إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. سلسلة مقدمة في الفقه
  5. مقدمة في الفقه - شريعة ربانية وقوانين وضعية [1]

مقدمة في الفقه - شريعة ربانية وقوانين وضعية [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا مقارنة أبداً بين شرع الله تعالى وشرع المخلوقين، فشرع الله تعالى مستمد منه سبحانه، وهو العليم الخبير بما يصلح عباده وما يكون به سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، كما أن شرع الله تعالى فيه الحكمة البالغة، فمشرعه هو الحكيم الخبير الذي يضع كل شيء في موضعه، وهذا هو عين الحكمة، وكل هذه الأمور يفتقدها شرع المخلوق القاصر الجاهل، فالفرق بين الشرعين كالفرق بين الخالق والمخلوق، وهذا يدركه من أنعم الله عليه بعقل سليم وقلب غير سقيم.

    1.   

    الفروق بين شرع الخالق وشرع المخلوق

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. أما بعد:

    فسنذكر بمشيئة الله تعالى الفروق بين شرع الخالق وشرع المخلوق، التي تحتم علينا أن نأخذ بشرع ربنا، وأن نترك بعد ذلك آراءنا وآراء غيرنا.

    إخوتي الكرام! هذه الفروق سأوجزها في خمسة عشر فرقاً، كل واحد منها يحتم علينا أن نأخذ بشرع الله، وأن نترك شرع غيره مهما كان، من إنسان أو شيطان، من شيطان إنسي أو شيطان جني، كل هذا ينبغي أن يُترك، وأن نقبل على شرع الله عز وجل.

    شرع الله تعالى مستمد منه سبحانه وشرع المخلوق من المخلوق القاصر

    أول هذه الفروق إخوتي الكرام بين شرع الرحمن وشرع الإنسان، بين شرع الرحمن وشرع الشيطان:

    أن شرع الله جل وعلا مستمد من الله، من خالقنا، من ربنا، من سيدنا، من مالكنا، من إلهنا سبحانه وتعالى، هذا الشرع مستمد منه مأخوذ منه، وهو وضعٌ للأمر في موضعه، وأما شرع الإنسان القوانين الوضيعة الوضعية، فهي مأخوذة من الأفكار الإنسانية، وإن أكبر عار أن يعبد الإنسان غيره مِمن هو على شاكلته لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره نفعاً ولا ضراً, كيف تعبد غير الله! والحكم هو سنام العبادة، القوانين والتشريع هي سنام العبادة، أعلى شيء فيها، وعندما تعطي لغيرك حق التشريع فقد عبدته عبادة عظيمة هي أعظم العبادات، عندما جعلته يشرع لك، وأنت تلتزم بشرعه، وتتقيد به، فعبدته من دون ربك سبحانه وتعالى.

    فهذا -إخوتي الكرام- لا بد من أن نعيه، ولا ينبغي للمخلوق أن يقبل غير شرع خالقه، يقول الشاعر المتنبي -وهذا البيت حقيقة من الحكم والدرر- يقول:

    تغرب لا مستعظماً غير نفسه ولا قابلاً إلا لخالقه حكما

    يعني: إياك أن تقبل حكم غيرك ولو أدى ذلك إلى أن تنزح عن وطنك وبلادك.

    (تغرب لا مستعظماً غير نفسه)

    ترى أنك أعظم أهل الأرض لا احتقاراً للعباد، إنما من أجل وضع الأمر في موضعه، وأما أنك ترى أنك دون وأن الناس فوقك، يشرعون لك وأنت تلتزم بشرعهم، فلا ثم لا، فأنت عبد لله جل وعلا.

    تغرب لا مستعظماً غير نفسه ولا قابلاً إلا لخالقه حُكما

    فلا تقبل إلا حكم الله، وبعد ذلك نفسك عظيمة عظيمة عظيمة، وكما قلت: ليس امتهاناً لنفوس الناس، إنما من أجل أن يوضع كل شيء في موضعه، وأما أن يعظم بعضنا بعضاً، وأن يشرع بعضنا لبعض، فهذا هو الضلال، هذا مستمد من الله، وذاك مستمد من مخلوق، والفرق بين الشرعين كالفرق بين الخالق وخلقه، يعني: الفرق بين شرع الله وشرع المخلوقات، كالفرق بين رب الأرض والسموات، وبين المخلوقات، وشتان شتان، شتان ما بينهما.

    روى الإمام الترمذي في سننه وقال: هذا حديث حسن غريب، والحديث رواه الإمام الدارمي في سننه، وهو من رواية عطية بن سعد العوفي ، والإمام الترمذي يحسن له دائماً، وحوله كلام على كل حال، والحديث له شواهد من رواية سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، مرفوعاً متصلاً، وله شواهد من رواية شهر بن حوشب، وهو تابعي، مرفوعاً مرسلاً إلى نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وانظروا تفصيل الكلام على هذه الشواهد في الفتح، في الجزء التاسع صفحة ست وستين من كتاب فضائل القرآن، بوب الإمام البخاري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا باباً يشير به إلى عنوان هذه المسألة، قال: باب في فضل كلام الله على سائر الكلام، هذه الترجمة هي عنوان الحديث الذي سأذكره.

    والحديث -كما قلت- في سنن الترمذي وسنن الدارمي، من رواية سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يقول الرب عز وجل: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر الخلق)، من اشتغل بعبادة الله وذكره، وبطلب العلم، وما تفرغ لأن يسأل ربه حوائجه؛ لأنه مشغول بدعاء العبادة، فالله جل وعلا يعطيه أفضل ما يعطي السائلين، (وفضل كلام الله على سائر الكلام، كفضل الله على سائر الخلق).

    إذاً: هذا مستمد من الخالق، وذاك مستمد من المخلوق.

    الأدلة على أن شرع الله منزل من عنده سبحانه

    ولذلك إخوتي الكرام! أول ما نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام خمس آيات من سورة اقرأ، من سورة العلق، افتُتحت هذه الآيات بهذه الكلمة الطيبة المباركة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، (اقرأ باسم ربك) هذا من الله مستمد منه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5].

    وهذه الآيات -كما تقدم معنا إخوتي الكرام ضمن مباحث النبوة، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه- هي أول ما نزل على نبينا خير البريات عليه الصلاة والسلام، قطعاً وجزماً، مع أنه قيل في ذلك ستة أقوال، لكن هذا قطعاً وجزماً.

    وقلت: حديث الصحيحين يدل على ذلك، حديث أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وفي الحديث: (قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ)، قوله: (ما أنا بقارئ) ذكرت أنه يستحيل أن يصدر هذا الكلام من نبينا عليه الصلاة والسلام إذا نزل عليه قبل ذلك قرآن، وعليه فهذا أول ما نزل، وهذا مما يدل على أنه أول شيء أُنزل، والأدلة في ذلك كثيرة.

    إذاً: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] مستمد من الله، ونحن عباده، ولا غضاضة في أن يتذلل المخلوق لخالقه، وأن يأخذ العبد بشرع سيده، إنما الغضاضة والحرج والضيق والشدة والكرب والعنت والذل الذي لا ذل بعده، أن يتذلل المخلوق لمخلوق مثله، وأن يؤله الناس بعضهم بعضاً، وأن يتخذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، هذا هو البلاء.

    ويقول الله جل وعلا في سورة الشورى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:10-11].

    وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبي [الشورى:10]، وهو رب كل شيء سبحانه وتعالى، فالأخذ بحكم هذا الرب وضع للأمر في موضعه، فهذا عين الحكمة، فهو مستمد من ربنا وخالقنا سبحانه وتعالى.

    وقال جل وعلا في سورة الحاقة: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الحاقة:38-43]، فهو منزل من هذا الإله العظيم: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الحاقة:44-52].

    الكلام على قوله تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون) ومعانيها

    قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ [الحاقة:38-39] إخوتي الكرام! كلمة (لا) التي تدخل قبل القسم في كلام الله عز وجل مشكلة حقيقة، وقد بحثها أئمتنا في كتب علوم القرآن ضمن مبحث القسم في القرآن، كما في الإتقان والبرهان وغيرهما، وهذا موجود في سائر كتب تفسير القرآن، وهي مشكلة: (فلا أقسم) ظاهر الكلام نفي للقسم، وواقع الأمر أن الله أقسم, أقسم بما نبصر وبما لا نبصر على أحقية القرآن، وأنه كلام الرحمن بلغه رسوله جبريل ورسوله محمد الجليل، على نبينا وأنبياء الله وملائكته صلوات الله وسلامه.

    فقوله: (فلا أقسم) هذه (لا) أئمتنا وجهوها بثلاثة أمور كلها معتبرة:

    الأمر الأول وهو أظهرها وأيسرها: أنها زائدة للتوكيد، فالأصل: فأقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، فزيدت لا للتوكيد، كقول الله جل وعلا: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الحديد:29]، المعنى: ليعلم أهل الكتاب، وهكذا قول الله جل وعلا: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف:12]، أي: أن تسجد، هذا التخريج الأول، وهو -كما قلت- أظهرها وأيسرها، أن (لا) زائدة لتوكيد القسم، (فلا أقسم) أي: أقسم قسماً مؤكداً بما تبصرون وما لا تصبرون.

    الأمر الثاني وهو معتبر ووجيه: أنها نفي لما يقتضي المقام نفيه، وعليه فيصبح معنى الآية: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ [الحاقة:38-39] أي: لا شبهة في أن القرآن حق وصدق وأنه من عند الله، أقسم على ذلك بما تبصرون وما لا تبصرون، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40] فلا شبهة في أن القرآن حق.

    وهكذا قوله: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65]، أي: لا صحة لإيمانكم ولما تدعون (وربك)، حتى يحكموك فيما شجر بينهم، هكذا يصبح التقدير، على أنها نفي لما يقتضي المقام نفيه، فعلى حسب سياق الآيات تقدر شيئاً منفياً، أي: لا شبهة في أن القرآن حق، وأنه كلام الله، أقسم على ذلك بما تبصرون وما لا تبصرون، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65]، لا صحة لإيمانهم ولما يدعون، (وربك)، حتى يحكموك فيما شجر بينهم.

    الأمر الثالث والتخريج الثالث، وهو أيضاً في منتهى الاعتبار: أن الكلام جرى مجرى نفي القسم، والمراد إثبات القسم، لكن بما أن المُقسَم عليه في منتهى الظهور والوضوح والبيان، كأنه ليس بحاجة إلى الإقسام عليه، فأورد الكلام في صورة ادعاء عدم احتياج المُقسَم عليه إلى قسم، والمراد القسم الأكيد البالغ الذي يقرر هذا، كأنه يقول: هذه قضية منتهية، ثابتة، قطعية، لا داعي أن أقسم عليها وقد أقسمت، كما تقول لمن يثق بصداقتك، وتحبه غاية الحب: لا داعي أن أحلف لك أنني أحبك.

    وواقع الأمر: أنك تريد النفي مع أنك تثبت الحب بمنتهى القسم له، وهنا كذلك: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ [الحاقة:38-39] ظاهرها نفي القسم، لكن المراد إثبات القسم؛ لأن المقسَم عليه في منتهى الظهور والوضوح، وأن هذا القرآن بلغه رسول الرحمن، وهو كلام ذي الجلال والإكرام، هذه القضية كأنها لا تحتاج إلى قسم، فجاء الكلام في صورة نفي القسم لادعاء أن المقسم عليه لا يحتاج إلى قسم؛ لأنه في منتهى الظهور.

    فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ [الحاقة:38-39]، أي: بكل شيء أقسم ربنا جل وعلا على صحة القرآن، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40] أي: بلغه عنا جبريل أو نبينا الجليل على نبينا وأنبياء الله وملائكته صلوات الله وسلامه.

    وقوله تعالى: (قليلاً ما تؤمنون) (ما) زائدة أيضاً للتوكيد بلا خلاف بين أئمتنا، لكن ما المراد بلفظ: (قليلاً), (قليلاً تؤمنون)، (قليلاً تذكرون)؟ قيل: القِلة المراد بها العدم، وذهب إلى هذا الإمام النسفي ومعه جم غفير من المفسرين، وعليه فيصبح معنى الكلام (قليلاً ما تؤمنون) أي: لا تؤمنون مطلقاً، وما صدر منكم إيمان بالرحمن، (قليلاً ما تؤمنون) ما: نافية و(قليلاً) بمعنى العدم، أي: انعدم إيمانكم وما صدر منكم توحيد لربكم، وانعدم تذكركم وما عندكم وعي في عقولكم، (قليلاً ما تؤمنون) (قليلاً ما تذكرون)، أي: لا تؤمنون إيماناً مطلقاً، ولا تتذكرون تذكراً، وهذا بناء على أن القلة بمعنى النفي، وقال أئمتنا: هذا يستعمل في اللغة بكثرة، أن القلة يراد منها النفي.

    والثاني: أن القلة على حقيقتها، (ما) زائدة والقلة في موضعها؛ لأنهم كانوا يؤمنون ببعض أمور الخير مما أمر الله به من شأن صلة الرحم، من شأن المعروف، ومساعدة الناس، يصدقون به في الجملة، ويرون هذا من أمور الخير، ويتذكرون أحياناً فيما بينهم ويبحثون أن نبينا عليه الصلاة والسلام صادق، وأنه رسول الله تذكراً قليلاً، ثم يرجعون إلى غيهم وضلالهم، كما قال تعالى: ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ [الأنبياء:65]، فهم تذكروا قليلاً ثم نكسوا بعد ذلك على رءوسهم، فهنا المعنى: تؤمنون إيماناً قليلاً لا ينفعكم في النهاية، وتتذكرون تذكراً يسيراً ثم لا تثبتون عليه، فالقلة على حقيقتها، وإلى هذا ذهب الإمام الزجاج وغيره من أئمة التفسير.

    فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الحاقة:38-43]، فليس في هذا القرآن مدخل لأحد من خلق الله، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة:44-45]، بالقوة، ولعاقبناه عقاباً شديداً، قضينا عليه وجعلناه عبرة للمعتبرين، وحاشاه من ذلك عليه صلوات الله وسلامه.

    وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:44-46]، وهو نياط القلب، عرق مرتبط به، إذا قُطع مات الإنسان وانقطع القلب عن الحياة، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الحاقة:47-52].

    الشاهد: قوله تعالى: تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الحاقة:43]، فهذا كلام الله جل وعلا لا كلام غيره.

    شرع الله تعالى مستمد من العليم الخبير بكل شيء وشرع المخلوق مستمد من المخلوق الجاهل

    الأمر الثاني والاعتبار الثاني في تشريع الله جل وعلا المستمد من الله: أنه صاحبه علم تام، كيف لا ومنزله من هو بكل شيء عليم، فهذا شرع العليم الحكيم سبحانه وتعالى، صاحب العلم التام المطلق، وأما التشريعات الإنسانية البشرية الوضيعة الوضعية فحال مشرعيها كما قال الله: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، هذا حالهم، وجهلهم أكثر من علمهم، علم الله تعالى علم تام، كتاب أحاط بكل شيء، قرر ربنا جل وعلا هذا المعنى في كثير من آيات كتابه، قال في أول سورة الفرقان: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:1-6]، أنزله من هو بكل شيء عليم، ولا يوجد مخلوق يتصف بهذه الصفة أنه بكل شيء عليم, وعلى كل شيء قدير, وغني عن العالمين، هذا لا يوجد إلا لربنا العظيم سبحانه وتعالى.

    قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الفرقان:6] الذي يعلم أي مخبأ وأي مكنون، الذي ما عندكم علم عنه يعلمه ربنا جل وعلا فكيف بالظاهر، الذي يصلح أحوالكم، ويدبر شئونكم سبحانه وتعالى: قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:6]، هذا هو حال تشريع الرحمن، من عند من هو بكل شيء عليم.

    وقد أشار إلى هذا المعنى ربنا الكريم في أول سورة غافر: حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:1-3]، وهذا العلم الذي هو في المشرع وهو الله، هذا العلم الذي هو في ربنا لا يمكن أن يساويه فيه أحد من الخلق، بل لا يمكن أن يساويه في جزئية من جزئيات العلم التي يتصف بها ربنا جل وعلا أحد من الخلق.

    فاستمع لتعريف علم ربنا، كما قال الإمام النووي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه الفتاوى، في صفحة ست وعشرين ومائتين، وهو أحسن تعريف لضبط علم الله جل وعلا، يقول: علم استقلالي، يحيط بجميع المعلومات -بكل المعلومات- كماً وكيفاً. علم استقلالي، فهو علم مأخوذ منه ما أخذه من غيره، وعلم من عداه مستفاد طرأ عليه بعد أن لم يكن: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78].

    ثم بعد ذلك: (محيط بكل المعلومات كماً وكيفاً) بقدرها وخصائصها كماً وكيفاً، ولو أُضيف إلى هذا التعريف من باب زيادة الإيضاح فيقال: علم استقلالي محيط بجميع المعلومات كماً وكيفاً، على سبيل الدوام، ولا يعتريه غفلة ولا نسيان، لكان أولى.

    أي: أن هذا العلم الاستقلالي المحيط بجميع المعلومات كماً وكيفاً يلازم ربنا جل وعلا دائماً، لا يزول ولا يتغير: ولا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [سبأ:3], وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64]، على سبيل الدوام لا يطرأ عليه غفلة ولا نسيان، فهذا أحسن ما يقال في بيان علم ربنا الرحمن سبحانه وتعالى.

    علم استقلالي محيط بجميع المعلومات كماً وكيفاً، على سبيل الدوام لا يعتريه غفلة ولا ذهول ولا نسيان، هذا حال علم الرحمن سبحانه وتعالى، وأما من عداه فقد قال الزمخشري يغفر الله لنا وله، ونِعْمَ ما قال:

    العلم للرحمن جل جلاله وسواه في جهلانه يتغمغم

    ما للتراب وللعلوم وإنما يسعى ليعلم أنه لا يعلم

    يسعى لا ليصل إلى درجة العلم، فقط ليزيل عنه الجهل، ليتعلم ما كان يجهل، وأما ربنا جل وعلا فعلمه علم أزلي استقلالي من ذاته يحيط بجميع المعلومات، ما طرأ عليه بعد أن لم يكن فيه:

    وهذا كما يقول سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه:

    كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي

    وإذا ما ازددت علماً زادني علماً بجهلي

    إذاً: الفرق الثاني: أن هذا التشريع الرباني، هذا الفقه الذي سنتدارس مباحثه، أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض، أنزله من هو بكل شيء عليم، فالأخذ به حكمة ووضع سليم، والأخذ بعد ذلك بالأنظمة الوضعية ضلال مبين، فمن أخذ بها فقد عبد غير الله، ثم أخذ بقانون ونظام الجاهل الغافل.

    شرع الله تعالى فيه الحكمة الكاملة بعكس شرع المخلوق

    الأمر الثالث من الفروق بين شرع الخالق والمخلوق: أن شرع الله جل وعلا مستمد منه، وصاحبه علم تام، وحكمة كاملة، فالعلم لا بد له من حكمة، فإن العلم بدون حكمة يضع الشيء في غير موضعه، فلابد من علم مع حكمة.

    والحكمة -إخوتي الكرام- هي باختصار: الإتقان، وكون الشيء في منتهى الانتظام، وهي التي يعبر عنها أئمتنا الكرام بقولهم: وضع الشيء المناسب، في الزمن المناسب، في المكان المناسب.

    قال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين عليه وعلى أئمتنا رحمة رب العالمين، في الجزء الثاني صفحة تسع وسبعين وأربعمائة في ضبط الحكمة وبيانها، قال: فعل ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي. وهذا هو وضع الشيء في موضعه.

    وأنت إذا فعلت شيئاً لكن في غير وقته، فقد وضعت الأمر في غير موضعه، فلا بد من وضع الشيء في موضعه.

    وكما قال أئمتنا: لكل مقام مقال، والبلاغة: مطابقة الكلام لمقتضى الحال، هذا لا بد من وعيه.

    وقال أيضاً في ضبط الحكمة: أن تعطي كل شيء حقه، بحيث لا تعديه حده -لا تزيد على حده- ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخره عنه.

    إذاً: شرع ربنا مستمد منه، عن علم مطلق، هذا العلم وُضع كما قلت في موضعه المناسب له، وهذه هي الحكمة، ولذلك الحكيم كما قال الإمام الرازي في لوامع البينات في شرح أسماء الله والصفات، قال: الحكيم هو الذي ليس في قوله ريب، ولا في فعله عيب. ليس في قوله ريب: شك وتهمة وخلل وفساد، كما قال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:2]، ولا في فعله عيب، مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [الملك:3]، فالله تعالى ليس في قوله ريب، ولا في فعله عيب، سبحانه وتعالى، فشرع الله محكم متقن، يقول ربنا المعبود في أول سورة نبيه هود، على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [هود:1-2]، أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم خبير.

    وقال جل وعلا في أول سورة العبد الصالح لقمان، عليه وعلى سائر الصديقين الرحمة والرضوان: الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لقمان:1-3] (تلك آيات الكتاب الحكيم) لا إله إلا الله!

    والآيات -إخوتي الكرام- في ذلك كثيرة، أختمها بهذه الآية وبها أختم الموعظة، ونتدارس الصفة الرابعة وما بعدها في الموعظة الآتية إن شاء الله، يقول الله جل وعلا في سورة فصلت: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ [فصلت:41-43]، ما يقال لك إلا هذه المقولة، وما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من أقوال وجهالات وضلالات جَهِلَ بها الأقوام على رسلهم الكرام، على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام، وأنت سيقال لك من أمتك ما قيل للرسل من أقوامهم، وأنت يقال لك أيضاً: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ [فصلت:43]، كما قيل لهم هذه المقولة.

    الفرق الرابع: أن شرع الله كما هو مستمد منه وصاحبه علم تام وحكمة تامة، فيه هدى ونور، وسيأتينا بيان هذا إن شاء الله في الموعظة الآتية بعون الله وتوفيقه.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن أوقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.

    والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.