إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في الفقه - الفقه فضله ورتبته [2]

مقدمة في الفقه - الفقه فضله ورتبته [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد وردت الأحاديث الكثيرة الصحيحة عن نبينا صلى الله عليه وسلم التي تبين منزلة الفقه والتفقه ومكانته من الدين، والتي تبين أنه أفضل العبادة وأحبها إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، كما ورد هذا المعنى كثيراً عن سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى، وتمثلوه واقعاً حياً يعيشونه بينهم علماً وعملاً، كما وردت الآثار عنهم في الوصية بطلب العلم والفقه والحرص على تحصيله.

    1.   

    تابع الأحاديث الدالة على علو منزلة الفقه والتفقه في الدين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    فقد ورد عن نبينا عليه الصلاة والسلام أحاديث كثيرة تبين أن منزلة التفقه في الدين أعلى درجات العبادة، وفوق التفرغ للجد والاجتهاد في العبادة؛ من أذكار وأوراد ونوافل وعبادات يقوم بها الإنسان بينه وبين ربه، التفقه في الدين أعظم من ذلك بكثير، فاستمعوا لبعض الأحاديث التي تقرر هذا ضمن الدلالة الثالثة كما قلت.‏

    قوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل العبادة الفقه وأفضل الدين الورع)

    روى الإمام الطبراني في معاجمه الثلاثة في الصغير والأوسط والكبير، والحديث رواه الإمام الخطيب في الفقيه والمتفقه، في الجزء الأول صفحة إحدى وعشرين، ورواه الإمام القضاعي في مسند الشهاب، قال الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء الأول صفحة عشرين ومائة: وفي إسناده محمد بن أبي ليلى ، ضعفوه لسوء حفظه، وحديثه إن شاء الله في درجة الحسن، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق سيئ الحفظ جداً، وهو من رجال السنن الأربعة، توفي سنة ثمان وأربعين ومائة للهجرة. صدوق سيئ الحفظ جداً، وسيأتينا أن الحديث لا ينزل عن درجة الصحة للاستفاضة إن لم يكن متواتراً، فهذا الطريق حوله كلام، لكن الطريق الذي بعده صحيح، وله طرق كثيرة سأذكرها على طريق الإيجاز، له اثنا عشر طريقاً متصلاً، وأربع طرق مرسلة، فعندنا ستة عشر طريقاً تدل على هذا المعنى، وهذا الأمر في الدلالة كما قلت، فالحديث في أعلى درجات الصحة، وإن كان في هذا الإسناد الأول ضعف لوجود محمد بن أبي ليلى.

    ولفظ الحديث: عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع)، الفقه أفضل العبادة، وأفضل الدين الورع.

    الرواية الثانية: من طريق سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه رواها الحاكم في المستدرك وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبي، ومن طريقه روى الحافظ البيهقي الحديث في المدخل إلى السنن صفحة ثلاث وثلاثمائة، ورواه في كتاب الزهد أيضاً، وفي كتاب الآداب، ورواه في كتاب الأربعون الصغرى في أحوال عباد الله دون إسناد، هذا في الكتاب الأخير فقال: رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث -إخوتي الكرام- صحيح، لكن في قول الإمام الحاكم وإقرار الذهبي له: أنه على شرط الشيخين، شيء من التساهل فقط، لكن الحديث صحيح، في إسناده حمزة بن حبيب الزيات رضي الله عنه وأرضاه، وهو إمام ثقة مبارك صدوق زاهد عابد، لكن لم يخرج له البخاري، ومن رجال مسلم والسنن الأربعة، حمزة بن حبيب الزيات أحد القراء السبعة، توفي سنة ست وخمسين أو ثمان وخمسين بعد المائة، فقول الحاكم: على شرط الشيخين، كما قلت في ذلك شيء من التساهل والمسامحة، ولو قال: صحيح، أو على شرط مسلم ، لكان أولى؛ لأن الحديث ليس على شرط البخاري؛ لأن البخاري لم يخرج لسيدنا حمزة بن حبيب الزيات، وهو إمام ثقة، والحديث صحيح بلا شك.

    ولفظ حديث سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة)، يعني: الزيادة في العلم أحب إلى النبي عليه الصلاة والسلام من الزيادة في العبادة، (فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع)، في الرواية الأولى: (أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع)، وهنا: (فضل العلم أحب إلى من فضل العبادة، وخير دينكم الورع).

    حقيقة الورع في الدين

    إخوتي الكرام! تعريف الورع باختصار كما عرفه نبينا عليه الصلاة والسلام إمام الأبرار: أن يترك الإنسان ما يشك فيه ليستبرئ لدينه. شيء تشك فيه: هل هو حلال أو حرام؟ تنزه عنه، شيء حاك في نفسك حاله، ابتعد عنه وتنزه عنه، هذا هو تعريف الورع، أن تترك ما لا بأس به، أن تترك ما ليس بحرام خشية أن تقع في الحرام.

    ثبت في سنن الترمذي وسنن ابن ماجه، والحديث رواه الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه عليه الذهبي، ورواه الإمام البيهقي وعبد بن حميد والإمام القضاعي في مسند الشهاب والإمام ابن عساكر والطبراني في معجمه الكبير، والحديث حسنه الإمام الترمذي، وأقره الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء الأول صفحة ثمان وأربعين، وهو حسن بعون رب العالمين، ورواه الإمام الدولابي في الكُنى أيضاً، انظروه في جامع الأصول في الجزء الرابع صفحة اثنتين وثمانين وستمائة، وفي الترغيب والرهيب في الجزء الثاني صفحة تسع وخمسين وخمسمائة، وانظروه في جمع الجوامع في الجزء الأول في صفحة تسع عشرة وتسعمائة.

    ولفظ الحديث من رواية سيدنا عطية السعدي رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس)، يعني: أن تترك ما تشك فيه، وتتردد فيه، لئلا تقع في الحرام، شيء ليس بحرام، لكن قد يفضي إلى الحرام، فتركته، هذا هو الورع.

    إخوتي الكرام! الإنسان ما له مصلحة في خروجه من بيته، فمن الورع أن يجلس في البيت، هذا معتكف اعتكف فيه، أما تريد أن تتمشى يميناً وشمالاً، التمشي مباح، لكن قد يجر إلى رزايا ومنكرات، لا سيما في هذه الأوقات، فعندما يخرج الإنسان قد تقع عيناه على منكرات، وما أكثرها في جميع الجهات! فلو جلست في بيتك لصنت عينك عن ذلك، هذا ورع حقيقي، يتورع الإنسان عنه، ولا داعي أن يخرج إلا لمصلحة شرعية، وما عدا هذا الناس تتجول يميناً وشمالاً لغير مصلحة، فلا بد إذاً من أن يترك الإنسان ما لا بأس به حذراً مما به بأس، إذا خرج يجره هذا بعد ذلك إلى شوائب.

    روى الإمام ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه موقوفاً عليه من قوله، قال: (تمام التقوى أن تتقي الله حتى تترك ما ترى أنه حلال خشية أن يكون حراماً). وقد علق البخاري في صحيحه في أول كتاب الإيمان، فقال: وقال ابن عمر رضي الله عنهما: (لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر)، ما ترددت فيه: هل يجر إلى محذور أو هو مسموح به؟ اتركه واسترح، قال الإمام البخاري في صحيحه: وقال ابن عمر: (لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر). وهذا المعنى الذي ذكره سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في هذا الأثر قال عنه الحافظ: لم أجده موصولاً بعد البحث والتفتيش، فهو أثر معلق، لكن ما وجدت من وصله، وما رأيت من خرَّجه، يقول هذا الحافظ رضي الله عنه وأرضاه، فماذا يقول من بعده؟! إنما يكفي أنه في صحيح البخاري -كما قلت- معلق بصيغة الجزم عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وهو مقطوع بصحته؛ لأنه مضاف إليه، فهو في صحيح البخاري في كتاب التزم صاحبه الصحة، لكن هذا الأثر قال عنه الحافظ: معناه ثبت في أحاديث صحيحة.

    منها: حديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم أن قال نبينا عليه الصلاة والسلام قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، هذا حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، والحديث أيضاً ورد معناه من حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه وأرضاه في المسند وسنن الإمام الدارمي، عندما جاء وابصة يسأل نبينا عليه الصلاة والسلام عن البر، قال: (جئت تسأل عن البر؟ البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، وإن أفتاك الناس وأفتوك).

    قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، صفحة سبع وثلاثين ومائتين: وقد ورد هذا المعنى: أن الإثم ما حاك في الصدر، ما تردد في الصدر فهو إثم، من رواية أبي أمامة الباهلي في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان، ومن رواية أبي ثعلبة الخشني في مسند الإمام أحمد، كلاهما بسند جيد، ومن رواية واثلة بن الأسقع في معجم الطبراني الكبير، لكن إسناد الحديث ضعيف، ويشهد له ما تقدم، ومن رواية أبي هريرة، ومن رواية عبد الرحمن بن معاوية، وهو تابعي، فحديثه مرسل، كلها فيها: أن الإثم ما حاك في الصدر، ما تردد في الصدر فهو إثم، فاتركه من باب الورع لتكون من المتقين.

    نعم إخوتي الكرام! ما اشتبه عليك دعه، وهذا كما ثبت في المسند والصحيحين والسنن الأربعة من رواية سيدنا النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتَبِهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يُواقِعه، ألا لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).

    كنت تكلمت -إخوتي الكرام- في مواعظ سابقة وقلت: هذا الحديث هو أحد أحاديث ثلاثة تدور عليها أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، بل دين الرحمن على التمام، وهي: حديث سيدنا عمر رضي الله عنه: (إنما الأعمال بالنيات)، وهو في الصحيحين، وحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما: (الحلال بين والحرام بين)، وحديث أمنا عائشة رضي الله عنها في الصحيحين أيضاً، وغير ذلك من دواوين السنة: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

    وقلت: وجه دوران الإسلام وأحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام على هذه الأحاديث الثلاثة: أن حديث النعمان بن بشير بيَّن لنا أن الحلال واضح، والحرام واضح، وما اشتبه عليك فدعه؛ لتستبرئ لدينك وعرضك وكرامتك، فالحلال والحرام الواضحان فينبغي أن نفعل الحلال وأن نترك الحرام، مريدين بذلك وجه الرحمن؛ لأن الأعمال بالنيات، فمن فسدت نيته وإن التزم بالحلال فعلاً في الظاهر، وترك الحرام في الظاهر، لكن لا لله؛ لا يثاب عند الله؛ لأن الأعمال بالنيات، وهذا ينبغي أن يكون على الكيفية الثابتة عن نبينا خير البريات عليه الصلاة والسلام، فالحلال الواضح كما ورد عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فعلينا ألا نزيد في دين الله ولا ننقص منه، فمن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، حلال واضح، وحرام واضح، حسبما بين نبينا عليه الصلاة والسلام، نلتزم بذلك مريدين وجه ذي الجلال والإكرام.

    إذاً: الورع كما سبق: أن يترك الإنسان ما لا بأس به حذراً مما به بأس.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي، والحديث في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم، وإسناد الحديث صحيح، من رواية سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: (حفظت من رسول الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: دع ما يَريبُك إلى ما لا يريبك -هذا هو الورع- فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة)، وفي رواية ابن حبان: (فإن الخير طُمأنينة)، تفعله وأنت مطئمن، ما حوله تردد في الصدر، ولا بحث في النفس، حلال قطعاً (فإن الخير طمأنينة، وإن الشر ريبة)، وفي الرواية الأولى: (فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة)، يعني: ترتاب وتشك فيه، وهكذا ما يؤدي إليه تشك فيه، فما شككت فيه، وتردد في صدرك، دعه وانتهي الأمر.

    إذاً: إخوتي الكرام! أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع، كما في الحديث السابق: (فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وأفضل الدين الورع)، هذا الحديث إخوتي الكرام! الذي رُوي من طريق سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وسيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أجمعين، ورُوي -كما قلت- عن صحابة آخرين، وعن رواة آخرين رضي الله عنهم أجمعين، سأسرد الروايات سرداً، وأما تخريجها فقد تقدم بيانها في مواعظ الجمعة.

    ورد الحديث من رواية السادة الكرام سيدنا حذيفة ، وسيدنا عبد الله بن عباس ، وسيدنا عبد الله بن عمرو ، وسيدنا أنس بن مالك ، وسيدنا ثوبان ، وسيدنا عبادة بن الصامت ، وأمنا الصديقة المباركة سيدتنا المباركة عائشة ، وسيدنا عبد الرحمن بن عوف ، وسيدنا أبي هريرة، ورُوي في شعب الإيمان عن بعض الصحابة لم يسم رضي الله عنهم أجمعين، هذه عشر روايات مع رواية ابن عمر وسعد اثنتا عشرة رواية، هذه كلها متصلة، وفيها هذا المعنى: أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع، (فضل العلم أحب ألي من فضل العبادة، وخير الدين الورع)، كلها فيها هذا المعنى.

    ورُوي الحديث أيضاً من طرق أربع مرسلة من طريق الحسن البصري وابن سيرين في كتاب الزهد لـهناد بن السري وغير ذلك، ورُوي من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير وعمرو بن قيس الملائي، فهذه أربع طرق ثابتة لكنها مرسلة، وهناك اثنتا عشرة طريقاً متصلة كلها فيها هذا المعنى: أن أفضل العبادة الفقه، وأن أفضل الدين الورع.

    1.   

    الآثار الواردة عن السلف الصالح في بيان منزلة الفقه ومكانته

    إخوتي الكرام! ما دلت عليه هذه الأحاديث الصحيحة من منزلة علم الفقه، ومنزلة العلم ومكانته، وأنها أعلى درجات العبادة، هذا الأمر هو الذي وعاه سلفنا الكرام، وفي مقدمتهم صحابة النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وكانوا يُنَوِّهون بذلك على الدوام، إليكم بعض الآثار الحسان التي تقرر هذا عنهم، أذكر أثراً أو أثرين من الآثار الواردة عنهم، وأكمل البقية في الموعظة الآتية بعون الله وتوفيقه إن شاء الله:

    روى الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله في الجزء الأول صفحة اثنتين وعشرين عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (الدراسة صلاة) أي: من يدرس العلم ويتعلم الفقه فهو يصلى لله عز وجل. وروى الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه في الجزء الأول صفحة سبع عشرة عن يحيى بن أبي كثير، وهو تابعي جليل توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ثقة ثبت حديثه في الكتب الستة، قال: (تعلم الفقه وتعليمه عبادة)، تعلم الفقه وتعليمه صلاة، ودراسة القرآن صلاة، بل إن تعلم العلم، وتعلم الفقه، وتعليم الفقه، هو أعلى من صلاة النافلة أيضاً، روى الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله في الجزء الأول صفحة أربع وعشرين عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: (لأن أجلس ساعة فأفقه في ديني -أي: أتفقه في ديني، أتعلم أحكام الشريعة المطهرة- لأن أجلس ساعة فأفقه في ديني أحبُ إلي من أن أحيي ليلة إلى الصباح). وروى البيهقي في المدخل إلى السنن صفحة خمس وثلاثمائة عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، قال: (لأن أجلس ساعة في مجلس فقه أحب إلي من صيام يوم وقيام ليلة). وروى البيهقي في المدخل إلى السنن والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، والأثر في سنن الدارمي وشرح السنة للإمام البغوي عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (تذاكُر بعض ليلة أحب إلي من إحيائها) إذا تذاكر بعض الليل جزءاً من الليل في أمر الفقه، أحب إليه من أن يحيي الليلة بكاملها في عبادة قاصرة. وروى الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه في الجزء الأول صفحة ست عشرة عن سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنهم أجمعين قال: (مذاكرة ساعة خير من قيام ليلة).

    والسبب في ذلك إخوتي الكرام! أن العلم شرط لسائر الطاعات، فلا تقبل إلا حسب ما يقتضيه العلم، وعلى حسب العلم الشرعي، ثم من يتعلم يكون على بصيرة في هذه الحياة، فيدفع عنه الشهوات والشبهات، وإذا لم يتعلم يتلاعب به الشيطان في جميع الأوقات.

    قصص تبين فضل العالم على العابد

    أختم الكلام -إخوتي الكرام- بهذه القصة التي رواها الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله في الجزء الأول صفحة ست وعشرين، ورواها الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه في نفس الجزء والصفحة، في الجزء الأول صفحة ست وعشرين، والأثر ذكره الإمام ابن القيم في مفتاح السعادة، وهو آكام المرجان، ورواه الإمام السيوطي أيضاً في لقط المرجان، ولفظ الأثر:

    قال شياطين الجن لإمامهم وسيدهم إبليس عليه وعليهم لعنات ربنا العزيز، قالوا له: يا سيدنا! علامَ تفرح بموت العالم ما لا تفرح بموت العابد، والعالم لا تصيب منه، والعابد تصيب منه؟! العابد أنت تفتنه تغويه تضله وهو لا يشعر، وإذا مات لا تفرح بموته، وأما العالم إذا مات تفرح بموته، مع أنك لا تصل إليه، يعني لا تغويه، فأنت ينبغي أن تفرح بموت العابد وأن تغتم لموت العالم؛ لأنك لا تستفيد منه، أما العابد إذا مات فلا تظهر الفرح، وإذا مات العالم تفرح غاية الفرح، مع أنك لا تنال من العالم شيئاً ولا تصل إليه، فعلامَ تظهر الفرح؟ فقال لهم إبليس: أريكم ماذا يفعل بنا العلماء، وماذا نفعل بالعباد، ثم أخذهم وذهبوا إلى عابد في أول الأمر، وتصور له الشيطان بصورة سائل، وهو يتشكل بصور مختلفة، نسأل الله أن يكفينا شره إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، جاء إلى العابد وقال له: هل يقدر ربنا أن يوجد هذه الدنيا في بيضة؟! هل يمكن أن يدخل الله هذه الدنيا على سعتها في بيضة؟ فتردد العابد، ورد في بعض الأجوبة عنه أنه قال: وكيف ذاك؟! وبعض الأجوبة قال: لا يقدر! وفي بعض الأجوبة قال: لا أدري! وكلها ضلال وردى، فقال الشيطان لتلاميذه وأتباعه: أترون أنه كفر وهو لا يدري! هذا كفر بالله وهو لا يدري، يا عبد الله! الله على كل شيء قدير، وأنت بعد ذلك تقول: لا أدري، لا يقدر، كيف هذا؟!

    ثم ذهبوا إلى العالم وقالوا له: هل يقدر الله جل وعلا أن يوجد هذه الدنيا وأن يدخلها في بيضة؟ فقال العالم لهذا السائل الذي هو في الحقيقة إبليس، قال: ومن يمنعه؟! إذا أراد الله هذا الشيء من يمنعه، هو على كل شيء قدير، فقال الشيطان للعالم: كيف يقدر؟! قال: إذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون، يعني هل يصعب عليه هذا؟ يصغر الله الدنيا ويوسع البيضة، هذا أمره عائد إليه، إذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون، وهذا لا يدخل في دائرة المستحيلات، إنما هو في الممكنات الجائزات بالنسبة لربنا سبحانه وتعالى.

    ولذلك إذا مات العالم حقيقة يفرح الشيطان؛ لأن هذا العالم كان يفسد على الشيطان مخططاته، ويحذر الناس من إغوائه، وأما العابد فيلعب به الشيطان كما يلعب الصبيان بالكرة، ولذلك قال سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، وأثره ثابت في كتاب الفقيه والمتفقه في الجزء الأول صفحة تسع عشرة، وفي كتاب جامع بيان العلم وفضله في الجزء الأول صفحة سبع وعشرين، قال: (من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح)، يعبد ربه على جهل، فهذا لا يقبل عند الله عز وجل، وأحياناً قد يجري منه ما جرى من ذلك العابد الأحمق الذي ذكرت حكايته في كتاب أخبار الحمقى والمغفلين للإمام ابن الجوزي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: كان يتعبد ربه، فلما نزل المطر واخضرت الأرض وامتلأت بالعشب، خرج وأعجبه هذا المنظر، ثم نادى ربه وناجاه، قال: ربي! لو كان لك حمار لرعيته لك! العشب كثير، ربي لو كان لك حمار لرعيته لك! هذا هو الجهل، وهذا هو الضلال، فلا بد إخوتي الكرام من أن يكون الإنسان على علم ووعى.

    أخبرني بعض الإخوة الكرام في العام الماضي أنهم كانوا معتكفين في مسجد، انظر إلى الجهل كيف يصنع بأهله! كانوا معتكفين في رمضان، قالوا: أذن علينا الفجر ونحن في المسجد، وكنا نياماً؛ لأننا تهجدنا وصلينا وتذاكرنا، ونمنا في آخر الليل، فما استيقظنا إلا بعد الأذان، انتهى الأذان فأيقظونا بعد انتهاء الأذان، فقلنا: يشق علينا أن نصوم من غير سحور، فقالوا: نجتهد ونأكل، قال: فجلسنا وأكلنا! فما حكم صيامنا؟! قلت: الله يغفر لي ولكم، أنتم تتعبدون ومعتكفون وتدعون إلى الله، وما تعرفون بعد ذلك حكم الصيام! كيف تأكل بعد طلوع الفجر؟! قال: اجتهدنا، قلت: لا إله إلا الله، وهل باب الاجتهاد الآن فُتح لكل أحد؟ حتى للعامي سيجتهد ويفعل، قلت: يا عبد الله! لمَ لا تتعلم؟ ما عليك -إن شاء الله- الآن إثم من أفطر متعمداً، ما عليك الإثم، إنما عليك القضاء؛ لأن هذا جرى عن جهل، لكن لا تعفى من الإثم عند الله؛ لأنك قصرت في معرفة الحكم، فلا بد أيضاً من مسئولية، ومن توبة إلى رب البرية.

    الأثر القائل: (ما عبد الله بمثل الفقه في الدين)

    ذكرنا أنه إنما كان العلم له تلك الرتبة، والفقه في الدين له تلك المنزلة، لأمرين معتبرين:

    الأمر الأول: أن جميع أمور الدين يشترط لها العلم والتفقه في دين الله عز وجل، فعمل من غير علم لا يقبل.

    الأمر الثاني: أن صاحب الفقه في الدين على بصيرة في هذه الحياة، وإذا أراد بعلمه وجه رب الأرض والسماوات، فهو مصون بعون الله وتوفيقه من الشهوات والشبهات.

    وأما العابد الذي لم يؤسس أموره على هدى وبينات، فهو عرضة للمساومات، فقد تأتي شهوة تطغيه، أو شبهة تغويه، وأما من أراد بعلمه وجه الله وهو على بينة، فهو لا يتزحزح عن مبدأ الحق حتى لو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في يساره.

    إخوتي الكرام! ولأجل ذلك كان المقرر في شريعة رب العالمين أنه لا يُعبد رب العالمين بمثل الفقه في الدين، لا يوجد عبادة يتقرب بها الناس إلى الله بمثل التفقه في دين الله عز وجل، ثبت هذا الأثر عن الإمام الزهري رحمة الله ورضوانه عليه، وهو من أئمة التابعين الكرام توفي سنة خمس وعشرين ومائة، وحديثه في الكتب الستة، محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أبو بكر الحافظ الفقيه، متفق على جلالته وإمامته وإتقانه رضي الله عنه وأرضاه، قال هذا العبد الصالح: (ما عُبد الله بمثل الفقه في الدين).

    وهذا الأثر مروي عنه في كتاب جامع بيان العلم وفضله في عدة أماكن: في الجزء الأول صفحة أربع وعشرين، وصفحة ست وعشرين، وصفحة إحدى وخمسين، ورواه عنه الخطيب في كتابه الفقيه والمتفقه في الجزء الأول صفحة ثلاث وعشرين، وانظروه في المدخل إلى السنن للإمام البيهقي في صفحة ثمان وثلاثمائة، وهو في حلية الأولياء في ترجمة محمد بن شهاب الزهري: (ما عُبد الله بمثل التفقه في الدين).

    قال الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في مفتاح دار السعادة في الجزء الأول صفحة تسعة عشر ومائتين: وهذا الكلام يحتمل معنيين اثنين، كل منهما صحيح: المعنى الأول: أن الفقه عبادة عظيمة جليلة فخيمة لا توجد عبادة تعدلها، فهي -أعني عبادة التفقه- في الدين أفضل من الصلاة، وأفضل من الصدقة، وأفضل من الجهاد، وأفضل من سائر العبادات، فما عُبد الله بمثل التفقه في الدين، أي: هذه العبادة لا يعدلها عبادة يتقرب بها المتقربون إلى الحي القيوم.

    والمعنى الثاني الذي يحتمله هذا الأثر: أن العبادة بالفقه هي المعتبرة عند الله، ولها أثر عظيم، وهي التي تُتَقبل، فكأنه يقول: ما عبد الله بمثل عبادة فيها فقه، وعليه فسائر العبادات ينبغي أن يكون فيها فقه؛ لأن العبادة من غير فقه لا تقبل عند الله عز وجل، فما عبد الله بعبادة كالعبادة التي فيها فقه وعلى بينة وبصيرة.

    والذي يظهر من كلام الإمام الزهري : أن المعنى الأول أظهر، فهو يريد أن يبين منزلة التفقه في الدين على سائر العبادات.

    قال الإمام البيهقي بعد أن روى هذا الأثر -كما ذكرنا- في المدخل إلى السنن: وقد رُوي هذا بإسناد آخر ضعيف مرفوعاً إلى نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه. يعني هذه الجملة: (ما عبد الله بمثل التفقه في الدين)، ثابتة عن الإمام الزهري، لكن رُويت أيضاً مرفوعة إلى نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام بإسناد ضعيف، والحديث الذي أشار إليه الإمام البيهقي رواه البيهقي في المدخل إلى السنن، وفي شعب الإيمان، وانظروه في سنن الدارقطني أيضاً في الجزء الثالث صفحة تسع وسبعين، ورواه الطبراني في معجمه الأوسط كما في المجمع في الجزء الأول صفحة إحدى وعشرين ومائة، وهو في كتاب جامع بيان العلم وفضله وكتاب الفقيه والمتفقه، ورواه الإمام الآجري في كتاب أخلاق العلماء، والإمام السمعاني في كتاب أدب السماع والاستماع في صفحة ستين، وهو في حلية الأولياء لـأبي نعيم، وفي كتاب رياضة المتعلمين له أيضاً، ورواه الإمام أحمد بن منيع في مسنده، وهكذا القضاعي في مسنده.

    ولفظ الحديث إخوتي الكرام! من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أنه قال: (لكل شيء عماد)، وفي رواية: (لكل شيء دِعامة)، وفي رواية: (لكل شيء قِوام)، عماد، دعامة، قوام، وهي بمعنى واحد، أي: لكل شيء أساس يقوم عليه، (لكل شيء عماد، وعماد الدين الفقه، وما عبد الله بشيء مثل الفقه، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد).

    وتقدم معنا كيف أن الشيطان يلعب بالعباد كما يلعب الصبيان بالكرة، كما أن العالم يلعب بالشيطان كما يلعب الصبيان بالكرة، وكما يوجد في الجن من يصرع الإنس، يوجد في الإنس من يصرع الجن، وكما يوجد في الجن من يتلاعب بالإنس، يوجد في الإنس من يتلاعب بالجن.

    ومن مناقب سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه كما في الصحيحين وغيرهما: ( أنه ما سلك فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجه )، فإذا سلك سيدنا عمر رضي الله عنه طريقاً، الشيطان لا يستطيع أن يسلك هذا الطريق ما دام فيه الفاروق رضي الله عنه وأرضاه، فكما يوجد في الجن من يخيف الإنس، يوجد في الإنس من يخيف الجن، وإذا رآه الجني أدبر وهرب وله ضُراط، ويقول: جاء الموحد الفقيه البصير الذي يحرقني نوره، فلا أستطيع أن أقف أمامه، ولا أن أكون في مكان معه، وهنا في الحديث: (لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد).

    والأثر -إخوتي الكرام- قال عنه الإمام العراقي في تخريج أحاديث الإحياء في الجزء الأول صفحة ثلاث عشرة: إسناده ضعيف، وكذلك عمل الإمام الزبيدي في شرح الإحياء في الجزء الأول صفحة إحدى وثمانين، ورواه الحكيم الترمذي أيضاً في نوادر الأصول صفحة سبع وعشرين من غير إسناد، رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لكل شيء دعامة -عماد قوام- وعماد الدين الفقه، وما عبد الله بمثل الفقه في الدين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد).

    هذه رواية أولى لهذا الحديث الذي أشار إليه الإمام البيهقي في المدخل فقال: رُوي مرفوعاً بإسناد ضعيف، هذه رواية أولى من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، ورُوي الحديث أيضاً من رواية سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، وروايته رواها البيهقي في شعب الإيمان، والخطيب في الفقيه والمتفقه في الجزء الأول صفحة إحدى وعشرين، ورواها الإمام العدني في مسنده كما في شرح الإحياء في المكان المشار إليه آنفاً، ولفظ الحديث كما تقدم معنا: (ما عبد الله بمثل الفقه في الدين، ولكل شيء عماد -ولكل شيء دعامة، ولكل شيء قوام- وعماد الدين الفقه في الدين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)، والحديث أيضاً ضعيف الإسناد.

    وجملة (ما عبد الله بمثل الفقه في الدين) وهي التي بدأت بها الموعظة من كلام الإمام الزهري، هذه الجملة رُويت أيضاً مرسلة عن مكحول إلى نبينا المبرور على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، أثر العبد الصالح مكحول رواه الخطيب في الفقيه والمتفقه في الجزء الأول صفحة ثلاث وعشرين، ورواه وكيع في كتاب الزهد في الجزء الثاني صفحة ثمانين وأربعمائة، والإمام مكحول من أئمة التابعين، وهو ثقة فقيه إمام مبارك توفي سنة بضع عشرة ومائة، روى له الإمام البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، ومسلم في صحيحه، وأهل السنن الأربعة.

    وكما روي من حديث ابن عمر، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، ورُوي من كلام الزهري موقوفاً عليه بإسناد صحيح ثابت من كلام الزهري، لكن هذه الروايات فيها ضعف تتقوى ببعضها كما سيأتينا من كلام أئمتنا بعون الله وتوفيقه، قال الإمام العراقي في تخريج أحاديث الإحياء للإمام الغزالي: إسناد الحديث ضعيف. وهذا كما بينت، لكن سيأتينا أن هذه الروايات تعتضد ببعضها.

    إذاً جملة: (ما عبد الله بمثل الفقه في الدين) مروية أيضاً من طريق مكحول مرسلة من روايتين متصلتين.

    الأثر القائل: (لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)

    وآخر الحديث: ( لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ) رُويت هذه الجملة على استقلال، وهي -كما تقدم معنا- ضمن حديث أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

    ورُويت أيضاً هذه الجملة عن عدة من الصحابة الكرام مرفوعة إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، منهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وحديثه في سنن الترمذي في كتاب العلم باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، يشير إلى أنه ضعيف، وهو ضعيف كما سيأتينا، ورواه الإمام ابن ماجه أيضاً في السنن، ورواه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، والخطيب في الفقيه والمتفقه، والإمام ابن حبان في كتابه المجروحين في الجزء الأول صفحة ثلاثمائة، وذكره الإمام الذهبي في الميزان في الجزء الثاني صفحة اثنتين وثمانين في ترجمة من ضُعِّف الحديث بسببه، وهو روح بن جناح كما سيأتينا، والحديث رواه بسنده الإمام ابن الجوزي في كتابه العلل المتناهية في الأخبار الواهية في الجزء الأول صفحة ست وعشرين ومائة، ولفظ الحديث من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن نبينا خير الناس عليه صلوات الله وسلامه أنه قال: (لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد).

    والحديث -إخوتي الكرام- أيضاً إسناده ضعيف، وقد أشار إلى ذلك الإمام الترمذي، وبعده الإمام العراقي في تخريج أحاديث الإحياء في الجزء الأول صفحة ثلاث عشرة، وقال الإمام ابن الجوزي في العلل: قلت: هذا من كلام عبد الله بن عباس -يعني ثابت من كلام الصحابي المبارك- ورفعه روح بن جناح قصداً أو غلطاً. يعني هو موقوف على عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، ورفعه الراوي وهو روح بن جناح إما تعمداً أو وهماً وغلطاً، وروح بن جناح ضعيف كما حكم عليه بذلك الحافظ في التقريب، وهو من رجال الترمذي وسنن ابن ماجه القزويني (ت ق)، روح بن جناح.

    لكن -إخوتي الكرام- هذا الحديث هنا من رواية ابن عباس، وتقدم معنا من رواية أبي هريرة، وتقدم معنا من رواية ابن عمر : ( فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد )، ورواية مكحول ليس فيها هذا، إنما الجملة فقط: (ما عبد الله بمثل الفقه في الدين) قال الإمام السخاوي في المقاصد الحسنة صفحة إحدى وثلاثين وثلاثمائة: يتأكد أحد الحديثين بالآخر، مشيراً إلى حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، يتأكد أحدهما بالآخر.

    والحديث -إخوتي الكرام- معناه صحيح ثابت، فإذا لم يرتقِ بكثرة طرقه إلى درجة القبول فمعناه حق، وهو ثابت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، كما تقدم معنا من كلامه، وبذلك قال الإمام ابن القيم في مفتاح دار السعادة في الجزء الأول صفحة ثمان وستين وصفحة ثمان عشرة ومائة: الظاهر أن هذا من كلام الصحابة أو من دونهم. يعني هو كلام حق مأثور، إما قاله صحابي مبرور أو تابعي عليهم جميعا رضوان العزيز الغفور، لكن رفعه إلى نبينا عليه الصلاة والسلام ما ثبت هذا بسند صحيح، فهو من كلام الصحابة أو من دونهم، والإمام ابن الجوزي جزم بأنه من كلام سيدنا عبد الله بن عباس، ورفعه إما عمداً أو وهماً وغلطاً روح بن جناح، والعلم عند الله جل وعلا، ويُفهم -كما قلت- من كلام السخاوي أنه يميل إلى تقوية طرق الحديث، فقال: يتقوى أحدهما بالآخر، ثم ذكر له بعد ذلك شواهد في قَرابة صفحة كاملة من المقاصد الحسنة من المكان الذي أشرت إليه.

    وهذا الكلام إخوتي الكرام كلام حق، وقد تتابع على قوله ونقله سلفنا رضوان الله عليهم أجمعين، فسيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه يقول كما في الفقيه والمتفقه في الجزء الأول صفحة ست وعشرين: (فقيه واحد أفضل من ألف ورع، وألف مجتهد، وألف متعبد). والأثر إخوتي الكرام! رُوي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أيضاً مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن فيه من لا يُحتج به، ورواه الخطيب في الفقيه والمتفقه، وقال الإمام ابن القيم في مفتاح دار السعادة في الجزء الأول صفحة تسع وستين: في سنده من لا يحتج به، لكن كله كما قلت: مع الروايات المتقدمة تقرر أن الفقيه الواحد أشد على الشيطان من ألف عابد.

    فعندنا رواية أبي هريرة ورواية ابن عمر ورواية عبد الله بن عباس، وهنا رواية عمر فيها هذا المعنى، ورُوي الحديث أيضاً من طريق سيدنا أنس رضي الله عنه وأرضاه، رواه الخطيب كما في مفتاح دار السعادة في الجزء الأول صفحة ثمان عشرة ومائة، يرفعه سيدنا أنس إلى نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (فقيه واحد أفضل عند الله من ألف عابد).

    هذه الآثار إخوتي الكرام! كلها كما قلت: يعتضد بعضها ببعض، فتفيد ثبوت هذا المعنى، وأن الفقه له شأن عظيم في الدين، فهو عماد الدين، وأن الفقيه له شأن عظيم عند رب العالمين، فهو خليفة النبي الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وهو الذي يطرد شبهات ووساوس الشيطان الرجيم عن عباد الله الموحدين، هو الذي يقوم على حفظ الدين، ولذلك فإن الفقيه الواحد أفضل من ألف عابد، وأشد على الشيطان من ألف عابد.

    إخوتي الكرام! بل أُثر عن سلفنا الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ما يزيد على هذا، نُقل عن العبدين الصالحين، عن الإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين، ابن سيدنا علي رضي الله عنهم أجمعين، الإمام الباقر محمد بن زين العابدين، وعن ولده جعفر الصادق، جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم أجمعين، أُثر عن هذين العبدين الصالحين كما في جامع بيان العلم وفضله في الجزء الأول صفحة سبع وعشرين أنهما قالا: (عالم ينتفع بعلمه أفضل عند الله من سبعين ألف عابد). هناك (ألف)، وهنا (سبعون ألفاً).

    وقد تقدم معنا أن مثله كمثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وانتفع الناس، وانتفعت مواشيهم ودوابهم بواسطة الأرض الطيبة، وهكذا العالم حقيقة إذا كان بين الناس فهم في نور وهدى، وإذا ذهب فهم في ضلالة وردى، فهو أعظم عند الله من سبعين ألف عابد، هذا ينقل -كما قلت- عن هذين العبدين الصالحين: عن الإمام الباقر وولده جعفر الصادق رضي الله عنهم أجمعين.

    1.   

    وصية السلف بطلب العلم والتفقه في الدين

    كان سلفنا الكرام يوصون ويتواصون بتحصيل العلم والتفقه في دين الله عز وجل، روى الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله في الجزء الأول صفحة خمس وأربعين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقال: إسناده صالح. والأثر رواه البيهقي في المدخل إلى السنن صفحة سبع وثلاثمائة، عن عبد الله بن مسعود أيضاً، ورواه الخطيب في الفقيه والمتفقه في الجزء الأول صفحة ثمان عشرة، عن عبد الله بن عمر، فالأثر عن صحابيين اثنين موقوفاً عليهما عن ابن مسعود وعن ابن عمر.

    خلاصة الأثرين: أن رجلاً جاء إلى كل من هذين العبدين الصالحين، إلى ابن عمر وإلى ابن مسعود، كل واحد قال لواحد من هذين: علمني دلني على شيء أتقرب به إلى الله؟ أخبرني عن عمل أتقرب به إلى الله؟ أي الأعمال أحب إلى الله لأقوم بها؟ فكل واحد من ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين قال للسائل: (تفقه في الدين). اذهب وتفقه في الدين، تريد عملاً يقربك إلى رب العالمين، وتنال عليه أجراً عظيماً عند مالك يوم الدين، اذهب تفقه في الدين وتعلم، واحضر حلق الذكر ومجالس العلم، فأعاد السائل سؤاله وقال: ما أُراه عرف ما أريد، أنا أسأله عن أفضل الأعمال؟ دلنا على أفضل الأعمال، وهو يقول: تعلم، العمل غير العلم، نريد عملاً نتقرب به إلى الله، فأعاد السؤال، قال: دلني على أحب الأعمال، على أفضلها، على عمل أتقرب به إلى الله، على عمل؟ فقال ابن مسعود في أثره: (ويح الآخر! -يعني الذي لا يفهم- ويح الآخر! إنك إذا تفقهت في الدين قبل منك العمل قليله وكثيره، وإذا لم تتفقه في الدين لم يقبل منك العمل، لا قليله ولا كثيره)، لأنك تعبد الله على جهل فلا يقبل العمل عند الله عز وجل، (ويحك! هذا أحب الأعمال إلى الله).

    وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين أنه قال للسائل: إن أناساً لزموا بيوتهم فصاموا وصلوا حتى يبست جلودهم على عظامهم، وما زادهم ذلك من الله إلا بعداً؛ لأنهم على غير بصيرة وغير علم وغير هدى ونور، وقد يصلي على غير الصفات والشروط المطلوبة، فلا تقبل الصلاة، كم من إنسان يفعل هذا! أخبرني مرة بعض الناس عن مثل هذا وما أكثره، وهو طالب علم، لكن العلم التجاري الذي ابتلينا به في هذه الأيام، وهو يخبر عن نفسه عندما يسألني هذا في السنة الرابعة من كلية الشريعة، يستفتيني -يعلم رب العالمين- فاستمعوا لهذه الفتيا التي تفري كبد المؤمن، يقول: هو يباشر أهله في رمضان على الدوام، دائماً يباشرهم، يقول: في يوم من الأيام باشرها وما ملك نفسه فخرج منه الماء، قلت: ماذا تقصد بالمباشرة؟ قال: أجامع دائماً، يقول لي: في نهار رمضان دائماً أجامع زوجتي، ما مر علي يوم في رمضان إلا وأجامعها، لكن هذا اليوم ضاقت علي الأرض بما رحبت، لمَ؟ قال: جامعتها وما ملكت نفسي حتى خرج الماء فأفطرت، قلت: والجماع لا يفطر؟ قال: لا يفطر إلا إذا أمنى الإنسان، إذا خرج المنى أفطر، أما مجرد الإيلاج هذا لا يفطر الصائم! قلت: أين درست؟ ونحن في كلية الشريعة ويسألني وهو في كلية الشريعة، أين درست؟! أما مر معك هذا في مقرر السنة الأولى؟! قال: أنا في غالب ظني وعلمي أن الجماع يفطر بشرط الإنزال، فأنا أولج ولا أنزل، ثم في هذا اليوم ما ملكت نفسي فخرج الماء بغير اختياري، قلت: والأيام الماضية ما تسأل عنها؟ فلما علم الحقيقة ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وقال: هذا حالي، قلت: هذا حالك، هذا ضلالك، وهذه هي عبادة الجهل التي يتعبد بها الناس ربهم في هذه الأيام!

    وكم من إنسان يفعل هذا ولا يدري! كم هذا الذي سيوجه نفسه بنفسه، وسيعبد ربه على عقله، فانتبه صيامه من أوله إلى آخره باطل، وعليه الإثم وعليه الكفارة، وهو يرى أنه صائم، ولما يجلس عند الإفطار يقول: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت! وأي صيام صمت وأنت في هذه الحالة؟! هذا ومثله كثير إخوتي الكرام! وهذه حادثة من واحد، والذي يدخل بعد ذلك مع الناس، ويسمع الحوادث، يسمع ما يشيب منه الولدان، في الجهل الذي يفعله الناس، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

    ويح الآخر! ويح الأبعد! إنك إذا تفقهت في الدين قبل منك العمل قليله وكثيره، وإذا لم تتفقه لم يقبل منك العمل قليله ولا كثيره، وعملك لن يزيدك من الله إلا بعداً، ولذلك تسألني عن أفضل الأعمال؟ تفقه في دين الله عز وجل، وهذا لا بد منه، وتقدم معنا قصة العابد الأحمق الذي قال: لو كان لك حمار لرعيته لك! وعابد آخر: هل يقدر الله أن يجعل الدنيا في داخل بيضة؟ قال: لا يقدر، فهذا كفر، وذاك لا يعرف ما يتصف به الله عز وجل، وكل واحد منهم بعد ذلك يرى أنه أيضاً عابد على شيء.

    فلا بد -إخوتي الكرام- من التفقه في دين الله عز وجل، والله أرسل رسله، وخيرهم نبينا عليه الصلاة والسلام، وأنزل كتبه، وأفضل الكتب هو الكتاب الذي أنزل علينا وهو القرآن، وذلك لنتبع النبي عليه الصلاة والسلام، نهتدي بهديه، ولنتعلم هذا القرآن، أمَّا أننا لا نفقه في دين الله عز وجل، وما عندنا بعد ذلك إلا عبادة على حسب ما نختار نحن لا على حسب ما يريد الله، لا ثم لا، ولذلك -كما قلت إخوتي الكرام مراراً- كلمة التوحيد التي تخبر عن استسلامنا لربنا، وعن عبوديتنا له، (لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام) أي: إياك أريد، بما تريد، فإذا لم تتفقه في دين الله المجيد، كيف ستعبد الله عز وجل؟! فلا بد -إخوتي الكرام- من وعي هذا، إذاً كانوا يوصون بهذا ويتواصون به.

    وهذا الأثر -إخوتي الكرام- الذي رُوي عن هذين الصحابيين المباركين: ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين: أن أفضل الأعمال وأحبها إلى ذي العزة والجلال التفقه في دين الله عز وجل، رُوي هذا مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام بسندين ضعيفين عن صحابيين اثنين: عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، كما في جامع بيان العلم وفضله في الجزء الأول صفحة خمس وأربعين، وفي كتاب الفقيه والمتفقه عن سيدنا علي في الجزء الأول صفحة اثنتين وعشرين، عن سيدنا أنس في جامع بيان العلم وفضله، وعن سيدنا علي في كتاب الفقيه والمتفقه، عن سيدنا علي وأنس رضي الله عنهما وعن الصحابة أجمعين أيضاً: أن رجلاً جاء إلى نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام وقال: (أخبرني بأحب الأعمال إلى الله -بأفضل الأعمال إلى الله لأتقرب بهذا العمل إليه- فقال له: تفقه في الدين)، تعلم، كما ورد في الأثرين المتقدمين.

    وهذان الأثران ضعيفان والمعنى صحيح فيهما، والأثران الموقوفان المتقدمان يغنيان عنهما، أي: عن هذين الأثرين المرفوعين، فإن يعني لم يتقويا بالأثرين الموقوفين، فالأثران الموقوفان فيهما دلالة كما قلت على هذا، على أن أحاديث الفضائل -كما قرر أئمتنا- يُتسامح فيها، وما كان أئمتنا يتشددون في ذلك كما تقدم معنا مراراً، وانظروا كلام حافظ الدنيا في زمانه الإمام ابن عبد البر في ذلك في جامع بيان العلم وفضله في عدة أماكن في صفحة اثنتين وعشرين وواحدة وثلاثين وخمس وأربعين، يقول: أهل العلم بجملتهم يتسامحون في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، وإنما يشددون في أحاديث الأحكام والحلال والحرام. وتقدم معنا مراراً أن الحديث الضعيف يجوز أن يُذكر في أمر الترغيب والترهيب دون بيان حتى ضعفه، فكيف إذا بُيِّن ضعفه! فمن باب أولى قال شيخ الإسلام الإمام العراقي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في ألفيته الشهيرة:

    وسهلوا في غير موضوع رووا من غير تبيين لضعف ورأوا

    بيانه في الحكم والعقائد عن ابن مهدي وغير واحد