إسلام ويب

مقدمة في الفقه - فقيه الصحابة [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد بلغ عبد الله بن عباس رضي الله عنه مبلغاً عظيماً في العلم والفقه، وحاز المراتب العلا بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشاوره ويأخذ برأيه، ويقدمه على كثير من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، كيف لا وقد أثنى عليه معاصروه من الصحابة واعترفوا بعلمه وفقهه وفضله وتقدمه في العلم والفقه.

    1.   

    ثناء الصحابة على عبد الله بن عباس واعترافهم بعلمه وفقهه

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس الآثار المروية عن نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه في فضل التفقه في الدين، وقد تدارسنا أربعة آثار في ذلك:

    أولها: حديث سيدنا معاوية رضي الله عنه ومن معه: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

    وثانيها: حديث سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً).

    والحديث الثالث: عن سيدنا عبد الله بن عمر وعن سيدنا سعد بن أبي وقاص، وقلت: رُوي عن اثني عشر صحابياً وعن أربعة من التابعين مرفوعاً إلى نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: ( أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع )، ( فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وأفضل الدين الورع ).

    والحديث الرابع: تدارسناه في الموعظة الماضية، وأكمل ما يتعلق به في هذه الموعظة بعون الله وتوفيقه، وهو دعوة نبينا عليه الصلاة والسلام لابن عمه سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأن يفقهه الله في الدين، وأن يعلمه التأويل، وقلت: هذا يدل على منزلة الفقه في الدين، وعلى منزلة تفسير وفهم كلام رب العالمين، وهذه المنزلة أهلت سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إلى أن يُقدَّم على البدريين من المهاجرين والأنصاريين رضي الله عنهم وأرضاهم، قُدم عليهم بسبب التفقه في الدين، وكان ثاني الخلفاء الراشدين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يستشيره ويأخذ بقوله ويقدم قوله على من عداه كما تقدم معنا، ختمت الموعظة أخوتي الكرام بنماذج من فقهه وتأويله، وحسن فهمه واستنباطه رضي الله عنه وأرضاه، وصلنا إلى أمر سأتكلم عليه في هذه الموعظة وعلى ما بعده، وأنهي الكلام على هذا الأمر في هذه الموعظة بعون الله وتوفيقه.

    ثناء الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين على سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، واعترافهم بفضله، وقد تقدم معنا أنه شاب حدَث السن، لما توفي نبينا عليه الصلاة والسلام كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قد ناهز الاحتلام، وانظر لهذه المنزلة التي له عند الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    ثناء عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عبد الله بن عباس رضي الله عنه وبيان منزلته عنده

    روى الإمام الطبراني في معجمه الكبير، والحاكم في المستدرك، وأبو نعيم في كتاب الحلية عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يقول في سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: (ذاكم فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول). وإذا منَّ الله على العبد بهاتين النعمتين فقد اكتملت عليه النعمة, يسأل عما ينفعه بلسانه، ثم يقيده ويضبطه بقلبه وجنانه، وهذا الذي حصل من سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، سأل وقيد وضبط، ثم زاد ففحص وغاص واستنبط، فهو له لسان سئول وقلب عقول.

    فهو فتى الكهول، هو ليس كهلاً، فقد توفي سيدنا عمر واستُشهد رضي الله عنه وأرضاه، وشفعه فينا يوم نلقاه، وسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ما بلغ سن الكهولة، والإنسان يمر -إخوتي الكرام- في حياته بأربع مراحل:

    المرحلة الأولى: مرحلة الصِبا، مرحلة الطفولة، وهي من ولادته إلى أن يبلغ سن الخامسة عشرة، هذا كله يقال له: غلام طفل صبي.

    ثم بعد ذلك مرحلة الشباب، من البلوغ إلى الثلاثين إلى الأربعين، وقلت مراراً: ما بين الثلاثين والأربعين من مرحلة الشباب، لكن مرحلة يقف الإنسان عندها لا يزداد ولا يتأخر.

    ثم من الأربعين إلى الستين دخل سن الكهولة، وقد استشهد سيدنا عمر رضي الله عنه وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين دون سن الأربعين، وأما بعد الستين فتدخل الشيخوخة، نسأل الله حسن الخاتمة، هذه المراحل الأربع التي يمر الإنسان بها.

    (ذاكم فتى الكهول) أي: له في القدر والمنزلة والاعتبار كأنه كهل، وهو مع ذلك لازال فتى، كان يدخل مع كبار السن في المجالس، وهو فتى وشاب رضي الله عنه وأرضاه، وكان يحضر مع شيوخ المهاجرين والأنصار -كما تقدم معنا- في مجلس الشورى، (ذاكم فتى الكهول، له لسان سئول وقلب عقول).

    وقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه -كما تقدم- يقربه ويدنيه، فلما رأى سيدنا العباس رضي الله عنه وعن الصحابة الأكياس منزلة ابنه عند سيدنا عمر نصحه بثلاثة أمور ينبغي أن يحافظ عليها من أجل أن لا يتكدر قلب عمر على هذا الصحابي المعتبر رضي الله عنه وأرضاه، سيدنا عبد الله بن عباس.

    الأثر رواه الإمام ابن سعد في الطبقات، ورواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير، وأبو نعيم في الحلية، والإمام الفسوي في المعرفة والتاريخ، قال سيدنا العباس لولده عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: (يا بني! إني أرى لك منزلة عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فاحفظ مني ثلاثاً -حافظ عليها وانتبه لها-: لا تفشين له سراً، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا يجربن عليك كذباً)، وهو صادق اللهجة رضي الله عنه وأرضاه، إنما من باب التأكيد على هذه الأمور، إياك أن تفشى له سراً، أو تغتاب عنده أحداً، أو أن يجرب عليك كذباً.

    قال الإمام الشعبي لسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: كل واحدة تعدل ألفاً، يعني ألف درهم، قال: كل واحدة تعدل عشرة آلاف، ليس تعدل ألفاً، كل نصيحة من هذه النصائح ما تُقوَّم بعشرة آلاف درهم، من أجل أن يحافظ الإنسان على مكانته ومنزلته عند ثاني الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين.

    نعم -إخوتي الكرام- لقد كانت له منزلة عظيمة، بلغ من قدره عند سيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين أنه عندما حُمَّ سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أصيب بمرض الحمى رضي الله عنه وأرضاه، دخل سيدنا عمر زائراً له وعائداً، كما في طبقات ابن سعد في الجزء الثاني صفحة واحدة وسبعين وثلاثمائة من رواية أبي الزناد وهو عبد الله بن ذكوان، ثقة فقيه، حديثه في الكتب الستة، توفي سنة ثلاثين ومائة، دخل عليه يعوده وقد حم سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، فقال له: (كم أخل بنا مرضك؟!) أي: كم أثر فينا وأخرنا، وكنا نستشيرك وتصاحبنا وتشير علينا بما فيه السداد في ديننا ودنيانا، كم أخل بنا مرضك؟! أنت مرضت، لكن نحن تضررنا من هذا المرض.

    وكان يقول كما في طبقات ابن سعد أيضاً: (كيف تلومونني على حب هذا؟!) يعني: أنتم تلومونني -يا معشر المهاجرين والأنصار من الصحابة الكبار- كيف أُدخل هذا الحدث الشاب النشيط بينكم، كيف تلومونني وهو من هو؟! هذا عندما مرض كم أخل بنا مرضه! وأخر بنا عن درجات الكمال، كنا نستضيء برأيه، ونقتبس من فقهه، وحسن تأويله، فمنعنا ذلك عندما نزل به المرض.

    هذا يقوله سيدنا عمر ، وعمر رضي الله عنه هو سيد المحدَّثين والملهمين، وثاني الخلفاء الراشدين، ومع ذلك يقول هذا لسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، فكم له من منزلة وأثر، وحقيقة هو فقيه الإسلام -كما تقدم معنا- لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام له: (اللهم فقهه في الدين). نعم إخوتي الكرام، هذه منزلته، وقد شهد له بذلك كبار الصحابة رضوان الله أجمعين.

    ثناء سعد بن أبي وقاص على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما

    روى الإمام ابن سعد في الطبقات في المكان المشار إليه آنفاً صفحة سبعين وثلاثمائة من المجلد الثاني، عن سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أجمعين أنه قال: (ما رأيت أحضر فهماً، ولا ألب لباً، ولا أكثر علماً، ولا أوسع صدراً من عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين يدعوه للمعضلات -أي: المسائل المشكلة العويصة- ثم لا يعدو رأيه، ولا يجاوز قوله، وحوله مشايخ الصحابة الكبار من المهاجرين والأنصار) يدعوه للمعضلات ويأخذ بقوله رضي الله عنه وأرضاه، وإذا أشكلت مشكلة كان يقول له: غص يا غواص! النصوص التي في صدرك تفاعل معها وائتنا بالحكم الشرعي للحوادث التي وقعت لنا.

    هذا يقوله سيدنا سعد بن أبي وقاص الذي بقي فترة ربع الإسلام، رابع من أسلم رضي الله عنه وأرضاه، يقول: إنه ما رأى أحضر فهاً ولا ألب لباً ولا أكثر علماً ولا أوسع صدراً من سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين.

    ثناء طلحة بن عبيد الله على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما

    ويقول الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة رضوان الله عليهم أجمعين، كما في طبقات ابن سعد في المكان المشار إليه آنفاً: (ما كنت أرى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم على عبد الله بن عباس أحداً) رضي الله عنهم أجمعين، لا يقدم على قوله قول غيره مهما كان شأنه.

    ثناء عبد الله بن مسعود على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما

    ويقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كما في المستدرك وحلية الأولياء، وكتاب المعرفة والتاريخ للإمام الفسوي، قال: (لو أدرك عبد الله بن عباس زماننا) يعني: لو كان كبيراً مثلنا، وصحب النبي عليه الصلاة والسلام كما صحبناه، وتقدم معنا أنه صحبه ثلاثين شهراً فقط، وأما الصحابة الأكياس فمنهم من صحبه عشرين سنة، ومنهم من صحبه ثلاثاً وعشرين، ومنهم من صحبه عشر سنين، يقول: (لو أدرك زماننا لما عاشره منا أحد) وضبط -كما في الذهبي في السير- عشَّره منا أحد.

    يقول المعلق على تاريخ بغداد للخطيب البغدادي -الأثر فيه أيضاً في تاريخ بغداد- يقول: في المخطوطة بحذف الألف عشَره، وهذا خطأ وتصحيف. وليس هو بخطأ ولا بتصحيف، فليس المقصود بذلك العِشرة، إنما هو من التعشير، أي: لما وصل أحد إلى عُشره منا، لو أدرك زماننا وصحب النبي عليه الصلاة والسلام كما صحبناه لما وصل أحد منا إلى عُشر ما وصل إليه ابن عباس.

    عاشره: وصل إلى عشره، يعني: إذا جئنا نقتسم العشرة فهو له تسعة أعشار ولنا عُشر، ولن نحصل هذا العشر، ما نحصل عشراً من عشرة التي حصلها ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، يقال: عشَره وعشَّره، بالتخفيف، والتثقيل، وبالمفاعلة: عاشره، أي: لو جئنا لنتعاشر ونقتسم أجزاء العشرة، فهو سوف يفوز بالتسعة وزيادة، ونحن لا نحصل واحداً منها، وعليه فليس المعنى من العِشرة، ما عاشره منا أحد، يعني: ما صاحبه، لا، وقول المعلق على تاريخ بغداد أنه تصحيف خطأ، فليس بتصحيف، والذهبي نص في السير على أنه نُقل عن سيدنا عبد الله بن مسعود (عاشره وعشَره وعشَّره)، أي: ما نال عُشره مهما بلغ جهده، وهذا يقوله عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم وأرضاهم، فماذا يقول من عداه؟! هذه هي منزلة سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

    ثم قال عبد الله بن مسعود تكملةً للأثر: (ونعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ).

    قال الإمام ابن كثير في تفسيره في المقدمة في الجزء الأول صفحة أربعة: وهذا إسناد صحيح إلى سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وقد توفي هذا الصحابي الجليل سنة اثنتين وثلاثين، ثم قال هذه المقولة في هذا الصحابي الكريم عبد الله بن عباس: نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس، ولو أدرك أسناننا وزماننا ما عاشره أو عشَره أو عشَّره منا أحد.

    قال: فما ظنك بما كسبه عبد الله بن عباس من العلوم بعد ذلك، فقد عاش بعد عبد الله بن مسعود ستاً وثلاثين سنة. لأنه توفي سنة ثمان وستين، وإذا كان عبد الله بن مسعود يقول هذه المقولة ووفاته كانت سنة اثنتين وثلاثين، فكيف بما كسبه وحصله من العلوم بعد وفاة هذا الصحابي المبارك الميمون عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم وأرضاهم؟! ولو امتدت حياة عبد الله بن مسعود لزاد في الثناء على هذا الصحابي المبارك المحمود رضوان الله عليهم أجمعين.

    وهذا الأثر (نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ) قاله أيضاً سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه في سيدنا عبد الله بن عباس كما في تاريخ بغداد في ترجمته في الجزء الأول صفحة ثلاث وسبعين ومائة، قال: (نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ) بل رُوي ذلك مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن بإسناد فيه ضعف، رواه أبو نعيم في الحلية في ترجمته أيضاً في الجزء الأول صفحة ست عشرة ثلاثمائة، والطبراني في معجمه الكبير كما في المجمع في الجزء التاسع صفحة ست وسبعين ومائتين عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ( دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح رأسي ودعا لي بالحكمة وقال: نعم ترجمان القرآن أنت). قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (وقد دعا لي جبريل مرتين أيضاً كما دعا لي النبي) على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    والأثر -كما قلت- في الطبراني في معجمه الكبير والحلية، وهو في الكتابين من طريق عبد الله بن خراش، قال عنه الهيثمي في المجمع: ضعيف، وبذلك حكم عليه الحافظ في التقريب فقال: ضعيف(ق). أي: أنه من رجال سنن ابن ماجه القزويني فقط، أما أثر عبد الله بن مسعود فهو بسند صحيح، وقاله سيدنا عمر، ورُوي مرفوعاً لكن بسند ضعيف، ويتقوى هذا السند بدعوات نبينا عليه الصلاة والسلام المتقدمة له المروية من وجوه صحاح: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، ( آته الحكمة )، ( علمه تأويل الكتاب ) كما تقدم معنا.

    وهذه الآثار الموقوفة تشهد لهذا الأثر المرفوع الذي في إسناده عبد الله بن خراش كما قلت، وفيه ضعف، لكنه يتقوى بما تقدم. ولذلك تقدم معنا أنه فقيه الإسلام، وأكثر الصحابة فتوى، كما أنه هو المفسر الأول لكلام الله عز وجل رضي الله عنه وأرضاه.

    إمرة عبد الله بن عباس للحج وخطبه البليغة في عهد عثمان وعلي رضي الله عنهم

    وقد كان يُعهد إليه في زمن الخليفتين الراشدين سيدنا عثمان وسيدنا علي رضي الله عنهم أجمعين بأن يلي أمر المسلمين في موسم الحج، فهو أمير الحج، فيخطب خطبة الحج، خطبة طويلة فصيحة بليغة يقول الحاضرون: لو سمعها الترك وفارس والروم لآمنوا أجمعون، يقول هذا الحاضرون عندما يخطب خطبة الحج في عرفات في مسجد نمرة.

    روى الحاكم في المستدرك، وأبو نعيم في الحلية عن أبي وائل ، وهو من تلاميذ سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، ومن الرواة عنه، وهو شقيق بن سلمة ، ثقة مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، ولم تكتحل عيناه برؤية نبينا خير الأنام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وحديثه في الكتب الستة، أبو وائل شقيق بن سلمة رضي الله عنهم أجمعين، قال: (كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما على الموسم في الحج فخطب خطبة الحج فقرأ سورة النور -وكان هذا في خلافة سيدنا عثمان- ففسرها تفسيراً لو سمعه الترك والديلم والروم لأسلموا وآمنوا أجمعون!).

    وقال أيضاً -وهذا في خلافة سيدنا علي ، وكان أيضاً أميراً على الموسم-: (فقرأ سورة البقرة بكاملها) في خلافة سيدنا عثمان قرأ سورة النور، فلما كثر المسلمون، والجهل انتشر أطال الخطبة (فقرأ سورة البقرة وفسرها تفسيراً لو سمعه الترك والديلم والروم لآمنوا أجمعون!) خطبة الحاج تُقرأ فيها سورة البقرة وتُفسر، يعني على أقل تقدير ستأخذ ثلاث ساعات إن لم يكن أكثر، ويجمع تفسيرها ويوضح الأحكام التي فيها في خطبة الحج، في هذا الحشد الكبير، هنيئاً لمن حضر تلك الخطبة المباركة، ورأى ترجمان القرآن يخرج النور من شفتيه رضي الله عنهم وأرضاه عندما يفسر كلام الله عز وجل.

    وهذا -إخوتي الكرام- حقيقة لا بد من وعيه وضبطه في هذه الأيام، فإن الناس يستثقلون حِلق الذكر، وهكذا خطب الجمعة في هذه الأيام، وسينصرفون إلى أي شيء؟! يعني لو كانوا سينصرفون إلى مصلحة دينية أو دنيوية لربما قال الإنسان: لهم عذر, لكنهم لن ينصرفوا إلا إلى آفات رديئة، وهذا بسبب ضعف الهمم، وخور العزائم الذي أصبنا به في هذه الأيام، نشكو أمرنا إلى ذي الجلال والإكرام، وإذا أطال الخطيب قليلاً وهكذا الصلاة، حصل الاعتراض والتذمر من قِبل الأخيار الذين يعتادون مساجد العزيز القهار، دعِ الأشرار, فإن الأشرار كفونا مؤنتهم وأراحوا أنفسهم وأراحونا.

    يا إخوتي الكرام! لا بد من وعي هذا، وكنت ذكرت ضمن مباحث النبوة حديثاً ينبغي أن ننتبه له، وقد كثر الكلام حوله, وعدد من إخواننا في بعض الديار قال: هذا ما سمعناه! قلت: يا عبد الله! في نفس الشريط عُد إلى الحديث، على أنه رواه عبد الله ابن سيدنا الإمام أحمد في الزوائد على المسند بسند رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع، انظروه إن شئتم في الجزء الثاني صفحة تسعين ومائة في كتاب الصلاة باب ما يقرأ ويقال في خطبة الجمعة في مجمع الزوائد، والحديث -كما قلت- في مسند الإمام أحمد في الجزء الخامس صفحة ثلاث وأربعين ومائة، وهو من زوائد ولده على المسند، ورجاله رجال الصحيح عن أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة براءة يوم الجمعة على المنبر وهو قائم يذكِّر بأيام الله ).

    سورة التوبة سورة براءة، لو أراد الإنسان أن يرتلها ترتيلاً، وأن يقرأها قراءة دون أن يشرح منها كلمة ما انتهى في أقل من نصف ساعة، فهي لا تزيد على الجزء، والنصف ساعة هذه تلاوة فقط، دع عنك الحمدلة والسلام والدعاء، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وتفسيرها ولو تفسيراً مختصراً، يعني ما أظن تلك الخطبة التي سيُقرأ فيها سورة التوبة تنتهي بأقل من ساعة، فلا أدري بعد ذلك ما هو الاستثقال الذي ابتلينا به في هذه الأيام، مع أن وضعنا -كما قلت مراراً- يختلف عن وضع سلفنا، فهناك كانت الكلمات واضحة، وأكثر العبارات لا تحتاج إلى إيضاح، وأما الآن عندما تقول: تبت. إذا ما شرحت له معنى (تبَّت) في اللغة لا يفهمها، وأما ذاك فلا يحتاج أن تشرح له.

    كذلك (في جيدها)، لا داعي أن تقول للعربي: (في جيدها) يعني: في عنقها، هذا واضح، أما الآن فأنت تخاطب من يجهلون اللغة العربية والأحكام الشرعية، فستشرح هذه من ناحية اللغة، وتبين هذه من ناحية الشرع، وهذا يتضاعف في الوقت، يضاف إلى هذا ما اقتضته الضرورة عندما وجدنا في آخر هذه الأمة من باب التصحيح والتضعيف، ستعزو الحديث إلى كتب وتصحح وتضعف، وهذا ما كان موجوداً في العصر الأول.

    كان يقوم سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ولا داعي لأن يقول: لا رواه البخاري ولا مسلم ، ولا هو في كتاب الحلية أو في الكتب الستة، هذا لا داعي له، أما الآن فإن التنبيه على هذه الأمور يأخذ حيزاً كبيراً من المحاضرة، أحياناً بمقدار الربع.. بمقدار الثلث.. بمقدار النصف، على حسب التخريجات التي تذكر من أجل توثيق هذه المعلومات.

    هذا كله ينبغي أن يراعى أيضاً، وأما خطبة بعد ذلك في دقائق معدودة وانتهى الأمر، حقيقة ليس هذا من الحكمة لا سيما في هذه الأيام، عندما عم الجهل وانتشر الضلال والغفلة، ونسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    والخلاصة: أنه فسَّر سورة النور، وفسر سورة البقرة تفسيراً لو سمعه المشركون لآمنوا بالحي القيوم، وهو أمير الموسم في عهد الخليفتين الراشدين سيدنا عثمان وسيدنا علي رضي الله عنهم أجمعين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.