إسلام ويب

مقدمة في الفقه - لم يتبدل موضوع الفقهللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علم الفقه هو ذلك العلم الذي يهتم ببيان الأحكام العملية المتعلقة بالمكلفين المستنبطة من أدلتها التفصيلية، فهو يتعلق ويعنى بالعبادات والمعاملات والحدود والعقوبات، هذا هو موضوعه عند السلف الصالح وعند المتأخرين، وقد أخطأ من قال بأن علم الفقه كان يُطلق قديماً على ما يبحث في طريق الآخرة ودقائق آفات النفوس، وفي مفسدات الأعمال.. ونحو ذلك فقط، وإن كان يجب على الفقيه ألا يهمل هذه الأمور في معرض كلامه في الفقه وتدريسه.

    1.   

    علم الفقه بين إطلاق المتقدمين والمتأخرين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا مستمرين في دروس الفقه، وقلت إخوتي الكرام: قبل أن نشرع في مدارسة موضوعات الفقه سنتدارس مقدمة لهذا العلم الشريف، تدور على أمرين اثنين كما ذكرت في بدء مواعظ علم الفقه:

    أولها: في منزلة علم الفقه، وقد مر الكلام على ذلك في تعريفه، وفي الأدلة التي تبين منزلته ورتبته ومكانته، وختمت هذا المبحث بأربعة أحاديث عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، تدل على منزلة التفقه في الدين، وختمت الأحاديث أيضاً بترجمة لسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقيه هذه الأمة المباركة، وهو فقيه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    قبل أن ننتقل إلى الأمر الثاني في مدارسة ترجمة لأئمتنا وساداتنا فقهاء هذه الأمة المباركة المرحومة، سيدنا أبي حنيفة ومالك وسيدنا الإمام الشافعي وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين، قبل هذا -إخوتي الكرام كما قلت- عندنا أمر لا بد من مدارسته عند مدارسة منزلة الفقه، ألا وهو: الفروق بين شرع الخالق والمخلوق، وقبل أن نتدارس هذا عندنا أمر يتعلق بما تقدم لا بد من مدارسته، وعليه سنتدارس في هذه الموعظة أمرين، أمر من باب التنبيه على ما تقدم، ثم أشرع بعد ذلك في بيان الفروق بين شرع الخالق جل وعلا وشرع المخلوق.

    أما الأمر الأول إخوتي الكرام: فقد تقدم معنا في تعريف علم الفقه، أنه العلم بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد من أدلتها التفصيلية، وبينت إخوتي الكرام فيما مضى أن علوم الشرع المطهر تدور على خمسة أمور:

    أولها: العقائد، وثانيها: الأخلاق والآداب، وثالثها: العبادات، ورابعها: المعاملات، وخامسها: الحدود والعقوبات.

    وقلت: الأمور الثلاثة الأخيرة تكفل ببيانها علم الفقه، فهو يشمل أمور العبادات والمعاملات وأمور الحدود والعقوبات، وقلت: يشمل جميع مناحي الحياة، بقي بعد ذلك موضوع الوعظ والتذكير في كتب الرقاق والمواعظ، ومباحث التوحيد تؤخذ من كتب علم التوحيد.

    قول بعض الأئمة بأن علم الفقه أصبح يطلق على غير ما كان يطلق عليه عند السلف

    إخوتي الكرام! هذا تقدم معنا بيانه، وذكرنا أن لعلم الفقه منزلة عظيمة، وعندنا شيء من الاعتراض على ما تقدم أثاره الإمام الغزالي في الإحياء، في الجزء الأول صفحة ثمان وثلاثين، وتبعه على ذلك الإمام الزبيدي في شرح الإحياء، في الجزء الأول صفحة ثلاثين ومائتين، وقال بهذا أيضاً الإمام ابن الجوزي في منهاج القاصدين، وتبعه على ذلك من اختصر كتابه وهو الإمام المقدسي في مختصر منهاج القاصدين، في صفحة ثمان عشرة.

    وخلاصة اعتراض هؤلاء رضوان الله عليهم أجمعين: قالوا: إن بعض العلوم غُيِّر مدلولها في اللفظ، ومنها علم الفقه، فاللفظ كان له دلالة عند السلف الكرام، ثم وضع المتأخرون له دلالة أخرى، وكأنهم يعتبرون هذا من باب وضع الشيء في غير موضعه، فذكر الإمام الغزالي ومن تبعه خمسة أسماء لعلوم عالية غُيِّر مدلولها:

    أولها: الفقه، وثانيها: العلم، وثالثها: التوحيد والعقيدة، ورابعها: علم التذكير والموعظة، وخامسها: علم الحكمة.

    قال: هذه الأمور بُدلت حقائقها، وأُطلقت هذه الأسماء على غير مسمياتها، فمثلاً يقول: كان اسم العلم هذا يطلق على العلم بآيات الله جل وعلا، فصار بعد ذلك يطلق على ما هو أعم من ذلك، فمن تعلم شيئاً ولو مما يتعلق بأمور المجادلة يقال إنه عالم، فصار يطلق على المناظرة والمجادلة اسم العلم، قال: وما كان سلفنا يعرفون هذا.

    وهكذا علم التوحيد، يقول: هذا العلم كان في الأصل عند سلفنا يراد منه العلم الذي يربط القلب بالرب سبحانه وتعالى، بحيث يتوكل الإنسان على الله، وينيب إليه في جميع أحواله، ويبقى متعلقاً به، وضعوه بعد ذلك للمباحث الكلامية، والمناظرات العقيمة التي جرت بين المتكلمين.

    اللفظ الثالث: علم التذكير والموعظة، يقول: كان هذا لترقيق القلوب، ولِسَوْق الناس إلى الآخرة، ولتزهيدهم في الدنيا الفانية، وضع الناس بعد ذلك علم التذكير وأرادوا منه القصص والتسلية، وبعضهم اشتط فملأ المواعظ بالشطحات والدعاوى الفارغة.

    والأمر الرابع الذي بدل أيضاً: يقول: علم الحكمة، ويراد منه علم الحق والعمل به، يقول: وضع الناس بعد ذلك هذا اللفظ على الطبيب، وعلى المنجم، وعلى الشاعر.

    ولا أريد أن أدخل في مناقشة هذه الأسماء وفي الاصطلاحات التي صارت يقال تستعمل لها، على حسب كلام الإمام الغزالي ومن تبعه، عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه.

    إنما الذي يهمني الآن علم الفقه، يقول: علم الفقه كان يبحث في طريق الآخرة، ودقائق آفات النفوس، وفي مفسدات الأعمال، وفي بيان حقارة الدنيا، وفي وجوب التطلع إلى الآخرة، وفي استيلاء الخوف على القلب، بحيث يتعلق الإنسان بالرب سبحانه وتعالى.

    يقول: كان علم الفقه يطلق على هذه المعاني، فغيره بعد ذلك المتأخرون إلى مباحث الطهارة وما يتعلق بالحيض والنفاس والنكاح والطلاق والمبايعات وغير ذلك.

    فعلم الفقه -كما يقول- مما بُدل وغُير فعلم الفقه يراد منه في الأصل علم طرق الآخرة، وكيف يتعلق الإنسان بربه سبحانه وتعالى.

    وهذا الذي قاله إخوتي الكرام الإمام الغزالي ومن تبعه، لا بد من النظر فيه نظراً دقيقاً.

    أما قوله: إن علم التوحيد تغير إلى مباحث كلامية، فهو مصيب في ذلك عند المتأخرين والمتكلمين، وكيف غيروا مباحث توحيد رب العالمين إلى جوهر وعرض وغير ذلك من اصطلاحات فارغة، وهكذا علم الحكمة غُير -كما يقول- إلى علم طب، وإلى المنجم يقال عنه حكيم، وإلى المشعوذ، هذا أيضاً ما لنا وله، والاعتراض في محله، وهكذا لفظ العلم حُول إلى المناظرة والجدال، وهكذا لفظ الموعظة والتذكير هذا العلم حُول إلى قصص فارغة، الاعتراض أيضاً في محله.

    أما أن علم الفقه حُوِّل -على حسب رأي الإمام الغزالي ومن وافقه- من أمور تتعلق بالآخرة إلى هذه المباحث الفقهية، وهي: العبادات، والمعاملات، والحدود، والعقوبات، وقال بعد ذلك: دراسة هذه الأشياء قد تقسي القلب، هذا كلام الإمام الغزالي في الإحياء، يغفر الله لنا وله.

    إخوتي الكرام! حقيقة -كما قلت- لا بد من النظر في كلامه، أما ما ذكره من أن أمور الآخرة ينبغي أن يعتني بها الإنسان، وكان الفقه يطلق عليها، فنقول: هذا ما كان عند أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين، وسيأتينا عند تراجمهم أن قلوبهم كانت معلقة بالله جل وعلا في جميع أحوالهم، وكانت رؤيتهم تذكر بالله جل وعلا، ومجالسهم فيها هذه المباحث، وفيها الخشية من الله سبحانه وتعالى، فيها هذا وفيها هذا.

    فالقول بأن الفقه تغير إلى هذه المباحث فقط ليس كذلك، هذه المباحث تكسب الخشية من الله عز وجل، وكانت خشية الله تصحب هذه المباحث عند أئمتنا كما قلت، ومدارسهم ومجالسهم كلها خشية لله عز وجل, في الزمن القديم، بدءاً من سيدنا أبي حنيفة ومن بعده من الفقهاء الذين تخصصوا في أمور الفقه، وتبعتهم هذه الأمة المباركة المرحومة، وكما قلت: كانوا يعظون بلحظهم وبلفظهم رضوان الله عليهم أجمعين، وإذا خرج الواحد منهم أحياناً عن قانون الأخلاق الإسلامية والآداب الشرعية، وعظوه أبلغ موعظة وزجروه أبلغ زجر.

    استمع مثلاً لما جرى في حلقة سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه من مثال، وكما قلت ما يتعلق بأحواله وأحوال الأئمة الأبرار، سيأتينا بيان هذا إن شاء الله عند تراجم أئمتنا بعون الله وتوفيقه.

    كان من تلاميذ سيدنا أبي حنيفة رضوان الله عليهم أجمعين داود بن نُصير الطائي أبو سليمان، توفي سنة اثنتين وستين ومائة بعد سيدنا أبي حنيفة باثنتين عشرة سنة على حسب رأي الإمام الذهبي، والإمام ابن حجر يقول: توفي سنة ستين أو خمس وستين بعد المائة، كما في التقريب، وقد خرَّج حديثه الإمام النسائي في السنن، وقال عنه الحافظ في التقريب: ثقة فقيه زاهد، وهو من الفقهاء الربانيين رضوان الله عليهم أجمعين، وتعلم وتتلمذ على سيدنا أبي حنيفة في مجلسه، وكما يجري أحياناً من حال الطلاب عندما يتعلمون فقد جرى بينه وبين من بجواره محادثة، فأشار بيده إليه، كأنه يلَوِّح بأنه يهدده، فقال له الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه: يا داود! طال لسانك، وطالت يدك، أين خشيتك من ربك؟! يا داود ! لسانك طال تتكلم، وبعدها تلوح بيدك، أين الخشية من الله عز وجل وأنت في مجلس الفقه؟ هذا الكلام أثر في نفس هذا الإمام الهمام الذي صار من كبار أئمة الإسلام رضوان الله عليهم أجمعين، وكانت الكلمة الواحدة تحيي الفئام من الناس من أفواه أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين.

    وقد ذكر هذه القصة -إخوتي الكرام- كل من ترجم لسيدنا أبي سليمان داود بن نصير ، فقد ذكرها أبو نعيم في الحلية، والخطيب في تاريخ بغداد، وانظروها في السير في الجزء السابع صفحة اثنتين وعشرين وأربعمائة، قالوا: ثم جلس أبو سليمان بعد ذلك سنة كاملة في مجلس أبي حنيفة لا يحرك شفتيه، ولا يتكلم كلمة، كأنه جذع شجرة، حتى مَهَرَ في الفقه، وعلم ما ينفعه في دينه ودنياه، ثم بعد ذلك تفرغ لعبادة مولاه، وصار من أئمة العُبَّاد والزهاد، وهو كما قلت: من الفقهاء الكبار رضوان الله عليهم أجمعين.

    ولما احتضر تأخرت وفاته، فبقي أهل بغداد ثلاثة أيام ينامون بجوار بيته، ويتركون بيوتهم خشية أن يموت هذا العبد الصالح فجأة فلا يعلمون بموته، فلا يشهدون جنازته؛ من حبهم وتعلقهم به رضي الله عنهم أجمعين، وعليه فقد كانت مجالسهم خشية لله وتعلُّم لهذه الأحكام.

    فأخشى أن يقرأ بعض الناس كلام الإمام الغزالي ومن وافقه، ويقول: هذه العلوم كلها قشور، وهي علم مرذول, الأصل أن نعلق القلب بالرب سبحانه وتعالى.. كيف؟ على حسب شرع الشيطان لا على حسب شرع الرحمن؟! لا يا عبد الله! انتبه لنفسك واحذر من هذا المسلك.

    شمول علم الفقه للأحكام العملية وما يتعلق بالوعظ وأعمال القلوب

    فهذا العلم كان يلقى كما قلت بطريقة الخشية، وفيه آيات، وأحاديث، ومواعظ، ورقاق، لكن بعد ذلك جُرِّدت الكتب، فالمباحث الفقهية جعلت في كتب خاصة بها، ومباحث التوحيد في كتب خاصة بها، ومباحث الوعظ والتذكير في كتب خاصة بها، لكن -كما قلت- كان أئمتنا عند التعليم يمزجون الفقه بأمور الوعظ والرقاق، ويذكرون الناس بالخشية من ربهم سبحانه وتعالى.

    هذا لا بد -إخوتي الكرام- من وعيه، إنما جُرِّدت هذه المباحث -كما قلت- بعد ذلك فصار هناك اختصاص في هذه العلوم، وتمييز لبعضها عن بعض، فوُضع علم الفقه الذي يبحث في ثلاثة أمور: في العبادات، وفي المعاملات، وفي الحدود والعقوبات في كتب مستقلة، أما بعد ذلك التعلق بالآخرة، والتعلق بالله، والزهد في الدنيا، والتطلع إلى ما عند الله، فهذا لا بد منه، وهو روح الأعمال ولبها.

    فالأعمال الشرعية هي بمثابة البدن، وقصد وجه الله فيها هذا بمثابة الروح، فروح من غير بدن لا ينتفع بها، فلا بد -إخوتي الكرام- من روح مع بدن، ولذلك من اعتدى على بدنه فقد عطل روحه، من قطع رقبته، من نحر نفسه، من انتحر عطل روحه عندما أخرجها من بدنه، وهكذا عندما يصلي صلاة على غير شرع الله، وقال: أنا أريد وجه الله، فإنها لا تقبل، لأنها روح من غير عمل، روح من غير بدن، ولا بد لكل عمل حتى يقبل من أمرين اثنين: أن تريد به وجه الله، وأن تتبع رسول الله عليه الصلاة والسلام، تتبع شرع الله، وأما أن تصلي على حسب رأيك، وأن تبيع على حسب مزاجك، ثم بعد ذلك تقول: أنا أريد وجه الله، وقلبي متعلق بالله.. لا يا أيها الإنسان! أنت مخطئ، فلا بد من أن تعبد الله جل وعلا كما يريد لا كما تريد أنت.

    فهذه المباحث ينبغي أن تُمزج -كما قلت- بالتذكير، والتعلق بالله الجليل، والإنابة إلى دار الخلود، والزهد في دار الغرور، لكن لا بد بعد ذلك من أن تُفصل، وأن تكون في كتب خاصة، فمن أراد أن يعرف أركان الصلاة، وشروط الصلاة، وسنن الصلاة، وهكذا بقية الأمور، فعليه بكتب الفقه، ومن أراد غيرها فليطلبها في مظانها، وعليه فإن هذا العلم لم يغير.

    علم الفقه يراد منه كيف يتعامل الناس في هذه الحياة مع أنفسهم، ومع بعضهم، ومع ربهم سبحانه وتعالى، بعباداتهم، ومعاملاتهم، وما يترتب بعد ذلك على تصرفاتهم إذا جاوزوا حدود الله من حدود وعقوبات، هذا لا بد من وعيه وضبطه، وأما أن يقال: هذا العلم غُيِّر إلى هذه المباحث، فإنه لم يغير.

    إطلاق علم الفقه على ما يتعلق بالعبادات والمعاملات والعقوبات عند السلف

    وهذا العلم هو الذي كان يطلق عليه هذا الاسم من عهد سلفنا، فسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان -كما تقدم معنا- فقيه الصحابة، كان هو أكثر الصحابة فتيا، وأما موضوع أمور الآخرة فلعل سيدنا أبا ذر رضي الله عنه أكثر زهداً منه في هذه الحياة، (لعل)، وهو أصدق هذه الأمة لهجة، ما لنا ولهذا إخوتي الكرام، جانب يثاب عليه رضي الله عنه وأرضاه، أما فيما يتعلق بعد ذلك بنشر الدين، وبيان أحكام المكلفين، أين أثر سيدنا أبي ذر من أثر سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، الذي قال له نبينا عليه الصلاة والسلام كما تقدم معنا في الحديث الرابع: (اللهم فقهه في الدين)، وقلت: إنه قد جمع بعض أئمتنا في القرن الثالث عشرين مجلداً من فتاوى سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وهو أكثر الصحابة فتيا على الإطلاق, هذا لا بد من وعيه، فتيا في أي شيء؟ في أمور الزهد والرقائق؟ لا؛ بل في أمور الأحكام العملية، في العبادات، في المعاملات، فيما يتعلق بعد ذلك بالحدود والعقوبات، وأحكام تترتب على الإنسان إذا خرج عن شرع الرحمن، فهذا هو علم الفقه، وحقيقة ما تغير مدلوله عما كان عليه في زمن سلفنا.

    نعم، إذا وُجد بعد ذلك فقهاء ثرثارون لا يتقون الحي القيوم, همهم أن يتعلموا بعض المسائل ليجادلوا بها، أو ليتأكلوا بها، أو ليحرفوا دين الله عن مواضعه، أو ليشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، وترى شكل الإنسان كالشيطان لا يخشى الرحمن، ولا يلتزم بأحكام الإسلام، وهو مع ذلك فقيه اللسان، ما لنا ولهذا! هذا أمرين، وهذا هو الذي تبدل، هذا بإمكانه أن يحفظ الأخبار الزهدية وهو في هذه الحالة الردية.

    تساهل كثير ممن يدعون العلم والفقه في أمور هي من صميم الدين والفقه

    إذاً: الأشخاص هم الذين تبدلوا أما علم الفقه فما تبدل إخوتي الكرام، موضوعه هو هو، أما أنه -كما قلت- يبحث فيه موضوع الخشية، وينبغي أن يمزج، لا بد من ذلك، وأئمتنا يبحثون هذا، وأحكام الفقه كلها تؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وإذا لم تكن الخشية في الكتاب وفي السنة فأين ستكون؟! فهذا العلم في الحقيقة ما غُيِّر مدلوله، وما يدل عليه هذا الاسم الشريف لا زال كما كان في زمن الصحابة الكرام، وهم فهموا من معنى الفقه ما عرفه أئمتنا العلم بأحكام الشريعة التي طريقها الاجتهاد من أدلتها التفصيلية، وهذا هو الذي دعا به نبينا خير البرية عليه الصلاة والسلام لسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (اللهم فقهه في الدين).

    وأما بعد ذلك أن يقول الإنسان: أنا متعلق بالآخرة، كما يوجد من يعبد نفسه، وشيطانه، وهواه، وهو يظن أنه يعبد ربه، فلا، فلا بد من وضع الأمر في موضعه.

    اجتمعت مرة مع بعض الزائغين ممن ينتسبون إلى الطرق الصوفية، ووالله -يا إخوتي الكرام- إذا قلت لا يعرف أحكام الطهارة فضلاً عن أمور الصلاة فلم أبالغ، والرجل ضمني معه مجلس، فبعض الناس أراد أن يشرب السجاير التي انتشرت في كل مكان في بلاد الشام.

    فقلت: يا عبد الله! أرجو في هذا المجلس ألا تدخن، وأمر ثانٍ: هذا التدخين من باب النصح امتنع عنه في كل حين؛ لأنه معصية لرب العالمين، فقال: ما أستطيع أن أصبر، يعني لا بد من أن أدخن، فقلت: إذا أبيت سوف نفارق المجلس، إذا أنت مصر على التدخين وتريد أن تخنقنا بدخانك فسوف نخرج، فانبرى ذاك الذي هو بدرجة شيخ طريقة، ليس هو من الـمُريدين، بل هو شيخ، فقال: يا شيخ! الأصل في الأشياء الإباحة، وأنت لمَ تعترض؟

    قلت: هذا حرام، انظر لفلسفته التي يتدارسها الناس هي أيضاً في ذهنه، قال: إن كان حراماً حرقناه، وإن كان حلالاً شربناه.

    قلت: أما تخشى أن يحرقك الرحمن، هذا ستحرقه بفلوس تشتريها، وتؤذي نفسك وتحرق نفسك، ثم بعد ذلك تتفلسف بهذه الفلسفة، إن كان حراماً حرقناه، وإن كان حلالاً شربناه! هذا ما يقوله بعض السفهاء، يقوله الناس في كل مكان، وهذا السفية يقول هذا الكلام أيضاً، وهو -كما قلت- بدرجة شيخ طريقة، فنفوض أمرنا إلى ربنا.

    ودُعيت مرة إلى وليمة أيضاً في بلاد الشام، وحضرها أيضاً بعض شيوخ الطرق الكبار، ولما دخلنا إلى بيته مع تلاميذه ومُريديه -على تعبيرهم- وجدنا جدران البيت ممتلئة بالصور، والطعام في الحجرة التي فيها الصور، وكنا في مجلس ليس فيه صور نشرب القهوة والشاي، فلما قالوا: تفضلوا إلى الطعام، جئنا إلى غرفة ممتلئة الجدران بالصور، فقلت: لا يجوز أن نأكل، هذا مكان لا تشهده الملائكة، فإما أن ترفع الصور وإما أن نخرج، فانبرى ذاك الشيطان الثاني وهو شيخ طريقة أخرى، وقال: يا شيخ! إذا كان القلب مع الله لا يضرك.

    يا عبد الله! كيف لا يضرنا!! ملائكة الله الكرام لا تحضر، وهذا مكان فيه معصية للرحمن، لا يجوز أن نحضر هنا، وأنت تقول: لا يضرك! قال: إذا كان القلب مع الله لا يضر!! على كل حال قلت للحاضر صاحب البيت: لا خيار لك في الأمر، إما أن تنزع الصور، وإما أن نخرج، وبعد هذا لا يمكن أن نجلس على هذا بحال من الأحوال، يجلس هؤلاء ويأكلون هم وما يريدون، فقام بعد ذلك وقال -على تعبيرهم-: من أجل الشيخ ننزل هذه الصور، وبعدها يعيدونها أو لا العلم عند الرحمن, لكن ما بدأت يعلم الله بالأكل حتى ما بقيت صورة على الجدران.

    فهذا لا بد من وعيه إخوتي الكرام، وأما أن الإنسان يتساهل في هذه الأمور فهذا لا يحل ولا يجوز، وتساهله دليل على أنه عاصٍ، أما أن يأتي ليبرر بعد ذلك، وأن القلب إذا كان معلقاً بالله لا يضر، فهذا لا يصح بحال من الأحوال.

    اجتمعت مرة مع بعض الناس ممن يدرس التربية الإسلامية أيضاً في بلاد الشام، ويدرس في المرحلة الثانوية، قال لي: إنه سأله الطلاب في السنة الثالثة الثانوية في الثانوية الصناعية، وقالوا له: يا أستاذ! لو شك الإنسان في صلاته في صلاة الظهر فلم يدرِ أربعاً صلى أو خمساً أو ثلاثاً ماذا يعمل؟ فقال: صلاته باطلة، يسلم ويعيد الصلاة من جديد، قالوا: لو شك في الصلاة التي يعيدها، قال: أيضاً يعيدها.

    فجاء يقول لي: ما رأيك هذا صواب أو خطأ؟ وهو مدرس تربية إسلامية، فقلت له: يا رجل! مبحث سجود السهو ما مر معك في حياتك؟ قال: يا شيخ؟ أنا عندي مبدأ أنطلق منه، مبدأ أساس في حياتي، قلت: ما هو؟ قال: الصلاة ينبغي أن يكون فيها حضور وخشية من العزيز الغفور، فإذا ما حضر ولا خشع دل على أن صلاته باطلة، خَلاص يعيد الصلاة، قلت: لكن شُرع لهذا جبر، وأنت ستلغي صلاة بناء على رأيك، وقد شُرع لنا مرغمتان نرغم بهما الشيطان، نسجد سجدتي السهو، فيعفى عنا ما طرأ علينا، ونرغم الشيطان بهاتين السجدتين.

    قال: أنا هذا مبدئي، بما أنه ما حضر قلبه في الصلاة، فالصلاة باطلة. هذا يعبد الله أو يعبد الشيطان؟! إخوتي الكرام! لا بد من وعي هذه الأمور.

    فالقول بأن اسم الفقه تغير ومدلوله بُدل، ليس كذلك، فالفقه في الحقيقة لا بد منه، وهو أصل العلوم، كما قال الإمام ابن الجوزي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه لفتة الكبد إلى نصيحة الولد، لكن كيف تنازل عن هذا التعبير في منهاج القاصدين، لأنه تبع الإمام الغزالي فاختصر هو الإحياء في منهاج القاصدين، فتبعه على كلامه، وهو مخطئ، فيتبع من أخطأ في أول الأمر، والله يغفر لنا ولهم.

    ينقل الإمام ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر صفحة اثنتين وعشرين ومائة، عن شيخه الإمام الثقة العابد الزاهد الورع إمام الحنابلة في زمانه، وعليه درس الإمام ابن الجوزي الفقه الحنبلي، وقبل ذلك كلام الله القوي القرآن الكريم، درس عليه القرآن والفقه الحنبلي، وكان معيداً في مدرسة أبي حكيم للإمام أبي حكيم وهو إبراهيم بن دينار رضي الله عنه وأرضاه، توفي سنة ست وخمسين وخمسمائة، وخلفه الإمام ابن الجوزي عميداً على المدرسة وشيخاً لها بعد موته، وكان إمام الحنابلة في زمانه، وما أخذ أجرة ولا راتباً ولا عطاء من الدولة، وكان يشتغل بمهنة الخياطة، وإذا خاط ثوباً فأعطاه صاحب الثوب أجرة يأخذ ما يقدر أجرة على حسب عمله ويرد الباقي، فيقول له: أنت تستحق أكثر خذ أكثر، فيقول: لا، عملي ما يستحق أكثر من ذلك، الجهد الذي بذلته يستحق حبتين -عملة كانت تستعمل عندهم- لا آخذ أكثر من هذا، رضي الله عنه وأرضاه، وهو إمام الحنابلة في زمانه أبو حكيم إبراهيم بن دينار، انظروا ترجمته الطيبة في السير في الجزء العشرين صفحة ست وتسعين وثلاثمائة، وترجمه الإمام ابن الجوزي في المنتظم في الجزء العاشر صفحة إحدى ومائتين، وأورده في كتابه المشيخة مشيخة الإمام ابن الجوزي، في صفحة واحدة وتسعين ومائة، وفي مناقب الإمام أحمد ، فهو من تلاميذه الكبار، صفحة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وانظروا ترجمته في الذيل على طبقات الحنابلة للإمام ابن رجب في الجزء الأول صفحة أربعين ومائتين.

    قال عنه الإمام الذهبي: كان إماماً زاهداً ورعاً خيراً حليماً، إليه المنتهى في الفقه والفرائض، أما حلمه فحقيقة ما وُجد في زمنه أحلم منه، وكان يجتهد الناس على أن يغضبوه ليتمعر وجهه، أو لينطق لسانه بكلمة شديدة، فما جرى منه هذا، لا تغير في وجهه ولا شدة في كلامه رضي الله عنه وأرضاه.

    ينقل عنه الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر، قال: كان في بغداد شيخ يُزار ويُتبرك به من الصالحين، من النُّساك، من العُبَّاد، على تعبير الإمام الغزالي ، يعني: ممن يتوجهون إلى الآخرة ويعرفون طريقها وتعلقت قلوبهم بربهم، استمع:

    شيخ يُزار، ويُتبرك به، حضر عنده أبو حكيم إبراهيم بن دينار، فسئل هذا الشيخ في المجلس: إذا ولدت المطلقة ثلاثاً ولداً ذكراً، هل تحل لزوجها الأول؟ يعني: طلقها ثلاثاً، لكن ولدت ولداً ذكراً، والولد الذكر له شأن، يعني لو ولدت أنثى لا تحل، لكن إن ولدت ولداً ذكراً فإنها تحل لزوجها الأول! الطلقات تُلغى وتعود إليه، فسكت هذا الشيخ الزاهد الذي يُتبرك به، وقال: ما تقول يا أبا حكيم؟ قال: سبحان الله! لا تحل، سواء ولدت ذكراً أو أنثى، قال: والله لقد أفتيت بأنها تحل لزوجها من بغداد إلى البصرة، أهل البصرة كلهم ينقلون عني هذه الفُتيا، أن المطلقة ثلاثاً إذا ولدت ذكراً حلت لزوجها الأول، والطلقات تنتهي!!

    سبحان الله! شيخ عابد زاهد يُتبرك به، لا يعرف حكماً من أحكام الطلاق، هذا أمر عجيب حقيقة إخوتي الكرام!

    ونقل عنه قصة ثانية في نفس الكتاب في صيد الخاطر، قال: جاءت امرأة مطلقة إلى شيخ زاهد عابد، يُتبرك به أيضاً، فقالت له: إنها طُلقت، وخطبها إنسان، فهل تحل للزوج الثاني؟ قال: تحلين، وعقد الزوجة للخطيب الثاني وهي مطلقة من الأول، ثم تبين أنه ما انتهت العدة ولا سأل عن انتهاء العدة, فلما علم القضاء الشرعي فسخ النكاح، وأدب الزوج، واستدعى هذا العابد، كيف قلت هذا؟ قال: هذا علمي، فقالت له المرأة: أنت خدعتني، قال: أنت طاهرة مطهرة، ما عليك شيء.

    هذا فقيه!! يا إخوتي الكرام ماذا استفاد من العبادة عندما أضل الناس عن طريق الآخرة؟! فلا بد من وعي هذا، لابد أن يتعلم العبد، ولا بد أن يخشى ربه، والخشية ثمرة العلم، أما أن يدعي خشية الله وهو يتكلم ويفتي بلا علم فلا ثم لا، هذا يعبد نفسه وهواه وشيطانه ولا يعبد ربه.

    وقد ذكر الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر أيضاً قصتين بعد القصتين الماضيتين، عن غير شيخه أبي حكيم، القصة الثالثة: قال: حدثني بعض الفقهاء عن بعض العبَّاد أنه قال له: منذ أربعين سنة لا أصلي صلاة إلا وأنا أسجد سجدتي السهو قبل أن أسلم، قال: لمَ؟ قال: أحتاط لديني، قال: صلاتك باطلة من أربعين سنة؛ لأنك زدت سجوداً في غير محله، تلاعبت في الصلاة! من أربعين سنة لا يصلي صلاة إلا ويسجد، قال: لمَ؟ يعني: تسهو، فإذا كنت تسهو من أربعين سنة إلى الآن ما استحضرت في يوم من الأيام صلاة فأنت معذور ماذا تعمل، قال: لا، ما عندي سهو، لكن أحتاط في آخر ركعة من باب الاحتياط أسجد سجدتين للسهو، قال: صلاتك باطلة من أربعين سنة وأنت لا تدري! وهذا من العبَّاد! حقيقة هذه من البلايا والرزايا.

    وقصة ثانية عن الإمام ابن الجوزي عن إنسان عاصره يحكي عنه، وهو من العبَّاد أيضاً، قال: عاهد الله على شيء ثم نقضه وما استطاع أن يفي به، فعاقب نفسه بأن يمتنع عن الطعام والشراب أربعين يوماً, فمضت العشرة الأولى، والعشرة الثانية، والعشر الثالثة، وهو طريح لا يستطيع أن يتحرك في العشرة الثالثة، أما في العشرة الرابعة فأشرف على الموت وما عاد النفس يتحرك في صدره! وليت الذين هم حوله فعلوا قبل أن يصل إلى المرحلة الأخيرة، فصبوا الماء في فمه ليدخل إلى جوفه، فسمعوا قرقعة كأنها شمل بالية، ومات مباشرة عندما وصل الماء إلى جوفه، أمَا قتل نفسه؟ أما انتحر؟ وهو يظن أنه يتقرب إلى الله عز وجل. وكم من إنسان يفعل هذا وهو على جهل.

    ضرورة المزج بين علم الفقه وبين علم القلوب والرقائق وسير الصالحين

    علم الفقه حقيقة ما بُدل -كما قلت- موضوعه، والذي كان يشمله هذا العلم في عهد سلفنا هو الذي يدل عليه في حياتنا، لكن لا بد من أن يصحب هذا العلم خشية من العليم سبحانه وتعالى.

    ولذلك كان الإمام ابن الجوزي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، يُوصي بمزج علم الفقه بترقيق القلب، بما يرقق القلب، وبشيء من ذكر الله جل وعلا، ومن فضل المجاهدة، ومن ومن، هذا لا بد من ذكره ضمن مباحث علم الفقه، وسيأتينا إن شاء الله هذا عند دراستنا لمباحث الفقه بعون الله ربنا وتوفيقه.

    والإمام ابن الجوزي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يخبر عن نفسه في صيد الخاطر، صفحة واحد وأربعين ومائة، يقول: مع ما للذكر من لذة، ومع ما للمجاهدة من أثر على النفس، ولها شأن مع ذلك، يقول: فالعلم أفضل وأقوى حجة، أما أنه ينصرف إلى مجرد أذكار وأوراد وعبادات يقوم بها دون أن يتعلم فلا.

    فالعلم أفضل وأقوى حجة، ويقول في كتابه لفتة الكَبَد صفحة خمس وأربعين: الفقه أصل العلوم، والتذكير حلواؤها وأعمها نفعاً، وذكر في صفحة سبع وتسعين ومائة من كتابه صيد الخاطر، كلاماً موجزاً محكماً في حدود نصف صفحة، استمعوا إليه إخوتي الكرام:

    يقول: وجوب مزج الفقه والحديث بالرقائق وسير الصالحين. وإنما أقرأ هذا لأن عدداً من الإخوة الكرام أبدوا اعتراضات في عدد من المناسبات، قالوا: أحياناً تكون في مبحث حديث في مبحث فقه في مبحث تفسير، فإذا ذكرت إنساناً تذكر شيئاً من ترجمته وأحواله، وكذا، أقول: يا عبد الله! هذه مثل الحلوى مع الطعام لا بد منها، وإلا فإن الأمور سوف تبقى أموراً علمية، وكلها كما يقال: جد وجهد، فدعنا نأخذ -كما يقال- مرحلة في تنشيط نفوسنا، وشحذ عزائمنا، فإذا ترجمنا مثلاً للإمام مبارك جاء معنا، وذكرت بعض القصص الطريفة من أحواله، ماذا جرى، يعني أنت يضيق صدرك لمَ؟

    فاستمع لما يقول الإمام ابن الجوزي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، يقول: رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين، فأما مجرد العلم بالحلال فليس له كبير عمل في رقة القلب، وإنما ترق القلوب بذكر رقائق الحديث، وأخبار السلف الصالحين؛ لأنهم تناولوا مقصود النقل -يعني العلوم المنقولة- وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها، وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق، لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي، وتفسير الأجزاء، وجمهور الفقهاء في علوم الجدل وما يُغلب به الخصم، وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء؟!

    وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه، لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه هديه وسمته، فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا، ليكون سبباً لرقة قلبك، وقد جمعت لكل واحد من مشاهير الأخيار كتاباً فيه أخباره وآدابه، فجمعت كتاباً في أخبار الحسن -يريد سيدنا الحسن البصري رضي الله عنه وأرضاه، الذي كان أفصح الناس في زمنه، بسبب ما در عليه ثدي أمنا أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها زوج نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فقد كانت أحياناً تعطيه ثديها وهو صغير فقيل درَّ عليه شيء من اللبن بعد وفاة نبينا المكرم عليه صلوات الله وسلامه، فتلك الفصاحة والحكمة والبلاغة من أثر ذلك اللبن المبارك، واللبن للفحل، لسيد الفحول نبينا الرسول، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    يقول: فجمعت كتاباً في أخبار الحسن، وكتابا في أخبار سفيان الثوري رضي الله عنهم أجمعين، وإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي وأحمد بن حنبل ومعروف الكرخي ، وغيرهم من العلماء والزهاد، والله الموفق للمقصود، ولا يصلح العمل مع قلة العلم -انتبه لهذا- ولا يصلح العمل مع قلة العلم، فهما في ضرب المثل كسائق وقائد، والنفس بينهما حرون، ومع جد السائق والقائد ينقطع المنزل -منازل السفر- ونعوذ بالله من الفتور.

    هذا كلام الإمام ابن الجوزي وأنا أقول أيضاً مع هذه الكتب التي صنفها في تراجم بعض الزهاد والعباد: له كتاب في أربع مجلدات، وهو صفوة الصفوة في أخبار صالحي هذه الأمة المباركة، بدأ بسيد الصالحين نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ثم بالعشرة المبشرين بالجنة، ثم بزهاد الصحابة وعبادهم إلى الزهاد في زمنه، والعلماء العاملين رضوان الله عليهم أجمعين.

    هذا فيما يتعلق بالتنبيه الأول -إخوتي الكرام- وهو منزلة الفقه التي مرت معنا، فلا يعكر عليها كلام الإمام الغزالي ، وهو أن هذا الاسم وُضع في غير محله، وبدأ يطلق على علم الطهارة، وعلم الحيض، وعلم النفاس، وعلم الطلاق، وعلم الظهار، وعلم النكاح، فهذا لا بد منه، وإلا كيف سينكح الإنسان؟ وكيف سيطلق؟ كيف سيعيش؟ تريد أن يعيش الناس مع نسائهم وأزواجهم على حسب الحرام؟! وماذا تنفعه أوراده وعباداته إذا كانت ذريته نجسة، وصلته بزوجته محرمة؟! وكم من إنسان تراه عابداً زاهداً ورعاً، وزوجته بائنة منه من زمن وهو يعاشرها على طريق الحرام وهو لا يدري! هذا ما نفعته عبادته، فلا بد -إخوتي الكرام- من وعي هذا الأمر.

    نعم، يوصى طلبة علم الفقه بأن يسيروا على طريقة الفقهاء المتقدمين، وسيأتينا تراجم الفقهاء الأربعة، وكما قال سيدنا الإمام الشافعي: ما أحد أورع لخالقه من الفقهاء.

    ستأتينا عباداتهم، واجتهاداتهم في طاعة الله عز وجل، فهذا لا بد أن يوصي بعضنا بعضاً به، أما أن نقول: إن علم الفقه تبدل، وكان يطلق على موضوع الزهد، وأمور الرقائق، والتعلق بالآخرة، ووضعوه بعد ذلك على العبادات والمعاملات والحدود والعقوبات، فلا ثم لا، علم الفقه هذا هو مدلوله منذ أن أُشير إليه في كلام نبينا عليه الصلاة والسلام: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، وأما أنه انحرف من انحرف فهذا الانحراف يكون حتى فيمن يتعلمون العلوم الأخرى، فقد يتعلم علم الزهد والرقائق، وتراه شيطاناً مريداً بعد ذلك، فهذا موضوع آخر.

    فينبغي أن نوصي أنفسنا، وأن يوصي بعضنا بعضاً عندما نتعلم علم الفقه: أن نعمل بهذا العلم، وبعد ذلك نتذكر أحوال نبينا عليه الصلاة والسلام في عبادته، وورعه، وجده، واجتهاده، وأحوال الصالحين لنقتدي بهم رضي الله عنهم وأرضاهم.

    نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، والحمد لله رب العالمين.