إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في الفقه - المكفرات من المخالفات [4]

مقدمة في الفقه - المكفرات من المخالفات [4]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله تعالى كامل مكمَّل، صالح لكل زمان ومكان، فلا عيب فيه ولا نقص بوجه من الوجوه، ومن زعم أن شرع الله تعالى لابد أن يساير القوانين والشرائع الوضعية، وحرَّف شرع الله تعالى لأجل هذا الغرض فهو كافر كفراً أكبر يخرجه من الملة، وذلك كمن يريد تحليل الربا ونحوه من المحرمات بحجة أن ذلك فيه مصالح دنيوية. ومن حكم بغير ما أنزل الله تعالى فهو دائر بين الكفر والظلم والفسق، على اختلاف عبارات العلماء في المراد بذلك.

    1.   

    من المخالفات المكفرة سلوك طريق الحيل الماكرة بزعم تطوير الشريعة لتساير القوانين الوضعية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:

    الحالة السادسة، وهي آخر الأحوال عندنا إخوتي الكرام: أن يسلك الإنسان طريق الحيل الماكرة التي يزعم بها أنه يريد تطوير الشريعة المطهرة، لتساير قوانين الكفرة الفجرة بالتأويلات الخارجة، هذا نوع من الكفر وما أكثره في هذه الأيام، هو يقول: أنا لا أريد معصية، وما يفعله هو شر المعاصي، فبدلاً من أن تستورد القوانين الوضعية الوضيعة لتحكم في بلاد المسلمين على أنها قوانين كفرية مستوردة، يقول: لا، دعونا نطور شريعة الله المطهرة، لتحتوي على تلك المواد الكافرة لكن باسم شريعة الله، وأول من فعل هذا هو الشيطان السنهوري ، وما حاوله هو شر الحلول، وأعظم المصائب التي ابتُليت بها الأمة في هذا العصر المرذول.. الكفر نكسوه ثوب الإسلام، فنطور شريعتنا من أجل أن تتناسب مع حياتنا، ومن أجل أن نقترب مع الكفار أعدائنا، فهي أحكام إسلامية دون أن نأخذها مستوردة، نحن نطور شريعة الله جل وعلا. هذا إخوتي الكرام ما أكثره في هذه الأيام!‏

    القول بجواز الربا للضرورة وأنه ليس محرماً

    استمعوا ماذا يقول السفهاء في هذه الأيام، وهذا كتبه بعض الناس ممن له شأن كبير في السعودية، ومشرف على الأمور المالية هناك، ونُشر مقاله من عدد من السنين، ومشايخ البلاد هناك ردوا على ما عنده من زندقة وإلحاد عندما نشر هذا الكفر بين العباد، ردت عليه هيئة كبار العلماء، حتى بينت أن هذا كلام ضلال وكفر بواح لا يجوز أن ينشر ولا يجوز أن يعتبر.

    يقول هذا الشيطان العاتي: لا تتم حياة البشرية إلا بسياسة اقتصادية، ولا يمكن أن يوجد اقتصاد من غير بنوك، ولا بنوك من غير فوائد ربوية، وعليه فالفوائد الربوية يقول: هي ضرورية، ثم قال: لا تظنوا أنها محرمة في الشريعة الإسلامية، فاطمئنوا، هنا الإسلام لا يتعارض مع الواقع، فالفوائد الربوية ليست محرمة، قال: لأن المحرم لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] وهو الربا الفاحش، الذي تأخذ على الريال مائة ريـال أو ألف ريـال هذا هو الربا المحرم، أما أن تأخذ بالمائة خمسة، بالمائة سبعة، بالمائة عشرة، هذه مقابل خدمة، ومقابل تيسير الأمور على الناس، فهذا ليس هو الربا الذي حرمه الله في كتابه، وإن كان يسمى ربا بمعنى الزيادة، لكن هذا ضرورة، وشريعة الإسلام تتسع له، فلا حياة من غير اقتصاد، ولا اقتصاد من غير بنوك، ولا بنوك من غير فوائد، وعليه فالفوائد ضرورية، وأما الربا المحرم فذاك هو الربا الفاحش، الذي قال الله فيه: لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:130]. أضعافاً مضاعفة.

    قرأ المكي عبد الله بن كثير والشامي عبد بن عامر ومعه أبو جعفر أحد المدنيين يزيد بن القعقاع ويعقوب أحد البصريين: (ولا تأكلوا الربا أضعافاً مضعَّفة واتقوا الله لعلكم تفلحون).

    إخوتي الكرام! الربا إن قل أو كثُر فهو محرم، وقوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:130]، ما هو الجواب على هذا الإشكال الذي أثاره هذا الشيطان وأمثاله في هذه الأيام، أن الربا المحرم هو الربا الفاحش؟

    نقول: هذه الآية في نظائرها عندنا في كتاب ربنا ما هو محكم وما هو متشابه، ما يحتمل معنى وما يحتمل عدة معانٍ، عندنا نصوص قطعية في تحريم الربا قل أو كثُر، والنصوص في ذلك متواترة، وهذه الآية تحتمل ما فهمه هذا لعجمة قلبه لا لعجمة لسانه، ولعله جمع العجمتين، لكن معنى الآية ليس كما فهم، فالآية مسوقة لزيادة ذم هذه الصورة التي كان يفعلها العرب في الجاهلية، فكأن الله جل وعلا يقول لهم: الربا في أصله محرم، هو جريمة واعتداء من الإنسان على أخيه واستغلال له سواء قل أو كثر، فكيف إذا كان الربا بهذه الصورة، مطلق الربا حرام فكيف إذا كان بهذه الصورة الذي فيها استغلال تام للإنسان أضعافاً مضاعفة.

    وهذا كقول الله جل وعلا: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:33]، وإكراه الإناث الجواري على الزنا محرم سواء أردن التحصن أو لم يردن، لكن الصورة تزداد شناعة وقبحاً عندما تكره الجارية على العهر وهي تريد العفة والطهر، فقد عملت جريمتين، هي طبيعتها تنفر من ذلك فأكرهتها، والله قد حرم هذا وأنت فعلته، فجمعت بين بليتين واعتداءين، مع أنها لو كانت راغبة فلا يجوز أن تسمح لها بمزاولة الزنا الذي حرمه ربنا، فكيف وهي ممتنعة.

    إذاً: الصورة سيقت بهذا الوضع لزيادة التقبيح، لبيان ما حصل من رئيس المنافقين في ذلك الحين، على أن جريمته هي أبشع الجرائم، حينما يكره من تريد التحصن من تريد العفة والعفاف والطهر، فهي مسوقة لزيادة ذم لا أنها إذا رضيت فهذا جائز.

    وهنا كذلك: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا [آل عمران:130] ثم الصورة التي يفعلونها: أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] لزيادة التقبيح والتشنيع الذي كانوا يفعلونه في جاهليتهم.

    ولذلك يقول الإمام النسفي في تفسيره في الجزء الأول صفحة إحدى وخمسين ومائتين: في الآية نهي عن الربا مع التوبيخ لما كانوا عليه من تضعيفه. فهو نهي عن الربا مطلقاً، ثم في هذه الصورة (أضعافاً مضاعفة) مع توبيخ لما كانوا عليه من تضعيفه.

    هذه صورة -إخوتي الكرام- من صور الكفر الذي نعيشه في هذه الأيام، تطوير شريعة ذي الجلال والإكرام لتناسب أحوال الناس في هذه الأيام، حسب مشابهة الكفار اللئام، نطور شريعة الله المطهرة، فالبنوك لا بد منها للحياة الاقتصادية، وبنوك من غير فوائد ربوية لا يمكن، ولذلك واقع الأمر أن البنوك الربوية انتشرت في جميع البلاد بلا استثناء نسأل الله العافية والسلامة من ذلك.

    فهذا من جملة الأمور التي يقولها دعاة الشرور في هذه الأيام، والدعوة إلى ذلك مكفرة، فمن قال بشيء من ذلك فقد كفر، من قال: إن الحياة لا تصلح إلا بالربا فقد كفر، ومن قال: إن الربا لا يحرم إلا إذا كان أضعافاً مضاعفة والقليل منها ليحققوا مصلحة، فقد كفر، فلا بد من وعي هذا الأمر.

    تحليل ما حرم الله بزعم أنه يحقق مصالح دنيوية ويوافق روح الشريعة

    أيضاً من كلامهم المعسول وهو مرذول مردود، يقولون: شرائع الله جاءت لرعاية المصالح، ولذلك أينما وجدت المصلحة فثم شرع الله، فتراه يأتي بمفاسد ثابتة ويقول: إن مصلحة العباد تتوقف عليها، وهذا يوافق روح الشريعة وإن خالف نصوصاً جزئية، فإن روح الشريعة هو تحقيق مصلحة الناس، نعم، نحن خالفنا نصوصاً جزئية هذا أمر آخر، اختلاط المرأة بالرجل يخالف نصوصاً جزئية لكنه يوافق روح الشريعة الإسلامية، وهي: تنمية الاقتصاد. والناس الآن في حاجة إلى عمل، وإذا أردنا أن يحقق الناس المصلحة فإنه يصعب عليهم الصيام في رمضان، فلا بد من أن يفطروا، وهم في فطرهم يطيعون الرحمن؛ لأن العمل عبادة، ولذلك ظهر بعض الطواغيت يشرب الخمر على شاشة التلفاز في نهار رمضان، ويدعو رعيته للفطر، يقول: لئلا يتأخر في الاقتصاد؛ لأنهم دولة نامية -على تعبيرهم- نامية أو نائمة أو ميتة، العلم عند الله جل وعلا.

    هذا التطوير كفر، لكنه يريد أن يطلي عليه ثوب الشريعة المطهرة، وأن هذا الكفر مقدس ومشروع، وهو روح الشريعة.

    وقال بعض العتاة ممن يحسبون من الدعاة أيضاً، وهذا قول مكفر بلا شك، يقول: إن تعطيل الحدود الإسلامية في هذه الأوقات، وخروج النساء سافرات، وإن خالف نصوصاً جزئية، فقد وافق روح الشريعة الإسلامية، وهو تحقيق المصلحة، ولو التزمت المرأة بالحجاب فإنها لن تخرج بعد ذلك من أجل العمل. والله أمرنا بالسعي والكدح للحاجة التي نحن فيها، فهذه مصلحة، ومثل ذلك تعطيل الحدود.. وهكذا مصالح نحققها، ثم نحن مع هذا نطيع الله كيف؟ قال: لقد وافقنا روح الشريعة وحافظنا عليها وإن خالفنا نصوصاً جزئية.

    إخوتي الكرام! مثل هذه العبارات تسمعونها بكثرة في هذه الأيام: روح الشريعة، والمصلحة، وما شاكل هذا.

    إخوتي الكرام! من الذي سيقدر المصلحة أنا أو أنت أو غيرنا من الخلق، أو سيقدرها الإله الحق؟ من الذي يقول هذه مصلحة وهذه مفسدة؟ هذا ينبغي أن يقوله المشرع، ينبغي أن يقوله العليم الحكيم سبحانه وتعالى، أما أنا وأنت وغيرنا فقد نستحسن ما هو ضلال، ولذلك كل أمة تستحسن جاهليتها التي هي عليها وترى أن المصلحة فيها، وما أتى رسول من رسل الله الكرام على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه إلى قوم من الأقوام إلا عارضوه، وأنه خالف مصالحهم، وما هم فيه مصلحة لهم، وهذا جاء ليغير مصالحهم التي ألفوها واعتادوها، فمن الذي سيقول: هذا مصلحة وهذا مفسدة؟ الذي سيقوله العزيز الغفور سبحانه وتعالى، وأما أن تستباح المحرمات ضمن ستار موافقة روح شريعة رب الأرض والسموات، فهذا ضلال مبين.

    الشعارات الرديئة التي تكتب في بعض الأماكن في بلاد الشام، فقد كتب على مدرسة لها شأن واعتبار: أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة، وحدة.. حرية.. اشتراكية.. هل بعد هذا الكفر يوجد كفر؟ ما بقي بعد هذا الكفر من كفر، فجاء ضال مُضل من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ومن هؤلاء الذين -كما قلت- يطورون، فقال: ينبغي أن تُكتب آية فوق هذا الشعار من أجل أن يكون هذا الشعار تفسيراً لهذه الآية وإيضاح لها: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92].

    فكتب هذا، ثم لما تُكلم معه وقيل له: الأمة هنا يراد منها الأمة الإسلامية والملة الإسلامية، وأنت بعد ذلك نريد أمة عربية، -قال هذا بدون حياء من الله جل وعلا- قال: أمة عربية واحدة نعني بها الأمة الإسلامية، ذات رسالة خالدة، قال: هي رسالة الإسلام، وحدة: قال: الإسلام دين الوحدة، حرية: دين الحرية، اشتراكية: قال اقصدوا بها الزكاة، نجيء نقصد ونتلاعب! فهي شعارات لها دلالات معتبرات عند من قالها، نحن سنقصد بالاشتراكية الزكاة، وكما قال الشيطان الثاني الشاعر:

    والاشتراكيون أنت إمامهم

    سنقصد نحن هذا، فلها مدلول معين، فهذا -إخوتي الكرام- كله من باب تطوير الشريعة لتتسع للضلالات الشنيعة، وهو كفر ومن سلكه فهو كافر.

    وكان أئمتنا يقولون: من كان لاعباً فلا يلعبن بدينه، إن أردت أن تعصي الله فاعصه، وما أحد سلم من معصية نسأل الله أن يتوب علينا، لكن اعصِ على أنك عاصٍ لا تعص على أنك مطيع، والله ما طمع بهذا إبليس، أن يعصي الله ويريد أجراً على معصيته، إبليس ما طمع بهذا، فنحن سنفعل المعاصي ثم ندعي أننا مطيعون للحي القيوم، ما بعد هذا الجنون جنون، من كان لاعباً فلا يلعبن بدينه، قف عند حدك، ولا داعي بعد ذلك لتطوير الشريعة لنجعلها تتسق مع الكفر وتتمشى معه، فقفوا عند حدكم.

    تحريف شرع الله تعالى بدعوى مسايرة القوانين الوضعية

    إخوتي الكرام! حقيقة ابتلينا بصنف في هذه الأيام يحرفون دين الإسلام، وحالهم كحال اليهود اللئام، عليهم لعائن ذي الجلال والإكرام، قال الله في حق اليهود: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75].

    والتحريف إخوتي الكرام: تغيير النص لفظاً أو معنى، فهو شامل للأمرين، إما أن يحرفه لفظاً ويغيره ويتلاعب فيه، وإما أن يحرف معناه، ونحن ابتلينا بهذا الصنف الذي يحرف معاني نصوص الشريعة المطهرة لتساير كما قلت الأنظمة الكافرة، أنظمة الفجرة، وفعل هذا من المكفرات، وقد خشي علينا نبينا عليه الصلاة والسلام، وخاف على أمته عليه الصلاة والسلام من هذا الصنف الخبيث أكثر من خوفه وخشيته عليها من الدجال .

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والحديث في السنن الأربعة إلا سنن النسائي، من رواية سيدنا النواس بن سمعان رضي الله عنه وأرضاه، في حديث الدجال الطويل، وفيه: أن نبينا الجليل عليه صلوات الله وسلامه قال: ( غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال ) عندما ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام الدجال ، وارتاع الصحابة، وظنوا أنه في طائفة من النخل، قال عليه الصلاة والسلام: ( غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال ) من؟ ثبت في مسند الإمام أحمد بسند جيد، من رواية سيدنا أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه. قالوا: ( من يا رسول الله عليه الصلاة والسلام؟! قال: الأئمة المضلون )، إمام ضلالة، إمام حكم أو إمام دعوة، إمام ضلالة هذا أشد خطراً على الأمة من الدجال ؛ لأنه يفسد فيها باسم الإسلام، ( غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال، الأئمة المضلون ).

    وهذا الحديث -أعني حديث سيدنا أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه الذي فيه أن نبينا عليه الصلاة والسلام يخشى علينا من الأئمة المضلين أكثر من خشيته علينا هذه الأمة من الدجال - رُوي عن عدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فروي من رواية سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير، ومن رواية سيدنا أبي إمامة رضي الله عنه وأرضاه في معجم الطبراني الكبير، ومن رواية سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه في مسند الإمام أحمد، ومن رواية سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه في مسند أبي يعلى، ومن رواية سيدنا شداد بن أوس وسيدنا ثوبان مولى نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه في مسند الإمام أحمد .

    انظروا هذه الروايات في المجمع، في الجزء الخامس صفحة تسع وثلاثين ومائتين، وانظروا رواية النواس بن سمعان -وكما قلت إنها في صحيح مسلم والسنن الأربعة إلا سنن النسائي - في جامع الأصول، في الجزء العاشر صفحة إحدى وأربعين وثلاثمائة: ( غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال ، الأئمة المضلون ) يدَّعون أنهم يطورون شرع الحي القيوم ليتمشى مع الكفر الملعون.

    ولقد خشي علينا نبينا عليه الصلاة والسلام من كل منافق عليم اللسان، فقد ثبت في صحيح ابن حبان ، انظروا الإحسان في الجزء الأول صفحة ثمان وأربعين ومائة، والحديث رواه البزار والطبراني في معجمه الكبير كما في المجمع، في الجزء الأول صفحة سبع وثمانين ومائة، ورواه البيهقي في شعب الإيمان، من رواية سيدنا عمران بن حصين رضي الله عنهما عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان ).

    والحديث كما قلت: رواه البزار والطبراني وغيرهما، لكن بالنسبة لإسناد البزار والطبراني يقول الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح، ورواه ابن حبان وصححه، وقال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الأول صفحة سبع وعشرين ومائة: رواته محتج بهم في الصحيح، وهذا الحديث رُوي أيضاً عن عدة من الصحابة الكرام، فقد رواه الإمام أحمد في المسند، والإمام البزار وأبو يعلى من رواية سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل منافق عليم اللسان )، والحديث رُوي من رواية سيدنا علي وعقبة بن عامر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم أجمعين.

    هذه -إخوتي الكرام- الحالة السادسة التي من تلبس بها فقد كفر بشرع الله عز وجل، وهي: أن يطور شريعة الله المطهرة لتتمشى مع أنظمة الكفرة الفجرة، فهذا كفر، ومن فعله فهو كافر مرتد.

    1.   

    بيان حال من لم يحكم بشرع الله تعالى في ضوء الآيات الثلاث في سورة المائدة

    سوف نستعرض الآيات التي في سورة المائدة، وفيها حكم الله جل وعلا بالكفر والظلم والفسق على من لم يحكم بشرعه المطهر، وهي قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47].

    إخوتي الكرام! هذه الأوصاف الثلاثة لمن لم يحكم بشرع الله، ولمن لم يحتكم إلى شرع الله جل وعلا، سوف ينزل عليها التفصيل المتقدم فانتبهوا لذلك.

    أما الحالة الأولى: فلا تدخل في هذا، لا يشمله الكفر ولا الفسق ولا الظلم؛ لأنه تقدم معنا أن ضابطها أنه ما قصد معصية الله عز وجل، تأول فيما فيه مجال للتأويل، أو هو من أهل التأويل، أخطأ من غير قصد، ولا يريد المعصية، أو جهل الحكم الشرعي ففعل ولا يظن أنه عاصٍ، وتقدم معنا أنه ما قصر ولا أعرض، إنما فهم على حسب لغة قومه ما فهمه من النص الشرعي، لكن فهمه خطأ، فيصحح له الوضع.

    والحالة الثالثة تقدم معنا: أنه أكره على المعصية ولا يريدها، ولا يحبها، فالحالة الأولى لا تدخل في هذه الأوصاف الثلاثة المذكورة في هذه الآيات.

    والحالة الثانية تدخل، والحالة الثالثة تدخل: كفر دون كفر، أو كفر مخرج من الملة، أو ظلم أكبر، يعتدي به الإنسان على الله جل وعلا، فيكفر، أو أنه يظلم نفسه فيما بينه وبين ربه دون أن يصل إلى درجة الكفر، وهكذا الفسق، فسق يخرج عن الشريعة جملة، وفسق يبقي في حظيرة الإسلام لكنه عاصٍ للرحمن، فكما قلت: سنطبق هذه الأوصاف الثلاثة عليها حسبما نقل عن سلفنا، فانتبهوا لذلك إخوتي الكرام.

    معنى الكفر والظلم والفسق

    أولاً: معنى هذه الألفاظ:

    (الكفر) معناه لغة: الستر، يقال: كفَر الشيء وكفَّره إذا غطاه، كفرَ السحاب السماء إذا سترها ومنع من رؤيتها، ويقال: كفر المتاع في الوعاء، أي: غطاه وخبأه وأدخله فيه.

    ويأتي الكفر في شريعة الله بمعنيين اثنين: بمعنى كفر المنعم، وبمعنى كفر النعمة، أي: عدم شكر الله عز وجل عليها، أي: الذي يقابل المعصية، فكفر المنعم هو جحوده وهو يخرج من الملة، كفر النعمة: عدم القيام نحوها بما يجب من طاعة وشكر لله عز وجل، هذا يدخله في دائرة الفسوق والعصيان، دون أن يخرجه إلى دائرة الكفران، وهو الذي يعبر عنه أئمتنا بالكفر العملي، وكفر دون كفر لا يصل إلى درجة الكفر الاعتقادي، هذا معنى اللفظ الأول الكفر.

    والظلم: معناه: وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو زيادة عليه، أو بعدوله عن وقته، أو مكانه الذي ينبغي أن يوضع فيه. شيء ينبغي أن يوضع في موضع يختص به ذلك الموضع، فوضعته في غير ذلك الموضع، زدت، نقصت، في مكان آخر، في وقت آخر، هذا يقال له: ظلم، وضع الشيء في غير موضعه ظلم، قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103] فمن تركها فقد ظلم نفسه، ومن قدمها فقد ظلم نفسه، ومن أخرها فقد ظلم نفسه، إلا من عذر، هذا كله وضع للشيء في غير موضعه، فعلها في غير الزمن الذي ينبغي أن تفعل فيه، فعلها في مكان نُهي عن فعلها في ذلك المكان، زاد أو نقص، هذا كله ظلم، وقس على ذلك.

    وعليه: فالعدل هو وضع الشيء في موضعه المختص به، والظلم ألا تضع الشيء في موضعه المختص به، بحيث تزيد أو تنقص، أو تنحرف به عن زمانه أو عن مكانه الذي ينبغي أن يوضع به أو يفعل فيه.

    إخوتي الكرام! والظلم مجاوزة الحد، ومجاوزة الحق، وقد يكون ظلماً يخرج من الملة، قال تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254]، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، ويكون ظلماً أصغر، وهو أن يقع الإنسان في دائرة المعاصي والفسوق دون أن يكفر بالله جل وعلا، ومنه قول أبينا آدم وأمنا حواء على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، فإبليس ظالم، وأبونا آدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه يخبر عن نفسه بأنه ظلم نفسه، فهل هذا الظلم كذاك الظلم؟ لا ثم لا، ذاك ظلم وكفر، وهذا ظلم إنما وقع في دائرة المخالفة، التي غُفرت له وما قصد المعصية، لكنه ظلم نفسه، ووضع الشيء في غير موضعه عندما ما امتثل الأمر واجتنب النهي، على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فهذا ظلم وهذا ظلم لكن شتان ما بين الظلمين.

    ولفظ (الفسق) إخوتي الكرام معناه في اللغة: الخروج، يقال: فسقت الرطب إذا خرجت عن قشرها، ويقال للفأرة: فويسق وفويسقة لأنها تخرج من جحرها وبيتها مرة بعد مرة ولا تستقر فيه، مع ما فيها من الخبث والأذى والفساد.

    إذاً: الفسق معناه: الخروج، فمن خرج عن شرع ربنا المعبود جملة وتفصيلاً فهو فاسق، ومن خرج في بعض الأمور وعصى الله دون أن يجحد بقلبه، وأن يكفر بربه، فهو فاسق، هذا فسق وهذا فسق، قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50]، وفسقه فسق كفر، وهكذا قول الله جل وعلا في سورة النور: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55]، والآيات في ذلك كثيرة.

    وتقرير هذه الأمور وأن الكفر يأتي بمعنى الكفر الذي يخرج من الملة، وسرد النصوص على ذلك، وأن الكفر يأتي بمعنى: كفر أصغر عملي، وكفر دون كفر، وسرد النصوص على ذلك، وهكذا في الظلم والفسق، هذا يحتاج لمواعظ، وهذا ليس من مجال بحثنا في هذا الحين، لكن الكفر يأتي -كما قلت- في اللغة بهذا المعنى، وله عندنا في الشريعة المطهرة نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر،وكفر اعتقادي، وكفر عملي، كفر يخرج من الملة، وكفر دون كفر، وهكذا الظلم، وهكذا الفسق.

    فمن استعمال لفظ الفسق بمعنى المعصية: قول الله تعالى في سورة النور: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:4]، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:89].

    والفسق هنا باتفاق أئمتنا لا يراد منه الفسق الذي يخرج من الملة، إنما يحُكم على الإنسان بالفسق تسقط عدالته، وترد شهادته، ويجلد ثمانين جلدة، قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:5]، فالجلد لا يسقط عنه ولو تاب، لكن لو تاب فهل تقبل شهادته ويرفع الفسق عنه؟

    أئمتنا على قولين في ذلك: قيل: يرفع الفسق ولا تقبل شهادته، وقيل: يرفع الفسق وتقبل الشهادة.

    والشاهد: أن الفسق هنا لا يراد منه الفسق الذي يخرجه من دين الله عز وجل بحيث يكون من عداد الكافرين، ولو كان كذلك لما جُلد ثمانين جلدة، لضُربت الرقبة، إذاً: الفسق يأتي بهذا المعنى وبهذا المعنى، والنصوص في ذلك كثيرة.

    إذاً: عندنا الكفر يأتي بهذين المعنيين، وهكذا الظلم، وهكذا الفسق.

    أقوال العلماء في المراد بأوصاف الكفر والظلم والفسق في الآيات

    من المراد بهذه الآيات وهذه الأوصاف: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47]؟

    غاية ما ذكره أئمتنا في كتب التفسير، كما ذكر ذلك الإمام الطبري في تفسيره، في الجزء العاشر صفحة ست وأربعين وثلاثمائة إلى ثمان وخمسين وثلاثمائة، في قرابة اثنتي عشرة صفحة، وهكذا الإمام ابن الجوزي في زاد المسير، في الجزء الثاني صفحة ست وتسعين وثلاثمائة، والإمام ابن كثير في تفسيره في الجزء الثاني صفحة ستين، وانظروا الآثار مجموعة في الدر المنثور، في الجزء الثاني صفحة ست وثمانين وثلاثمائة، خلاصة وحاصل ما ذكر في بيان المراد بتلك الأوصاف إذا حكم بغير شريعة الله فهو كافر ظالم فاسق، خمسة أقوال:

    أولها: أن المراد بذلك أهل الكتاب، فهذه الآيات نازلة فيهم، وسياقها يدل على ذلك: إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:44-45] إلى آخر الآيات الكريمات، فهذه الآيات كلها في سياق ما ذُكر لأهل الكتاب، هذا القول الأول.

    القول الثاني: هي فيهم ويراد بها جميع الناس، أي: كل من اتصف بهذا الوصف، على أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب والوقائع التي نزلت فيها.

    القول الثالث: أنها في أهل الكتاب، لكنها تشمل المسلمين من باب أولى، انتبه! هناك يقول: نزلت فيهم وفي غيرهم على السواء، أما هنا فيقول: إذا كان أهل الكتاب يكفرون ويظلمون ويفسقون إذا لم يحكموا بالتوراة والإنجيل، فنحن إذا لم نحكم بكلام الله الجليل، فيثبت لنا هذا الوصف من باب أولى، فقد أنزل الله علينا أفضل كتبه، وبعث إلينا أعظم رسله، على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فعدم تحكيم شريعته والاحتكام إليها كفر من باب أولى، فإذا كان اليهود يكفرون إذا لم يحتكموا إلى التوراة، فنحن من باب أولى نكفر إذا لم نحتكم إلى كلام رب الأرض والسموات.

    القول الرابع: -وهذه الأقوال كلها منقولة عن السلف وثابتة عنهم- أنه كفر دون كفر، وهذا ثابت عن سيدنا عبد الله بن عباس وغيره، في تفسير الطبري ومستدرك الحاكم بسند صحيح كالشمس، مع ثبوت القول الأول بأنه كفر يخرج من الملة، كما سيأتينا، فيقول ابن عباس : ليس بكفر ينقل عن الملة، هذه في حالة خاصة.

    القول الخامس: أن الكفر في حق الجاحد، والظلم والفسق في حق المقر، مقر بحكم الله وانحرف عنه، ما حكم به ولا احتكم إليه فهو ظالم فاسق بالمعنى الاصطلاحي الذي لا يخرجه من الملة، أما إذا جحد حكم الله فهذا يكفر ويخرج عن الملة المباركة، عن الملة الإسلامية.

    الراجح في المراد بالكفر والظلم والفسق في الآيات

    وخلاصة الكلام إخوتي الكرام: أن الذي يتأمل الآيات والآثار المنقولة عن السلف الكرام، لا يرتاب في أنها نزلت في أهل الكتاب، لكن حكمها عام عند أولي الألباب، لكن الذي يحكم أو يحتكم إلى غير شرع الكريم الوهاب له حالتان عند أهل السنة بلا ارتياب، أشار إليهما الإمام ابن الجوزي في زاد المسير، استمعوا إلى كلامه رضي الله عنه وأرضاه قال: وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً له، وهو يعلم أن الله أنزله، كما فعلت اليهود، فهو كافر، ومن لم يحكم به ميلاً إلى الهوى من غير جحود فهو ظالم وفاسق.

    وعليه: فإن الآيات تشمل كل من خرج عن حكم الله، لكن له حالتان: إن جحد كفر، وإن أقر وانحرف ظلم وفسق.

    ثبت في مستدرك الحاكم ، في الجزء الثاني صفحة اثنتي عشرة وثلاثمائة، بسند صحيح على شرط الشيخين، وأقره عليه الإمام الذهبي ، والأثر في تفسير الإمام الطبري ، في الجزء العاشر صفحة خمسين وثلاثمائة، ورواه الإمام ابن أبي حاتم في تفسيره، وهكذا الإمام عبد الرزاق كما في الدر المنثور، في المكان الذي أشرت إليه آنفاً، عن سيدنا حذيفة رضي الله عنه وأرضاه، أنه تليت أمامه هذه الآيات، فقال قائل: (هذه في أهل الكتاب ليست فينا، فقال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم كل حُلوة ولهم كل مرة) كل حلو لكم، وكل مر عليهم ولهم، فنعم الإخوة هم لكم، يعني: تضعون عليهم البلاء وأنتم تأخذون الخير والنعماء، (والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك -بمقدار الشراك- حذو النعل بالنعل، وحذو القُذة بالقذة).

    فانتبهوا لأنفسكم، ما يشملهم يشملكم.

    وهذا الأثر -إخوتي الكرام- الثابت عن سيدنا حذيفة رضي الله عنه وأرضاه، رُوي نظيره ومثله عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين في تفسير ابن المنذر كما في الدر المنثور، قال: (نعم القوم أنتم إن كان ما كان من حُلو فهو لكم، وما كان من مر فهو لأهل الكتاب).

    من لم يحكم بما أنزل الله دائر بين الكفر والظلم والفسق

    إخوتي الكرام! بهذا التفصيل الذي ذكرته يظهر الجمع لنا بين تلك الأوصاف لمن انحرف عن شرع الله الجليل، فانتبهوا لهذه الحالة وهذا الجمع، لنأتي إلى الحالة الثانية، التي يعصي الإنسان فيها ربه عندما لا يحتكم إلى شريعة الله، ولا يحكم شرع الله، فهو كما قلت فاسق عاص آثم، ليس بكافر ولا مرتد.

    قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] طبق هذه الأوصاف عليه، كفر النعمة، كفر عملي، كفر دون كفر، فإذا كان يقر بأن شرع الله هو الحق، وأن ما فعله هو سفاهة وضلال، غلبته شهوته، وهو معترف بذنبه منكسر لربه: (فأولئك هم الفاسقون)، الفسق الذي هو بمعنى المعصية الذي لا يخرجه من الملة، (فأولئك هم الظالمون) فقد جاوز الحد.

    هذه الأوصاف الثلاثة تنطبق عليه -كما قلت- بمعناها اللغوي وبمعناها الاصطلاحي، بمعناها اللغوي: ستر نعمة الله، ظلم وتجاوز الحد، خرج من الهدى إلى الردى، ومن العدل إلى الجور، وبمعناها الاصطلاحي: عندنا كفر دون كفر، والظلم والفسق بمعناه المعروف الذي لا يخرجه من الملة، وإذا كان يتصف بالحالة الثالثة التي مرت معنا ولها ستة أحوال، حكم بغير ما أنزل الله واحتكم إليه، فعل المعصية على حسب الأمور الستة فقد كفر، إما أنه رأى أن حكم الله ليس بحق ولا صواب في هذه القضية وخالف، أو رأى أنه حق وصواب لكن قال: ما نحن عليه أهدى، أو قال ما نحن عليه وشرع الله سواء ونحن بالخيار نأخذ بهذا وهذا الأمر مستويان، أو قال ما نحن عليه دون شرع الله لكن يباح لنا أن نأخذ به، أو استخف واستهزأ وعاند وعارض، أو طور شريعة الله وحرف دين الله ليتمشى مع الكفر، فهو كافر في هذه الأحوال، طبق عليه الآيات: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] كفر جحود مخرج من الملة وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254]، هو ليس المراد منه المعنى الاصطلاحي الذي هو الظلم الذي لا يخرجه من الملة، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47] المعنى العام في لسان الشرع بمعنى الخروج من شريعة الله، وعليه فهو ستر الحق، وظلم عندما كفر بالله عز وجل ولم يعبده ولم يلتزم بشرعه، وفسق: خرج من الإيمان إلى الكفر.

    وعليه فقد اختلفت هذه الصفات لاختلاف الاعتبارات، وهذا ما قال عنه أئمتنا: اختلفت العبارات لاختلاف الاعتبارات، فإذا نظرت إليه لأنه ستر الحكم الشرعي تقول عنه: كافر، وإذا نظرت إليه من باب أنه تجاوزه ووضع الأمر في غير موضعه تقول عنه: ظالم، وإذا نظرت من باب أنه خرج من الهدى إلى الردى تقول عنه: فاسق، اختلفت العبارات لاختلاف الاعتبارات، وهو في هذه الأحوال الثلاثة إما أن يكون الكفر عنده كفراً أكبر يخرجه من الملة، أو كفراً عملياً على حسب حاله في معصيته لربه.

    حكم من حكم بالقوانين الوضعية الجاهلية

    إخوتي الكرام! ينبغي أن نعلم في ختام المبحث أن من استباح القوانين الجاهلية فهو كافر برب البرية.

    وللإمام ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمات ربنا الجليل في هذا كلام محكم جليل، سأقرؤه عليكم من تفسيره في الجزء في صفحة سبع وستين، عند قول رب العالمين: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].

    وأختم الكلام على هذه المسألة بكلامه رحمة الله ورضوانه عليه، يقول: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله عز وجل، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان ، الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصار في بنيه شرعاً متبعاً، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة:50] أي: يبتغون يريدون، وعن حكم الله يعدلون: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء.

    وقال عليه رحمة الله في البداية والنهاية، في حوادث سنة أربع وعشرين ستمائة، عند ترجمة هذا الشيطان الرجيم جنكيز خان، الذي وضع للتتار الياسَق، ويقال له: الياسا، ويأخذونها ويحتكمون إليها، قال في حوادث سنة أربع وعشرين وستمائة؛ لأنه في هذه السنة هلك جنكيز خان ملك التتار، في الجزء الثالث عشر صفحة ثماني عشرة ومائة، يقول: هو الذي وضع لهم -جنكيز خان - الياسا التي يتحاكمون إليها، ويحكمون بها، وأكثرها مخالف لشرائع الله وكتبه، وهو شيء اقترحه من عند نفسه، وتبعوه في ذلك.

    ثم ذكر مما يوجد في الياسق من حكم بغير شرع الله، وأحكام غير موجودة في شرع الله، فهذا هو كفر أكبر مخرج من الملة ..

    نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

    والحمد لله رب العالمين.