إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في الفقه - الفقه تعريفه ومكانته [1]

مقدمة في الفقه - الفقه تعريفه ومكانته [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد فضل الله تعالى الإنسان على بهيم الحيوان بالعلم والفهم، ثم ألزمه إثر ذلك بالسعي في طلب العلوم، وإن أفضل العلوم وأعظمها أجراً هو الفقه في الدين، ذلك أنه متعلق بجميع أحكام دين رب العالمين، فلا تصح عبادة العبد إلا إذا كانت موافقة لشرع الله، ولن تكون كذلك إلا إذا كان العبد يفقه مراد الله ورسوله في تلك العبادة حتى يؤديها كما أمره.

    1.   

    تعريف العلم في اللغة والاصطلاح

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس مقدمة لعلم الفقه الشريف، تقوم هذه المقدمة على أمرين اثنين كما ذكرت في الموعظة السابقة:

    الأمر الأول: في منزلة علم الفقه وفضله.

    والأمر الثاني: في ترجمة موجزة لأئمتنا الفقهاء الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين.

    أما الأمر الأول فقد قدمت له بمقدمة في بيان منزلة العلم وفضله، وبيان رتبة العالم ودرجته، وانتهينا من هذا، وسنشرع في هذه الموعظة في مدارسة منزلة علم الفقه وفضله.

    إخوتي الكرام! آخر شيء تدارسناه أن أمور الدين تقوم على خمسة علوم:

    أولها: العقائد والآداب، وذكرنا أنه لا دخل لنا فيهما في موضوع علم الفقه، وبقيت معنا ثلاثة أمور من خمسة: العبادات، والمعاملات، والعقوبات، هذه الأمور الخمسة عليها يقوم الإسلام، وبها هدى الله عباده للتي هي أقوم في جميع شئون هذه الحياة، نسأل الله أن يمن علينا بالالتزام بشرعه، وأن يقبلنا من الصالحين من عباده، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إخوتي الكرام! أما في هذه الموعظة فسنتدارس منزلة علم الفقه، وبيان منزلة هذا العلم في العلوم الشرعية، وستكون دراستنا لهذا الأمر ضمن أمرين اثنين:

    الأمر الأول الذي سنتدارسه في هذه الموعظة إن شاء الله: في بيان معنى الفقه ومنزلته.

    والأمر الثاني مرتبط به وهو ضروري: في بيان الفروق الحقيقية بين الشريعة الربانية والقوانين الوضيعة، فهذه لا بد من بيانها أيضاً، الفروق المعتبرة بين شريعة الله المطهرة، وبين القوانين الوضيعة التي شرعها الكفرة الفجرة، وهذا الأمر الثاني سوف أترك الكلام عليه إلى الموعظة الآتية بعون الله وتوفيقه.

    أما في هذه الموعظة فسنتدارس معنى علم الفقه، فنقول: لقد تقدم معنا بيان منزلة العلم وفضله، ورتبة العالم ودرجته، ولم نذكر معنى العلم، فما معناه في لغة العرب؟ وعلى أي شيء يدل؟ وما معنى العلم في الاصطلاح عند أئمتنا الكرام؟ ونحن الآن مضطرون لتعريفه؛ لأن علم الفقه لا يمكن أن يعرف -هذا العلَم المركب- إلا بعد معرفة مفرديه، عندنا (علم) وهو مضاف، و(الفقه) مضاف إليه، والأصل أن نبدأ في تعريف المضاف إليه؛ لأن المضاف لا يعرف إلا بعد معرفة المضاف إليه، ولا مانع أن نبدأ بالمضاف؛ لأنه سبق في الذكر، والأمر يسير، وسنبدأ به؛ لأن لفظ العلم تقدم معنا -كما قلت- في الموعظة الماضية.

    تعريف العلم في اللغة ومعانيه

    العلم -إخوتي الكرام- يطلق في لغة العرب على معنيين اثنين:

    المعنى الأول من المعاني التي تطلق على العلم: الاعتقاد الجازم

    المعنى الأول: على الاعتقاد الجازم، ومنه قول الله جل وعلا: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [محمد:19]، (فاعلم) المراد من العلم هنا الاعتقاد الجازم القطعي الذي لا تردد فيه بوجه من الوجوه، والعقائد يطلب فيها اليقين والقطع، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]، ولو كان يعلم صحة هذه القضية بالمائة تسعة وتسعين، وهو يشك في واحد من مائة في وجود رب العالمين سبحانه وتعالى، أو في استحقاقه للعبادة، أو في اتصافه بكل كمال، وتنزهه عن كل نقصان، واحد فقط يشك بالمائة، أو لا يشك بل يظن؛ لما صح اعتقاده إلا أن يجزم جزماً قاطعاً.

    والاعتقاد الجازم له حالتان: إما أن يكون حقاً، كاعتقاد المؤمنين لرب العالمين، اعتقاد حق، وضابطه اعتقاد جازم طابق الواقع عن دليل يدل عليه، طابق الواقع لقيام الدليل الذي يدل على ذلك، فهذا اعتقاد حق، قولنا: الله جل وعلا خالق كل شيء، رب العالمين، لا إله غيره ولا رب سواه سبحانه وتعالى، هذا اعتقاد جازم يطابق الواقع، يطابق حقيقة الألوهية، عن أدلة وبراهين تدل على هذه القضية، فهذا اعتقاد جازم حق وصدق.

    وهناك اعتقاد جازم، لكنه خرافة وباطل، سبحان الله! اعتقاد جازم وباطل! وذلك كاعتقاد النصارى بأن الله ثلاثة: الأب والابن والروح القدس، وتقدم معنا أن هذا الأمر هو أحد ضلالاتهم العشرة التي ضلوا وكفروا بها، ومنها: قولهم بالتثليث، وتقدم معنا كيف تم تحريف ديانتهم من التوحيد إلى التثليث على مرحلتين اثنتين:

    المرحلة الأولى: عن طريق الخديعة والمكر من قِبل اللعين بولس ، الذي كان يهودياً وتنصر ظاهراً ليكيد للنصرانية باسمها، والأمر الثاني: عن طريق القوة الحسية، عن طريق الملك قسطنطين، فهنا خديعة ماكرة، وهناك قوة قاهرة، واجتمع الأمران في تحويل النصرانية من التوحيد إلى التثليث.

    إخوتي الكرام! إذا كان أحد منكم في مجالس العلم فيسن له ألا يتشاغل بشيء، لا بسواك ولا بيد ولا بنظر، ولا بشيء من الأشياء؛ لأن حضور مجالس العلم يتطلب الخشوع، وأي حركة من الجالس تؤثر على المتكلم المتحدث، فمن فرغ نفسه وخشع للحضور فبها ونعمت، وإلا خروجه أنفع له ولغيره؛ لأنه يشوش به حقيقة، وكل شيء يوضع في موضعه، وأعط كل ذي حق حقه، السواك له وقت، ولو تسوكت في الصلاة أثمت، كل شيء يوضع في موضعه، فعندما يجلس الإنسان في حلق العلم يتسوك أو يعبث بغترته وبلحيته، هذا كله لا ينبغي، فلا بد من الخشوع في مجالس الذكر، وأسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الخاشعين لرب العالمين، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إذاً: قد يكون الاعتقاد جازماً وهو باطل خرافة، كاعتقاد النصارى بأن الله ثالث ثلاثة، بأن الإله ثلاثة: الأب والابن والروح القدس، ويقولون: الثلاثة إله واحد، والواحد ثلاثة! سبحان الله! وقسسهم في هذه الأيام يلعبون على الأذهان التي هي كأذهان الصبيان، يأتي ويقول له: هذا الثوب، هذا واحد، وهذا اثنين، وهذه ثلاثة، هذه ثلاث طيات، اعمل هكذا صارت واحد، فهي ثلاثة وهي واحد، وهكذا رب العالمين ثلاثة وهو واحد، عيسى، والله جل وعلا، ومريم ، هؤلاء الثلاثة واحد! أنتم بأي لغة تتكلمون؟! ولا لغة الحيوانات تقبل هذا؟! فكيف بعد ذلك تخادعون عقول المخلوقات؟!

    وقد أشار الله جل وعلا في كتابه بأوجز عبارة، وألطف إشارة، إلى بطلان ألوهية عيسى وأمه على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه، فقال جل وعلا في سورة المائدة: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المائدة:75]، كلمة: (كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ) هذه للرد على النصارى اللئام، فإذا كان عيسى وأمه على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه، إذا كان عيسى وأمه محتاجَين إلى الطعام، فكيف يصلح أن يكون كل منهما إلهاً؟! وأخص صفة في الإله -كما تقدم معنا- هي الغنى، والقيام بالنفس، وأخص صفة في المخلوق هي الفقر والاحتياج إلى الغير، فالعالم من عرشه إلى فرشه فقير إلى الله جل وعلا، ولا يوجد غني إلا ربنا القوي سبحانه وتعالى، هو الغني عن العالمين: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15]، فإذا منع الطعام عن عيسى وأمه على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه ماتا.

    ثم هناك إشارة أخرى بأوجز عبارة، وألطف إشارة، هناك دلالة ثانية: وهي أن الذي يأكل الطعام يحتاج إلى الحمام، لكن الله كريم يكني عن الأمور المستهجنة بما يدل عليها، (كانا يأكلان الطعام) أي: ويذهبان إلى الحمام، فإذاً هما فقيران، إن منع عنهما الطعام ماتا، وإذا احتبس الطعام في بطنهما ماتا، فهل يصلح أن يكون واحد منهما إلهاً؟! لا.

    إذاً: هذا اعتقاد جازم عندهم، لكنه لم يطابق الواقع؛ لعدم وجود دليل يدل على ذلك، بل الدليل يدل على خلاف هذه القضية، فمن بحث في واقع نبي الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وفى واقع أمه الصديقة المباركة سيدتنا مريم رضي الله عنها وعن سائر الصديقين والصديقات؛ عَلِم عِلْم اليقين أنهما عبدان لرب العالمين، مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ [المائدة:75]، لذلك لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله، وأول كلمة قالها: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم30-:33]، فالاحتياج من صفة المخلوق، والفقر من صفة المخلوق، وكما قلت مراراً: أخص وصف في الخالق هو الغنى، وأخص وصف في المخلوق هو الفقر.

    والفقر لي وصف ذات لازم أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي

    وهذه الحال حال الخلق أجمعهم وكلهم عنده عبد له آتِ

    فمن بغى مطلباً من غير خالقه فهو الظلوم الجهول المشرك العات

    وتقدم معنا أن هذه الأبيات من كلام شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمات رب البرية، وهي آخر شيء نظمه وقاله قبل لقاء ربه بفترة قليلة، والأبيات موجودة في قصيدة تزيد على العشرة أبيات في مدارج السالكين في آخر الجزء الأول في حدود صفحة خمس وعشرين وخمسمائة.

    إذاً: عيسى وأمه على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه محتاجان، والمحتاج لا يصلح أن يكون إلهاً، فاعتقاد النصارى فيهما اعتقاد باطل ما طابق الواقع؛ لعدم وجود دليل يدل عليه.

    ذكر أئمتنا الكرام في ترجمة العبد الصالح محمد بن السماك، وهو محمد بن صبيح بفتح الصاد، ابن السماك، أبو العباس ، توفى سنة ثلاث وثمانين ومائة، ولم يرو له شيء في الكتب الستة، وترجمه الإمام ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة ثلاث وثمانين ومائة، في الجزء العاشر صفحة خمس عشرة ومائتين، وانظروا ترجمته الطيبة في السير في الجزء الثامن صفحة ثمان وعشرين وثلاثمائة، ونعته بأنه: الزاهد القدوة سيد الوعاظ، يقول كما في المصدر الأول في البداية والنهاية: كان في مجلس أمير المؤمنين هارون الرشيد على جميع المؤمنين رحمة رب العالمين، فدعا هارون الرشيد بقلة فيها ماء مبرد، وهذا كان أعلى ما يتمكن منه الخليفة في ذلك الأيام، إن أراد أن يشرب الماء لا ثلاجات ولا ثلج كما هو في هذه الأيام، إنما قلة تبرد الماء، وإذا أراد أن يسافر من العراق إلى مكة المكرمة على الدواب، وهذا الغني والفقير على رجليه، دعا بقلة فيها ماء مبرد، وأراد أن يشرب، فقال محمد بن السماك عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: يا أمير المؤمنين! لا تشرب، قال: ولمَ؟ قال: حتى أسألك، قال: سل، قال: إن مُنع عنك هذا الكوز من الماء في هذا اليوم القائظ الحار، فكم تدفع ثمناً له؟ قال: أدفع نصف ملكي -وهو يقول هذا في حال الاختيار، أما في حال الاضطرار فقد يدفع ملكه كله من أجل شربة ماء- قال: اشرب، فبعد أن شرب قال: يا أمير المؤمنين! إذا احتبس هذا الماء في بطنك، وما استطعت أن تخرجه، كم تدفع ثمناً لإخراجه؟ قال: أدفع نصف ملكي الآخر، قال: يا أمير المؤمنين! إن ملكاً لا يسوى بولة لا ينبغي أن ينافس الإنسان فيه. يعني: ملكك من أوله لآخره لا يسوى ثمن بولة، تشرب شربة الماء ثم تخرجها، تقول: أدفع نصف ملكي ثمن شربة الماء، ثم أدفع النصف الآخر لإخراج هذه الشربة التي استقرت في بطني؛ لأنها إذا ما خرجت تقتل الإنسان، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، وهذه نعمة الله علينا (الماء) فكيف بالهواء؟! وقد تقدم معنا لو كان الهواء يحتاج إلى كلفة منا أو إلى ثمن؛ لمات أكثر المخلوقات، وهو أعظم من الماء بكثير، ولذلك وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34].

    إخوتي الكرام! هذا العبد الصالح القانت كما قال عنه الإمام الذهبي: سيد الوعاظ. له كلام في الوعظ عجيب، منه ما يتعلق بموضوعنا في أمر العلم، كان يقول عليه رحمة الله كما في السير: كم من شيء إذا لم ينفع لم يضر. أشياء كثيرة إذا لم تنفع لا تضر، يقول: لكن العلم إذا لم ينفع ضر. فأنت نحو العلم إما أن تنتفع وإما أن تتضرر؛ لأن القرآن حجة لك أو عليك، العلم إذا لم ينفع ضر، وهذا الكلام مأثور عن العبد الصالح أبي محمد سفيان بن عيينة، وقد توفي سنة ثمان وتسعين ومائة، يعني بعد محمد بن السماك، وكلام سفيان بن عيينة في كتاب اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه، في صفحة خمس وخمسين، يقول سفيان بن عيينة: العلم إذا لم ينفع ضر، قال الخطيب في توجيه هذا الكلام: قلت: إذا لم ينفع بأن لم يعمل به ضر. وذلك لأنه يكون حجة عليه، توجيه هذا الكلام: العلم إذا لم ينفع، أي: إذا لم يعمل به ضر، وصار العلم حجة عليه.

    ومن كلام العبد الصالح أيضاً محمد بن السماك، وهو يتعلق أيضاً بطلبنا لنبتعد عن البطالة والجهالة، يقول عليه رحمة الله: همة العاقل النجاة والهرب. همه أن يهرب من سخط الله، وأن ينجي نفسه من غضب الله، هذه همة العاقل النجاة والهرب، وهمة الأحمق اللهو والطرب. همه أن يلهو، وأن يغني، وأن يستمع الغناء والعياذ بالله!

    وكان يقول عليه رحمة الله: الدنيا كلها قليل -وهي لا تعدل عند ربنا الجليل جناح بعوضة- الدنيا كلها قليل، والذي بقي منها قليل، والذي لك من الباقي قليل، ولم يبق من قليلك إلا القليل، أصبحت -يا ابن آدم- في دار العزاء، وعما قريب ستنتقل إلى دار الجزاء، فاشتر نفسك لعلك تنجو. نسأل الله حسن الخاتمة.

    هذا المعنى الأول -إخوتي الكرام- للفظ العلم: اعتقاد جازم، إن طابق الواقع لوجود دليل يدل عليه فهو حق، وإن لم يطابق الواقع لعدم وجود دليل يدل عليه فهو باطل، مع أنه اعتقاد جازم، لكنه باطل.

    المعنى الثاني من المعاني التي تطلق على العلم: غلبة الظن

    المعنى الثاني الذي يأتي له العلم في لغة العرب، وهو مستعمل في كلام الرب سبحانه وتعالى: يأتي بمعنى غلبة الظن، ومنه قول الله جل وعلا في سورة الممتحنة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة:10].

    إخوتي الكرام! هذه الآية هي في سورة الممتحنة، في سورة الامتحان، نزلت عقب حادثة شهيرة وهي صلح الحديبية، وقد تم الاتفاق فيها بين نبينا عليه الصلاة والسلام وبين مشركي مكة على وضع الحرب عشر سنين، وعلى أن من جاء من المشركين إلى نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام في هذه الفترة يرده إلى مكة، وأن من جاء من المؤمنين مرتداً إلى المشركين لا يردونه إلى نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وهذا -إخوتي الكرام- له حِكم وأسرار، أما من آمن وإن رُد فإنه يدافع عن نفسه، وعما قريب سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً، وأما من كفر منا فلا خير فيه، ولا نريد رؤية وجهه، وهذه الشروط التي تم الاتفاق عليها ما نُص فيها على النساء، وذلك لأن النساء يختلفن عن الرجال، فالمرأة -كما يقال- جناح مقصوص لا يمكن أن تطير، ولا يمكن أن تدافع عن نفسها كحال الرجل، فلا بد من أن يشرع لها حكم يتناسب مع ضعفها، فإذا آمنت وهاجرت فلا نردها كما يرد الرجال، لأنها سوف تفتن عن دينها، ويهتك عرضها، فلا بد إذاً من البحث في حالها، والله جل وعلا هو رب العالمين، رب الموحدين، ورب المشركين، قد فصل في هذه القضية، قال: هذه ما جرى الاتفاق عليها، حكمي في هذه القضية وأنا رب الخلق سبحانه وتعالى: أن المهاجرات من المؤمنات يمتحن، فإذا ثبت عندنا إيمانهن، وعلمنا إيمانهن، فلا يجوز أن نردهن إلى الكفار.

    الرجل -إخوتي الكرام- ينبغي عليه أن يخدم المرأة، وأن يدافع عنها، فهي عرض يصان، فكيف بعد ذلك نمكن منها الكافرين اللئام؟! ثم بعد ذلك هاجر مؤمنات، فأنزل الله هذه الآيات: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ [الممتحنة:10]، اختبروهن، ماذا نقول؟ نستحلفها بالله أنها هاجرت حباً لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، وإيماناً بالله وبرسوله عليه الصلاة والسلام، ما هاجرت من أجل بغض زوج، ولا طلباً لدنيا، ولا كراهية لأرض، ورغبة في أرض أخرى، لمَ هاجرتِ؟ تقول: آمنتُ، وهؤلاء كفار سيفتنونني عن ديني فلجأت إلى نبيي وإلى المؤمنين، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، إذا كان كذلك فلا يجوز أن نردهن إلى الكفار.

    وهنا لفظ (العلم) ذكر مرتين في الآية: الأولى قوله: اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ، ومعناها هنا القطع، عَلِمَ قطعاً، فلا يتصور في علم الله جل وعلا وهم وخطأ وظن، فعلمه تعالى علم عام أزلي محيط بكل شيء، إذاً هذا علم قطعي، الثانية: قوله: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ هذا العلم -إخوتي الكرام- ليس قطعاً بل غلبة ظن قطعاً وجزماً، لمَ؟ لأن ما في القلب لا يعلمه إلا الرب، أعظم أركان الإيمان الاعتقاد بالجنان، وما في الجنان لا يطلع عليه إلا الرحمن، فالمرأة ممكن أنها أبغضت زوجها وهاجرت من أجل فراق الزوج، ممكن أنها هاجرت لتتزوج، وإن لم تكن مزوجة، ممكن أنها كرهت أرضها تريد أرضا أخرى، ممكن أنها هاجرت لأمر من الأمور، فلا يعلم هذا إلا العزيز الغفور سبحانه وتعالى، لكن نحن لنا الظاهر، فإذا ثبت عندنا، وعلمنا أنها هاجرت حباً في الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فلا يجوز أن نردها، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ [الممتحنة:10]، هو الذي يعلم كل شيء، ويعلم هل هذه آمنت حقيقة وهاجرت من أجل الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، أو هاجرت من أجل عرض الدنيا! مرد ذلك إلى الله، وسيئول العباد إليه ليوفي كلاً بما يستحق، لكن أنتم فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ [الممتحنة:10]، (علمتموهن) أي: غلب على ظنكم إيمانهن.

    قال الإمام النسفي في تفسيره عند تفسير هذه الآية في الطبعة التي عندي في الجزء الخامس صفحة ثمان وثمانين: المراد من العلم هنا: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ: هو الظن الغالب بظهور الأمارات. أي: بظهور العلامات، وهذا قرره المفسرون قاطبة، قال: وتسمية الظن علماً يؤذن بأن الظن وما يفضي إليه القياس جار مجرى العلم، وصاحبه لا يدخل في قول الله جل وعلا: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، إذاً: (علمتموهن) أي: غلب على ظنكم، ولذلك يقول هنا: هو الظن الغالب بظهور الأمارات، أي: العلامات، عندما تحلف أنها ما هاجرت إلا من أجل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    وأكثر الأمور العملية مبنية على غلبة الظن، فعندما يقضي القاضي بفصل الرقبة وقطعها لوجود شاهدين على أن فلاناً قتل فلاناً، هل هذه الشهادة قطعية؟ خبر الاثنين هل هو قطعي أو غلبة ظن؟ غلبة ظن؛ لأنه يمكن أنهما تواطأا على الكذب، هذا ممكن، لأن خبر ما دون العشرة لا يفيد القطع، بل خبر العشرة والعشرين والمائة والمئات إذا كانت العادة لا تحيل تواطؤهم على الكذب لا يفيد القطع، لو شهد ألف، لكنهم من قبيلة واحدة، فإن العادة تقول: يمكن أنهم تواطئوا على الكذب، لكن عندما يأتي عشرة من جهات مختلفة، ما بينهم رابط يربطهم لأمر دنيوي، فإن العادة تحيل تواطؤهم على الكذب، أما إن كانوا من أسرة واحدة، أو قبيلة واحدة، أو أهل محلة واحدة، فإنه يمكن أن يتواطئوا على الكذب؛ لأن العادة لا تحيل تواطئهم على الكذب، فلو اجتمع مائة أو ألف، والعادة لا تحيل تواطئهم على الكذب، فلا يكون خبرهم قطعياً، فشهادة الاثنين من باب أولى، سواء كانت العادة تحيل أو لا تحيل، يعني: سواء كان بينهما في الأصل اتفاق، ويمكن التواطؤ، أو لم يكن، فإن خبر الاثنين لا يفيد القطع، فحكم القاضي بقص الرقبة لوجود شهادة شاهدين، هذا بناءً على غلبة ظن، وهذا كافٍ -كما قلت- في الأحكام العملية، وسيئول العباد بعد ذلك إلى رب البرية ليجد كل واحد جزاءه حسب ما يستحق، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:6-7].

    إذاً: هذا معنى العلم في اللغة: اعتقاد جازم، سواء كان حقاً أو باطلاً، والمعنى الثاني: بمعنى غلبة الظن.

    تعريف العلم في الاصطلاح

    معنى العلم في الاصطلاح عند أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين: قالوا: العلم: هو صفة انكشاف يظهر بها المطلوب على ما هو عليه. فهو صفة انكشاف، وهذه الصفة تظهر المطلوب على ما هو عليه، فعندما تعلم أن هذا رجل، تكون قد انكشفت لك حقيقته، وعندما تعلم أركان الصلاة، وكيفية الصلاة، تكون قد انكشفت لك حقيقة الصلاة، فالعلم إذن صفة ينكشف بها المطلوب على ما هو عليه، هذا هو معنى العلم في الاصطلاح.

    وهذا التعريف -إخوتي الكرام- هو أسد ما قيل في بيان العلم من أقوال كثيرة، انظروها إن شئتم في إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول للإمام الشوكاني في صفحة أربعة، وقيل: العلم: هو إدراك الشيء على ما هو عليه، إدراك الشيء بجملته، لكن التعريف الأول أضبط.

    1.   

    تعريف الفقه في اللغة

    الفقه معناه في اللغة: الفهم، والذي يظهر -والعلم عند الله- أنه فهم دقيق، فهم مستنير، فهم معه تأمل وتدقيق، قال الإمام الفيروزآبادي في بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، في الجزء الرابع صفحة ثلاثين ومائتين: الفقه هو العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة. فهذه ثلاثة أمور: علم وفهم وفطنة، إذا اجتمعت في شخص فيقال فيه: إنه فقيه، قال: وغَلب -يعني لفظ الفقه- على علم الدين لشرفه. ولك أن تقول: غُلِّب -أي: ذلك اللفظ- على علم الدين في الإطلاق لشرفه، الذي هو الفقه.

    إذاً: الفقه هو الفهم، علم وفهم وفطنة، فهم معه تدقيق وتأمل، علم معه فطنة، ووعي، يقال له: فقه.

    وأئمتنا في كتب الفقه ذكروا شيئاً من اللطائف في ضبط كلمة (فقه) فيقال فيها: فَقِهَ وفَقَهَ وفَقُهَ، بالكسر والفتح والضم، كما في رد المحتار على الدر المختار في الجزء الأول صفحة ست وثلاثين، قال: فقِه بالكسر إذا فهِم، وفقَه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقُه إذا صار الفقه له سجية وملكة، وصار فقيهاً.

    ورود الفقه بمعنى الفهم والعلم في القرآن الكريم

    وهذا المعنى -أي: استعمال الفقه بمعنى الفهم، وبمعنى الفهم الدقيق، وبمعنى العلم والفهم والفطنة- قد استعمل في آيات كثيرة من كلام الله عز وجل، منها: قول الله جل وعلا في سورة النساء: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:78-79].

    وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء:78] الحسنة المراد بها هنا: الحسنة الدنيوية، وهي الصحة والنعمة والعافية والخيرات من الغيث والبركات، من مطر وخروج زرع وما شاكل هذا، وهذه الآية نازلة في اليهود وفي المنافقين الذين كانوا يساكنون النبي الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، فإذا أصيبوا بخير قالوا: قدوم النبي عليه الصلاة والسلام بركة علينا، فالسماء أمطرت، والأرض أنبتت، والخيرات كثرت، يقولون: قدومه بركة، وإذا نزل بهم ضر يقولون: هذا بشؤم محمد، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء:78]، ولما جاءنا هذا الرجل عليه صلوات الله وسلامه أنعم الله علينا، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ [النساء:78]، بسببك، قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء:78]، فهو المقدر والمدبر، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء:78].

    فهنا ما نفى عنهم صفة الفقه، إنما مقاربة الفقه، يعني: هؤلاء بينهم وبين مقاربة الفقه درجات، أما الفقه فلا يوصفون به في وقت من الأوقات، (لا يكادون يفقهون)، وهذا أعظم من قولك: لا يفقهون، نفى عنهم مقاربة حصول الفقه لهم، لا حصول الفقه لهم، (فمال هؤلاء القوم لا يفقهون حديثا)، فلا يعون قضية أبداً.

    ثم قرر ربنا جل وعلا الاعتقاد الحق فقال: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النساء:79]، فالنعم منه سبحانه وتعالى، وهو مسديها والمتفضل بها، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]، كما قال ربنا: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30]، فأنت الذي تسببت في ذلك، وكما قال في آية أخرى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96]، وما وقعت عقوبة إلا بذنب، وما رفعت إلا بتوبة، مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]، هذا لا يقرر ما تقدم، هناك قال: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء:78]، وهنا كذلك، فالله جل وعلا هو المقدر لكل شيء، لكن كل شيء له سبب، فالإنسان هو الذي تسبب في إصابته بالسيئة: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:79].

    الشاهد في هذه الآية: قوله: فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء:78].

    الآية الثانية: في سورة الأعراف، وفيها يقول الله جل وعلا: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179]، فقوله: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا أي: لا يعلمون علماً مع فهم وفطنة، فلا يهتدون إلى الرشد والصواب.

    الآية الثالثة: في سورة الأنفال، وفيها يقول ذو العزة والجلال: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الأنفال:65]، فالقليل منا يقابل الكثير منهم، لمَ؟ لأنهم لا يفقهون؛ لأنهم لا يقاتلون في الأصل من أجل غاية معتبرة وهي الجهاد في سبيل الله، لينالوا رضوان الله، وهم عندما يقاتلون في سبيل الطاغوت لا يضعون في حسبانهم إلا الأمور الحسية والمادية، وأما لطف رب البرية، فهذا ليس في اعتبارهم، وليس في أذهانهم، وأما نحن فنرجو نصر الله، ونؤمل رحمة الله، ونطمع بالشهادة، ونحصل الخيرات في جميع الجهات عندما نقاتل، ولذلك يقول الله جل وعلا: وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الأنفال:65].

    هذا الفقه عن الله جل وعلا، وهو أن الله جل وعلا ينصر جنده، ويؤيد الصادقين من عباده.

    الآية الرابعة: في سورة نبي الله هود على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، قال تعالى: قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ [هود:91]، (ما نفقه) أي: ما نعلم علم فهم وفطنة.

    الآية الخامسة: في سورة الإسراء، وفيها يقول رب الأرض والسماء سبحانه وتعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء:44]، (لا تفقهون) والسبب في ذلك: أننا لا نسمع أصوات الجمادات والمخلوقات الأخرى، والتي نسمع صوتها من العجماوات يختلف عن صوتنا، فلا نعلم ولا نفهم ما تريد، لكنها تسبح الله جل وعلا، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44].

    وهكذا أيضاً قول الله جل وعلا في سورة طه مخبراً عن نبيه وكليمه موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أنه قال: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:25-28]، وفى سورة الحشر يقول الله عز وجل: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر:13].

    والآية الأخيرة التي سأذكرها في سورة المنافقون في أولها وفي وسطها، ففي أولها الآية الثالثة: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:3]، وفي آخرها يقول الله جل وعلا: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:7]، يظنون أنهم إذا منعوا النفقة والمساعدة للمحتاجين من الصحابة الكرام الطيبين، يظنون أنهم سيتضررون، وهذا ظن خاطئ، فإن خزائن الله ملأى سبحانه وتعالى، وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:7]، والآيات -إخوتي الكرام- في ذلك كثيرة جداً.

    ورود الفقه بمعنى الفهم والعلم في السنة

    ومن استعمال لفظ (الفقه) بمعنى: الفهم، وبمعنى الفهم الدقيق، وبمعنى العلم مع فهم وفطنة: ما ثبت في صحيح البخاري معلقاً عن أمنا الصديقة المباركة سيدتنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، والأثر وصله الإمام أحمد في المسند والإمام مسلم في صحيحه، وهكذا الإمامان المباركان أبو داود وابن ماجه في السنن، وهو معلق بصيغة الجزم في صحيح البخاري في كتاب العلم، باب: الحياء في العلم، ووصل الأثر في الكتب التي ذكرتها في المسند وصحيح مسلم وسنن أبي داود وابن ماجه، والبخاري أورده معلقاً بصيغة الجزم، باب: الحياء في العلم، فقال: قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر، وقالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها أمنا الصديقة المباركة: (نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)، والمراد من التفقه: هو التفهم الواعي المستنير الدقيق، بحيث تنجلي الصورة للإنسان على وجه التمام.

    وأمنا الصديقة المباركة رضي الله عنها وأرضاها قالت هذا عقيب سؤال وقع من أنصارية، وهي المباركة السيدة أسماء بنت يزيد رضي الله عنها وأرضاها، كما في المسند وصحيح مسلم وسنن أبي داود وابن ماجه ، فقد جاءت أسماء بنت يزيد إلى نبينا عليه الصلاة والسلام فقالت: ( يا رسول الله! كيف أتطهر من المحيض؟ قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها، قالت: كيف أتطهر؟ قال: تطهري، قالت: كيف أتطهر يا رسول الله؟ قال: سبحان الله! تطهري، قالت أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: فاجتذبتها إلي وقلت لها: تتبعي بها أثر الدم ).

    والفرصة: هي القطعة من القطن أو الصوف أو القماش، قطعة يوضع عليها شيء من المسك، قطعة ممسكة، يستحب للمرأة أن تفعل هذا عقيب غسلها من المحيض؛ لأن الدم الذي يخرج أيام الحيض دم منتن له رائحة كريهة، ولا سيما في العصر الأول، حينما كان الماء قليلاً، فالمرأة لا يمكنها أن تصب الماء الكثير من أجل التطهر الكامل، يضاف إلى هذا أنه قد يكون عند الإنسان شيء من الحاجة والفقر، فلا يكون عنده شيء من المواد المطيبة، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: إن المرأة إذا تطهرت تأخذ شيئاً قليلاً من المسك وتضعه على قطنة أو قطعة قماش أو قطعة صوف، وتمسح ذلك المكان الذي أصابه الدم، من أجل أن تستأصل الروائح، وتكون على وجه التمام، فهي كانت تقول: كيف سأفعل؟ أين أضع هذا؟ قال: سبحان الله! تطهري، النساء أدرى بذلك من الرجال، ولا يسمح المقام بكلام أكثر من هذا بين الرجل والمرأة.

    ولذلك أخذتها أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها وقالت لها: تتبعي بها أثر الدم، خذي فرصة، وفى بعض روايات أبي داود: ( خذي قرصة ) بالقاف، وهي التي تكون بين أصبعين، من: قرصه يقرصه بأصبعيه، كأنه يريد أن يقول: خذي شيئاً قليلاً من المسك بمقدار ما يعلق بين الأصبعين، كالقرصة اليسيرة، قليل من المسك من أجل إزالة تلك الروائح الكريهة، ولذلك قالت أمنا عائشة بعد ذلك: (نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين).

    والمراد من الحياء هنا: الحياء الطبيعي وليس الحياء الشرعي، فالحياء الشرعي يجب على الإنسان أن يحافظ عليه في جميع الأوقات، إنما الحياء الطبيعي وهو الذي يقال له: الخجل، أحياناً من خوف ما يعاب به الإنسان على حسب أعراف الأنام، كامرأة تسأل الرجال لا سيما عن هذا الأمر، فهذا في الطبيعة البشرية غير محمود، فقد تستحي المرأة من ذلك، فنعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

    هذا إخوتي الكرام! في بيان معنى الفقه في اللغة، وكذلك حسب ما استعمل في القرآن وفي السنة.