إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في الفقه - اللهم فقهه في الدين [1]

مقدمة في الفقه - اللهم فقهه في الدين [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يبين منزلة العلم والفقه في الدين: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه عبد الله بن عباس بالفقه والعلم في غير ما مناسبة، ولو كان هناك شيء أفضل من الفقه والعلم لدعا له به النبي صلى الله عليه وسلم، وببركة هذا الدعاء العظيم أصبح ابن عباس فقيه الأمة وعالمها وحبرها، وأثر عنه من العلم والفقه والفتيا ما لم يؤثر عن غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم.

    1.   

    الأحاديث الواردة في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس بالفقه والعلم ودلالتها على منزلة الفقه في الدين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين. اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين! سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس بعض الآثار الثابتة عن نبينا المختار، عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه، في فضل التفقه في دين العزيز القهار سبحانه وتعالى.

    وقلت إخوتي الكرام: سنتدارس أربعة آثار في ذلك مر الكلام على ثلاثة منها:

    أولها: حديث سيدنا معاوية ومن معه من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

    والحديث الثاني: حديث سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن سيدنا النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً)، وتقدم معنا أن الحديثين في الصحيحين وغيرهما من دواوين السنة.

    والحديث الثالث: من رواية سيدنا عبد الله بن عمر وسيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أجمعين، وقلت: رُوي الحديث عن اثني عشر صحابياً، كما رُوي عن أربعة من التابعين مرفوعاً إلى نبينا الأمين، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: ( أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع )، ( فضل العلم أحب إلي -إلى نبينا عليه الصلاة والسلام- من فضل العبادة، وأفضل الدين الورع ).

    لقد مر الكلام على هذه الآثار الثلاثة، وسوف نشرع في الأثر الرابع -وهو آخرها- في منزلة التفقه في الدين، وبيان مكانة التفقه في دين الله عز وجل.

    حديث: (اللهم فقهه في الدين)

    الحديث الرابع إخوتي الكرام: ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين، والحديث في غير ذلك من دواوين السنة -كما ستسمعون عند تخريجه- من رواية سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ( أتى النبي صلى الله عليه وسلم الخلاء لقضاء حاجته، فوضعت له وَضوءاً -بفتح الواو وهو: الماء الذي يستعمل في الوُضوء- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من وضع هذا؟ قيل: ابن عمك عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم فقهه في الدين )، ورواية الإمام مسلم اقتصرت على الفعل فقط: (اللهم فقهه).

    والحديث رواه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك بسند صحيح وأقره عليه الذهبي، والحديث في حلية الأولياء، وطبقات الإمام ابن سعد، ورواه الإمام ابن الجوزي بسنده في كتابه المصباح المضيء في ترجمة الخليفة المستضيء، وهو من خيار خلفاء بني العباس، توفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة.

    وفي زمنه تم القضاء على الدولة العُبيدية الملحدة، التي ادعت أنها دولة فاطمية في بلاد مصر، وألف الإمام ابن الجوزي كتابه الشهير: النصر على مصر، وألف كتاباً في مجلدين في ترجمة هذا الخليفة الصالح الخليفة المستضيء سماه: المصباح المضيء في ترجمة الخليفة المستضيء ، وأورد هذا الحديث في ترجمته أيضاً، ولفظ الحديث: عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال في حق سيدنا عبد الله بن عباس وابن عمه رضي الله عنهما: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، هذه الزيادة ليست في الصحيحين، إنما الذي تقدم معنا في الصحيحين: (اللهم فقهه في الدين) ولفظ مسلم: (اللهم فقهه)، أما لفظة (وعلمه التأويل) فهي في المسند والمستدرك وغير ذلك كما أشرت.

    والحديث رواه الخطيب في تاريخ بغداد بلفظ: (اللهم فهمه في الدين، وعلمه التأويل)، (وفهمه) بمعنى: فقهه، كما تقدم معنا أن الفقه هو الفهم.

    والحديث رواه الإمام أحمد في المسند أيضاً، وأبو نعيم في الحلية، عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (دعا لي النبي صلى الله عليه وسلم أن يزيدني الله علماً وفهماً)، والحديث رواه الإمام ابن الجوزي في المصباح المضيء أيضاً، عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه دعا له فقال: (اللهم أعط ابن عباس الحكمة، وعلمه تأويل الكتاب)، وفي رواية: (اللهم علمه الحكمة، وعلمه تأويل الكتاب)، والحكمة هي الفقه وهي الفهم في دين الله عز وجل.

    حديث: (اللهم زده فهماً وعلماً)

    والحديث رواه الإمام أبو نعيم في الحلية أيضاً، والحاكم في المستدرك بسند صحيح على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبي ، كما في المستدرك في الجزء الثالث صفحة أربع وثلاثين وخمسمائة، عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أنه قام وراء نبينا عليه الصلاة والسلام يصلي في بيته المبارك الشريف؛ لأن نبينا عليه الصلاة والسلام تزوج خالة عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وهي ميمونة بنت الحارث، وأم سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لبابة بنت الحارث فهما أختان، تزوجها العباس عم نبينا خير الناس، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فكان أحياناً يبيت عند خالته، وليس إلا فراش واحد، عندما يريد أن يبيت تقول له خالته ميمونة: لا يوجد إلا فراش واحد، فيقول: ردائي يكفيني وأضع رأسي على الوسادة التي تنامان عليها، لكن من الجهة الخلفية، أنتم إلى هذه الجهة، وأنا إلى هذه الجهة، لا أدخل معكما في الفراش رضي الله عنه وأرضاه.

    وهو غلام حدث كما سيأتينا، عندما توفي نبينا عليه الصلاة والسلام كان قد ناهز الاحتلام، فقام ليلة وراء نبينا عليه الصلاة والسلام ليصلي، فصلى وراءه، فمد نبينا عليه الصلاة والسلام يده وسحبه وأقامه بحذائه وجواره، فانخنس سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه -أي: تأخر- مرة ثانية، فجذبه النبي عليه الصلاة والسلام وأقامه بحذائه، فلما سلم عليه صلوات الله وسلامه قال: ( يا ابن عباس ! ما لك أجعلك حذائي فتنخنس؟ فقال: يا رسول الله! ما كنت أظن أنه يحق لأحد أن يقوم بحذائك وأنت رسول الله ) نحن نقف بجنبك، لا بد من أن نتأخر ونتأدب معك، وأنت رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: ( فرفع النبي عليه الصلاة والسلام يديه فقال: اللهم زده فهماً وعلماً ).

    انظر لفهمه وفقهه، لما ذهب النبي عليه الصلاة والسلام لقضاء الحاجة تبعه بوعاء من ماء ليتطهر وليتوضأ، وانظر لفقهه وفهمه وذكائه وزكائه رضي الله عنه، وهو صغير ما جرى عليه قلم التكليف، يقول: كيف أقوم بجوار النبي الجليل عليه الصلاة والسلام، وهو قريبه وزوج خالته عليه صلوات الله وسلامه، وبين الأقارب ترتفع -كما يقال- الحشمة، فلا يبقى التوقير الذي يبقى مع الأجانب، وهذا ابن عمه عليه صلوات الله وسلامه، وهو زوج خالته، فيدخل ويخرج إلى البيت بكثرة، ثم هو غلام صغير، ومع ذلك انظر لهذا العقل الكبير المستنير: ما كنت أظن أنه يحق لأحد أن يقوم بحذائك، أنت تسحبني لكن عندما توقفني بحذائك أقف سمعاً وطاعة لك، وإذا تركتني أنخنس وأتأخر، ولذلك دعا له النبي عليه الصلاة والسلام أن يزيده الله فهماً وعلماً.

    وحقيقة من كان عنده هذا الأدب، وهذا الزكاء وهذا الذكاء، ينبغي أن يُدعى له بهذا الدعاء: اللهم زده فهماً وعلماً.

    دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس بالحكمة

    تعدد الروايات في دعاء النبي لابن عباس بالعلم والفقه في الدين

    وهذه الروايات بالألفاظ المتعددة لعلها -والعلم عند الله- صدرت في مناسبات متعددة، فهناك وضع وَضوءاً للنبي عليه الصلاة والسلام: (اللهم فقهه في الدين)، وفي مناسبة أخرى قال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، وفي مناسبة أخرى: (اللهم زده فهماً وعلماً)، وفي مناسبة أخرى مسح رأسه وقال: (اللهم علمه الحكمة)، وفي مناسبة أخرى: (ضمه إليه، وقال: اللهم علمه الحكمة، وتأويل الكتاب)، مناسبات متعددة، كأن رسول الله عليه الصلاة والسلام يلح على الله في أن يحقق رجاءه ودعاءه في ابن عمه؛ لينال درجة فقيه هذه الأمة، ولا شك أنه في مقدمة فقهاء الصحابة وأفقههم، رضي الله عنهم وأرضاهم.

    ولذلك كان سيدنا عمر ثاني الخلفاء الراشدين رضي الله عنه، يرجع إلى رأيه، ويترك رأي البدريين رضي الله عنهم أجمعين، كما سيأتي.

    فهذه الدعوة لم تتخلف، فهو فقيه الصحابة، وهو مفسر الصحابة وترجمان القرآن، وهو بحر هذه الأمة وحبرها وعالمها، رضي الله عنه وأرضاه.

    قال الإمام ابن عبد البر في كتابه الاستيعاب في معرفة الأصحاب، عليهم رضوان الكريم الوهاب، وانظروا الكتاب في الجزء الثاني صفحة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، على هامش الإصابة للحافظ ابن حجر، قال الإمام ابن عبد البر: رُوي من وجوه متصلة عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب)، وفي رواية: (اللهم فقهه في الدين)، وفي رواية: (اللهم آته الحكمة)، ثم سرد الروايات التي ذكرتها، قال الإمام ابن عبد البر: وكلها أحاديث صحيحة. فهي أحاديث صحاح، كما تقدم معنا أن الحديث في الصحيحين، وفي المستدرك بالزيادات، وصححه وأقره عليه الذهبي، وفي غير ذلك من دواوين السنة.

    وهذه الدعوة -إخوتي الكرام- التي دعا بها نبينا عليه الصلاة والسلام لابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهم، تبين لنا مكانة الفقه ورتبته، كما تبين لنا شأن التأويل ودرجته.

    فقه عبد الله بن عباس وعلمه بالتأويل ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم

    وقد حاز هذا الصحابي المبارك الدرجة العليا في الرتبتين: في الفقه وفي التفسير، كما حاز الدرجة العليا أيضاً في رواية حديث نبينا البشير النذير، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فهو من الستة المكثرين عن نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام في رواية الأحاديث كما سيأتينا، وهو أفقه الصحابة على الإطلاق، ونقل عنه من الفتيا والفقه ما لم يُنقل عن صحابي آخر رضي الله عنهم أجمعين، فهو أكثرهم فتيا، وهذا محل اتفاق كما سيأتينا، وهو من المكثرين في الرواية، يوجد من هو أكثر منه في الرواية فهناك أربعة زادوه في الرواية من الصحابة وهو الخامس، لكنه لا زال من ضمن المكثرين في الرواية، أما في الفقه فهو في الدرجة الأولى، وفي التفسير في الدرجة الأولى، لقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل).

    إخوتي الكرام! أخذ أئمتنا من هذا الحديث أن التفسير بالرأي جائز، وهذا محل إجماع واتفاق، إذا كان التفسير بالرأي موافقاً لقواعد اللغة العربية والنصوص الشرعية، لا خلاف في ذلك، كما أن التفسير بالرأي حرام بالإجماع إذا كان على حسب الرأي المجرد والهوى والتشهي، الذي لا يستند إلى نصوص الشرع ولا إلى قواعد اللغة، فهذا محل إجماع على تحريمه.

    ومن حكى اختلافاً بين أئمتنا في موضوع التفسير بالرأي، فهو واهم لم يفهم مرادهم من عباراتهم، فمن قال: إن التفسير بالرأي حرام، عنى به تفسير المبتدعة، وأهل الأهواء، ومن قال: إن التفسير بالرأي حلال، عنى به تفسير أهل السنة، تفسير العلماء، التفسير الذي نُقل عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، مما تدل عليه نصوص الشرع، وتحتمله لغة العرب، فهذا لا بد من وعيه ولا خلاف بين أئمتنا في ذلك، ومن حكى عنهم اختلافاً فلعدم فهم مرادهم من كلامهم.

    ولذلك يقول أئمتنا في مثل هذا: اختلفت عباراتهم لاختلاف اعتباراتهم، فمن أراد بالتفسير بالرأي الهوى والتشهي قال: إنه حرام، ومن أراد بالتفسير بالرأي المنضبط الموافق لنصوص الشرع وقواعد اللغة قال: إنه حلال، فهذا يقول: حلال، وهذا يقول: حرام؛ لأن هذا يلحظ ملحظاً وهذا يلحظ ملحظاً، فانتبه لهذا.

    وهذا كقول الله جل وعلا في سورة آل عمران: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ أمنا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران:7].

    فقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ أمنا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، لفظة: (الراسخون) الجملة مبتدأة والواو استئنافية أو عاطفة على لفظ الجلالة، فالأمران معتبران على حسب ملاحظة معنى التأويل، فمن أراد بالتأويل التفسير قال: الراسخون يعلمون التفسير كما يعلمه الله الجليل، وهذا ما قاله سيدنا مجاهد رضي الله عنه وأرضاه، قال: أنا ممن يعلم تأويل المتشابه، ما المراد بالتأويل؟ المعنى الظاهري، التفسير حسب ما تحتمله لغة العرب، ولا يوجد لفظ في القرآن إلا وله معنى حسب لغة العرب، ومن أراد بالتأويل الحقيقة التي يئول إليها الشيء قال: هذا استأثر الله بعلمه، فمعنى (الساعة) نعرفه، ولكن وقتها نجهله، معنى ما يكون في الآخرة من نعيم وعذاب أليم نعرفه، رمان وفاكهة وما شاكل هذا، هذا معروف، وهناك سلاسل وأغلال، وهذا معروف، لكن الحقيقة لا يعرفها إلا الله جل وعلا.

    فمن أراد بالتأويل التفسير الظاهري، قال: الراسخون يعلمونه كما يعلمه الحي القيوم، ومن قال: إن المراد بالتأويل الحقيقة التي يئول إليها ذلك المتشابه، قال: هذا لا يعلمه إلا الله.

    وهنا كذلك -إخوتي الكرام- التفسير بالرأي جائز بهذه الشروط: أن يوافق نصوص الشرع وقواعد اللغة، فلا حرج في ذلك أن يأتي الإنسان ويقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] الصراط المستقيم: هو الطريق الواضح، طريق الحق، طريق العلم والعمل، طريق الإسلام، طريق الشيخين أبي بكر وعمر، طريق أهل السنة والجماعة، فهذا كله حق؛ لأنه وافق نصوص الشرع وما خرج عن قواعد اللغة.

    وهنا كذلك دعا نبينا عليه الصلاة والسلام لسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بالفقه في الدين ومعرفة التأويل، فلو كان التأويل متوقفاً على السماع لاستوى هو مع غيره في هذا الأمر، وسيأتينا بعض النماذج وأنه لا بد من استنباط واستنتاج -كما قلت- حسبما تدل النصوص الشرعية، ولا يخرج عن قواعد اللغة العربية، فيظهر له ما يخفى على غيره، لماذا؟ لدعوة نبينا عليه الصلاة والسلام له بعلم التأويل، فلو كان التأويل مسموعاً كالتنزيل لاستوى مع غيره، ولكان أبو هريرة أعلى منه، وهو أحفظ منه رضي الله عنهم أجمعين، لكن شتان بين سيدنا أبي هريرة وسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الفقه، وأبو هريرة رضي الله عنه كان إذا طرأت عليه مشكلة يذهب إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فيستفتيه في القضية التي تنزل عليه وتحل به.

    فمع أنه أحفظ، لكن الاستنباط، والاستنتاج، والفهم، ومعرفة التأويل، هذا مما خص الله به بعض الناس، وهو الذي يؤتي الحكمة من يشاء سبحانه وتعالى.

    إخوتي الكرام! كما قلت: إن فقيه الإسلام هو سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، لدعوة نبينا عليه الصلاة والسلام له بذلك: (اللهم فقهه في الدين)، كما أن راوية الإسلام هو سيدنا أبو هريرة رضي الله عنهم أجمعين.

    ثبت في صحيح البخاري، وسنن الترمذي وغير ذلك من دواوين السنة، عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، أنه جاء إلى نبينا الأمين، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فقال: ( يا رسول الله! إني أسمع منك حديثاً كثيراً ثم أنساه -لا يثبت في ذهني ولا في ذاكرتي- فادع الله لي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: بسط رداءك يا أبا هريرة! فبسطه، قال: فغرف النبي عليه الصلاة والسلام بيده -أمور معنوية لا يعلمها إلا رب البرية- وألقاها في رداء أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، ثم قال له: ضم عليك رداءك. قال سيدنا أبو هريرة: فما نسيت شيئاً حفظته بعد ذلك ) بعد هذا البسط، وغرف شيء وإلقاؤه في الرداء، وضم الرداء، ما نسيت شيئاً، وهو راوية الإسلام، وهو أكثر الصحابة رواية لحديث نبينا عليه الصلاة والسلام.

    رُوي له خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثاً، فهو أكثر الصحابة رواية، يليه عبد الله بن عمر، ويليه أنس بن مالك، وتليهم أمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين، هؤلاء الأربعة يتقدمون عبد الله بن عباس، ويأتي في الرتبة الخامسة سيدنا عبد الله بن عباس ، رُوي له ستمائة وألف حديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وفي الدرجة السادسة جابر بن عبد الله، وأكثر كتب المصطلح اقتصرت على الستة، ويُعَنْوَنُ عليهم بالستة المكثرين.

    قال شيخ الإسلام الإمام العراقي : يلحق بهم سابع، لأن المكثر من زادت أحاديثه على ألف، وهو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، فقد زادت أحاديثه على الألف، فيلحق بهم، انظروا: شرح ألفية العراقي للإمام العراقي، في الجزء الثالث صفحة خمس عشرة.

    إذاً: راوية الإسلام سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وفقيه الإسلام سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، ولذلك يقال له: البحر، والحبر، وتَرجُمان القرآن رضي الله عنهم أجمعين، وهو أكثر الصحابة فُتيا كما ذكرنا، وهو واثنان من الصحابة كان لهم شأن في الصحابة، فكان لهم تلاميذ، ولهم مدارس، يؤخذ العلم والفقه من شيوخ هذه المدارس، وهم: سيدنا عبد الله بن عباس، ومدرسته أشهر المدارس الثلاث، وعبد الله بن مسعود ، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم وأرضاهم، كان لكل واحد من هؤلاء أتباع يلتزمون بقوله، ويقررونه، وينشرونه، كما حصل بعد ذلك في هذه الأمة عندما استقرت الأقوال بالمناهج الأربعة، مدرسة رئيسها عبد الله بن عباس، ومدرسة رئيسها عبد الله بن مسعود، ومدرسة رئيسها زيد بن ثابت ، وأكبر المدارس مدرسة سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.

    ونبينا عليه الصلاة والسلام كان يتوسم فيه ذلك، ولذلك ألح على الله جل وعلا أن يزيده تهيؤاً لوصول هذه الرتبة التي سيصل إليها في المستقبل، وكان نبينا عليه الصلاة والسلام أيضاً يوصيه بتقوى الله ومراقبته في جميع أحواله؛ لأنه سيكون له شأن، والتقوى حقيقة تزيد الإنسان بصيرة ونوراً وفطنة وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    ثبت في مسند الإمام أحمد، وسنن الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحديث رواه الحاكم في المستدرك، والإمام أبو يعلى في مسنده، والضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، كما رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير، والإمام ابن السني، والإمام الآجري في الشريعة، والإمام ابن أبي عاصم في كتاب السنة، ورواه أبو نعيم في الحلية، والحديث صحيح صحيح، من رواية سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (كنت يوماً رديف النبي، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه -أردفه خلفه على دابة من تواضع نبينا عليه صلوات الله وسلامه- فالتفت إليّ وقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).

    إن دعاءه له بالفقه والعلم يقتضي أنه لابد من أن يُوصَّى من خير الموصين نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام بأن يتقي الله في كل حين، فإذا حفظ الله حفظه الله، وواقع الأمر كذلك.

    فتاوى عبد الله بن عباس رضي الله عنه الفقهية

    فائدتان -إخوتي الكرام- قبل أن أكمل خطوات البحث:

    الفائدة الأولى: ذكر الإمام ابن حزم في كتابه الإحكام في أصول الأحكام، في أصول الفقه في الجزء الخامس صفحة ست وستين وستمائة، والكتاب في ثمانية أجزاء مرتبة ترتيباً تسلسلياً، من الجزء الأول إلى نهاية الثامن في الطبعة التي عندي، وكلامه نقله الإمام الذهبي في السير أيضاً في الجزء الثالث صفحة ثمان وخمسين وثلاثمائة: أن أحد العلماء وهو من الأمراء أيضاً من ذرية سيد الفقهاء سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وهو أبو بكر محمد بن يعقوب ابن الخليفة المأمون.

    وخلفاء بني العباس ينتمون إلى سيدنا العباس رضي الله عنهم أجمعين، ولذلك الإمام ابن الجوزي ألف للخليفة المستضيء : المصباح المضيء في أخبار الخليفة المستضيء، ترجم في أول الكتاب لسيدنا العباس، ثم لابنه عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، جاء في بعض روايات الأحاديث التي تقدمت معنا: (وانشر منه)، يعني: أن نسله يكون لهم شأن وأثر.

    ولذلك جاء خلفاء بني العباس على حسب ما حمل الإمام ابن الجوزي الحديث على ذلك، فهم ينتمون إلى سيدنا العباس رضي الله عنهم وأرضاهم، فهذا أحد أحفاد سيدنا عبد الله بن عباس، وهو محمد بن يعقوب بن المأمون، توفي سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، انظروا ترجمته الطيبة في المنتظم، في الجزء السادس صفحة أربع وسبعين وثلاثمائة، قال: ولي مكة المكرمة صانها الله وشرفها، وكان أميراً عليها، ثم ذهب إلى بلاد مصر لنشر الحديث ولتلقي الحديث، فأدركته المنية هناك ودفن في بلاد مصر عليه رحمة الله ورضوانه، ألف كتاباً جمع فيه فتاوى سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في عشرين مجلداً، في ذلك الوقت الذي هو في القرن الرابع الهجري، كتاب في عشرين مجلداً جمع فيه فتاوى سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين.

    ولا يخفى عليكم أن كتاباتهم القديمة ليست ككتاباتنا الحديثة مبسوطة، فعشرون مجلداً من المخطوطات تحتاج في هذا الوقت لو طبعت إلى مائة مجلد، لو نظرت في مخطوطات أئمتنا القديمة السطور متراصة والصفحة مملوءة، ولا يوجد سعة، وكما هو الحاصل الآن في علامات الترقيم، وهامش من هنا ومن هنا، وشيء من الترتيب الذي يجلب نظر القارئ، فعشرون مجلداً على أقل تقدير تأتي في مائة مجلد، وهذه كلها يرويها بالأسانيد إلى سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، والفترة قريبة، فسيدنا عبد الله بن عباس توفي سنة ثمان وستين، فبينهما قرابة مائتي سنة، فبينهما واسطتان أو ثلاثة على حسب علو الإسناد في جمع هذه الفتاوى.

    هذه المجلدات أين هي؟ علمها عند ربي، لكن لو وُجدت لكانت ثروة فقهية عظيمة بفقه صحابي، أكبر مدرسة فقهية في عهد الصحابة تجمع فتاواه في عشرين مجلداً بأسانيد ثابتة، ما أجمل هذا لو وُجد!

    إخوتي الكرام! هذا كما قلت فيما يتعلق بالتنبيه الأول، له كما قلت مدرسة فقهية، وجُمعت بعض أيضاً فتاويه ليس الكل في عشرين مجلداً جمعها بعض أحفاده.

    مجمل الأحاديث التي سمعها عبد الله بن عباس من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة

    الأمر الثاني التنبيه الثاني: ذكر الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه الوابل الصيب من الكلم الطيب، في صفحة سبع وسبعين، أن مقدار ما سمعه سيدنا عبد الله بن عباس من نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، مقدار ما سمعه يقول: نحو عشرين حديثاً سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام، وبقية مروياته كلها أخذها من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ثم ذكر الإمام ابن القيم أنه لم يسمع هذا من النبي عليه الصلاة والسلام لا لصغر سنه، لكن لما كان في قلبه من تفاعل ونور وبصيرة، تفاعل مع هذه النصوص، وأخرج منها من كل زوج بهيج، كالأرض الطيبة إذا نزل عليها الماء أنبتت الكلأ والعشب والكثير، فحاله كحال الأرض الأولى في حديث سيدنا أبي موسى التي تقدم معنا رضي الله عنه وأرضاه.

    وهذا الذي يقوله الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، يقول قبله الإمام الغزالي ما هو أغرب منه، فاختصر العشرين إلى خمسة، يقول: مبلغ ما سمعه سيدنا عبد الله بن عباس من نبينا خير الناس عليه الصلاة والسلام قرابة الأربعة أحاديث.

    وهذا أورده في كتابه المستصفى، في الجزء الأول صفحة سبعين ومائة، عند مبحث الحديث المرسل، وأئمتنا بحثوا عند الحديث المرسل مراسيل الصحابة، وهي حجة عند جميع أهل الإسلام، ما خالف في هذا إلا الإمام الإسفراييني عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، ولم يعول على قوله أحد من أئمتنا.

    يقول شيخ الإسلام الإمام العراقي:

    أما الذي أرسله الصحابي فحكمه الوصل على الصواب

    فأكثر روايات سيدنا عبد الله بن عباس مرسلة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، بينه وبينه واسطة، ويكون أخذه من سيدنا أبي بكر أو عمر أو عن غيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، كما سيأتينا في طلبه للعلم وجده واجتهاده في تحصيله، لكنه ما كان يصرح، ما كان يقول: حدثني أبو بكر رضي الله عنه، ولا حدثني عمر، ولا حدثني أبو هريرة، بل يضيف الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا حرج في ذلك من باب اختصار الإسناد، والصحابة كلهم عدول ثقات، ولا داعي للتطويل، وهو قد رَأى النبي الجليل على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فهو مرسل لكن مرسل الصحابي حكمه الوصل والاتصال.

    فـابن عباس رضي الله عنهما غاية ما سمعه من النبي أربعة أحاديث، والباقي لم يسمعها، وهي مقبولة ويحتج بها عند جميع أهل الإسلام.

    وفي كل من العبارتين -عبارة الإمام ابن القيم، وعبارة الإمام الغزالي، يغفر الله لنا ولهم أجمعين- فيهما شيء من التقصير نحو هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، فالذي سمعه أكثر من ذلك، ولذلك استغرب الإمام السخاوي في فتح المغيث، في الجزء الأول صفحة سبع وأربعين ومائة كلام هذين الإمامين المباركين، إن كان كلام الإمام الغزالي أو كلام الإمام ابن القيم عليهم جميعاً رحمة الله، ونقل عن شيخه الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: أنه أحصى الأحاديث الصحيحة والحسنة التي ثبتت عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وصرح فيها بالسماع من نبينا خاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فبلغت أربعين حديثاً، هذا ما صرح فيه بالسماع.

    قال الحافظ ابن حجر: سوى ما في حكم ذلك، أي: ما في حكم السماع، من حضوره شيئاً فُعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ونقله: أنه عُمل كذا بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام، ووقع كذا بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام، إنما الأربعون حديثاً مما هو صحيح أو حسن، مما أحصاه الحافظ ابن حجر، صرح فيها الإمام سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بالسماع، فمن قال: إنها عشرون فقد أجحف وقلل، ومن قال: إنها أربعة فقد زاد في الإجحاف أيضاً.

    وعلى كل حال: سواء كانت أربعة أو عشرين أو أربعين أو نحو ذلك، فإن رواياته جميعها تزيد عن الألف، ألف وستمائة كما تقدم معنا، وبقية الروايات كلها مرسلة، أخذها من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ولها حكم الوصل.

    الفرق بين الإمام الحافظ والإمام الفقيه المستنبط

    يذكر الإمام ابن القيم في صفحة سبع وسبعين، في الوابل الصيب، كلاماً طيباً نفيساً حول هذه المسألة وما يتعلق بها، وهو يتكلم في الأصل على حديث سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه الذي تقدم معنا، في أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، على حسب ظاهر الحديث، لكن استظهر الحافظ ابن حجر أنهم أربعة أقسام، وفي كل طائفة قسمان، كما وضحت هذا.

    والإمام ابن القيم يمشي على أنهم ثلاثة أقسام، وأن الطائفة الخبيثة الأخرى التي لم تقبل هدى الله، ولم ترفع رأساً بدين الله، وهي طائفة واحدة: مَن أعرضت عن دين الله، والطائفة الأولى طائفتان: منهم من حفظ وعَلِم وفقُه وعَلَّم، ومنهم من حفظ وعَلِم لكنه لم يتفقه في دين الله عز وجل بحيث يستفيد الناس منه، إنما هو مجرد ناقل، الناس يأخذون الروايات عنه دون أن يتفاعل معها، وأن يستخرج كنوزها، وهو الفقه والاستنباط.

    يقول: وهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة، وترجمان القرآن، مقدار ما سمع من النبي عليه الصلاة والسلام لم يبلغ نحو العشرين حديثاً، الذي يقول فيه: سمعت فقط، وقد ذكرنا أنه وصل الأربعين، وأما رأيت وفُعل بحضرته فقال الحافظ ابن حجر : أزيد من هذا، وسمع الكثير من الصحابة، وبورك له في فهمه والاستنباط منه، حتى ملأ الدنيا علماً وفقهاً.

    قال أبو محمد بن حزم : جُمعت فتاويه، أو جَمعت فتاويه. يعني هل الإمام ابن حزم له كتاب جمع فيه فتاوى ابن عباس، أو أنه يخبر أنه جُمعت فتاوى ابن عباس ؟ حقيقة ما عندي علم بذلك.

    قال أبو محمد بن حزم: وجَمعتُ فتاويه في سبعة أسفار كبار، جُمعت فتاويه في سبعة أسفار كبار. والعلم عند الله، لكن تقدم معنا أنه بعض أحفاده جمعها في عشرين مجلداً.

    قال الإمام ابن القيم: وهي بحسب ما بلغ جامعها. يعني: إن كان الجامع هو ابن حزم أو غيره، فنقول: هذا بحسب ما بلغ ابن حزم أو غيره، وما وصل إليه من علم وفتاوى سيدنا عبد الله بن عباس، وإلا فعلم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كالبحر، وفقهه واستنباطه وفهمه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناس، وقد سمع كما سمعوا، وحفظ القرآن كما حفظوا، ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضي، وأقبلها للزرع، فبذر فيها النصوص، فأنبتت من كل زوج كريم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

    وأين تقع فتاوى سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وتفسيره واستنباطه، من فتاوى سيدنا أبي هريرة وتفسيره رضي الله عنهم أجمعين، وأبو هريرة رضي الله عنه أحفظ منه، بل هو حافظ الأمة على الإطلاق، يؤدي الحديث كما سمعه، ويدرسه بالليل درساً، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه، وهمة سيدنا عبد الله بن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط، وتفجير النصوص، وشق الأنهار منها، واستخراج كنوزها، وهكذا الناس بعده قسمان: يعني الطيبان النافعان: قسم حفاظ معتنون بالضبط والحفظ والأداء كما سمعوا، لا يستنبطون ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه، وقسم معتنون بالاستنباط واستخراج الأحكام من النصوص والتفقه فيها.

    فالأول: حفاظ، كـأبي زرعة وأبي حاتم، وقبلهم كـبندار محمد بن بشار وعمرو الناقد وعبد الرزاق، وقبلهم كـمحمد بن جعفر غندر وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم من أهل الحفظ والإتقان والضبط لما سمعوه من غير أن يستنبطوا ويتفقهوا فيما حفظوه، والقسم الثاني هم الفقهاء الذين حفظوا وفقهوا واستنبطوا، وذلك مثل سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين، فهو فقيه هذه الملة المباركة المرحومة، كـأبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق والإمام أحمد بن حنبل والبخاري وأبي داود ومحمد بن نصر المروزي، وأمثالهم ممن جمع الاستنباط والفقه إلى الرواية، فهاتان الطائفتان هما أسعد الخلق بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قبلوه ورفعوا به رأساً.

    وتقدم معنا -إخوتي الكرام- تقرير هذا سابقاً: أن الفقهاء أطباء، والمحدثين صيادلة، وذكرت بعض الوقائع التي وقعت للمحدثين فما استطاعوا أن يجيبوا فيها بكلمة، حتى أُحيلت إلى من يفجرون النصوص ويستنبطون منها، فأجابوا بالحكم الشرعي رضي الله عنهم وأرضاهم.

    فسيدنا أبو هريرة رضي الله عنه راوية الإسلام، حافظ الإسلام حقيقة، وسيدنا عبد الله بن عباس فقيه الإسلام، ترجمان القرآن، فدرجته أعلى من درجة سيدنا أبي هريرة قطعاً وجزماً رضي الله عنهم أجمعين.