إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في الفقه - المكفرات من المخالفات [1]

مقدمة في الفقه - المكفرات من المخالفات [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك أحوال يكفر فيها الإنسان إذا ارتكب معصية؛ سواء كان مستحلاً لها أو غير مستحل، جاحداً أو غير جاحد، منها: أن يفعل المعصية مع اعتقاده أن حكم الله وشرعه فيها أو في غيرها ليس حقاً ولا عدلاً ولا صواباً، ومنها: أن يعتقد أن شرع الله حسن وخير وحق ورشاد، لكنه فضل شرع غيره على شرعه تعالى.

    1.   

    من المخالفات المكفرة فعل المعصية مع اعتقاد أن حكم الله فيها ليس عدلاً ولا صواباً

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين! سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس أحوال الإنسان عندما ينحرف عن شرع الرحمن، عندما يقع الإنسان في مخالفة لشرع ذي الجلال والإكرام، وذكرنا أن له أحوالاً لا تخرج عن حالات ثلاث:

    أولها: أن يكون الإنسان معذوراً، وثانيها: أن يكون آثماً موزوراً، وثالثها: أن يكون كافراً مرتداً مثبوراً.

    أما الحالة الأولى وهي ما يُعذر فيها الإنسان عندما يقع في مخالفة شرع الرحمن، فقلت: لها ثلاثة أحوال أيضاً:

    أولها: أن يتأول فيما فيه مجال للتأويل، وهو من أهل التأويل.

    ثانيها: أن يجهل حكم الله الجليل بشرطين اثنين، لم يعرض عن التعلم، ولم يقصر في التعلم، ما أعرض ولا قصر، بذل ما بوسعه، لكنه جهل بعض الأحكام وفعلها بناء على جهله، من غير إعراض عن شرع رب العباد، ومن غير تقصير في تعلم شرع الله الجليل.

    والحالة الثالثة التي يعذر فيها: أن يكره ويقسر على معصية الله عز وجل، فذهب منه الاختيار في هذه الحالة، فلا لوم عليه عند العزيز الغفار.

    والحالة الثانية التي يأثم فيها الإنسان دون أن يكون كافراً بربنا الرحمن، أيضاً لها -كما تقدم معنا- ثلاثة أحوال:

    الحالة الأولى: أن يتأول في غير مجال التأويل، وهو ليس من أهل التأويل.

    والحالة الثانية: أن يجهل حكم الله الجليل، ففعل المعصية دون قصد للمعصية، لكنه قصر أو أعرض عن شرع الله عز وجل، ففعله بسبب تقصيره وإعراضه، فهو ملوم عند الحي القيوم، وهو آثم عند الله عز وجل.

    والحالة الثالثة: أن يقصد المعصية من غير استحلال لها، ففي هذه الأحوال الثلاثة -كما تقدم معنا- أنه موزور دون أن يصل إلى درجة الكفر بالعزيز الغفور.

    الحالة الثالثة -وهي التي سنتدارسها في هذه الموعظة بعون الله جل وعلا-: أن يكون الإنسان كافراً، أن يكفر الإنسان عندما يخالف شرع الرحمن.

    وكنت قد ذكرت لكم -إخوتي الكرام- أن هذه الحالة لها خمسة أحوال، وبالتأمل تبين لي أنها ستة، وعليه فعندنا ستة أحوال للحالة الثالثة، وثلاث حالات لكل حالة من الحالتين المتقدمتين، فصار المجموع اثنتي عشرة حالة، وعندنا ست حالات سنتدارسها في هذه الموعظة بتوفيق رب الأرض والسماوات.

    إخوتي الكرام! ضابط هذه الأحوال الستة: أن يفعل الإنسان معصية ذي العزة والجلال، قاصداً لها، مع الاستحلال، قصد المعصية وهو مستحل لها، وقد يصحبها جحود لشرع الكبير المتعال سبحانه وتعالى، قد يصحبها جحود لشرع العزيز الجبار، أو استخفاف واحتقار، قد يصحبها وقد لا يصحبها، فقد يفعل المعصية مستحلاً لها دون أن يجحد حكم الله في هذه القضية، ودون أن يستخف، إنما استحل المعصية، أحياناً يستهزئ، وأحياناً لا يستهزئ، أحياناً ينكر الحكم الشرعي، وأحياناً لا ينكر، لكنه مستحل لهذه المعصية، ويرى أنها حلال، وقد يقول: إن الله حرمها، لكنها حلال عندي، وأفعلها على أنها ليست معصية، فمتى ما استحل المعصية فقد كفر بالله عز وجل.

    وذلك -كما قلت إخوتي الكرام- في ستة أحوال:

    أولها: ألا يرى صاحب التباب وصاحب المعصية حكم الكريم الوهاب حقاً وعدلاً وصواباً، فعل المعصية وهو لا يرى أن حكم الله في هذه القضية أو في غيرها حق وصواب.

    لنفرض أنه شرب الخمر -نسأل الله العافية- ونظر إلى النساء، أو زنى، أو فعل غير ذلك من المنكرات، فقلنا: اتق الله، إن الله جل وعلا حرم هذا، فقال: تحريم هذا الأمر عبث، وليس من الحكمة أن يُحرم! فهنا استحل المعصية ورأى أن حكم الله ليس بحق، ليس بصواب، ليس برشد، ليس بحكمة، فاستحل المعصية مع جحود حكم الله جل وعلا في هذه القضية، أي: جحود صواب حكم الله، وأنه ليس حكم الله عدلاً في هذه القضية، يقول: نعم، إن الله حرم هذه الجريمة، وهذه المعصية، وهذه الموبقة، وهذه الفعلة، لكن التحريم في غير محله، تحريمه خطأ، التحريم سفاهة، التحريم طياشة -نسأل الله العافية- ففي هذه الحالة يكفر بالله عز وجل، وهي: ألا يرى صاحب التباب حكم الكريم الوهاب حقاً وعدلاً وصواباً، ففي هذه الحالة لا شك في كفره، وهذه الأمور التي سأذكرها -إخوتي الكرام- مجمع عليها، فليس فيها مجال للقيل ولا للقال، لا خلاف في أن من تلبس بحالة من هذه الحالات فقد خرج من دين رب الأرض والسماوات.

    وقد أشار الله جل وعلا إلى حال هذا الصنف في كتابه فقال جل وعلا في سورة النساء: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:60-65].

    ورد في سبب نزول هذه الآية: ما رواه الإمام الكلبي في تفسيره، والإمام الثعلبي في تفسيره، من طريق أبي صالح عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، والإسناد كما قال الحافظ في الفتح في الجزء الخامس صفحة سبع وثلاثين: وإن كان ضعيفاً، لكنه يتقوَّى بطريق مجاهد ، وطريق مجاهد سيأتينا أثره وهو مرسل صحيح، بل هناك مرسل الإمام الشعبي أيضاً مرسل صحيح أصح من مرسل سيدنا مجاهد رضي الله عنهم أجمعين، وهناك أخبار متعددة يقوي بعضها بعضاً مما يدل على أن هذا الأمر واقع ثابت، وهو سبب لنزول هذه الآية الكريمة، وفيها إيضاح هذه القضية، وهي: أن من لم يرَ حكم الكريم الوهاب، من لم يره عدلاً وصواباً في قضية ما فقد كفر وارتد، نسأل الله العافية والسلامة.

    وخلاصة سبب نزول هذه الآية: عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان بين يهودي وبين رجل من المنافقين خصومة في أمر ما، فرفعا الأمر إلى نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فقضى نبينا عليه الصلاة والسلام لليهودي، وأن الحق له، فلما خرجا قال المنافق لليهودي: هلم لنحتكم إلى أبي بكر رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، قال: قد احتكمنا إلى محمد على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وهذا رسولكم، قال: نحتكم إلى أبي بكر، فذهبا وعرضا عليه قصتهما، وقبل أن يتكلم سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، قال اليهودي: قد ذهبنا إلى النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه وعرضنا عليه قصتنا فحكم بأن الحق لي، فقال: ما كان لـابن أبي قحافة أن يحكم في مسألة حكم فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام، الحكم ما قال رسول الله عليه صلوات الله وسلامه.

    فخرجا، فقال المنافق لليهودي: هلم لنحتكم إلى عمر رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، فذهبا وعرضا عليه المسألة، فقال اليهودي: يا أبا حفص ! ذهبنا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فحكم بأن الحق لي، وذهبنا إلى أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه فقال: ما كان لـابن أبي قحافة أن يحكم في قضية حكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه للمنافق: أصحيح ما يقول خصمك اليهودي؟ قال: نعم، قال: انتظرا، إذ المسألة تحتاج إلى مراجعة وتثبت، وتحقق من الحكم الشرعي، لكن ما عندنا الآن طريقة لننفذ بها الحكم الشرعي بين يدي، انتظرا، ثم دخل وحمل سيفه وخرج فسله وضرب رقبة المنافق فقتله، وقال: هذا حكمي فيمن لم يرض بحكم رسول الله عليه الصلاة والسلام، فذهب اليهودي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، فتبعه سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه، وعرض اليهودي الأمر على نبينا عليه الصلاة والسلام، وأن سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه قتل صاحبه، يعني المنافق، فأنزل الله جل وعلا هذه الآيات مقرراً صواب وسداد فعل سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، وورد أيضاً في بعض الروايات: أن المنافق كان يريد من اليهودي الاحتكام إلى كعب بن الأشرف ؛ لأنه يقبل الرشوة، وهو من زعماء اليهود، ولا يريد الاحتكام إلى نبينا المحمود عليه الصلاة والسلام.

    فهنا -إخوتي الكرام- جحد هذا الحكم الشرعي ولم يرَ أنه حق وصواب، وعليه فقد كفر بالكريم الوهاب، فحكم فيه سيدنا عمر بما حكم، والأثر كما قلت رواه الإمام الثعلبي والكلبي ، وإسناده ضعيف كما قال الحافظ، لكنه يتقوى بأثر مجاهد ، وبأثر الشعبي ، وبغير ذلك من الآثار، ولا ينزل إن شاء الله عن درجة الحسن والاعتبار.

    ومن جملة إخوتي الكرام الآثار المقوية له، وهي شواهد له: ما رواه الإمام ابن أبي حاتم في تفسيره، والإمام ابن مردويه في تفسيره أيضاً كما في الدر في الجزء الثاني صفحة ثمانين بعد المائة، من طريق عبد الله بن لهيعة رحمة الله ورضوانه عليه، وهو من رجال مسلم والسنن الأربعة، وتوفي سنة أربع وسبعين بعد المائة، وهو إمام صالح ثقة عابد فاضل، لكن طرأ عليه الاختلاط في كِبره رحمه الله وغفر لنا وله.

    عبد الله بن لهيعة يروي هذا الحديث عن أبي الأسود ، وهو من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، وأبو الأسود هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن خويلد ، وهو يتيم سيدنا عروة بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين، ثقة فاضل، حديثه في الكتب الستة، توفي سنة بضع وثلاثين بعد المائة، فهناك عن سيدنا عبد الله بن عباس ، فهو متصل وإسناده ضعيف، وهنا مرسل لكن كما قلت الآثار يقوي بعضها بعضاً.

    هذا الأثر -الذي هو أثر أبي الأسود - قال عنه الحافظ ابن كثير في تفسيره في الجزء الأول صفحة إحدى وعشرين وخمسمائة: هذا حديث مرسل غريب؛ لأن أبا الأسود تابعي، فخبره مرسل، وهو بمعنى حديث سيدنا عبد الله بن عباس تماماً، وأن سيدنا عمر رضي الله عنه قتل في نهاية الأمر هذا المنافق الذي رفض حكم نبينا، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وروى مثل أثر سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين أيضاً الإمام جحين في تفسيره عن تابعي آخر وهو ضمرة بن حبيب الزبيدي ، بضم الزاي، الحمصي، وهو ثقة إمام مبارك، توفي سنة ثلاثين بعد المائة، وحديثه في السنن الأربعة، إذاً هذا أثر ثالث مرسل، الأول متصل، والثاني مرسل، وهذا مرسل.

    وهناك أثر رابع مرسل رواه الحكيم الترمذي عن مكحول الدمشقي بمعنى حديث سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه بمثله، فهذه أربعة آثار.

    وهناك أيضاً ثلاثة آثار بنحو حديث سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، أولها وهو أصحها: حديث الإمام الشعبي، رواه الطبري في تفسيره وابن مردويه في تفسيره، وهكذا الإمام ابن المنذر بسند صحيح، وثانيها: أثر سيدنا مجاهد، وإسناده صحيح كما قال الحافظ في الفتح، وأثر مجاهد في تفسير الطبري وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وتفسير الإمام ابن المنذر ، والأثر الثالث عن الربيع بن أنس ، رواه الطبري في تفسيره.

    إذاً: رُوي الحديث من طريق متصل، ومن ست طرق مرسلة، فهذه الطرق يقوي بعضها بعضاً، فلا ينزل الحديث -كما قلت- عن درجة الاعتبار والاحتجاج به، وأن هذا سبب نزول هذه الآيات الكريمات التي تلوتها، وآخرها: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    قال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين في الجزء الأول صفحة خمس وعشرين وثلاثمائة، بعد أن ذكر الأثر المتقدم في قتل سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه للمنافق الخبيث، قال الإمام ابن القيم رحمة الله ورضوانه عليه: ولقد حكم سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه على من قدَّم حكمه على نص رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف، وقال: هذا حكمي فيه. ثم قال: فيالله كيف لو رأى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما رأينا، وشاهد ما بُلينا به من تقديم رأي فلان وفلان على رأي المعصوم نبينا عليه الصلاة والسلام! ماذا كان يفعل سيدنا عمر لو شاهد ما شاهدنا، ورأى ما بُلينا به! وهذا في القرن الثامن، وماذا يقول الإمام ابن القيم وقبله سيدنا عمر لو شاهد عصر الظلمات الذي نعيش فيه في هذه الأوقات؟!

    ثم قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله أيضاً: ولم يكن في الصحابة أحد إذا سمع نص النبي عليه الصلاة والسلام عارضه بقياسه أو ذوقه أو وَجده أو عقله أو سياسته؛ فلقد أكرم الله جل وعلا أعينهم وصانها أن تنظر إلى وجه من هذا حاله، أو يكون في زمانهم من هذا حالهم. يعني: من يقدم رأيه وسياسته ووجده وذوقه وقياسه على نص النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ما كان فيهم أحد بهذه الصفة، وصان الله زمانهم أن يوجد فيه أحد فيه هذه الحالة السيئة.

    1.   

    من المخالفات المكفرة تفضيل شرع غير الله على شرع الله مع اعتقاد أن شرع الله حسن ورشاد

    الحالة الثانية: أن يرى المخالف لشرع الله عز وجل أن شرع الله عز وجل حَسَن ورشاد، لكنه يفضل عليه شرع العباد، ويتعامى عما في شرعهم وقوانينهم وأنظمتهم من بلاء وفساد:

    يقول: شرع الله جل وعلا حسن، وفيه رشد وخير ومصلحة، لكن شرع العباد أنفع، متطور يتناسب مع حياتنا الحاضرة! ويتعامى عما في شرعهم من بلايا منكرة، هناك في الحالة الأولى جحد ما فيه من حق وصواب، وقال: إن حكم الله فاسد، إن حكم الله باطل، إنه سفه وعبث، وأما هنا فقال: حكم الله حق وصواب، وفيه خير، لكن هناك أنظمة أخرى تناسب الحياة الجديدة، فهذا النظام أنفع من شرع الملك العلام، فلا شك في كفره أيضاً في هذه الحالة، مع أنه يرى -كما قلت- أن شرع الله فيه خير ورشد.

    وقد أشار الله جل وعلا إلى هذا الأمر في كتابه في سورة الأنعام، فقال ربنا الرحمن: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ * وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ * وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ * وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:118-121].

    انتبهوا إخوتي الكرام لسبب نزول هذه الآيات الكريمات، ثبت في السنن الأربعة إلا سنن الإمام ابن ماجه ، والحديث رواه الإمام الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم، ورواه الإمام البزار في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه، وعبد بن حميد في مسنده، وهكذا الإمام أبو الشيخ والطبراني في معجمه الكبير، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال: هذا حديث صحيح على شرط الإمام مسلم ، وأقره عليه الذهبي ، وانظروا المستدرك الجزء الرابع صفحة ثلاث عشرة ومائة، ورواه الإمام النحاس في الناسخ والمنسوخ، وانظروا الروايات الثلاث في السنن الثلاثة في جامع الأصول في الجزء الثاني صفحة خمس وثلاثين ومائة.

    ولفظ الحديث: عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ورُوي الحديث مرسلاً أيضاً من أربع طرق صحيحة ثابتة مرسلة، وهو أيضاً صحيح ثابت كما قلت مرفوعاً متصلاً، رُوي الحديث عن الضحاك في تفسير عبد بن حميد وأبي الشيخ ، وروي أيضاً عن عكرمة ، رواه أبو داود في كتابه الناسخ والمنسوخ، وروي عن قتادة في تفسير عبد بن حميد وأبي الشيخ ، وتفسير الإمام ابن المنذر ، وروي عن الإمام الشعبي في تفسير الإمام ابن أبي حاتم ، أربعة آثار مرسلة مع أثر سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، عن الضحاك وعكرمة وقتادة والشعبي .

    وخلاصة هذه الآثار: أن المشركين، وفي رواية: اليهود، وفي رواية: قالت فارس لمشركي قريش.. ونجمع بين هذه الألفاظ، فجرى هذا من المشركين، وجرى من اليهود الملعونين، وأرسل الفرس عبدة النار إلى مشركي قريش إلى إخوانهم الكفار ليسألوا نبينا المختار على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه هذا السؤال ليحاجوه، وعلى زعمهم أنهم سيغلبونه إذا ناقشوه في ذلك.

    وخلاصة المناقشة والخصومة قالوا: ( يا محمد! على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه! الميتة من بهيمة الأنعام من أماتها؟ من قتلها؟ قال: الله، الله هو الذي أماتها، فقالوا: سبحان الله يا محمد! -على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه- ما ذبحتموه بأيديكم تأكلونه، وما ذبحه ربكم تحرمونه! ) هذا القياس عندكم الذي ذبحه الله وأماته لا تأكلونه، وتقولون: إنه نجس، وأنتم ما ذبحتموه بأيديكم تأكلونه، كيف هذا؟ يعني ذبيحتكم أعلى وأفضل وأطهر من ذبيحة الله عز وجل؟! قال: ( فأنزل الله جل وعلا: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121] ) هذا هو الحكم في هذه المجادلة إذا أطعناهم وركنا إليهم.

    فهم هنا لا ينازعون في تحليل ذبيحة اليد، يقولون: تلك حلال كلوها، لكن ينبغي أن نأكل الميتة أيضاً، يعني هذا حسن تأكلون ما ذبحتموه، وتقولون: أحله الله لنا، لكن هناك بعد ذلك تشريع آخر فيه نفع وفيه خير وفيه مصلحة للإنسان، فانتبهوا له، وهو أكل الميتة، فكما تزعمون أن الله أباح لكم هذا، فأيضاً ينبغي أن نأكل الميتة؛ لأن الله أماتها وقتلها، أما أن الله حرمها علينا، فهذا لا ننصت له، هذا الآن تشريع وضعي، تشريع جاهلي، من أخذ به فلا شك في كفره وضلاله، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121].

    قال شيخنا عليه رحمة الله في أضواء البيان في الجزء السابع صفحة سبعين ومائة، وذكر هذا إخوتي الكرام في تفسير سورة محمد على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، كما ذكره في سورة الشورى، ذكر هذا في سورة الشورى، وفي سورة محمد على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، عند قوله تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [الشورى:10]، بحث موضوع تحكيم شرع الله في شئون الحياة في هاتين السورتين، كما بحثه أيضاً في تفسير سورة الكهف: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:26] (ولا تُشرك في حكمه أحداً) على حسب قراءة عبد الله بن عامر رضي الله عنهم أجمعين.

    على كل حال استعرض هذه الآية -كما قلت- في الجزء السابع صفحة سبعين ومائة: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [الأنعام:121]، وقال: أي: بقولهم ما ذبحتموه بأيديكم حلال، وما ذبحه الله وأماته إنه حرام، فأنتم إذن أحسن من الله حكماً، وأحل تزكية! ثم بيَّن الفتوى السماوية من رب العالمين في الحكم بين الفريقين، فقال جل وعلا: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121]، قال: فهي فتوى سماوية من الخالق جل وعلا صرح فيها بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بذي الجلال والإكرام.

    إذاً: هذا -كما قلت إخوتي الكرام- يرى أن حكم الله حق وحسن ورشاد، لكن لا مانع عنده أن نأخذ بشيء آخر، فهو أنفع وأحسن في بعض القضايا، فلا شك في كفر من يزعم ذلك.