إسلام ويب

مقدمة في الفقه - فقيه الصحابة [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عبد الله بن عباس رضي الله عنه هو حبر هذه الأمة، وبحرها، وعالمها، وربانيها، بذلك وردت الآثار الصحيحة، وما ذاك إلا لغزارة علمه وفقهه في الدين رضي لله عنه، وقد جمع إلى العلم العمل به، والخشية من الله تعالى والخوف منه، والاستعداد للقائه، كما ظهرت الحكمة وتفجرت على لسانه توجيهاً وتعليماً ونصحاً ووعظاً.. وهذه هي حقيقة العلم النافع في الدنيا والآخرة.

    1.   

    عبد الله بن عباس حبر هذه الأمة وذكر الروايات الواردة في ذلك

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    إخواني الكرام! لقد كان سيدنا عبد الله بن عباس يُنعت بين الصحابة الأكياس رضوان الله عليهم أجمعين: بالحَبْر، فهو حبر الأمة، كما هو بحرها، كما هو فقيهها، كما هو مفسرها رضي الله عنه وأرضاه، روى الإمام ابن سعد في الطبقات في الجزء الثاني صفحة إحدى وسبعين وثلاثمائة عن محمد بن أبي بن كعب رضي الله عنهم أجمعين، قال: كان عبد الله بن عباس عند أبي بن كعب -أبي المنذر سيد القراء- فلما قام قال أبي بن كعب رضي الله عنهم أجمعين: هذا يكون حبر هذه الأمة. هذا نهاية أمره أن يكون حبر الأمة وشيخها وعالمها وفقيهها، ستلجأ إليه وترجع إليه، هذا يكون حبر هذه الأمة، أرى عقلاً وفهماً، وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يفقهه الله في الدين، والعلامة: الذكاء والنجابة والألمعية لا تخفى في هذا العبد الصالح، كل ذرة من ذراته تشير إلى إشراق مستقبله، أرى ذكاء وفهماً، أرى عقلاً وفهماً، وقد دعا له رسول الله عليه الصلاة والسلام بأن يفقهه الله في الدين، هذا سيكون حبر هذه الأمة.

    وقال محمد بن علي رضي الله عنه وأرضاه -وقد يخطئ بعض الناس فيظن أنه الإمام محمد بن علي الباقر ، مع أنه هنا ابن سيدنا علي الإمام محمد بن الحنفية، ولذلك في المستدرك ذكر الأثر في موطنين، مرة قال: محمد بن علي، ومرة قال: محمد بن الحنفية، وهذا هو هذا، وفي بعض الكتب محمد بن الحنفية وهو ابن سيدنا علي رضي الله عنهم أجمعين، وينسب إلى أمه من باب التفريق بينه وبين أولاد سيدتنا فاطمة رضي الله عنهم أجمعين- قال محمد بن علي لما توفي سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين -وهو الذي صلى عليه في الطائف- : (كان عبد الله بن عباس حبر هذه الأمة).

    وأثره في حلية الأولياء في الجزء الأول صفحة تسع عشرة وثلاثمائة، وهو أيضاً في مستدرك الحاكم كما ذكرت لكم: (كان حبر هذه الأمة) وبذلك نعته تلميذه مجاهد بن جبر رضي الله عنهم أجمعين كما في المستدرك في الجزء الثالث صفحة خمس وثلاثين وثلاثمائة، قال مجاهد بن جبر: (ما رأيت مثل عبد الله بن عباس قط، رضي الله عنهم أجمعين، ولقد مات يوم مات وهو حبر هذه الأمة).

    وهذه الجملة -أنه حبر هذه الأمة- رُويت مرفوعة إلى نبينا عليه الصلاة والسلام كما تقدم معنا، وجملة: (نعم ترجمان القرآن) أيضاً رُويت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وتناقلها الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان، وهكذا هذه الجملة (حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس ) و(لكل أمة حبر وحبر هذه الأمة عبد الله بن عباس ) (حبر هذه الأمة أنت).

    هذا أيضاً رُوي عن نبينا عليه الصلاة والسلام من طريقين اثنين، في أحد الطريقين كلام، والآخر فيما يبدو لي لا كلام فيه، اعترض فيه على راو، والإمام أبو نعيم قال عنه: ثقة مأمون، وعليه فظاهر الإسناد سليم نظيف والعلم عند الله جل وعلا.

    رواية: (وحبر هذه الأمة عبد الله بن عباس) والكلام عليها

    أما الأثر الأول: فقد رواه الحاكم في المستدرك في الجزء الثالث صفحة خمس وثلاثين وخمسمائة عند المكان المشار إليه آنفاً عند أثر سيدنا مجاهد، ولفظ الحديث من وراية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أرأف أمتي بها أبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه- وأصلبها في أمر الله عمر، وأشدها حياء عثمان، وأقرؤها أبي بن كعب، وأفرضها زيد بن ثابت، وأقضاها علي بن أبي طالب، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأصدقها لهجة أبو ذر، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح ، وحبر هذه الأمة عبد الله بن عباس) والحديث كما قلت من رواية سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

    قال الحاكم في مستدركه: هذا حديث صحيح الإسناد، وتعقبه الإمام الذهبي -والحق معه- فقال: قلت: فيه كوثر بن حكيم، الراوي عن عطاء عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، فيه كوثر بن حكيم ، ساقط، هذا في تلخيص المستدرك، وقال في السير في الجزء الثالث صفحة تسع وسبعين وثلاثمائة: كوثر بن حكيم واهٍ، وقال في المغنى في الضعفاء صفحة أربع ثلاثين وخمسمائة من المجلد الثاني: تركوا حديثه، وله عجائب.

    وأصل الحديث -إخوتي الكرام- ثابت صحيح دون العاشر، وهو سيدنا عبد الله بن عباس الذي هو محل الشاهد، أما أصل الحديث فثابت صحيح، وتقدم معنا في دروس الفرائض لكن من رواية سيدنا أنس رضي الله عنه وأرضاه، وهنا من رواية ابن عمر، فأصل الحديث تقدم معنا وفيه هؤلاء التسعة لكن من رواية سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين، وهو في المسند وسنن الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه الإمام ابن ماجه في سننه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبي، والحديث رواه الإمام أبو داود الطيالسي والطحاوي في مشكل الآثار، كما رواه البيهقي في السنن الكبرى وأبو نعيم في الحلية، وكما قلت: صححه الترمذي والحاكم وأقره الذهبي ، وقال الذهبي في السير في الجزء الرابع صفحة أربع وسبعين وأربعمائة: هذا حديث حسن صحيح.

    ولفظ الحديث كما تقدم معنا من رواية سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: (أرحم أمتي)، وهنا: (أرأف أمتي)، (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر)، وهنا (أصلبها)، (وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي -رضي الله عنهم أجمعين- وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح وما أظلت الغبراء ولا أقلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر، أشبه عيسى بن مريم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه في زهده وورعه، فقال سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه: أنعرف ذلك له يا رسول الله؟ قال: نعم، اعرفوا له ذلك)، هؤلاء تسعة، وما ذكر معهم حبر هذه الأمة سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، ولفظة (وأقضاهم علي ) وردت في رواية في صحيح ابن حبان فقط، ولم ترد في رواية سنن الترمذي وغير ذلك من الروايات، إنما هو في صحيح ابن حبان ، وتقدم معنا كلام الإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمات ربنا.

    قال في مجموع الفتاوى في الجزء الرابع صفحة ثمان وأربعمائة: لم يروِ هذه الجملة: (أقضاهم علي ) أحد من أصحاب الكتب الستة -الكلام إلى هنا مقبول- ولا أحد من أهل المسانيد المشهورة، لا الإمام أحمد ولا غيره، بإسناد صحيح ولا ضعيف، إنما يُروى من طريق من هو معروف بالكذب. وهذا الكلام مردود آخره كما تقدم معنا وقلت: إن الحديث صحيح في صحيح ابن حبان: (وأقضاهم علي رضي الله عنه وأرضاه).

    وقال في مجموع الفتاوى أيضاً في الجزء الحادي والثلاثين صفحة اثنتين وأربعين وثلاثمائة عن الحديث بكامله: ضعيف لا أصل له فيما يتعلق بـزيد بن ثابت، ولم يكن معروفاً على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام بالفرائض. أقول: أما وجود زيد في سائر الروايات وأنه أفرض هذه الأمة، فهذا صحيح ثابت ثبوت الشمس في رابعة النهار، والإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمات رب البرية أخطأ في حكمه على هذا الحديث -كما قلت- بالضعف في حق سيدنا زيد بن ثابت ، وفي قوله: وما كان معروفاً بالفرائض! إذ كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقول: (أفرضهم زيد)، فكيف يقول: لم يكن معروفاً بالفرائض والحديث يرد في فضله في هذه المسألة وهذا العلم؟!

    وأما فيما يتعلق بسيدنا علي رضي الله عنهم أجمعين فقلت: إن الحديث أيضاً صحيح ثابت في صحيح ابن حبان، أصله ثابت من رواية سيدنا أنس رضي الله عنه وأرضاه، ورُوي أيضاً من رواية ابن عمر كما في المستدرك، وليس فيه أيضاً: (حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس )، فقد رواه الإمام أبو يعلى وابن عساكر في تاريخه كما في جمع الجوامع في الجزء الأول صفحة ست وتسعين باللفظ المتقدم: (أرأف أمتي بأمتي أبو بكر)، كما في رواية ابن عمر المتقدمة التي رواها الحاكم، لكن ليس فيه العاشر: (حبر هذه الأمة ابن عباس )، ورواه ابن النجار أيضاً في تاريخه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين دون ذكر سيدنا عبد الله بن عباس ، ورُوي -كما قلت- في المستدرك بسند حوله كلام لوجود كوثر بن حكيم.

    رواية: (إنه كائن حبر هذه الأمة) والكلام عليها

    الرواية الثانية رواها الإمام أبو نعيم في الحلية في الجزء الأول صفحة ست عشرة وثلاثمائة عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: ( انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل على نبينا وأنبياء الله وملائكته صلوات الله وسلامه، فقال جبريل لنبينا الجليل عليهما صلوات الله وسلامه: من هذا؟ قال: ابن عمي عبد الله بن عباس ، قال: إنه كائن هذا حبر هذه الأمة، فاستوص به خيراً )، يعني اعتنى به ووجهه توجيهاً سديداً. وتقدم معنا عندما دعا له نبينا عليه الصلاة والسلام بأن يفقهه الله في الدين، وأن يعلمه التأويل، وكان من نصحه وإرشاده ووصيته له أن قال له: (يا غلام! إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك)، وهنا كذلك: (إنه كائنٌ هذا حبر هذه الأمة فاستوصى به خيراً).

    والحديث -كما قلت- في الحلية، قال عنه الإمام الذهبي في السير في الجزء الثالث صفحة تسع وثلاثين وثلاثمائة: هذا حديث منكر تفرد به سعدان بن جعفر، طيب لمَ؟ سعدان بن جعفر قال عنه الإمام أبو نعيم في الحلية: ثقة أمين. طيب لمَ تحكم عليه بالنكارة، يعني ما وجه النكارة لتفرد سعدان بن جعفر ؟ سعدان بن جعفر ثقة أمين، وليس هو من الرواة المجروحين، والعلم عند رب العالمين، وعليه فإن هذه الرواية الثانية أمكن من الأولى، وهي قوله: (إنه كائن هذا حبر هذه الأمة) والرواية الأولى التي هي من رواية سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين وفيها: (حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين).

    وكيفما كان حال الروايتين، فقد تقدم معنا أن هذا ثابت من كلام الصحابة وكلام التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، على التسليم بوجود ضعف، وأن الرواية الأولى لا تتقوى بالثانية، وأن الثانية كما قال الإمام الذهبي: فيها نكارة، وما أعلم وجه النكارة كما قلت، مع أن سعدان بن جعفر ثقة أمين كما قال أبو نعيم في الحلية عندما روى الحديث من طريقه، قال: وسعدان بن جعفر ثقة أمين. فالحديث يثبت بنفسه إن لم يثبت بوجود سعدان بن جعفر وكوثر بن حكيم، فالآثار عن الصحابة الأبرار تشهد لمعناه فتقويه وترفعه والعلم عند الله جل وعلا. إذاً: هو ترجمان القرآن، وهو حبر هذه الأمة المباركة.

    ضبط كلمة (حبر) ومعناها

    لفظ الحَبر يقال بالكسر (حِبر)، ويقال بالفتح (حَبر)، أما (حِبر) فيقال نسبة إلى الحِبر الذي يكتب به، فبما أن الحَبر لا يستغني عن الحِبر فيقال له: حِبر، نسبة إلى الحبر الذي يكتب به باستمرار، وتقدم معنا في بعض المواعظ أن هذا الحِبر في الحقيقة من شيم الرجال، وإذا تلطخت أيديهم به وهكذا ثيابهم فلا لوم عليهم في ذلك.

    إنما الزعفران عطر العذارى ومداد الدواة عطر الرجال

    إلا رجال هذا الزمان، ترى أحدهم كأنه بنت عذراء مخدرة، يعتدي على لحيته فيحلقها، وبعد ذلك يريد أن يضمخ نفسه بالطيب والليونة، ولا يريد أن يكون فيه شيء من الخشونة، ولو ظهرت نقطة سوداء من القلم في يده أو في ثيابه لأقام الدنيا وما أقعدها! يا عبد الله ماذا جرى؟! هذا شرف لك، إذا كان أثر القلم في يدك أو في ثيابك، ولقد كان الطلبة في الزمن القديم قلَّ أن ترى طالباً ليس أثر قلمه في ثيابه، قلَّ، إلا في هذا الزمن حين صار حكمنا حكم العذارى.

    فيقال للعالم: حِبر؛ لأنه يكتب بالحِبر باستمرار، ويقال له (حَبر) بالفتح من التحبير؛ لأنه يحبر الكلام أي: ينمقه ويزينه ويرتبه، قال الراغب في المفردات: يقال له (حَبر) أيضاً لما يبقى من أثر علومه فيه، تبقى له أثر العلوم التي تدل على منزلته ولسان صدق له في هذه الأمة ويُذكر به.

    وهذا اللفظ (الحبر) أُطلق على عدد من الصحابة الكرام، منهم من تقدم معنا ذكره الذي أثنى على سيدنا عبد الله بن عباس، وهو عبد الله بن مسعود الذي قال: (نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ) وذكرنا قول الإمام ابن كثير : فماذا يقول عبد الله بن مسعود لو عاش ستاً وثلاثين سنة التي عاشها عبد الله بن عباس بعده؟ فـعبد الله بن مسعود قيل عنه: أنه حَبر أيضاً.

    ثبت هذا -كما ذكرت أيضاً في دروس الفرائض- في المسند وصحيح البخاري، والحديث في السنن الأربعة إلا سنن النسائي، ورواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى، والإمام الدارقطني في سننه، وأبو داود الطيالسي في مسنده، والحديث رواه الإمام ابن الجارود في المنتقى عن هزيل بن شرحبيل، قال: سُئل سيدنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن رجل مات وترك بنتاً وبنت ابن وأختاً شقيقة؟ فقال أبو موسى رضي الله عنه: للبنت النصف، وللأخت النصف! وأتوا ابن مسعود فسيتابعني -يعني اذهبوا إليه سيوافقني على هذا القضاء- فذهبوا إلى سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، فقالوا: هلك هالك عن بنت وبنت ابن وأخت شقيقة فكيف توزع التركة؟ قال: والله لأقضين بها بقضاء رسول الله عليه الصلاة والسلام، لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين إذا لم أقضِ بهذا القضاء الحق الأمين: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين، وما بقي فهو للأخت؛ لأن الأخوات مع البنات عصبات، عصبات مع الغير، فذهبوا إلى أبي موسى الأشعري وعرضوا عليه القضاء، قال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. وانظروا كلام الحافظ في شرح هذا الحديث في الجزء الثاني عشر صفحة سبع عشرة من فتح الباري.

    كان أبو موسى الأشعري يجل سيدنا عبد الله بن مسعود كثيراً، وهو القائل كما في المعرفة والتاريخ للإمام الفسوي في الجزء الثاني صفحة خمس وأربعين وخمسمائة: (لمجلس كنت أجالس فيه عبد الله بن مسعود أوثق في نفسي من عمل سنة!)، طيب الآن هذا المجلس الذي هو سؤال عابر -كما يقال- صحح لك الخطأ، وبعد ذلك كنت ستقضي بخطأ، والأمة ستسير على خطأ، فانظر إلى صحبة العالم الفقيه المحقق المتقن، مجلس أجالسه فيه أوثق في نفسي وأضمن لي عند ربي من أن أعبد الله سنة كاملة! هذا يقوله أبو موسى الأشعري في حق عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم وأرضاهم.

    1.   

    تسمية عبد الله بن عباس بالبحر وذكر كلام الصحابة والتابعين في علمه وفقهه

    إذاً: هو ترجمان القرآن، وهو أيضاً حبر الأمة، وهو البحر، يقال له: البحر أيضاً، ثبتت تسميته بذلك عن عدد من سلفنا، منهم العبد الصالح مجاهد بن جبر كما في المستدرك والحلية وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي عن مجاهد بن جبر، قال: (كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يسمى بالبحر؛ لكثرة علمه). وعليه فالتسمية منه ومن غيره، أي: أنه كان يسمى بين الصحابة وبين المسلمين المتقدمين بالبحر؛ لكثرة علمه.

    وفي طبقات ابن سعد في الجزء الثاني صفحة ست وستين ومائتين عن عطاء أنه قال: كان يُقال لـعبد الله بن عباس: البحر، فكان عطاء إذا حدث عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين قال: قال البحر، وفعل البحر، ينعته ويلقبه بهذا الذي اشتهر به ولا يسميه باسمه، وهو معلوم لقب لهذا الصحابي المبارك الميمون، وحقيقة لا يطلق على غيره.. فكان يقال: بحر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه، كما يقال له: الحبر، ولا غرو في ذلك أن يطلق عليه هذا اللفظ لفظ البحر؛ لأنه حقيقة بحر لا ساحل له، فانظر لكلام أئمتنا رضي الله عنهم في علمه، روى الخطيب في تاريخ بغداد صفحة ثلاث وسبعين ومائة من المجلد الأول، والإمام ابن الجوزي بسنده في كتاب المصباح المضيء في أخبار الخليفة المستضيء -كما تقدم معنا- في الجزء الأول صفحة عشرين ومائة، عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: (كان عبد الله بن عباس أعلم الناس بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم). فيستحق أن يقال له: البحر رضي الله عنه وأرضاه.

    وروى الإمام ابن سعد في الطبقات عن عكرمة، قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاص : (كان ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين أعلمنا بما مضى، وأفقهنا فيما نزل مما لم يأتِ فيه شيء). قوله: (وأفقهنا فيما نزل)، أي: فيما نزل من وقائع وحوادث، ووقع من مشكلات تحتاج إلى فهم واستنباط، (وأفقهنا فيما نزل مما لم يأتِ فيه شيء) يعني: ما ورد فيه نص، تراه يغوص ويستنبط له حكماً من النصوص الثابتة.

    قال عكرمة: (فأخبرت بذلك ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، فقال ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين: إن عنده لعلماً -أي: عند عبد الله بن عمرو - كان يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحلال والحرام) يعني: هو يثني علي بأنني أعلم الناس بما مضى، وأنني أفقههم فيما يأتي مما لم ينزل فيه شيء, أيضاً يعرف لـعبد الله بن عمرو قدره، فهو عنده علم، كان يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحلال والحرام، يسأل ويقيد ويكتب، لكن شتان ما بين الرتبتين والدرجتين، فعبد الله بن عمرو من المكثرين أيضاً، وهو من حفاظ الحديث، لكنه يدخل في دائرة التحديث لا في دائرة الفقه والفهم والاستنباط، فأين هو من سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في هذا الأمر؟! لكن من باب الإنصاف ووضع الشيء في موضعه قال عنه: عنده علم، كان يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الحلال والحرام.

    وثبت في طبقات ابن سعد عن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال لما مات سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: (مات أعلم الناس، وأحلم الناس، ولقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة لا ترتق). يعني: هذه المصيبة لا تعوض لا تسد لا يأتي ما ينوب عنها ويسد مسدها، أصيبت هذه الأمة مصيبة عظيمة بموت سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه.

    وروى الإمام ابن سعد في الطبقات عن رافع بن خديج رضي الله عنه وأرضاه أنه قال لما مات سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: (مات اليوم من يَحتاج إليه من بين المشرق والمغرب في العلم). يعني أهل الأرض قاطبة بحاجة إلى علمه. وفي طبقات ابن سعد صفحة اثنين وسبعين وثلاثمائة ضبط (يُحتاج) بضم الياء، يعني: مات اليوم من يُحتاج إليه، وعليه فستكون العبارة: مات اليوم مَن يُحتاج إليه مِن (بالكسر) بين المشرق والمغرب في العلم، يعني: من يُحتاج إليه من الحاضرين بين المشرق والمغرب.

    ولا داعي لهذا التكلف، فما أعلم لمَ قيدها بالضم، ولو قُرئت: مات من يَحتاج إليه مَن بين المشرق والمغرب، يعني أهل المشرق والمغرب أهل الأرض قاطبة بحاجة إلى علمه، فهذا أسهل وأيسر، البناء للمعلوم وليس البناء للمجهول، وهذا الضبط بالضم من قِبل الناشرين، والعلم عند رب العالمين.

    وقال العبد الصالح سعيد بن المسيب كما في طبقات ابن سعد أيضاً: (كان ابن عباس رضي الله عنهما أعلم الناس). وقال العبد الصالح طاوس، وهو من تلاميذه رضوان الله عليهم أجمعين: (كان ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين من الراسخين). ولا شك في ذلك رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    تسمية عبد الله بن عباس بالرباني وذكر معنى ذلك والروايات الواردة فيه

    إذاً: هو ترجمان القرآن، وحبر الأمة، وبحرها، وأعلمها، وأيضاً هو رباني، أطلق أيضاً عليه هذا اللقب من قبل أئمتنا عندما أثنوا عليه بذلك، والرباني: هو العالم الفقيه الحكيم الذي يتعهد الناس بالتربية والتوجيه، ويربيهم حسب استعدادهم، هذا يقال له: رباني، وقيل: إنه منسوب إلى الرب، والنون للمبالغة, فالأصل ربي، نسبة إلى الرب وقيل: رباني للمبالغة في حصول التربية فيه، بالمعنى المتقدم؛ لأنه يتخلق بأخلاق الله جل وعلا الذي يربي الناس شيئاً فشيئاً، سواء فيما يتعلق بالتربية الخَلقية أو بالتربية الخُلقية الدينية الشرعية، في التربية الخَلقية يتعهدهم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم بعد ذلك عظام تكسى بلحم، ثم يخرجون طفلاً، ثم.. ثم.. هذا كله تعهد بتربية الله جل وعلا، فهو رب العالمين، وهكذا تربيته الشرعية، يتعهدهم على مهل، أول الأمر: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، ثم سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، يرغبهم في طاعة ربهم، ثم تنزل الأحكام على فترة ثلاث وعشرين سنة، وهكذا العالم يتخلق بهذا الخلق، فيربي الناس بصغار العلم قبل كباره، فما لا يهضمونه لا يذكره أمامهم، وكان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كذلك، والله جل وعلا يقول في كتابه: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79]، يعني يقول لكم: ولكن كونوا ربانيين، واتصفوا بهذا النعت الكريم، والرباني: هو عالم فقيه حكيم، والربانيون هم فقهاء علماء حكماء، كما اتفق على ذلك أئمتنا في كتب التفسير.

    فسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما رباني، نعته بذلك أيضاً سيدنا محمد بن علي الذي يقال له: ابن الحنفية رضي الله عنهم أجمعين، كما في المستدرك وتاريخ بغداد وطبقات ابن سعد، قال محمد بن الحنفية عندما مات سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وتقدم معنا، قال: (مات حبر هذه الأمة). وقال أيضاً: (مات رباني هذه الأمة). حبر هذه الأمة ورباني هذه الأمة.

    ونعته بذلك أيضاً العبد الصالح كعب الأحبار، وهو من التابعين الأبرار، كما في طبقات ابن سعد : قال كعب لـعكرمة مولى سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: (مولاك رباني هذه الأمة، هو أعلم من مات، وأعلم من عاش).

    1.   

    عمل عبد الله بن عباس رضي الله عنه بعلمه وخشيته من ربه جل وعلا

    إخوتي الكرام! وقد جمع سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إلى علمه العمل به والخشية من ربه سبحانه وتعالى، ولا أريد أن أفيض في هذا، فهذا نعت سلفنا كلما زاد علمهم زادت خشيتهم، فإذا كان عبد الله بن عباس أفقه الأمة وأعلم الأمة بتأويل كلام الله جل وعلا، فإن خشيته ستتناسب مع علمه رضي الله عنه وأرضاه، فانظر ماذا كان يفعله في سفره لتقيس بعد ذلك الحضر على السفر، فإذا كان هذا يفعل هذا في السفر، فماذا سيفعل في الحضر رضي الله عنه وأرضاه؟!

    روى الإمام أبو نعيم في الحلية صفحة سبع وعشرين وثلاثمائة من المجلد الأول عن ابن أبي مليكة ، وهو تابعي كريم عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، أدرك ثلاثين من أصحاب نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ومنهم سيدنا عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، وحديثه في الكتب الستة، وتوفي سنة سبع عشرة ومائة، إمام ثقة فقيه مبارك، قال: صحبت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة -على منورها صلوات الله وسلامه- في سفر. وسفرهما لا يخفى عليكم في العصر الأول، إما مشياً على الأقدام أو ركوباً على بهيمة الحيوان على الدواب، وهذا يحتاج إلى كلفة وجهد، والطريق يحتاج إلى وقت, فما بين مكة والمدينة سيأخذ سبعة أيام على الدواب، هذا إذا واصل السير, وسبعة أيام ستظهر حال الإنسان، فليست سفرة ساعات وتنتهي، قال: فكان ينزل في وسط السير -عبد الله بن عباس رضي الله عنهما- ويمتنع من مواصلة السير -يعني: ينزل ليستريح- يقول: فإذا نزلنا قام وبدأ يناجي الله، ويقرأ كلام الله جل وعلا، ويكثر في ذلك نشيجه، يقول: ونحن نسمع. نزلوا ليستريحوا وليناموا، متى ما انتصف الليل انتهى، ما بقي شيء، لكنه يجعل من منتصف الليل إلى السحر مناجاة لله عز وجل، هذا في سفره، فماذا كان يفعل في حضره؟! قِس الحضر على السفر، واعلم ماذا سيكون حاله من جد واجتهاد في طاعة رب العباد، هذا في السفر إذا صار نصف الليل نزل، ثم بعد ذلك قام يناجي الله عز وجل، يقول: ونحن نسمع نشيجه، أي: حرقته وشدة بكائه عندما يناجي ربه ويتلو كلام الله جل وعلا. هذا هو حاله، ولذلك -إخوتي الكرام- علم مع عمل نتج من ذلك حكمة.

    1.   

    من أقوال عبد الله بن عباس رضي الله عنه وحكمه

    وكان يقول رضي الله عنه وأرضاه كما في الحلية أيضاً في المكان المتقدم صفحة ثمان وعشرين وثلاثمائة مخاطباً نفسه عندما يمسك لسانه: (يا لسان! قل خيراً تغنم، واسكت عن شر تسلم). ومن حكمته وبصيرته أنه كان يتحدث عن أحوالنا ويصف زماننا، فاستمعوا لهذه الكلمة التي قالها وكأنه كان ينظر إلينا إلى الغيب الذي وقع فينا في هذه الأيام من ستر رقيق، يقول كما في الحلية أيضاً في المكان المتقدم: (يأتي على الناس زمان يُعرج فيه بعقول الناس حتى لا تجد أحداً ذا عقل)، كأنه يعيش بيننا وعرف أحوالنا، فقد ذهبت العقول والله، وهذا الكلام -إخوتي الكرام- الذي قاله هذا الصحابي المبارك الهمام، أخذه حقيقةً من كلام نبينا عليه الصلاة والسلام.

    روى الإمام أحمد في المسند، والحديث رواه الطبراني في معجمه الأوسط من رواية سيدنا النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا معه، فسمعناه يقول: (إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً؛ يبيع أقوام أخلاقهم بعرض من الدنيا قليل). قال الحسن البصري: (لقد رأيناهم والله صوراً ولا عقول، أجساماً ولا أحلام، فراش نار، وذبان طمع، ‌يغدو أحدهم بدرهمين ويروح بدرهمين، يبيع دينه بثمن العنز!) نسأل العافية والسلامة من سخطه، ونسأله أن يثبتنا على طاعته بفضله ورحمته، لقد رأيناهم والله صوراً ولا عقول، أجساماً ولا أحلام، فراش نار يتهافتون على الدنيا ويتهالكون عليها، وذبان طمع، حينما تقع في المربى والدبس والعسل عندما تراه، وفي ذلك حتفها وموتها، فراش نار، وذبان طمع، ‌يغدو أحدهم بدرهمين ويروح بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن العنز!

    والحديث في إسناده مبارك بن فضالة، قال الهيثمي في المجمع: وثقه جماعة وفيه لين، وبقية رجاله رجال الصحيح، ومبارك حكم عليه الحافظ في التقريب: بأنه صدوق، فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، وروى له البخاري في صحيحه تعليقاً، وحديثه في السنن الأربعة إلا سنن النسائي، وقد جزم الإمام الذهبي في السير في الجزء السابع صفحة أربع وثمانين مائتين فقال: وهو حسن الحديث. فالحديث لا ينزل عن درجة الحسن والعلم عند الله جل وعلا.

    وهذا الحديث له شواهد كثيرة، وهو يتحدث -كما قلت- عن واقعنا، أن العقول ذهبت كما قال سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: تعرج فيه العقول، عقول الناس في ذلك الوقت، حتى لا ترى أحداً ذا عقل. وهنا كذلك كما أشار نبينا صلى الله عليه وسلم.

    روى الإمام أحمد في المسند أيضاً، والإمام ابن ماجه في السنن، وإسناد الحديث صحيح من رواية سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن بين يدي الساعة لهرجاً. فقال رجل: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! وما الهرج؟ قال: القتل. فقال بعض الصحابة الحاضرين رضوان الله عليهم أجمعين: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! إنا نقتل من المشركين في العام الواحد كذا وكذا ) يعني: يقع قتل كثير، لكن من أعداء الله الجليل، نقتلهم، وأنت تقول أن بين يدي الساعة قتلاً، والقتل يقع في هذه الأيام، قال: (ليس بقتل المشركين، ولكن يقتل بعضكم بعضاً؛ حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته)، استمع لكلام الصحابة الكرام، وهذا أمر يستدعي الاستغراب والعجب، ( قالوا: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! ومعنا عقولنا؟ ) يعني في ذلك الزمان من يقتل جاره وابن عمه وذا قرابته عنده عقل؟! ما عنده عقل، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعرج بعقول الناس في ذلك الزمان، فلا ترى أحداً ذا عقل، ومعنا عقولنا؟ فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: ( تنزع عقول أهل ذلك الزمان ويخلفهم هباء من الناس لا عقول لهم )، كما قال سيدنا عبد الله بن عباس: يأتي على الناس زمان يُعرج فيه بعقول الناس حتى لا تجد أحداً ذا عقل. وهذه حقيقة هي أحوالنا وأوضاعنا التي نعيش فيها وإلى الله نشكو أحوالنا.

    والحديث -إخوتي الكرام- له شواهد كثيرة، منها ما ثبت في المسند وصحيح مسلم وسنن الترمذي من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، أنه قال: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم)، هذه الجملة مثل ما جاء في حديث النعمان بن بشير تماماً، (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل). هناك: (يبيع أقوام خلاقهم)، وهنا: (‌يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل).

    إخوتي الكرام! هذه أحوالنا، عرجت في هذه الأيام بعقول الأنام، فلا ترى ذا عقل، وحقيقة حالنا كما أشار إلى ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام كما في المسند والصحيحين وسنن الترمذي وغير ذلك من رواية سيدنا حذيفة بن اليمان في الحديث الطويل: (حتى يقال للرجل: ما أظرفه! وما أجلده! وما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان). وهذا هو زماننا، وإن أردت أن تتحقق هذا فافتح وسائل الإعلام واسمع الثناء الذي يكال لأعداء الرحمن، (ما أظرفه! ما أجلده! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان)، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك عرج بعقول الناس في هذا الزمان، كما قال ابن عباس رضي الله عنه، هذه أحوالنا التي نعيش فيها وإلى الله نشكو أمورنا.

    1.   

    موت عبد الله بن عباس رضي الله عنه وما حصل له من الكرامة عند موته

    إخوتي الكرام! ختام الكلام وفاة سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وما حصل له من كرامة عند موته رضي الله عنه وأرضاه.

    توفي -كما ذكرت- سنة ثمان وستين، ودفن في الطائف رضي الله عنه وأرضاه، وفداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا، وهو في مكان ملاصق للمسجد الكبير، أكبر مساجد الطائف مسجد سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وما أعلم أحداً إذا ذهب منكم إلى حج أو عمرة يمر بهذا الصحابي المبارك وبغيره من الصحابة الكرام الذين دفنوا في أمصار المسلمين، يزورهم ويدعو لهم، ويقوم بما يجب لهم على المسلمين أم لا؟ هذا حقيقة ما أعلمه، كم من إنسان يمر بالطائف ولا يخطر بباله أن يذهب ليؤدي الحق الواجب نحو هذا الصحابي الجليل، ولا أقول: نذهب لنتمسح بالقبر! لا, لكن -يا عبد الله- الزيارة المشروعة، وأنت إذا دخلت إلى ذلك المكان، فمن حق هذا الصحابي عليك أن تزوره، وأن تدعو له، هذا من حقه عليك، كما لو كان حياً فمن حقه عليك أن تسلم عليه، وهكذا هو في تلك البقعة المباركة التي دفن فيها، تذهب وتسلم عليه، وتدعو له، وتسأل الله جل وعلا أن يجعل قبره نوراً، وأن يجزيه عن هذه الأمة خير الجزاء؛ لما نشر فيها من علم نافع، من تفسير كلام الله عز وجل، ومن فقه، وفتيا، رضي الله عنه وأرضاه.

    هذا من حقه على هذه الأمة، لكن بلغني أن كثيراً من الناس في هذه البلاد يذهب ليحج ولا يزور المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، وقال لي بعضهم: إنه حج مراراً ولا يعرف المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه وما وصلها، قلت: يا أخي! هل بينك وبين النبي عليه الصلاة والسلام جفوة أو خصومة؟ أو ما هو الخبر؟ أريد أن أعلم، أمَا للنبي عليه الصلاة والسلام حق على أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام؟! أما له حق علينا؟! يا عبد الله أمرنا أن نشد الرحل إلى الصلاة في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك تصلي وتسلم عليه عندما تذهب إلى ذلك المسجد المبارك، أما طول حياتك وما رأيت المدينة المنورة التي شاع منها الإسلام وانتشر في أرجاء المعمورة، فهذا أمر عجيب! ولعل بعضهم يذهب في السنة مرات هنا وهناك، وطول حياته ما زار المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، وهكذا عندما يمر بالطائف حينما يذهب إلى عمرة أو حج، يا عبد الله! اذهب صلِّ في هذا المسجد، ثم بعد ذلك زر هذا الصحابي المبارك وادعُ له، وقم بما يجب عليك نحوه، وهكذا سائر الصحابة الآخرين رضوان الله عليهم أجمعين.

    إذاً: مات عبد الله بن عباس -كما ذكرنا- في الطائف سنة ثمان وستين من هجرة نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وثبت له عند موته كرامة متواترة كما نص على ذلك الإمام الذهبي، وهذه الكرامة رواها الحاكم في المستدرك، انظروها في الجزء الثالث صفحة أربع وأربعين وخمسمائة، وأبو نعيم في الحلية، ورواها الطبراني في معجمه الكبير كما في المجمع في الجزء التاسع صفحة خمس وثمانين ومائتين بسند رجاله رجال الصحيح، والأثر رواه الفسوي في المعرفة والتاريخ، ورواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور، وهو في غير ذلك من كتب الأثر، عن سعيد بن جبير وغيره رضي الله عنهم أجمعين، قال: لما مات سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما جاء طائر أبيض لم يرَ على خلقته طائر! يقول: ما رأينا طائراً على خلقته، وما رأينا بشكله من الطيور، جاء طائر أبيض لم يرَ على خلقته طائر، فدخل في أكفانه -أكفان سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، دخل في نعشه وفي أكفانه- يقول: ثم ما رأيناه ولا خرج -دخل وما خرج- يقول: فلما وضع رضي الله عنه وأرضاه في القبر في لحده سمعوا من يتلو قول الله عز وجل دون أن يروا أحداً: يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].

    سمع هذا من شفير القبر كل من حضر دفنه، ورأوا ذلك الطائر الأبيض جاء ودخل في نعشه بين أكفانه وهم ينظرون، ثم ما طار ولا خرج، وذلك هو عمله الصالح الذي سيكون معه، وهكذا نور عينيه الذي ذهب من بصره عندما عمي في آخر حياته، وسبب ما حدث له من العمى رؤيته جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه مرتين، والآثار واردة بذلك في معجم الطبراني الكبير بسند رجاله ثقات، انظروها في المجمع في الجزء التاسع صفحة سبع وسبعين ومائتين، وكما قلت: إسناد الأثر رجاله ثقات، فأخبره نبينا عليه الصلاة والسلام عندما رأى جبريل يناجي نبينا الجليل عليه الصلاة والسلام بأن بصره سيذهب وأنه سيؤتى علماً.

    والأثر رواه الحاكم في المستدرك، لكن إسناد الحاكم فيه ضعف، وانظروا الكلام على ذلك -إخوتي الكرام- في البداية والنهاية في الجزء الثاني صفحة ثمان وتسعين ومائتين، فرجا نبينا عليه الصلاة والسلام أن يكون ما سيحل به في آخر حياته، وأن يعود إليه ذلك عند وفاته، وواقع الأمر أنه طرأ عليه العمى قبل وفاته بقليل، ثم قيل: هذا الطائر عمله، وقيل: نور عينيه عاد إليه ودخل فيه، والعلم عند الله جل وعلا.

    والأثر -كما قلت- ثابت، قال الذهبي في السير في الجزء الثالث صفحة ثمان وخمسين ثلاثمائة: هذه قضية متواترة، ولما طرأ عليه ما طرأ من العمى في عينيه رضي الله عنه وأرضاه جاءه من يعالجون ويداوون بإخراج هذا الماء الذي نزل في عينيه، ثم قالوا له: تمكث خمسة أيام لا تصلي، وفي رواية: سبعة أيام لا تصلي إلا إيماء! فقال: والله لا أترك صلاة واحدة.

    وفي رواية كما في المستدرك: أنه أرسل إلى أمنا عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين وغيرهما من الصحابة فقالوا له: كيف تفعل إذا جاء أجلك في هذه الأيام وأنت لا تصلي؟! مع أنه معذور، لكن -إخوتي الكرام- كما قلت مراراً نأخذ بعزائم الأمور، والعلاج رخصة، فآثر فقد البصر على ترك الصلوات في هذه الأيام بالكيفية السليمة؛ لأنه سيصليها فيصليها إيماء لو عولج في عينيه، ونحن لعل الواحد منا أحيانا من أجل أمر يسير يترك الصلاة بالكلية نسأل الله العافية! كم من إنسان يسألني أنه دخل المستشفى يقول: ما صليت! لماذا ما صليت؟! يقول: يشق علي، يجلس شهراً وشهرين ما صلى صلاة لله طول حياته في المستشفى، وما فيه شيء جالس على سرير ويقدم إليه الخير الوفير، وما صلى ركعة لله عز وجل! يا عبد الله هل سقط عنك هذا؟! هذا لا يسقط أبداً، لكن هذا جهلنا، وهذا ضلالنا، وهنا ابن عباس كان معه عذر ومع ذلك امتنع عن ذلك رضي الله عنه وأرضاه.

    انظروا أيضاً ذلك في المستدرك وفي المصباح المضيء في الجزء الأول صفحة خمس وعشرين مائة، ولما أخذ نور عينيه له أجر كبير عند الله، كما ثبت في صحيح البخاري، والحديث في سنن الترمذي وغير ذلك من دواوين السنة من رواية سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه عن نبينا عليه الصلاة والسلام ( أن الله جل وعلا قال: ذا ابتليت عبدي بحبيبتيه بكريمتيه ثم صبر عوضته عنهما الجنة ). ولما ذهب بصره رضي الله عنه قال بيتين محكمين من الشعر:

    إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور

    قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخن وفي فمي صارم كالسيف مأثور

    كنت أحفظ البيت سابقاً (منشور)، لكن الآن في الكتب التي بين يدي (مأثور)، وفي فمي صارم كالسيف مأثور، يقصد أن لسانه كأنه سيف، يقول الكلام الجزل الفصل رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مثواه.

    والحمد لله رب العالمين.