إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في الفقه - تقوية اليقين بأخبار الصالحين [1]

مقدمة في الفقه - تقوية اليقين بأخبار الصالحين [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للقصة آثار جلية على النفس البشرية، فالقصة تستروح لها النفس وتميل إليها، وتأخذ منها المعاني الفاضلة، والأخلاق الحميدة، فتتحلى بها وتتزين بجمالها؛ لذلك كثر ورودها في القرآن الكريم والسنة النبوية، فقد قص الله تعالى علينا من أخبار الأنبياء والمرسلين وغيرهم من الأمم السابقة الشيء الكثير، كل ذلك لأجل أخذ العظة والعبرة والفائدة، لا للتسلي وذكر الأخبار فحسب.

    1.   

    آثار قصص الصالحين على نفوس المؤمنين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس مقدمة لدروس الفقه التي سنشرع في مدارستها بعون ربنا وتوفيقه، وقلت: هذه المقدمة تقوم على أمرين اثنين:

    الأمر الأول: على تعريف علم الفقه ومنزلته، ووجوب الاحتكام إلى شريعة الله جل وعلا، وقد مر الكلام على هذه الأمور مفصلاً في المواعظ الماضية، ووصلنا إلى الأمر الثاني من المقدمة لدروس الفقه التي سنتدارسها، وهو ترجمة أئمتنا ساداتنا الفقهاء الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين، سيدنا أبو حنيفة ، وسيدنا مالك ، وسيدنا الشافعي ، وسيدنا أحمد رضوان الله عليهم أجمعين.

    إخوتي الكرام! قبل أن نشرع في مدارسة تراجمهم المباركة رضوان الله عليهم أجمعين، ينبغي أن نعلم أننا عندما نتدارس تراجمهم وأحوالهم، فليس هذا من باب النافلة والاستطراد، إنما هو حق على العباد، وعلى أهل النُّهى والرشاد أن يعرفوا أحوال أئمتنا، فهم أولياء الله رضوان الله عليهم أجمعين، ولذلك أثر عظيم في نفوس المكلفين، فأخبار الصالحين تقوي اليقين، وتشد صلة الإنسان برب العالمين، ومدارسة أخبارهم لون من ألوان الدعوة إلى دين رب العالمين.

    إخوتي الكرام! للقصة في حد ذاتها آثار جلية على النفس البشرية، ولذلك كثر ورودها في الآيات القرآنية، وفي أحاديث نبينا خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، القصة -إخوتي الكرام- تستروح إليها النفس البشرية وتحبها، وتسترسل معها، وتميل إليها، وهذا شعور فطري فيها، والقصة أيضاً طريقة لغرس مبادئ الخير في النفوس البشرية، حيث تتغلغل المعاني التي في القصة، من قيم الخير، ومُثل الفضيلة في النفس البشرية بسهولة دون قصد ودون شعور؛ لأنه -كما قلت- الإنسان يميل إلى سماع القصص، وإلى سماع الأخبار، وهذه فطرة فيه فطره عليها العزيز القهار سبحانه وتعالى، فعندما تحمل تلك القصص في طياتها المعاني الشريفة النبيلة، تتغلغل في النفس من حيث لا يشعر الإنسان، ومن حيث لا يقصد ذلك الأمر، لكن عند السماع يتأثر الإنسان، فتسري تلك المعاني الجميلة النبيلة في النفس البشرية من حيث لا يشعر.

    1.   

    موضوعات القرآن وبيان أن القصص تمثل ثلث موضوعات القرآن

    ولذلك إخوتي الكرام! قرر علماؤنا رضوان الله عليهم أجمعين أن آيات القرآن دار موضوعها حول ثلاثة أمور حسان:

    أولها: موضوع توحيد ذي الجلال والإكرام.

    ثانيها: دار حول الأحكام وما ينبغي أن يفعله الإنسان من حلال، وما ينبغي أن يتركه من حرام، حول ما يتعلق بسلوك الإنسان.

    الأمر الثالث: قصص حسان.

    فالقرآن من أوله لآخره يدور حول هذه الأمور الثلاثة: توحيد، وأحكام، وقصص، والمراد من القصص توكيد هذين الأمرين، والدعوة إليهما من حيث لا يشعر الإنسان، فهي تقرر أمور التوحيد بالله المجيد، وهي أيضاً تثبت الأحكام الشرعية بصورة لا شعورية، عندما تذكر القصص وفي طياتها توحيد الله جل وعلا، والأحكام الشرعية التي تتعلق بها النفوس البشرية.

    إذاً: القرآن الكريم عقائد، توحيد الله، وأحكام تتعلق بأفعال وسلوك الإنسان، وقصص حسان، وقد أشار إلى ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي مسند الإمام أحمد، والحديث رواه الإمام مالك في الموطأ، والبخاري في صحيحه، ورواه الإمام أبو داود والنسائي في السنن، والإمام ابن الضريس في فضائل القرآن، والبيهقي في السنن الكبرى، والحديث صحيح صحيح، فهو في صحيح البخاري وفي غير ذلك من كتب الحديث، عن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( إن رجلاً من الصحابة الكرام سمع رجلاً من الصحابة الكرام يقرأ في جوف الليل سورة الإخلاص: (قل هو الله أحد)، ويكررها، فلما أصبح جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره أنه سمع بعض الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين قام ليلته أجمع بسورة الإخلاص يكررها، وكأن الرجل يتقالها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده! إنها لتعدل ثلث القرآن ).

    وفي بعض روايات الحديث من رواية سيدنا أبي سعيد الخدري أيضاً رضي الله عنه وأرضاه: أن نبينا عليه الصلاة والسلام قال للصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين: ( أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن كل ليلة؟ فشق عليهم ذلك، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله عليه الصلاة والسلام؟! ) وكأنهم فهموا ثلثاً من حيث الحجم، أي: عشرة أجزاء، فشق عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك؟! يلتزم عشرة أجزاء كل ليلة؟! فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: ( إن (قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن ).

    وهذا الحديث إخوتي الكرام! متواتر عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد رُوي عن سيدنا أبي الدرداء ، وعن سيدنا أبي أيوب ، وعن سيدنا أبي هريرة ، وعن سيدنا عمر ، وعن ابنه سيدنا عبد الله بن عمر ، وعن سيدنا أنس ، وعن سيدنا عبد الله بن مسعود ، وعن سيدنا أبي بن كعب ، وعن سيدنا معاذ بن جبل ، وعن سيدنا النعمان بن قتادة ، فهنا عشرة مع رواية أبي سعيد الخدري ، فيصيرون أحد عشر صحابياً يروون هذا الحديث: أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن.

    انظروا هذه الروايات -إخوتي الكرام- في جامع الأصول في الجزء الثامن صفحة خمس وثمانين وأربعمائة، وفي الدر المنثور في الجزء السادس صفحة أربع عشرة وأربعمائة.

    وقد أصاب أئمتنا في توجيه كلام نبينا عليه الصلاة والسلام، أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، ما المراد بهذا الثلث؟ أوجه ما قيل في ذلك ما استظهره شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى في الجزء الثاني عشر صفحة أربع وثلاثين ومائة، وحكاه الحافظ في الفتح في الجزء التاسع صفحة واحدة وستين: أنها ثلث القرآن من حيث محتوى القرآن، ومن حيث موضوع القرآن، ومن حيث المعاني التي عالجها ودل عليها القرآن، فالقرآن يدور على ثلاثة أمور حسان:

    أولها: توحيد الرحمن.

    ثانيها: أحكام تتعلق بفعل الإنسان.

    ثالثها: قصص حسان. والمراد من القصص تقرير وتثبيت وتوكيد ما تقدم من توحيد الله جل وعلا، ومن الأحكام التي تتعلق بأعمال المكلفين.

    الأغراض والحكم العظيمة من قصص القرآن

    إذاً: القصص لها شأن، فالله في كتابه قص وسمى سورة بكاملها سورة القصص، هذا عدا عن السور التي تسمى بسورة لقمان، سورة الكهف، وسورة آل عمران، وسورة مريم، هذه كلها فيها قصص للأنبياء ولغير الأنبياء على نبينا وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه كما سيأتينا، فـلقمان ليس بنبي على المعتمد، وأصحاب الكهف ليسوا بأنبياء، ومريم ليست بنبية، وقد وردت أخبار هؤلاء في كلام الله عز وجل، لا لقصد قضاء الوقت والتسلي، إنما للدعوة إلى الله جل وعلا، وتثبيت العقائد في القلوب، من حيث لا يقصد الإنسان ولا يشعر، وهي أيضاً لتوكيد الأحكام والدعوة إلى الفضيلة على التمام، من حيث لا يقصد الإنسان ولا يشعر؛ لأن الإنسان بطبيعته يستروح للقصة ويميل إليها ويحبها ويتعلق بها، فتذكر أخبار المتقدمين وفي ثناياها وفي طياتها توحيد رب العالمين، وتقرير الأحكام في الدين، فيتغلغل ذلك في نفوس المكلفين.

    وعليه عندما سنتدارس أخبار أئمتنا لتسري تلك الفضائل التي فيهم في نفوسنا من حيث لا نشعر، ومن حيث لا نقصد، وحقيقة دواء عظيم لقلوب المكلفين ذكر قصص وأخبار الصالحين، وأن يتذاكروها في كل حين.

    قصة لقمان والدروس المستفادة منها

    إخوتي الكرام! كما قلت: قص الله علينا في سورة كاملة سورة العبد الصالح لقمان ، وسمى السورة باسمه، وهو ليس بنبي على المعتمد عند أئمة الإسلام، وقد تتابع على هذا أئمتنا، قال الإمام البغوي في معالم التنزيل في الجزء لخامس صفحة خمس عشرة ومائتين: اتفق العلماء جميعاً على أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً، ولم يخالف في ذلك إلا عكرمة مولى سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، فزعم أنه نبي، وأئمتنا ما وافقوه وردوا عليه ذلك، والإمام ابن الجوزي في زاد المسير في الجزء السادس صفحة سبع عشرة وثلاثمائة يقول: حكى الواحدي بسنده أيضاً عن السدي والشعبي أنهما قالا: إن لقمان نبي، وعليه عكرمة والسدي والشعبي . وعقب على ذلك الإمام ابن الجوزي بقوله: ولا يعرف هذا إلا عن عكرمة ، أنه تفرد به، لا يعرف هذا عن السدي ، فـالسدي مع من قال: إن لقمان ليس بنبي، وهكذا الشعبي لا يعرف هذا القول إلا عن عكرمة ، وأئمتنا كما قلت إخوتي الكرام ما ارتضوا قوله، وقالوا: إن الله نعته بالحكمة في كتابه فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان:12].

    فإن قال قائل: إن النبوة تفسر بالحكمة، فيقال: لا يصلح أن يفسر الأخص بالأعم، فهنا الحكمة أعم من النبوة، ولو أعطاه الله النبوة لنعته بوصف النبوة، فكل نبي حكيم ولا عكس، فأطلق الأعم وأراد الأخص، هذا لا يمكن! لا بد من أن يذكره بنعت النبوة إذا كان نبياً، وتقدم معنا أن الحكمة هي فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، وهي إصابة الحق علماً وقولاً وعملاً، وهي وضع الشيء المناسب في الزمن المناسب في المكان المناسب، كما تقدم معنا ضمن المباحث القريبة في الفروق بين شرع الخالق والمخلوق، حينما ذكرنا أنه صاحَبَ شرع الخالق حكمة تامة، وبينت معنى الحكمة عند هذا الفرق المعتبر من الفروق التي تقدمت مدارستها.

    إذاً: آتاه الله جل وعلا الحكمة، وقص علينا ربنا جل وعلا خبره، وعندما يستمع الإنسان قصته تسري الفضيلة والمثل الجليلة في نفس السامع من حيث لا يشعر، وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان:12].

    ثم بعد ذلك والد يتعهد ولده: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ [لقمان:13] موعظة يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ [لقمان:13] تقرير أمر العقيدة إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، ثم انتقل إلى أمر آخر بعد أن بين له حق الله عليه، بين أعظم حقوق الخلق عليه وهو حق الوالدين: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ [لقمان:14]، أي: هذا من جملة ما ألهم الله به العبد الصالح لقمان أن يقوله لولده، وقيل: إنه كلام جاء على نهج الاستطراد ضمن وصية العبد الصالح لقمان ، وتقرير هذا يكون ضمن مواعظ التفسير إذا وصلنا إلى سورة لقمان بتوفيق ذي الجلال والإكرام، يعني هل هذا مما قاله لقمان لولده أو أنه كلام أُتي به على نهج الاستطراد ضمن وصية العبد الصالح لقمان للتحذير من الشرك الذي ورد في وصية لقمان : لا تشرك بالله، وبعد ذلك الوصية بالأبوين بعد النهي عن الشرك؟! وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:15-16]، كل هذا في أمر العقائد.

    ثم قال بعد ذلك: يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:17-19].

    إذاً: هذه القصة جاءت لتقرير وتوكيد أمر التوحيد، ولتقرير وتوكيد الأحكام الشرعية العملية التي ينبغي أن يقوم بها المكلفون في هذه الحياة، فهي عقائد وأحكام لكنها ضمن قصص، ما وُجِّه هذا للعباد، إنما لقمان أوصى ولده بما أوصاه به ليدله على هذا وهذا، والقرآن -كما قلت- دار على هذه الأمور الثلاثة: عقائد توحيد الله عز وجل، وأحكام عملية تتعلق بأفعال المكلفين، وقصص يراد منه تقرير هذين الأمرين وتوكيدهما من حيث لا يقصد الإنسان ولا يشعر، بحيث تسرى الفضيلة في نفسه، ويُقرر ذلك الأمران في نفسه من دون قصد منه ولا شعور منه بذلك.

    من حكم العبد الصالح لقمان الحكيم

    إخوتي الكرام! هذا العبد الصالح حقيقة أشار الله إلى ما أعطاه من حكمة، وذكر بعض حِكمه في السورة التي سماها باسمه، وفي ذلك أيضاً استلهاب الهمم والعزائم للبحث في حكمة هذا العبد الصالح، حسب النظر في حياته، وأئمتنا قد نقلوا هذا حسب ما ورد في الكتب السابقة، وقد أُذن لنا أن نتحدث بما كان فيهم، وبما صدر منهم مما لا يدل شرعنا على المنع منه، وحقيقة أئمتنا المفسرون قاطبة أوردوا نماذج من حكمة هذا العبد الصالح دون هذه القصة، بحيث تسرى تلك الفضائل في النفس ضمن قصة عبد صالح يقول الحكمة، وينصح عباد الله، ذريته والناس أجمعين.

    فمما أوردوا من حكمته رضي الله عنه وعن سائر الصديقين الكرام: ما ثبت في كتاب الزهد للإمام أحمد صفحة تسع وأربعين، أنه قال لولده: (يا بني! ما ندمت على سكوتي قط، ولئن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) ما ندمت على سكوتي قط، ما مرة سكت وندمت، إنما الإنسان يندم إذا تكلم، ولذلك من حفظ سره وما تكلم به كان أمره في يده، إن شاء أن يتكلم وإن شاء أن يسكت، هو أدرى، لكن إذا ذاع صار أمره بيد غيره، وهنا كذلك، ما ندمت على سكوتي قط، ولئن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.

    ورضي الله على أئمتنا عندما قالوا:

    إن كان يعجبك السكوت فإنه قد كان يعجب قبلك الأبرارا

    ولئن ندمت على سكوتك مرة فلتندمن على الكلام مرارا

    إن السكوت سلامة ولربما زرع الكلام عداوة وضرارا

    إذاً: هذا من حِكمه، وحقيقة التقي ملجم، و( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ).

    ومن حكمه: ما رواه الحاكم في المستدرك في الجزء الثاني صفحة ثلاث وعشرين وأربعمائة في كتاب التفسير في تفسير سورة سبأ، في قصة نسج العبد الصالح نبي الله داود على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه للدروع، وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، وأقره عليه الذهبي ، والحديث رواه الإمام ابن حبان في كتاب روضة العقلاء، ورواه الإمام العسكري في الأمثال، ورواه البيهقي في شعب الإيمان، وانظروا تخريج الحديث في شرح الإحياء في الجزء الثالث صفحة خمس ومائة؛ لأنه رُوي مرفوعاً بسند ضعيف، قال العراقي : هذا معروف عن سيدنا أنس رضي الله عنه وأرضاه من كلام العبد الصالح لقمان ، قال سيدنا أنس رضي الله عنه وأرضاه: كان لقمان عليه وعلى سائر الصديقين الرحمة والرضوان مع نبي الله داود على نبينا وعليهما أفضل الصلاة وأزكى السلام، فكان داود يقدر في السرد، وينسج الدروع، ويُحكم صنعتها، والعبد الصالح لقمان ينظر إليه، وما عرف ماذا يعمل في أول الأمر. كان داود ينسج حلق الحديد مع بعضها ليكون منها دروعاً، ماذا يريد العبد الصالح داود من هذا؟ ما عرف لقمان ، وعلى طريقته أنه ما ندم على سكوته، فسكت وما تكلم، فلما انتهى نبي الله داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام من نسج الدرع قام ولبسه وقال: نعم الدرع للحرب. فقال لقمان : الصمت حكمة وقليل فاعله، أردت أن أسألك فسكت، فأعلمتني دون سؤال. حقيقة هذه القصة الحكيمة المحكمة عندما يسمعها الإنسان تسري تلك الفضائل في نفسه من حيث لا يشعر، (الصمت حكمة وقليل فاعله).

    وروى الإمام أحمد في الزهد في المكان المتقدم في أخبار العبد الصالح لقمان صفحة تسع وأربعين أنه كان يقول: ضرب الوالد لولده، ضرب الأستاذ لتلميذه كالسَماد للزرع. ولد من غير أن يُضرب ويؤدب لا يصلح، يخرج فيه بعد ذلك بذاءة وميوعة، فلا بد من شدة عليه من أجل مصلحته، وهذا كالزرع لا بد له من سماد، وليس معنى الضرب أنك تضربه لتكسر عظامه! لكن لا بد من أن يُخوف، وأن يصاحب حياته رغبة ورهبة.

    وكان يقول كما روى عنه ذلك الخطيب البغدادي : (يا بني! الدَّين هم بالليل وذل بالنهار). حقيقة إذا كان على الإنسان دَين ينكس رأسه في النهار ممن يلاحقه ويطالبه، ويريد أن يرفع أمره إلى القضاء من أجل أن يودعه في السجن، وأما في الليل فإنه يتقلب على فراشه في هم وغم: كيف سيؤدي الحقوق إلى أصحابها؟ وهل سوف تأتيه المنية قبل أداء هذه الحقوق فيلقى بها رب البرية؟ فهو هم بالليل، وذل بالنهار، والإنسان كلما استغنى بنفسه عن غيره ولم يحتج إلا إلى ربه، كان أعز له وأسلم لنفسه، فهذا أيضاً من وصايا هذا العبد الصالح لقمان عليه وعلى سائر الصديقين الرحمة والرضوان.

    وكان يقول كما في شعب الإيمان للبيهقي ، والأثر رواه عبد الله ابن سيدنا الإمام أحمد في زوائد الزهد، ورواه الإمام الصابوني في كتابه المائتين، أورد مائتي أثر، وليس عندي خبر عنه، إنما هذا بواسطة الدر المنثور في أخبار العبد الصالح لقمان عليه وعلى سائر الصديقين الرحمة والرضوان، الدر المنثور في تفسير سورة لقمان في الجزء الخامس، أورد هذا، لكن ما حددت الصفحة، على كل حال ترجعون إلى الدر المنثور في تفسير سورة لقمان، وعزاه إلى الصابوني وإلى غيره، يقول: (يا بني! إني حملت الجندل والحديد -والجندل هي الحجارة الثقيلة- فما رأيت أثقل من جار سوء!) والله إنه أثقل من الجندل والحديد، وأثقل من الجبل، جار السوء نعوذ بالله منه.

    ومن كلامه المحكم ما رواه عنه البيهقي في شعب الإيمان، يقول: (ليس غنىً كصحة، ولا نعيم كطيب نفس). لا يوجد أنعم ممن هو طيب النفس منشرح الصدر، ولا يوجد أغنى ممن معه صحته وعافيته، إذا كان الإنسان بصحته فيحمد ربه، ولو ملك الدنيا بحذافيرها وهو سقيم مريض فماذا ينفعه؟ لا يستطيع أن يأكل ولا كسرة خبز، وحقيقة ما أوتي الناس بعد اليقين برب العالمين أعظم من العافية، أعظم من الصحة، فهي نعمة عظيمة، فاحمد الله، إذا كنت صحيحاً فأنت غني، لكن الناس لا تقدر هذا الغنى في هذه الأيام، ولا يعرفون قيمة الصحة إلا عندما تزول عنهم ويصابون بالمرض، (ولا نعيم كطيب نفس) حقيقة إذا كان الإنسان في راحة، لا هم ولا غم ولا قلق ولا حزن، فهذا نعيم لا يعدله نعيم، وهذه هي جنة الدنيا، أن يكون الإنسان في راحة، وأن لا يكون في قلق وهم وغم ونكد وتعب وتعلق بالدنيا، بحيث يمسي ويصبح وهو يفكر في حساباتها، فما بعد هذا الشقاء من شقاء! ما حصلت من دنياك إلا العناء والتعب.

    وكما روى الإمام أحمد أيضاً في الزهد في ترجمته في المكان الذي أشرت إليه: أنه كان عبداً مملوكاً، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون نبياً؛ لأن النبي ينبغي أن يكون حراً، على نبينا وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، يروى أنه قال له سيده مرة: اذبح لي شاة وائتني بأطيب شيء فيها، فذبح شاة وأتى بقلبها ولسانها، وبعد فترة قال له: اذبح لي شاة وائتني بأخبث شيء فيها، فذبح شاة وأتى بالقلب واللسان، فقال: أمرك عجب! أقول لك: هاتِ أطيب شيء فيها فتحضر القلب واللسان، وهاتِ أخبث شيء فيها فتحضر القلب واللسان! قال: لا شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا شيء أخبث منهما إذا خبثا! القلب واللسان إذا طابا طابت الجوارح كلها، وإذا خبثا خبثت الجوارح كلها، واللسان هو ترجمان للقلب:

    إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا

    وكما قال أئمتنا: الأفواه حوانيت، وإذا تكلم الإنسان ظهر العطار والبيطار، يظهر ما في قلبك عندما تفتح فمك، متى ما فتحت فمك يظهر، سواء كان ما في قلبك خَبَثاً وخُبْثاً، أو طهارةً وطيباً، إذا تكلم الإنسان ظهر العطار والبيطار، إذن لا يوجد شيء أخبث منهما إذا خبثا، ولا يوجد شيء أطيب منهما إذا طابا.

    إذاً: القصص ذكرها ربنا في كتابه سبحانه وتعالى ليقرر أمر توحيده، وليقرر بعد ذلك الأحكام الشرعية، ولتتعلق بهما النفس البشرية من غير قصد ومن غير شعور.

    نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، إنه سميع مجيب.

    والحمد لله رب العالمين.