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال الشيخ علي القاري في الأسرار المرفوعة في المكان المتقدم صفحة خمسين ومائتين: إن كان تروون -بواوين- فهذا يدل على أنه حديث وأن له أصلاً. وإن كان (تَرون) فهو بمعنى: تعتقدون وتعلمون، وإن كان (تُرَون) فهو بمعنى: تظنون، فهذا ليس بحديث، إنما أنتم ترون ذلك، وتظنونه، وهذا حق لا شك فيه.

    أقول والعلم عند العزيز الغفور: على الضبط الأول تروون لا دلالة فيه على أنه حديث وأنه مرفوع؛ لأنه يحتمل أن المعنى: تروون عن غيركم من الصالحين، أي: ألستم تروون عن الصالحين: أنه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة؟ ولا يشترط: تروون عن نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، يعني على الاحتمالات الثلاث لا داعي أن يقال: هذا من كلام النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن أئمتنا قالوا: لم يثبت مرفوعاً، إنما هو من كلام العبد الصالح سفيان بن عيينة ، وهو حق لا شك فيه، قال ابن قدامة في كتابه مختصر منهاج القاصدين، صفحة اثنتي عشرة ومائة: إن الإنسان إذا لاحظ أحوال السلف في الزهد والتعبد احتقر نفسه، واستصغر عبادته، فيكون ذلك داعياً إلى الاجتهاد، ولهذه الدقيقة يُعرف سر قول القائل: عند ذكر الصالحين تنزل رحمة رب العالمين.

    إذاً: عندما نلاحظ أحوال السلف، وندرس أخبارهم، هذا يدعونا إلى أن نحتقر نفوسنا، أن نعلم أننا مقصرون في عبادة ربنا، وهذا يدفعنا بعد ذلك إلى الجد والاجتهاد في طاعة خالقنا، قال: وبذلك يعلم سر قول القائل، من هو؟ ما سماه، وهو معروف: عند ذكر الصالحين تنزل رحمة أرحم الراحمين.

    وقال شيخ الإسلام الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عند أثر سيدنا سفيان في الجزء الثاني صفحة اثنتين وستين ومائة: من قرأ فضائل الإمام مالك وفضائل الإمام الشافعي وفضائل الإمام أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين، بعد فضائل الصحابة والتابعين، وعُني بها، ووقف على كريم سيرهم وهديهم؛ كان له ذلك عملاً زاكياً، نفعنا الله بحب جميعهم، قال سفيان الثوري : عند ذكر الصاحين تنزل الرحمة.

    إذاً: من قرأ فضائل الإمام مالك وفضائل الإمام الشافعي وفضائل الإمام أبي حنيفة ، وضموا إليهم الفقيه الرابع، وما ذكره الإمام ابن عبد البر، لأنه يرى كما في كتابه الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء، أن الإمام أحمد رضي الله عنهم أجمعين عِداده من المحدثين أقوى من عداده من الفقهاء المجتهدين، ولذلك ما أورده ضمن الفقهاء في كتابه الانتقاء، بدأ بالإمام مالك ، ومن حقه أن يبدأ بإمام مذهبه في الانتقاء، ثم ثنى بالإمام الشافعي، ولا حجر في ذلك، فهو تلميذ الإمام مالك، فإنه يشيد أيضاً بشيخه؛ لأن هذا من تلاميذه، ثم ختم الكتاب بترجمة سيدنا أبي حنيفة ترجمة في منتهي الإنصاف والجودة والجمال والجلال رضي الله عنه وعن أئمتنا، وما تعرض للإمام أحمد لهذا السبب؛ لأنه تغلب عليه الصفة الحديثية أكثر من الصفة الفقهية رضوان الله عليهم أجمعين.

    على كل حال إخوتي الكرام! من قرأ فضائل الإمام مالك وفضائل الإمام الشافعي وفضائل الإمام أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين، إذا قرأ فضائلهم بعد فضائل الصحابة والتابعين، وعني بها، ووقف على كريم سيرهم وهديهم، كان ذلك له عملاً زاكياً، نفعنا الله بحب جميعهم، قال سفيان الثوري : عند ذكر الصاحين تنزل رحمة أرحم الراحمين.

    ثم ختم الفصل بكلام سيدنا أبي داود رضي الله عنه وأرضاه: رحم الله مالكاً كان إماماً، رحم الله الشافعي كان إماماً، رحم الله أبا حنيفة كان إماماً. هذا ختام الفصل الذي أورده فيما يتعلق بالكلام على أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين.

    المراد بالرحمة التي تنزل عند ذكر الصالحين

    إخوتي الكرام! ما المراد بالرحمة التي تنزل عند ذكرهم؟ كنت وجهت الأثر سابقاً، واعترض بعض أهل السفاهة ممن همهم الاعتراض في زمن الضلال والفساد، اعترض على هذا الأثر وقال: هذا كلام كبير، وما حُدد مصدر لهذا القول، ما حدد مصدره، فهو ينسب إلى سفيان ، فمن أين أخذه؟ ما هو المصدر؟ وكما ترون لم يُذكر أثر إلا ويُعزى إلى مصدره بصفحة أو بجزء وصفحة، والأثر ثابت، وقلت: بأصح إسناد عن أبي داود عن الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة ، فلا يوجد أعلى من هذا الإسناد، أئمة في منتهى درجات التوثيق رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم يوثقون من عداهم، يروون هذا الكلام ويقولونه، فما بقي بعد هذا الثبوت من ثبوت! ثم يأتي أحدهم ويقول: ما يعلم مصدر هذا الكلام! ثم قال: لو سلمنا أنه قاله سفيان بن عيينة ، فكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، فسفيان بن عيينة أخطأ، والإمام أحمد أخطأ، وأبو داود أخطأ. وكان ماذا؟! هم رجال ونحن رجال، ونرد كلامهم؛ لأننا على ضلالة يا رجل! نسأل الله أن يعرفنا بقدر نفوسنا لنقف عند حدنا.

    قال: افرض أنه ثبت، إذاً ليس الموضوع أنه ثبت أو لا، الموضوع أنه في النهاية لن تقبل، هو لو ثبت على تعبيرك لم تقبله، وهو ثابت، وقلت لكم إخوتي الكرام: أهل البدع دائما يقفون نحو النصوص موقفين: الموقف الأول: ينازع في الثبوت، فإذا ثبت لا يسلم بالمعنى، بل يؤول ويخرج النص، وهنا إما أن يرد وإما أن يؤول، يا عباد الله! اتقوا الله في أنفسكم، كلام حق يتناقله أئمتنا، نأتي ننسفه نحن في هذا العصر بهذا الكلام! قلت: معنى هذا الأثر: أنه عندما نذكر أخبار الصالحين، يدل ذكرنا لهم على محبتنا إياهم، وهذا يدعونا للاقتداء بهم، وهذه الحالة يحبها الله تعالى، فإذا أحبها رحمنا ورضي عنا.

    استمع لتعليل الإمام الغزالي لهذا القول في الإحياء في الجزء الثالث صفحة واحدة وثلاثين ومائتين، وانظروا أيضاً زيادة تعليق عليه في شرح الإحياء في الجزء السادس صفحة إحدى وخمسين وثلاثمائة، يقول الغزالي رحمة الله ورضوانه عليه وعلى المسلمين أجمعين: الفقه للوعي وللبصر والبصيرة، ويكفي في تغيير الطبع مجرد سماع الخير والشر فضلاً عن مشاهدته. يعني: طبع الإنسان يتغير لسماع خبر فضلاً عن رؤية ذلك الأمر في الخير أو في الشر، يكفي في تغيير الطبع سماع الخبر، قد تسمع خبراً خَيِّراً فتحسن حالك، وقد تسمع خبراً سيئاً فتسوء حالك وتقتدي به، ولذلك -إخوتي الكرام- ينبغي ألا نذكر أخبار السوء، وأن نقلل منها ما أمكن، إلا من أجل التحذير ضمن ضوابط شرعية؛ لأنه إذا انتشرت هذه الأخبار يخف وقعها على القلوب، فإذا خف وقعها فإن النفوس بعد ذلك لا تستنكرها، ويكون عندها قابلية لفعلها، وكلما كان الإنسان بعيداً عن هذا كان أولى، ولذلك قال تعالى في وصف النساء على وجه الخصوص: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ [النور:23]، فالمرأة فيها صفة الغفلة، صفة البلاهة، وهذا حقيقة من الصفات الطيبة في المرأة، فهي لا تفعل الشر، لا تعرفه ولا تفكر فيه ولا تعلم أنه يوجد في الأرض الزنا، واتصال محرم وغناء وقلة حياء، هي لا تعلم هذا فضلاً عن الامتناع عنه، فهي لا تمتنع فقط، بل هذا لا يدور في ذهنها، أسباب الريبة لا تخطر على بالها، فهذه صفة حسنة في الإنسان، بلاهة وسلامة الصدر، وليس المراد من البلاهة العباطة، لكن حقيقة نفس سليمة لا تفكر في هذا.

    يقول الإمام الغزالي عليه رحمة الله: ويكفي في تغيير الطبع مجرد سماع الخير والشر فضلاً عن مشاهدته، وبهذه الدقيقة يعرف سر قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة ). وقلتُ: إنه وَهِمَ، والحديث ليس مرفوعاً، إنما هو من كلام سلفنا سفيان بن عيينة ، سفيان الثوري ، الإمام أحمد ، أئمة الإسلام كلهم يتناقلون هذا.

    على كل حال: نريد توجيه هذه الجملة، بأي شيء سيوجهها؟ كيف تنزل الرحمة عندما نذكر الصالحين؟ قال: وإنما الرحمة دخول الجنة ولقاء الله، وليس ينزل عند الذكر عين ذلك، ولكن سببه. يعني سبب لقاء الله، سبب دخول الجنة هو الذي ينزل، قال: وهو انبعاث الرغبة من القلب، وحركة الحرص عل الاقتداء بهم، والاستنكاف عما هو ملابس له من القصور والتقصير، ومبدأ الرحمة فعل الخير، ومبدأ فعل الخير الرغبة، ومبدأ الرغبة ذكر أحوال الصالحين.

    إذاً: مبدأ الرحمة فعل الخير، ومبدأ فعل الخير الرغبة، ومبدأ الرغبة ذكر أحوال الصالحين، فهذا معنى نزول الرحمة، قال: والمفهوم من فحوى هذا الكلام عند الفطن كالمفهوم من عكسه، وهو أنه عند ذكر الفاسقين تنزل اللعنة؛ لأن كثرة ذكرهم تهون على الطبع أمر المعاصي، واللعنة هي البعد، ومبدأ البعد من الله هو المعاصي، والإعراض عن الله بالإقبال على الحظوظ العاجلة والشهوات الحاضرة، لا على الوجه المشروع، ومبدأ المعاصي سقوط ثقلها وتفاحشها عن القلب، ومبدأ سقوط الثقل وقوع الأنس بها لكثرة السماع، وإذا كان هذا حال ذكر الصالحين والفاسقين، فما ظنك بمشاهدتهم؟!

    يعني: عندما يذكر الإنسان الصالحين تنزل الرحمة، والمراد أسباب الرحمة؛ لأن الذي يوصل إلى الرحمة فعل الخير، ومبدأ فعل الخير الرغبة فيه، ومبدأ الرغبة أن تذكر أخبار من تقتدي به في الخير، وعليه عندما تذكرهم تنزل الرحمة، يعني ينزل سبب الرحمة، ما سيوصلك إلى الرحمة، هذا هو معنى الكلام، وليس المعنى أنه عندما نذكر سيدنا أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه، ينزل -على تعبيرهم- الغيث والقطر، وأنه لا داعي لصلاة الاستسقاء، كما يقول هؤلاء السفهاء: أي: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، يعني ينزل المطر، فلا داعي للاستسقاء، وقال: أنت الآن تدعو لتعطيل صلاة الاستسقاء! انظر للسفاهة من السفهاء في هذه الأيام!

    هذا هو معنى الأثر يا إخوتي، وهكذا عند ذكر الفاسقين تنزل اللعنة، أي: أسباب اللعنة؛ لأن سبب اللعنة فعل المعصية، ومبدأ فعل المعصية الرغبة فيها، ومبدأ الرغبة ذكر أخبار الفاسقين الذي يشجعنا على فعل الفسق كما يفعلون.

    وقد تقدم معنا كلام سيدنا سفيان الثوري رضي الله عنه وأرضاه: النظر إلى وجوهكم خطيئة مكتوبة. أي: إلى وجوه الحكام الظلمة، وقد قال هذا الكلام العبد الصالح محمد بن أسلم الطوسي ، عندما قال له أمير خراسان عبد الله بن طاهر : لم لا تنظر وقد كان عمر بن الخطاب ينظر إلى السماء وهو وشراك نعله خير منك! قال: بلغني عن سفيان : أن النظر إلى وجوهكم خطيئة مكتوبة! فالسماع له أثر فكيف بالنظر! لا شك أن له أثراً أكثر.

    من فوائد ذكر أخبار الصالحين الاقتداء بهم

    ولذلك إخوتي الكرام عندما سنتدارس أخبار أئمتنا ساداتنا أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين، سنرى حقيقة أخبارهم في إخلاصهم لله، واتباعهم لحبيبنا سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وسنرى جدهم واجتهادهم في طاعة الله، واحتراسهم ومحاسبتهم لنفوسهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا يدعونا للاقتداء بهم، وهذا -كما قلت- من حقهم علينا، فعندما نتدارس فقههم لا بد من أن نقف على أحوالهم، لا بد من أن نعرف أخبار أئمتنا، وأنا أذكر أنه كانت عندنا مادة أعلام الإسلام في الثانوية الشرعية، وكان لها أثر كبير، كان في كل سنة يدرس مثلاً قرابة عشرين علماً من أعلام المسلمين في مادة لها دروس كاملة، منهج وكتاب، وكان لذلك أثر، فطالب العلم لا بد من أن يرى هذا الإسلام متجسداً في صورة أناس عملوا به، كأنه يرى الإسلام حياً، فحينما يرى الإمام ابن الجوزي يرى الإسلام، وحينما يرى سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه يرى الإسلام، وحينما يرى سيدنا أبا بكر ويسمع أخبارهم يرى الإسلام ويسمع الإسلام، وهكذا عندما يسمع أخبار أئمة الإسلام أخبار أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، كأنه قرأ كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه الأفعال وهذه الأحوال وهذه القصص التي تروى عنهم كلها مستقاة من هدى الله وكتابه وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

    هذا إخوتي الكرام لا بد من وعيه، ولذلك -إخوتي الكرام- سنتدارس أخبارهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وكما أنه عند ذكرهم تنزل رحمة ذي الجلال والإكرام، أيضاً عند ذكرهم يُذكر ربنا، وعند ذكر الله يذكرون، فيذكرون عند ذكر الحي القيوم، ويذكر ربنا جل وعلا عندما يذكر أئمة الإسلام رضوان الله عليهم أجمعين.

    وسوف أذكر ما يدل على هذا الأمر من كلام نبينا عليه الصلاة والسلام في أول الموعظة الآتية، وسوف نشرع في مدارسة فقيه الملة، أول الفقهاء الأربعة سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وعن أئمة المسلمين والمسلمين أجمعين.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.