إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. سلسلة مقدمة في الفقه
  5. مقدمة في الفقه - عذر المخلوقات في المخالفات [1]

مقدمة في الفقه - عذر المخلوقات في المخالفات [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الخروج عن حكم الله وشرعه معصية كبيرة، ومخالفة عظيمة، قد تصل بصاحبها إلى الكفر والعياذ بالله! ومن وقع في المخالفة والخروج عن حكم الله إما أن يعذر، وإما أن يأثم ويوزر، وإما أن يرتد ويُكفَّر، وكل حالة من هذه الحالات لها ضوابط وشروط وأحوال تميزها عن الأخرى، ومن الأحوال التي يعذر فيها المخالف: أن يفعل المخالفة متأولاً فيما فيه مجال للتأويل، غير قاصد للمعصية والمخالفة بذاتها.

    1.   

    الأحوال التي يعذر صاحبها بخروجه عن حكم الله وشرعه

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! انتهينا من دراسة الفروق بين شرع الخالق وشرع المخلوق، وتبين لنا -إخوتي الكرام- أن الفارق بين الأمرين كالفارق بين الخالق وخلقه سبحانه وتعالى، الفارق بين شرع الله عز وجل وشرع العباد كالفارق تماماً بين السفاهة والحكمة، وبين الجهل والعلم، وبين الحياة والموت، وبين الوجود والعدم، وبين الهدى والردى، ولا تستوي هذه الأمور المتقابلة: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة:130]، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].

    وفي هذه الموعظة -إخوتي الكرام- والتي بعدها سنتدارس أمراً ضرورياً ينبغي أن نعيه، ألا وهو: ما حكم من خرج عن حكم الله عز وجل، لم يحتكم إليه، ولم يحكم به، ولم يلتزم بهذا الشرع في جميع شئون حياته، فما حكمه؟

    نقول: من خرج عن شرع الله عز وجل له حالة من حالات ثلاث:

    إما أن يعذر، وإما أن يأثم ويوزر، وإما أن يرتد ويُكَفَّر، هذه ثلاثة أحوال. الحالة الأولى: أن يخرج عن شرع العزيز الغفور لكنه معذور.

    الحالة الثانية: أن يخرج عن شرع العزيز الغفور لكنه آثم موزور، ويقال: مأزور من باب الإتباع، موزور، من وُزِرَ إذا حمل الوزر وحُمِّلَه فهو موزور.

    الحالة الثالثة: مرتد كفور.

    الحالة الأولى: التي يعذر فيها الإنسان، ولا يكون عليه وزر ولا إثم، ومن باب أولى لا يوصف بالكفر، هذه الحالة لها ثلاثة أحوال، والحالة الثانية لها ثلاثة أحوال، والحالة الثالثة لها خمسة أحوال، وعليه: عندنا إحدى عشرة حالة ينبغي أن نتدارسها لمن خرج عن شرع الله عز وجل.

    الحالة الأولى التي يعذر فيها الإنسان ضابطها: ألا يقصد الإنسان معصية ذي الجلال والإكرام، فعندما خرج عن شريعة الرحمن ما قصد معصيته, فهو لم يقصد المعصية لكن قد يوجه إليه اللوم فقط، دون أن يترتب عليه حكم العاصي، ودون أن يكون آثماً، قد يتوجه إليه اللوم لوجود تقصير ما منه يمكن أن يتلافاه، يمكن أن يحترس منه، فهذا التقصير الذي وقع فيه يوجه إليه اللوم من أجله، مع أنه لم يقصد معصية ربه سبحانه وتعالى، وهذه الحالة لها ثلاثة أحوال:

    أن يكون العبد متأولاً فيما فيه مجال للتأويل

    أولها: أن يكون للإنسان عندما يخرج عن شريعة ربنا الرحمن تأويل فيما يمكن التأويل فيه فأخطأ في التقدير، فالله سبحانه وتعالى عفو غفور، أمر يمكن أن يكون للتأويل فيه مجال فتأول، فهو ما قصد معصية الله عز وجل، لكنه انحرف عن حكم الله متأولاً، وأخطأ فيما فعل، ولو تعمد هذا الأمر لكان من الضالين، ولو استباحه لكان من الكافرين، لكنه يرى أنه مباح وأنه حلال, دخل عنده فيه تأويل فأخطأ، فترك الأمر الشرعي فهو معذور، قد يُلام لأنه كان ينبغي أن يحتاط على التمام.

    مثال ذلك -إخوتي الكرام- وسأمثل لكل حالة من هذه الأحوال بقصة وقعت في العصر الأول، وبحديث يدل عليها، وقيسوا بعد ذلك عليها ما يشبهها.

    مثال ذلك: قصة حِبِّ رسول الله وابن حِبِّه على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قصة سيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه، عندما قتل من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، قتله بنوع تأويل، فهو كان يرى أنه قال هذه الكلمة متعوذاً، وأنه قالها في وقت لا ينفعه الإيمان؛ لأنه أدرك الآن أن حياته ذهبت فصار حاله كحال من بلغت روحه الحلقوم، فآمن بالحي القيوم، فإيمانه لا يقبل منه ولا ينفعه، فتأول أسامة وقتل من نطق بكلمة الشهادة، فهو معذور حقيقة، لكن وُجِّه إليه اللوم من قِبل نبينا المبرور على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    استمعوا إلى الحديث الوارد في ذلك الذي رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه الشيخان في الصحيحين، ورواه الإمام أبو داود في سننه، والنسائي في السنن الكبرى، ورواه الإمام ابن أبي شيبة في مصنفه، والإمام ابن منده في كتاب الإيمان، ورواه البيهقي في السنن الكبرى، ورواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده، والبزار في مسنده أيضاً، وانظروا الحديث في جامع الأصول في الجزء الثامن صفحة خمس وخمسين وثلاثمائة.

    ولفظ الحديث من رواية سيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحُرَقَة )، وفي بعض الروايات كما سيأتينا ( إلى الحرقات من جهينة )، والحرقة والحرقات قبائل من قبيلة جهينة، سميت بالحرقة والحرقات لأنهم اقتتلوا في الجاهلية مع بني مرة بن عوف فأحرقوهم بسهامهم وسيوفهم من كثرة ضرب السهام والسيوف، صار فيهم مقتلة عظيمة كأنه شب فيهم حريق، فقيل لها: الحرقة والحرقات.

    يقول سيدنا أسامة رضي الله وأرضاه: ( بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبحنا القوم، فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رضي الله عنهم أجمعين رجلاً منهم من جهينة، فلما غَشِيناه قال: لا إله إلا الله -لما صرنا فوقه وشهرنا عليه السيوف لنضربه، قال: لا إله إلا الله- فكف عنه الأنصاري وأحسن فيما فعل -وليت سيدنا أسامة كف عنه أيضاً- قال: وطعنته برمحي )، وفي بعض الروايات: ( فلما رفعت عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فطعنته برمحي )، والجمع بين الروايتين كما قال الحافظ ابن حجر: رفع عليه السيف ليضربه فأفلت منه وهرب، فلئلا يفلت منه رماه بالرمح فقتله، وإلا فهو أراد في أول الأمر أن يخرق رأسه بالسيف، علاه بالسيف، فقال: لا إله إلا الله، فشرد فتبعه ورماه بالرمح فأصابه فقتله.

    يقول: ( فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟! قلت: يا رسول الله! إنما كان متعوذاً )، وفي رواية: ( إنما قال ذلك خوفاً من السلاح )، وفي رواية: ( إنما قال ذلك ليحرز دمه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟! فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم ).

    وفي رواية: قال سيدنا أسامة رضي الله عنه وأرضاه: ( بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية -وهي القطعة من الجيش تذهب للغزو في سبيل الله عز وجل- فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلاً منهم فقال: لا إله إلا الله، فطعنته برمحي، فوقع في نفسي من ذلك )، بعد أن قتله سيدنا أسامة أيضاً استشكل قتله، قال: لعله الآن صار من عباد الله الموحدين، وربما قتلته بعد أن وحد رب العالمين، قال: ( فذكرت ذلك للنبي الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟! قال: قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا )، (أقالها) هنا القائل: هو القلب، يعني: أقالها قلبه واعتقد بها ونطق بها أم لا؟ فأنت الآن سمعت نطق اللسان، لكنك تشك في اعتقاد الجنان، فهلا شققت عن قلبه لتعلم أقالها القلب أيضاً أم لا؟ وهل اعتقد أيضاً هذا القول في قلبه أو هو مجرد نطق بلسانه؟ فما زال يكررها عليه، قال: ( حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ ). يعني: تمنيت أني أسلمت في هذه الحالة وما جرى مني سابقاً ما جرى، لئلا أعاتب هذه المعاتبة، قال: فقال سعد -يعني ابن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه-: وأنا والله لا أقتل مسلماً حتى يقتله ذو البُطَين. والبطين هو لقب سيدنا أسامة لأنه كان له بطن رضي الله عنه وأرضاه، فسيدنا أسامة بعد هذا الحديث بدأ يرتجف من رفع يده ليس سيفه على من ينطق بتوحيد ربه، ولذلك كان من جملة الذين اعتزلوا الفتن التي وقعت بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وسيدنا سعد وتبعه قال: أنا لا أقتل أحداً حتى يقتله ذو البطين، هذا أدبه النبي عليه الصلاة والسلام تأديباً عظيماً، فأثر ذلك التأديب في نفسي، فمَن قتله سيدنا أسامة أنا أقتله، وأما إذا هو امتنع عن القتال فأنا لا أقاتل.

    وكما قال الإمام الذهبي في السير في ترجمة سيدنا أسامة رضي الله عنه وأرضاه، قال: انتفع سيدنا أسامة بعتاب النبي عليه الصلاة والسلام له، فأحسن وجلس عن المشاركة في الفتن التي وقعت بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

    قال سعد : وأنا والله لا أقتل مسلماً حتى يقتله ذو البطين، يعني: أسامة ، قال: فقال رجل لسيدنا سعد : ألم يقل الله: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39]؟ فقال سعد : قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، والفتنة هي الشرك والكفر، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، فأنتم تقتتلون من أجل مُلك، ومن أجل حكم، ونحن قاتلنا ليكون الدين كله لله، فنحن ننكف عن القتال ولا نشارك في هذه الفتن التي تجري بين المسلمين.

    هذا الحديث -كما قلت إخوتي الكرام- من رواية سيدنا أسامة رضي الله عنه وأرضاه، وقد فعل ما فعل ولم يوجب النبي عليه الصلاة والسلام عليه القصاص، بل ولا الدية على المعتمد، وإن بحث الإمام ابن التين في ذلك، وقال: ما ذكرت الدية لكن هي معلومة. والصحيح أنه لم يجب عليه دية ولا قصاص من باب أولى، ولا إثم عند الله، وهو كما قلت: خالف شرع الله، لكنه معذور، تأول فيما فيه مجال للتأويل.

    هو الآن أمام قضية واقعة، إنسان من المشركين -وسيأتينا حاله في حديث جندب رضي الله عنه- وليس من المشركين العاديين، بل مشرك محارب، وقد عمل في المسلمين عملاً فظيعاً شنيعاً، كان يقتل منهم مقتلة عظيمة، ينقض على هذا فيقتله، وعلى هذا فيقتله، حتى قتل من الصحابة عدداً، فتبعه سيدنا أسامة والأنصاري رضي الله عنهم أجمعين، فلما رفع السيف عليه قال: لا إله إلا الله.

    حقيقة يوجد مجال للتأويل، وهو أنه ما قالها إلا ليحرز دمه، وخوفاً من السيف، وهو الآن أدرك أن حياته قد انتهت، فإيمانه ميئوس منه الآن ولا يقبل؛ لأنه يئس من الحياة، ولذلك قتله أسامة لهذا السبب، وهو تأويل سائغ.

    ولذلك فلا إثم ولا ذنب عليه، ولا يترتب على هذا القتل أي حكم، لكن مع ذلك لامَهُ نبينا عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان بإمكانه أن يتريث، وأن يحتاط، لأنه إذا تركه فإن عاد إلى الكفر سوف يُقتل، وإذا آمن فهذا الذي نريده، ومن أجل هذا بُعث نبينا عليه الصلاة والسلام، بُعث ليقول الناس: قولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعلامَ تتسرع؟ لكن -كما قلت- هو معذور، وهنا الآن خالف شرع العزيز الغفور، وقد عاتبه نبينا عليه الصلاة والسلام عتاباً شديداً.

    صاحب التأويل السائغ لا إثم عليه ولا ذنب لكنه يلام ويزجر

    واستمع للرواية التالية: روى الإمام مسلم في صحيحه، وهكذا الإمام ابن منده في كتاب الإيمان، وانظروا كتاب الإيمان صفحة تسع ومائتين من الجزء الأول, والحديث الذي ذكرته قبله مباشرة في كتاب الإيمان أيضاً للإمام ابن منده ، وتقدم معنا أنه خرَّج حديث سيدنا أسامة ، وهذا حديث سيدنا جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنهم أجمعين.

    عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه بعث إلى عسعس بن سلامة زمن فتنة عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين، وعسعس بن سلامة اختُلف في صحبته، فقيل: إنه صحابي، والذي ذهب إليه الأكثر أنه تابعي وأرسل أحاديث عن النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ولذلك قال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة، في الجزء الأول صفحة واحد وثمانين وثلاثمائة: تابعي أرسل.

    وانظروا ترجمته في الإصابة، في الجزء الثاني صفحة ثمانين وأربعمائة، ونقل عن الإمام ابن عبد البر أن حديثه مرسل، وقيل: له رؤية للنبي عليه الصلاة والسلام، وإذا ثبتت رؤيته للنبي عليه الصلاة والسلام فهو صحابي.

    قال شيخ الإسلام الإمام النووي عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه في شرح صحيح مسلم، في الجزء الثاني صفحة أربع ومائة، وقلت: إن الحديث في صحيح مسلم قال: عسعس من الأسماء المفردة التي لا يُعرف لها نظير، يعني: لا يوجد رجل آخر اسمه عسعس، لا من الصحابة ولا من التابعين.

    عن جندب بن عبد الله أنه أرسل إلى عسعس بن سلامة في زمن فتنة سيدنا عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين، فقال جندب لـعسعس : اجمع لي نفراً من إخوانك حتى أحدثهم، من أجل ألا يشاركوا في الفتن التي وقعت في أواخر عهد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فبعث عسعس رسولاً إليهم -أي إلى أصحابه- وجمعهم، فلما اجتمعوا جاءهم سيدنا جندب بن عبد الله البجلي وعليه برنس -والبرنس: قلنسوة طويلة توضع على الرأس, كان النساك يلبسونها في أول الإسلام- فجاء وعليه برنس أصفر، فقال: تحدثوا بما كنتم تتحدثون به. جندب يقول لأصحاب عسعس: بأي شيء كنتم تتحدثون أكملوا حديثكم، حتى دار الحديث ووصل إلى جندب ، فلما دار الحديث إليه حَسَرَ البرنس عن رأسه، وقال: ( إني أتيتكم ولا أريد أن أحدثكم إلا عن نبيكم عليه الصلاة والسلام )، يعني: فقط أريد أن أروي هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام لتنتبهوا إلى حالكم، ولا تتورطوا في الفتن فيما بينكم، ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثاً من المسلمين إلى قوم من المشركين، وإنهم التقوا -التقى الجيشان الموحدون والكافرون- فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإن رجلاً من المسلمين قصد غفلته -هذا المشرك الذي قتل ما قتل من المسلمين الصحابة الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين- وكنا نتحدث أنه أسامة بن زيد -كما تقدم معنا الحديث في الصحيحين وغيرهما- فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله سيدنا أسامة رضي الله عنه وأرضاه، فجاء البشير إلى نبينا البشير النذير عليه صلوات الله وسلامه، فسأله وأخبره، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله فقال: لمَ قتلته؟ فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أوجع في المسلمين، وقتل فلاناً وفلاناً وفلاناً -يعني: عمل فيهم مقتلة عظيمة وأوجع فيهم- وفجعنا في إخواننا، وسمى له نفراً، وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقتلته؟ قال: نعم، قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟! )، هذه سوف تخاصم وتحاج وتجادل عن صاحبها يوم القيامة، وأنت قتلته بعد أن وحد ربه! ( كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ فقال سيدنا أسامة رضي الله عنه وأرضاه: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! استغفر لي ) وما استغفر له كما ستسمعون.

    وكما قلت: لامه من أجل أن يحذر الأمة بعد ذلك من الوقوع في مثل هذا، فقال: ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! استغفر لي، قال: يا أسامة ! كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ )، ما زاد على هذا، والنبي عليه الصلاة والسلام يكرر هذا على سيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه.

    إخوتي الكرام! كما قلت: تأوَّل فيما فيه مجال للتأويل وأخطأ فهو معذور، لكن قد يتوجه إليه اللوم دون وقوع الإثم والذنب والمعصية عليه، يتوجه إليه اللوم؛ لأنه كان بإمكانه أن يحتاط، وأن يتريث لئلا يقع فيما وقع فيه.

    قال الإمام ابن التين ، كما حكى ذلك عنه الحافظ في الفتح في الجزء الثاني عشر صفحة خمس وتسعين ومائة: قال: في هذا اللوم تعليم وإبلاغ في الموعظة حتى لا يُقدم أحد على قتل من تلفظ بكلمة التوحيد. هذا اللوم الشديد فيه تعليم وإبلاغ للأمة حتى يحتاطوا ولا يتساهل أحد في قتل مَن يوحد الله عز وجل.

    وقال الإمام القرطبي في المفهم -كما نقل ذلك عنه أيضاً الحافظ ابن حجر في الفتح-: في تكريره ذلك (كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة) والإعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على مثل ذلك. سيدنا أسامة رضي الله عنه وأرضاه -كما قلت- فعل ما فعل متأولاً، فكان يرى أنه إذا نطق الإنسان بلا إله إلا الله في هذا الموطن لا تقبل منه؛ لأنه يقولها تعوذاً, يقولها خوفاً من السلاح, عندما آيس من حياته، والله جل وعلا يقول: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر:85]، فحمل الأمر على ذلك، فعنده مبررات لفعله، هذه المبررات أسقطت عنه الذنب، والمعصية، وعقوبة الله جل وعلا، لكنه في فعله مخطئ وهو معذور، فمع أنه خرج عن شرع العزيز الغفور إلا أنه لا إثم عليه؛ لما تقدم معنا من اعتبار ألا وهو تأويل فيما فيه مجال للتأويل، قد يلام أحياناً إذا فرط وما احتاط، ولذلك لامه نبينا عليه الصلاة والسلام دون أن يترتب على ذلك أحكام القتل الشرعي.

    الاستدلال على التأويل السائغ بقصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه

    ومن الأمثلة على ذلك: ما حصل من سيدنا حاطب بن أبي بلتعة وهو أمر عظيم حقيقة إخوتي الكرام، ولا أريد أن أذكر قصته، إنما قصته صحيحة ثابتة في المسند والكتب الستة إلا سنن الإمام ابن ماجه ، وهي في غير ذلك في دواوين السنة، عندما كاتب المشركين يخبرهم أن نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه يتجهز لغزوهم وفتح مكة المكرمة، ونبينا الأمين عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد غزوة وَرَّى، وما أعلم الناس بأمره، من أجل ألا يكشف السر الحربي، من أجل أن يباغت القوم ولا يعدوا العدة لمقابلته عليه صلوات الله وسلامه، وهم قد نقضوا العهد وبدءوا بالخديعة والمكر، ولذلك فلا ينبغي أن يبلغهم الخبر، فـحاطب كتب على المشركين، ونبينا عليه الصلاة والسلام أعلمه بذلك ذو الجلال والإكرام، فلما علم بذلك أرسل سيدنا علياً والزبير والمقداد رضي الله عنهم أجمعين، وقال: توجد ظعينة في مكان كذا في روضة خاخ، إذا لقيتموها هناك فمعها كتاب حاطب رضي الله عنه وأرضاه، وبعد أن أخذوا الكتاب منها وعادوا, قال له نبينا عليه الصلاة والسلام: ( ما حملك على هذا )، وهو مهاجري بدري رضي الله عنه وأرضاه، فاعتذر وتأول فيما فعل، وقال: ( يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! جميع أصحابك لهم عشيرة وأنصار في مكة، إلا أنا فأنا ملصق بقريش، لست منهم، فخفت على أهلي ومالي، فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وأنا على علم أن الله سينصرك ويؤيدك، فهذا الفعل ينفعني ولا يضرك، فالنبي عليه الصلاة والسلام حتماً التمس له العذر، وأنه أخطأ، وسيدنا عمر رضي الله عنه أراد أن يعامل الواقعة بما تستحق في الظاهر، فقال: دعني اضرب عنقه يا رسول الله، فقد نافق وكفر، قال: وما يدريك يا عمر ! لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ).

    الشاهد: أن هذا الصحابي رضي الله عنه وأرضاه فهم وقبل عذره نبينا عليه الصلاة والسلام بنوع تأويل، ولو لم يفعل هذا بتأويل لخرج من شرع الله الجليل، كونه يدل المشركين على ما يبيته ويريد أن يفعله نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، هذا خروج من دين رب العالمين، لكنه فعله بنوع تأويل.

    شرط التأويل السائغ عدم قصد الفعل والمعصية والمخالفة لذاتها

    إخوتي الكرام! وهكذا ما حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من فتن كانت بنوع تأويل، وهم في الجنة إخواناً على سرر متقابلين رضي الله عنهم وأرضاهم، نعم لو لم يقع ذلك منهم لكان أحسن، لكن وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [الأحزاب:38]، وكذلك لو لم يقتل سيدنا أسامة هذا الموحد لكان أحسن, ولو لم يكتب حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وأرضاه ما كتب لكان أحسن، لكن البشر محل الخطأ، المهم ألا يتعمد القلب المعصية.

    قلت: الضابط في هذه الأحوال الثلاثة أن الإنسان لا يقصد المعصية، إنما يتأول فيخطئ، فيقع في المعصية فعلاً لا قصداً ولا نية ولا عزيمة, هو ما أراد المعصية، ولا أراد الانحراف عن شرع الله عز وجل، لكنه وقع في المعصية، لكنه انحرف، لكنه أخطأ, وبما أنه لم يقصد فيغفر له فعله, وقد يوجه إليه اللوم؛ لأنه كان بإمكانه أن يحتاط، وعنده تقصير ما، ولو احتاط لسلم من الخطأ ومن اللوم, فكان بإمكان حاطب أن يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه! هل للأمر سعة إذا أردت أن أتخذ يداً عند المشركين، وأن أكتب لهم بما تنوي وتعزم عليه، هل في ذلك سعة؟ وأنا هذا ينفعني ولا يضرك ولا يضرنا نحن معشر المسلمين، كان بإمكانه أن يسأل، وأن يأتي الأمر من بابه، لكنه -كما قلت- تأول بما فيه مجال للتأويل، وهذا حال البشر، هو يعلم أن الله سينصر رسوله عليه الصلاة والسلام، سواء علم المشركون أو لم يعلموا, ولذلك قال: إعلامي لهم لا يضر المسلمين، وأنا أنتفع، فكأنه صار لي عندهم مصلحة ويد، والنبي عليه الصلاة والسلام منصور منصور رغم أنف الكبير والصغير، لكن هذا كما قلت: خطأ جرى منه رضي الله عنه وأرضاه.

    هذه هي الحالة الأولى -إخوتي الكرام- من الحالات الثلاث التي يُعذر فيها الإنسان، وليس عليه إثم، ومن باب أولى لا يكفر بالله عز وجل.

    نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، والحمد لله رب العالمين.