إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [59]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [59]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المحرم الذي لا يحل له أن ينكح المرأة له أن ينظر منها إلى الوجه والأطراف وما يظهر غالباً، ويمنع على الصحيح مما سوى ذلك. وأما الأجنبي فلا يحل له النظر إلى المرأة مطلقاً إلا الوجه ففيه التفصيل، فهو محرم بشهوة مباح للحاجة بلا شهوة على الصحيح. وفي خصوص عورة المرأة أمام المرأة فالمذاهب الأربعة على أنها كعورة الرجل أمام الرجل من السرة إلى الركبة، إلا الكافرة فحكم نظرها إلى المسلمة عند الجمهور كحكم الرجل الأجنبي. وأما بالنسبة لنظر المرأة إلى الأجنبي فالصحيح الذي عليه الشافعية أنها تمنع منه مطلقاً خلافاً للمالكية والحنفية.

    1.   

    عورة المرأة أمام محارمها

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فهذه هي المسألة الثانية في عورة المرأة.

    وذكرت أننا سنذكر تسع مسائل تفريعاً على المسألة الثانية أذكرها بإيجاز:

    أولها: عورة المرأة بجميع أشكالها من رأسها إلى رجليها يجوز للزوج أن ينظر إليها بشهوة وبغير شهوة مطلقاً، وتقدم معنا أن الأولى ألا ينظر إلى السوأة من باب الأدب لا من باب التحريم.

    المسألة الثانية: ما يحل للمحارم أن ينظروه من المرأة، والمحارم هم الذين يكونون بنسب أو رضاع أو مصاهرة، والمحرم هو الذي لا يحل له أن يتزوج المرأة على أي حال أبداً، وهناك تحريم مؤقت ليس بتحريم مؤبد مثل: أخت الزوجة، فهذه محرمة عليه تحريماً مؤقتاً، ومثل المزوجة، ومثل من عنده أربع نسوة فلا يجوز له أن يتزوج، فالنساء كلهن -غير نسائه الأربع- محرمات عليه. فالمحرمات تحريماً مؤقتاً إن طلق أو ماتت إحدى الزوجات أحل له أن يتزوج مكانها، وعليه، فالمحرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة لا يجوز أن يتزوج المرأة مطلقاً أبداً تحريماً مؤبداً.

    والسؤال الذي نحن حوله: ما الذي يحل للمحرم أن ينظر إليه من نسائه المحارم؟

    والجواب: إن المحارم بنسب أو رضاع أو مصاهرة يوجد في نظرهم إلى المرأة محل اتفاق بين العلماء ومحل اختلاف، فالمتفق عليه: أنه يجوز لهؤلاء أن يروا الوجه، والأطراف، وما يظهر من المرأة غالباً كعنقها، ورأسها، وقدميها. وهل يضاف شيء آخر يمكن لصاحب الرحم المحرم أن ينظر إليه كالابن والأخ والأب؟

    إن المذاهب الأربعة في هذا الزائد على ثلاثة أقوال:

    القول الأول قول المالكية: إنه لا يباح لذي الرحم المحرم أن ينظر إلا إلى ما تقدم من الوجه والكفين وما يظهر من أطرافها مما لا يمكن أن يستر داخل بيتها كالرأس الذي هو الشعر، والرقبة، والقدمين، وما عدا هذا يجب أن يستر، فلا يجوز للمرأة أن تظهر الساقين، ومن باب أولى الصدر والثدي والظهر والكتفين، لا يجوز أن تظهر هذا أمام محارمها من أبيها وابنها وأخيها، هذا عند المالكية، كما في حاشية الدسوقي في الجزء الأول صفحة سبع وتسعين ومائة.

    أما ما دون السرة وما فوق الركبتين فهذا محل اتفاق أنه عورة لا يجوز أن ينظر إليها إلا الزوج فقط، هذا قول المالكية وهو أيضاً قول للإمام أحمد مروي عنه كما في المغني في الجزء الأول صفحة خمس وخمسين وأربعمائة، لكن حمل الحنابلة هذا القول على أنه للتوقي والكراهة لا للتحريم، فهو من باب الاحتياط والورع، وهذا أيضاً وجه للشافعية والمذهب على خلافه، كما في الروضة في الجزء السابع صفحة أربع وعشرين.

    إذاً: هذا القول لا ينسب إلا إلى المالكية فهم الذين قالوا به، وأما الجنابلة والشافعية كما قلت فالمذهب عندهم على خلافه، والحقيقة مع اعتبار قولهم احتياطاً فالمرأة يشق عليها أن تأخذ بهذا أمام محارمها داخل بيتها وأمام أولادها، فتحتاج أحياناً أن تكشف عن ذراعيها أو ساقيها، كما تحتاج أن ترضع ولدها وغير ذلك.

    القول الثاني: هو قول الحنفية وفيه توسعة أكثر من قول المالكية، وهو قول وسط بين المالكية وبين الشافعية، كما في رد المحتار في الجزء السادس صفحة ست وستين وثلاثمائة، وهو في الاختيار في الجزء الرابع صفحة خمس وخمسين، والهدية العلائية صفحة اثنتين وأربعين ومائتين وغير ذلك من كتبهم: أنه لا يجوز أن ينظر المحرم من ذوات المحارم إلى الظهر والبطن مع العورة المشتركة -من السرة إلى الركبة- بين الرجال والنساء، وما عدا هذا يجوز أن ينظر إليه، فالصدر يجوز أن ينظر إليه، ويجوز أن يرى ساقيها تحت الركبتين، ويجوز أن يرى اليدين عاريتين إلى الكتفين.

    القول الثالث: هو قول السادة الشافعية كما في روضة الطالبين في الجزء السابع صفحة أربع وعشرين قال: له النظر إلى ما سوى ما بين السرة والركبة، يعني يجتنب النظر إلى العورة المشتركة بين الذكور والإناث من السرة إلى الركبة فقط فلا ينظر إلى هذا من ذوات المحارم، وما عدا هذا يجوز له أن ينظر إليه، فنظره إلى محارمه كنظر الرجل إلى الرجل، وعليه يجوز أن ينظر إلى البطن وفيه السرة، ومن باب أولى ما هو أعلى البطن وما تحت الركبتين، بل عند الشافعية الركبتان تقدم معنا أنهما ليستا بعورة وعليه يجوز أن يراهما، لكن الفخذ وما فوق إلى السرة لا يراه. وهذا القول فيما يظهر هو الذي عليه الحنابلة كما في المغني في الجزء السابع صفحة خمس وخمسين وأربعمائة، قال القاضي أبو يعلى : حكم المحرم مع محارمه كالرجل مع الرجل، والمرأة مع المرأة، يعني كقول الشافعية: كالرجل مع الرجل، والمرأة مع المرأة.

    وعليه يمكن أن يقال: هذا مذهب الشافعية والحنابلة.

    وفي حاشية الدسوقي بعد أن حكى قول المالكية قال: وأجازت الشافعية النظر إلى كل شيء من بدنها ما عدا ما بين السرة والركبتين، قال: وفي ذلك فسحة.

    وحقيقةً: فيه فسحة وفيه توسعة، وعلى قاعدتنا إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، فلو أخذ الإنسان بهذا المذهب الذي فيه توسعة لا إثم عليه، ولو احتاط فهو أحسن، ولو توسط فخير الأمور أوسطها، يعني لا يضيق عليها بحيث لا تبدي إلا الكفين فلا يظهر ساعداها، ولا ساقاها، ولا تبدي إلا الكفين والوجه والأطراف التي تظهر غالباً كالرقبة والشعر والقدمين، وما عدا هذا لا يظهر، هذا القول فيه كما قلت مشقة على المرأة داخل البيت مع من تخالطهم من محارمها وأبنائها وإخوتها، والقول بالتوسعة كالشافعية بحيث تلبس مئزراً يستر ما بين السرة والركبة لتظهر بعد ذلك وجسمها الأعلى مكشوفٌ، وثدياها بارزان وبطنها، هذا حقيقةً فيه شيء من التوسعة التي قد تجر إلى فتنة وإغراء.

    وعلى كل حال فالأقوال كلها معتبرة، وكما قلت فقول الحنفية وسط بين الأقوال الثلاثة: بحيث يتجنب رؤية البطن والظهر؛ لأنهما قريبان من القبل والدبر، وبعد ذلك يحل له أن يرى ما عداهما وما عدا العورة المشتركة، والركبة عندهم من العورة وعليه يرى ما تحت الركبة إلى القدمين، ولا يوجد دليل خاص في المسألة، وأما قول الله جل وعلا: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ [النور:31] إلى آخر الآية، فالزوج اتفقنا على ما يحل له أن يراه، وأما ما يحل للمحارم أن يروه من المرأة بحيث لا يوجد فيهم فتنة ولا إغراء ولا معصية فقد اختلف أئمتنا في تحديده كما قلت ولا يوجد نص في ذلك والأمر فيه سعة، وهو من باب ما تحتمله الأنظار والاجتهادات، والعلم عند رب الأرض والسموات

    1.   

    عورة المرأة أمام الرجال الأجانب

    المسألة الثالثة: ما يحل للأجنبي أن يراه من المرأة، والأجانب أهم غير من تقدم، فكل من يحل له أن يتزوج المرأة فهو أجنبي عنها، وهم غير المحارم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، كابن عمها وابن خالها ومن ليس بينه وبينها صلة رحم على الإطلاق، فهؤلاء أجانب يحل لهم أن يتزوجوا المرأة، فماذا يجوز لهم أن يروا من المرأة؟

    تقدم معنا أن المرأة تتغطى في الصلاة كلها إلا الوجه والكفين، وفي غير الصلاة كذلك أمام الأجانب وهذا محل إجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا حالة الضرورة من غير شهوة.

    وعند الحنفية يكره النظر إلى الوجه والكفين من غير شهوة، ويجوز النظر إليهما للضرورة، كشهادة وتعليم وغير ذلك، فإن خاف الفتنة أو شك فيها أو ظنها امتنع من النظر، فالحل مقيد بعدم الشهوة، وبعدم خشيتها، وبعدم ظنها، وإلا فحرام عليه النظر.

    قال فقهاء الحنفية: وهذا في زمان أئمة المذهب، أما في زماننا فيمنع من النظر إلى الشابة مطلقاً تحريماً بشهوة أو بغير شهوة، أما بشهوة فهو محل إجماع، وأما بغير شهوة فعند المتقدمين يكره، وفي زماننا على تعبير فقهاء الحنفية كما في رد المحتار يمنع النظر إلى الشابة مطلقاً.

    ومذهب المالكية قريب من مذهب الحنفية كما في حاشية الدسوقي في الموضع المتقدم، قال: يجوز أن ينظر إلى الوجه والكفين بشرط ألا يخشى فتنة، وبغير قصد لذة، أما الكافر فلا يجوز أن ينظر إلى شيء من بدن المرأة المسلمة، فيجب عليها أن تستر الوجه والكفين أمامه، ونحن في أزمنة الفتنة فيها متحققة وليست مظنونة، وعليه فالستر واجب.

    وهكذا مذهب الشافعية كما في الروضة في الجزء السابع صفحة واحدة وعشرين: إن خاف الأجنبي فتنةً من النظر حرم عليه أن ينظر، وإن لم يخف وجهان: أحدهما: أن النظر مكروه بحيث لا يخشى على نفسه فتنة، ولا يظن ذلك من نفسه -كما هو مذهب الحنفية- والثاني أنه محرم.

    قال الإمام النووي باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات، والنظر إليهن مظنة الفتنة وذلك محرك للشهوة، وعليه يحرم عليه أن ينظر سواء خشي الفتنة أم لا، فاللائق بمحاكم الشرع سد الباب فيه، والإعراض عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبية، فسواء خشيت فتنة أو لم تخش فإنه يحرم عليك أن تخلو بها، مع أنه قد يخلو الإنسان بها والفتنة مأمونة، لكن الشارع ما فصل، قال: لأن هذه مظنة فتنة فيسد الباب في هذه المسألة، فكله محرم إن خشي وإن لم يخش فتنةً من أجل حصول العفة وعدم حصول التفلت.

    وعليه يمكن أن نقول: خلاصة مذهب الشافعية: أنه يحرم النظر إلى وجه المرأة وكفيها بشهوة وبغير شهوة.

    وعند الحنفية: يكره من غير شهوة، ويحرم بشهوة.

    وعند المالكية: يجوز من غير شهوة، ويحرم بشهوة، ويجب على المرأة ستر وجهها من كبار الفساق.

    ثم الحنفية كما تقدم معنا قالوا عن قول أئمتهم بالكراهة: هذا في زمانهم، وفي زماننا المنع والتحريم.

    وعليه يمكن أن تقول: الآن عندنا الحنفية مع الشافعية على المنع، وأنه لا يجوز النظر مطلقاً.

    وهكذا المذهب الرابع الحنابلة كما في المغني في الموضع المشار إليه آنفاً الجزء السابع صفحة ستين وأربعمائة قال: نظر الأجنبي إلى المرأة محرم من غير سبب إلى الوجه والكفين وما عداهما بالاتفاق.

    وخلاصة الكلام في هذه المسألة: يباح النظر إلى الوجه والكفين من غير شهوة للحاجة، فإن علم أو شك أو ظن حصول شهوة وفتنة امتنع عليه النظر.

    1.   

    عورة المرأة مع المرأة

    المسألة الرابعة: نظر المرأة إلى المرأة، المعتمد عند المذاهب الأربعة أنه كنظر الرجل إلى الرجل، يعني: يحرم أن تنظر إلى ما بين السرة والركبتين، ويزيد الحنفية من السرة إلى نهاية الركبتين؛ لأنهما عورة عندهم.

    والمعتمد عند أبي حنيفة ومالك والشافعي: أن المرأة الناظرة إذا كانت كافرةً فحكمها حكم الرجل الأجنبي، فعند الشافعية: يحرم أن تنظر الكافرة من المرأة المسلمة إلى أي شيء، وتقدم أن الأجنبي يحرم عليه أن ينظر إلى الوجه والكفين عند عدم الضرورة وإن كان من غير شهوة، وهذا الحكم هو المعتمد عند الحنفية في العصور المتأخرة، وعند المالكية يجوز للكافرة أن تنظر إلى الوجه والكفين إذا انعدمت الشهوة والفتنة من قبلها.

    إذاً: الكافرة عند الجمهور حكمها حكم الرجل الأجنبي، فلا يجوز لمسلمة أن تمكن كافرةً من النظر إليها، هذا هو المقرر كما قلت عند الأئمة الثلاثة كما في رد المحتار في الجزء السادس صفحة واحدة وسبعين وثلاثمائة، وكما في حاشية الدسوقي في الجزء الأول صفحة ست وتسعين ومائة، وكما في روضة الطالبين في الجزء السابع صفحة خمس وعشرين، وهذا الذي رجحه النووي وقواه، بثلاثة أمور معتبرة:

    أولها: قول الله جل وعلا في سورة النساء: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ [النور:31] إلى أن قال: أَوْ نِسَائِهِنَّ [النور:31] أي: المسلمات، هذه الآية في سورة النور وليست في سورة النساء، وعلى كل حال فإن فيها أحكام النساء، (أو نسائهن) أي: المسلمات، فإذاً: لا يجوز أن تبدي المرأة المسلمة زينتها وأن تمكن من النظر إليها من كانت من غير ملتها وعلى غير ذمة.

    الدلالة الثانية: الاستدلال بقول عمر رضي الله عنه وهو الخليفة الراشد الذي يقتدى به، كما في سنن سعيد بن منصور وتفسير ابن المنذر ، وعند البيهقي في السنن الكبرى في الجزء السابع صفحة خمس وتسعين، وإسناده صحيح أنه كتب إلى أبي عبيدة رضي الله عنه وكان أميراً له على بلاد الشام بلغني أن نساءً من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الكتاب، فإذا وصلك كتابي هذا فانههن عن ذلك، فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن يرى عورتها إلا أهل ملتها.

    والمراد بالعورة ما يستثنى كما قلت مما بين السرة والركبة التي تراها المرأة المسلمة ولا يراها الأجنبي من المسلمين.

    التعليل الثالث: قال النووي : وهي غير مأمونة، فعندما تنظر بخيانة وتنقل هذا الوصف إلى الرجال، والمرأة المسلمة عندها ما يردعها، على أنه إذا كانت المرأة فاسقةً متهتكةً وجب على المسلمة أن تحتاط أمامها، فلا تبدي زينتها أمامها، وكذلك لو خشيت من المحارم من النساء فتحتاط وتتحجب أيضاً.

    وفي زماننا -ولا حول ولا قوة إلا بالله- امتلأت البيوت بالكافرات، ويوجد دعاية -أيضاً- مضللة خبيثة أن الكافرة أحسن في الخدمة من المسلمة، وهذا من البلاء، وفي الحقيقة إن الظلمات عندما تكثر فالبلاء يزداد، فالكافرة فيها قصور من جميع جهاتها، والمسلمة من جهة قد يوجد فيها قصور، ومهما كان فهي مسلمة موحدة.

    وانفرد الإمام أحمد في المعتمد من روايتيه في المذهب، فقال: الكافرة والمسلمة سواء في النظر إلى المسلمة، كما في المغني في الجزء السابع صفحة أربع وستين وأربعمائة.

    وعللوا هذا بثلاثة أمور قالوا: إن الحجب شرعت؛ لأن بين الرجال والنساء معنىً لا يوجد بين الكافرة والمسلمة، فالرجل يخشى منه زنا، بعكس المرأة ولو كافرة.

    وقالوا: الحجاب لا يجب على المرأة إلا بنص أو قياس ولا يوجد دليل على إلزام المرأة بالحجاب أمام الكافرة، ولا يصح أن نقيس الكافرة على الرجل الأجنبي، إنما حكمها حكم المرأة المسلمة.

    وقالوا: الآية أَوْ نِسَائِهِنَّ [النور:31] في سورة النور يراد منها جملة النساء، ليس خصوص نسائهن المسلمات.

    على كل حال؛ هذه هي أقوال المذاهب الأربعة فلا كلام لمتكلم مع العلماء، إنما يبقى الاحتياط، والأحوط الأخذ بقول الجمهور، ولذلك قال الرازي -ونعم ما قال- في تفسيره في الجزء الثالث والعشرين صفحة اثنتين ومائتين: الأصح أنه لا يجوز للكتابية والكافرة أن تنظر إلى المسلمة؛ لأنها أجنبية عنها في الدين، والله يقول: أَوْ نِسَائِهِنَّ [النور:31].

    1.   

    نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي

    المسألة الخامسة من المسائل التسع: نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي، تقدم معنا أن عورة الرجل فيما بين السرة إلى الركبة لا يجوز أن يراه إلا صنفان: زوجة أو سرية، ويحرم على غيرهما أن يرى هذا المكان، وما عداه يجوز له أن يراه. فهل المرأة يجوز لها أن ترى ظهر الرجل أو بطنه أو ساقيه، أم تختلف عن الرجل؟

    الرجل مع الرجل لا يحرم عليهما النظر إلا ما بين السرة والركبة.

    وعند الحنفية وهو المذهب الأول: نظر المرأة من الرجل كنظر الرجل إلى الرجل، إذاً: يجوز للمرأة أن ترى جسمه كله عدا ما بين السرة إلى الركبتين، لكن بشرط عدم الشهوة، فإن كانت تنظر بشهوة أو خشيت أو شكت حرم عليها أن تنظر إلى الرجل.

    القول الثاني: مذهب المالكية: تنظر المرأة إلى الرجل إلى ما ينظر إليه الرجل من محارمه النساء، وتقدم معنا أنه ينظر إلى الوجه والكفين والأطراف التي تبدو غالباً كالرقبة والشعر والرأس والقدمين، فما عدا هذا لا يجوز لها أن تنظر إليه، فلا تنظر إلى ساقي الرجل، ولا إلى صدره، ولا إلى بطنه ولا .. إلخ.

    القول الثالث: وهو الأصح عند الشافعية، وبه قطع جم غفير منهم، وهو الذي اعتمده محقق المذهب ومنقحه النووي في روضة الطالبين: أنه لا ترى المرأة من الرجل إلا ما يراه منها، وتقدم معنا أنه لا يجوز أن ينظر إلى المرأة مطلقاً كما اعتمده النووي.

    وعليه فلا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل أبداً، فكما يجب عليه أن يغض طرفه عنها فهي كذلك يجب عليها أن تغض طرفها عنه، قال الإمام النووي : يدل على هذا ثلاثة أمور:

    كتاب الله، فوجه الأمر إليهما سواء بسورة النور قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:30-31] إلى آخر الآية الكريمة.

    حديث: (أفعمياوان أنتما؟) وتخريجه

    الدليل الثاني: حديث نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا مراراً، ألا وهو حديث عبد الله بن أم مكتوم من رواية أم سلمة رضي الله عنها، عند أحمد في المسند، وأبي داود والترمذي في السنن، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه، وبوَّب عليه في الإحسان في الجزء السابع صفحة تسع وثلاثين وأربعمائة: ذكر الإخبار على ما يجب على المرأة من غض البصر ولزوم البيوت؛ لئلا تقع أعينهن على الرجال وإن كانوا عمياناً، ورواه ابن سعد في الطبقات، والبيهقي في السنن الكبرى وفي كتاب الآداب، والبغوي في شرح السنة، وإسناد الحديث قوي كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء التاسع صفحة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وقال في التلخيص الحبير في الجزء الثالث صفحة ثلاثين ومائة: ما فيه إلا نبهان مولى أم سلمة رضي الله عنها، وقد وثق، وحسنه النووي في شرح صحيح مسلم في الجزء السادس صفحة أربع وثمانين ومائة، وفي الجزء العاشر صفحة ست وتسعين، وفي روضة الطالبين في الجزء السابع صفحة خمس وعشرين، وحكى تحسين الترمذي وتصحيحه له في رياض الصالحين صفحة خمس وعشرين وخمسمائة وأقره، وكذلك فعل العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، فقد نقل تحسين وتصحيح الترمذي وأقره في الجزء الثالث صفحة تسع وتسعين من الإحياء، ولينظر شرح الزبيدي عليه في الجزء السابع صفحة أربع وثلاثين وأربعمائة، وكذلك فعل المنذري في تهذيب السنن في الجزء السادس صفحة ستين، وزاد نسبة الحديث إلى سنن النسائي ، وعليه فالحديث في السنن الأربعة إلا ابن ماجه ، ولعله للنسائي في السنن الكبرى، وزاد الحافظ ابن حجر في كتابه الكافي الشافي لتخريج أحاديث الكشاف في الجزء الرابع صفحة سبع عشرة ومائة نسبة الحديث إلى إسحاق بن راهويه ومصنف ابن أبي شيبة ، ومسند أبي يعلى ، والطبراني في معجمه الكبير، قال: كلهم رووه من رواية نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها، فتفرد به نبهان عنها، وتفرد الزهري في روايته عن نبهان ، ولا نعلم رواه عن نبهان إلا الزهري ولفظ الحديث: ( عن أمنا أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت مع نبينا عليه الصلاة والسلام ومعها ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها، فأقبل عبد الله بن أم مكتوم فاستأذن، فقال نبينا الميمون عليه الصلاة والسلام: احتجبا منه، فقالتا: أليس هو أعمى لا يبصرنا؟ قال: أفعمياوان أنتما؟! احتجبا منه).

    إذاً: في هذا الحديث المرأة تتحجب من الرجل ولا تنظر إليه، كما أن الرجل لا ينظر إلى المرأة.

    بيان اسم المرأتين المقصودتين في حديث: (أفعمياوان أنتما؟)

    وهذا الحديث حوله تنبيهات:

    التنبيه الأول: في رواية إسحاق بن راهويه فيما نسبه إليه الحافظ ابن حجر في الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف ذكر زينب مع أم سلمة، ولم يذكر ميمونة، قال الحافظ ابن حجر: وفي إسناد رواية إسحاق بن راهويه مندل -مثلث الميم- وهو لقب له، واسمه عمرو بن علي العنزي ، وقد خالف في ذكر زينب بدل ميمونة ، وتقدم معنا أنه ضعيف في الرواية، وخرج حديثه أبو داود وابن ماجه في السنن، توفي سنة سبع وستين بعد المائة، وتقدم معنا أن الهيثمي أحياناً يترجم له ويقول: ضعيف ووثق، وأحياناً يقول: ليس بالقوي وقد وثق فالرواية ضعيفة، وإنما هي أم سلمة وميمونة رضي الله عنهما.

    التنبيه الثاني: روي الحديث -أيضاً- من رواية أسامة بوجود عائشة وحفصة ، فهذه الرواية لا بد من الانتباه لها، ذكر ذلك ابن الجوزي في كتابه أحكام النساء صفحة تسع عشرة ومائتين، الباب الحادي والثلاثون: في أن أجود ما للمرأة ألا ترى الرجال: (كانت عائشة مع حفصة جالستين فأقبل عبد الله بن أم مكتوم ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: قوما، فقالتا: أليس هو أعمى لا يبصرنا يا رسول الله؟ قال: أفعمياوان أنتما؟)، في هذه الرواية عائشة وحفصة ، وفيما سبق أم سلمة وميمونة ، ورواية إسحاق بن راهويه أم سلمة وزينب، وقلنا ذكر زينب خطأ، وهذه الرواية أشد ضعفاً ونكارةً، ولو نسبه ابن الجوزي إلى الحديث المخرج في السنن لكان أحسن.

    وأنا أعجب في هذه الأيام مما قاله محقق الكتاب وكان حققه رسالةً في جامعة الأزهر يقول في الحاشية: أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد، انظر عون المعبود وتحفة الأحوذي والمسند الجزء السادس صفحة ست وتسعين في مسند أم سلمة، وهنا الحديث عن أسامة وفيه ذكر عائشة وحفصة ، فكيف يعزو الحديث، فيجعل هذا التخريج لهذا الحديث؟! وأعطي درجة امتياز، وطبعت الرسالة بعد ذلك، ولا زالت على بلائها، وستبقى حتى يأتي من يبحث ويكشف القضية، وما انتبه أحد قبل لما في رسالته، هذا وضعنا الذي نعيش فيه، ونسأل الله العافية.

    الحديث لما مر معي في أحكام النساء قلت: هو بين أمرين: إما أن ابن الجوزي وهم وأخطأ في ذكر أسامة وهو عن أم سلمة ، وذكر عائشة وحفصة وهذا لا يجزم به إلا بعد البحث، وإما أنه مصيب في نقله ولا نعلم مصدره.

    بعد البحث والتنقيب أمكن العثور على هذه الرواية الثالثة في كتاب ليس مطبوعاً، عزاه إليه الحافظ ابن حجر والحمد لله، يقول الحافظ في التلخيص في الجزء الثالث صفحة سبعين ومائة: لما ذكر الإمام تبعاً للقاضي حسين حديث الباب جعل القصة لـعائشة وحفصة بدل أم سلمة وميمونة ، وتعقبه شيخنا ابن الملقن في تصحيح المنهاج في أن ذلك لا يعرف، فالرواية من حديث أسامة عن أمنا عائشة وحفصة لا تعرف، يقول: لكن وجد من حديث أسامة على وفق ما نقله القاضي حسين صاحب كتاب التعليقة، وإما أن يعمل على أن الراوي قلبه فبدلاً من أن يقول: أم سلمة وميمونة قال: حفصة وعائشة ؛ لأن ابن حبان وصف راويه بأنه كان شيخاً مغفلاً يقلب الأخبار، وهو كذاب، وهو وهب بن حفص الحراني ، كذبه أبو عروبة ، وقال الدارقطني : كان يضع الحديث. انظر لسان الميزان في الجزء السادس صفحة ثلاثين ومائتين، والمغني في الجزء الثاني صفحة ست وعشرين وسبعمائة، والمجروحين لـابن حبان في الجزء الثالث صفحة ست وسبعين.

    وإما أن يحمل على التعدد، ويؤيده أثر عائشة في موطأ مالك ، وابن سعد في الطبقات في الجزء الثامن صفحة تسع وستين (أنه دخل عليها إسحاق الأعمى فاحتجبت منه، فقال: يا أم المؤمنين! تحتجبين مني ولست أراك؟ أنا أعمى، قالت: إن لم تكن تراني فإني أراك)، قال الحافظ ابن حجر : كان يمكن أن يحمل الحديث على تعدد الواقعة، قال: ويؤيده الأثر الذي قدمته عن مالك أنها احتجبت من أعمى فقيل لها: إنه لا ينظر إليك، قالت: لكني أنظر إليه، روي في الغيلانيات، وذكر في كشف الظنون في الجزء الثاني صفحة أربع عشرة ومائتين بعد الألف تعريف الغيلانيات، فقال: هي أجزاء من الحديث وفوائد حديثية من حديث أبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الذي يعرف بـالشافعي ، له فوائد حديثية في مجلدين جمعها الراوي عنه ابن غيلان فقيل لها: غيلانيات، توفي محمد بن عبد الله بن إبراهيم في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، أملاها عن عدد من شيوخه، وتلميذه الذي رواها عنه هو أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزار توفي سنة أربعين وأربعمائة فقيل لها: الغيلانيات، ويقال أيضاً: في فوائد أبي بكر الشافعي ، وهي أحد عشر جزءاً، تفرد في الدنيا بعلوها محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان كما في سير أعلام النبلاء في الجزء السابع عشر صفحة ستمائة.

    إذاً: الحديث الذي رواه ابن الجوزي رواه أبو بكر الشافعي في فوائده الحديثية التي رواها عنه محمد بن غيلان وتسمى بالغيلانيات، وهي أحد عشر جزءاً حديثياً، لكن الحديث كما قلت فيه وهب بن حفص البجلي الحراني متروك كذاب كان يضع، فلماذا ابن الجوزي تخطى رواية أمنا أم سلمة التي في السنن والمسند وروى هذه الرواية عن أسامة بن زيد ؟

    على كل حال لعله لم يستحضر غير ذلك رضي الله عنه وأرضاه، لكن هذا المحقق عندما جاء ليحقق كلامه خلط هذا بهذا، وهذا خطأ، وقبله في نفس الصفحة، ونفس الباب أخطأ أيضاً، وأنا أعجب كيف تمشي الأمور في هذه الأيام، قال:

    عن سعيد بن المسيب (أن علي بن أبي طالب قال لـفاطمة : ما الخير للنساء؟ قالت: ألا يرين الرجال ولا يرونهن، فقال علي : فذكرت ذلك للنبي عليه صلوات الله وسلامه فقال: إنما فاطمة بضعة مني) انتبه للتخريج الذي يحير الأريب، يقول: الحديث أصله في البخاري .

    ما الذي أخذك للبخاري ؟ انظر الفتح في الجزء التاسع صفحة كذا، وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، والباب الذي عندنا في كتاب ابن الجوزي أجود ما للمرأة ألا ترى الرجال، وما ذكره من نسبة إنما هو لآخر جزئية في الحديث وهي ( فاطمة بضعة مني) عندما أراد علي رضي الله عنه أن يتزوج بنت أبي جهل ، فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: (إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها)، وفي رواية: (يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها)، هذا الذي في الصحيحين، وعندنا ترجمة استشهد بها على قضية معينة، فلم يقل أصل الحديث كذا. وهذا خطأ، وليس هذا تخريجاً للحديث أبداً، والحديث رواه البزار كما في المجمع في الجزء الرابع صفحة خمس وخمسين ومائتين في كتاب النكاح بهذا العنوان: أي شيء خير للنساء؟

    قال الحافظ الهيثمي في المجمع: رواه البزار ، وفيه من لم أعرفه، وفيه علي بن زيد - ابن يزيد غلط كما في طبعة المجمع، وإنما هو علي بن زيد - ابن جدعان فانتبه هنا، ولفظ الحديث: (عن علي رضي الله عنه أنه كان عند النبي عليه صلوات الله وسلامه، فقال: أي شيء خير للمرأة؟ فسكتوا، قال علي رضي الله عنه: فلما رجعت قلت لـفاطمة : أي شيء خير للنساء؟ فقال: لا يراهن الرجال، قال علي : فذكرت ذلك للنبي عليه صلوات الله وسلامه، فقال: إنما فاطمة بضعة مني) هذا هو التخريج، فلم تقول: انظروا البخاري وانظروا المسند؟ فإننا نظرنا ولا يوجد، ألّا ترى الرجال ولا يرونها، هذا لا يوجد في البخاري ولا في المسند، أين أصل الحديث؟

    قال البزار : لا نعلم له إسناداً عن علي ، يعني: علي بن زيد بن جدعان إلا هذا، وهو ضعيف وضعفه يسير من أجل ضبطه، توفي سنة واحدة وثلاثين بعد المائة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، وأهل السنن الأربعة، والهيثمي أحياناً كما في المجمع في الجزء العاشر صفحة اثنتين وتسعين وثلاثمائة يقول: وثق، وقال الذهبي في الميزان في الجزء الثالث صفحة سبع وعشرين ومائة: اختلفوا فيه، وقال في ترجمته في السير: هو الإمام العالم الكبير، كان من أوعية العلم على تشيع قليل فيه، وسوء حفظ يغضه من درجة الإتقان.

    إذاً: الحديث في البزار في كشف الأستار، وترجم له كذلك في كتاب النكاح: أي شيء خير للنساء؟ فهذا من باب التنبيه على هذا الأمر.

    حديث اعتداد فاطمة بنت قيس في بيت ابن أم مكتوم وما فيه من معارضة ظاهرة لحديث (أفعمياوان أنتما؟)

    التنبيه الثالث: قد يقال عارض حديث: ( أفعمياوان أنتما ) حديثان صحيحان: أولهما: حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها في المسند وصحيح مسلم والسنن الأربعة إلا ابن ماجه ورواه الطحاوي والبيهقي في السنن الكبرى، انظر شرح النووي على صحيح مسلم في الجزء العاشر صفحة ست وتسعين، وخلاصته: (أن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها وأرضاها عندما طلقت، أمرها نبينا عليه الصلاة والسلام أن تعتد في بيت أم شريك ، ثم قال لها: تلك امرأة يغشاها أصحابي ) وكانت مضيافة، وبعد صلاة الجمعة يذهب الناس إليها وتقدم لهم الخبز، ( فأخشى أن يروا منك بعض ما تكرهين )، أي: بما أن هذا البيت يرتاده الرجال بكثرة فلا يصلح أن تعتدي عندها، ( اعتدي عند ابن أم مكتوم ) وكان ابن عمها وأجنبي عنها، (إنه أعمى، تضعين ثيابك عنده فلا يراك).

    وفي رواية قال لها: (إذا وضعت ثيابك عنده لا يراك).

    هذا الحديث في ظاهره عارض حديث أمنا أم سلمة رضي الله عنها فيفهم منه أنه دل على أنه يجوز أن تنظر إليه؛ لأنه أعمى لا يراها، ويجوز أن تقوم أمامه وليس عليها الحجاب، وهذا فهم غلط كما قال الإمام النووي : هذا المعنى لا يدور عليه الحديث لا من قريب ولا من بعيد.

    ومعنى الحديث (تضعين ثيابك عنده، تضعين خمارك عنده فلا يراك): أن هذا الأعمى الذي يمر ليس له عينان يبصر بهما، وإذا كانت جالسة في حجرتها خاصة التي تعتد فيها ووضعت ثيابها والنافذة مفتوحة وهي جالسة تنظر لمن يمر، افرض أن ظهرها إلى النافذة، ومر هذا الأعمى فإنه لا يرى، ولو كان مبصراً كان عليها حرج، فإنه لا يمكن أن تفتح طرفاً من النافذة ولا فتحةً من الباب؛ لأن المبصر يرى من الشقوق، فهي لا تنظر، وليس معناه أنها تتجرد أمامه وتجلس تنظر إليه، فأين الدلالة من الحديث على هذا الفهم؟

    ما في الحديث دلالة لا من قريب ولا من بعيد بوجه من الوجوه على جواز نظرها إليه، وهل يمكن للمرأة أن تنام وتترك الباب مفتوحاً في مكان يدخل عليه الرجل؟

    لا يمكن لأنه سيراها، فهي لن تراه إذا كانت نائمة، وبما أنه أعمى فهو لا يراها، هذا معنى الحديث، وعليه لا معارضة بينه وبين حديث أم سلمة.

    حديث مشاهدة عائشة للعب الحبشة وما فيه من معارضة ظاهرة لحديث: (أفعمياوان أنتما؟)

    الحديث الثاني: حديث عائشة رضي الله عنها في المسند والصحيحين، وعند النسائي في سننه، وأبي داود الطيالسي في مسنده، تقول رضي الله عنها: (رأيت رسول الله صلى الله عليه والسلام يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون حتى أكون أنا التي أسأم)، قالت: (فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو)، وكان عمرها في ذلك الوقت خمس عشرة سنة على المعتبر، حريصة على اللهو، تنظر فتستمر في النظر حتى تكون هي التي تمل، والنبي عليه الصلاة والسلام يرخص لها وهو معها وتنظر من ورائه، وتضع بطنها على كتفه، ففي هذا الحديث أنها نظرت إلى الحبشة وهم يلعبون فهو يدل على الجواز، وتقدم معنا (استجيبا) (قوما) (أفعمياوان أنتما؟) الذي يدل على المنع، فكيف نجمع ونوفق بين الأمرين؟

    أجاب أئمتنا عن ذلك بجوابين معتبرين ذكرهما الحافظ ابن حجر وقبله النووي ، وهما في كتاب طرح التثريب في شرح التقريب لولي الدين أبي زرعة ولد العراقي -عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه- في الجزء السابع صفحة ست وخمسين، وقلت لكم: هذا الكتاب أحسن ما كتب في أحاديث الأحكام، فاحرصوا عليه.

    يقول: الثابتة فيه جواز نظر النساء إلى لعب الرجال، قال ابن بطال : وقد يمكن أن يكون ترك النبي عليه الصلاة والسلام لأمنا عائشة لتنظر إلى اللعب بالحراب لتضبط السنة، وتنقل تلك الحركات المحكمة إلى بعض من يأتي من أبناء المسلمين وتعرفهم بذلك، فرخص لها لمقصود شرعي، ثم بعد ذلك ذكر حديث أم سلمة : (أفعمياوان أنتما؟). وقال: رواه الترمذي وغيره، وحسنه هو وغيره، وأجابوا عن حديث عائشة هذا بجوابين:

    أحدهما: أنه ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت إلى لعبهم وحرابهم، ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن، وإن وقع بلا قصد فهو في الحال، وهذا هو جواب النووي بالحرف في الجزء السادس صفحة أربع وثمانين ومائة.

    والثاني: ذكره النووي وبعده ابن حجر : لعل هذا كان قبل نزول الآية في تحريم النظر، أو أنها كانت صغيرةً قبل بلوغها، فلم تكن مكلفةً على قول من يقول: إن الصغير المراهق لا يمنع من النظر، ولا يخفى أن محل الخلاف فيما إذا كان النظر بغير شهوة ولا خوف فتنة فإن كان كذلك حرم قطعاً.

    هذا الجواب الثاني ضعيف، والأول هو المعتمد، وهو الذي اعتمده النووي رحمه الله.

    وسبب ضعف الثاني: أن قدوم هؤلاء الأحباش كان سنة سبع للهجرة، فيكون عمرها حينئذ كما قال الحافظ ابن حجر : خمس عشرة سنة، وفي الجزء الثاني صفحة خمس وأربعين وأربعمائة، كما في الجزء التاسع صفحة ست وثلاثين وثلاثمائة: قدومهم سنة سبع ولها يومئذ ست عشرة سنة.

    فالجواب الأول هو المعتمد أنها نظرت إلى لعبهم وحرابهم ودرقهم ولم تنظر إليهم، وإذا وقع النظر منها فحالها كحال المرأة عندما تخرج إلى الشارع فترى الرجال فإنها لا تمعن النظر ولا تتبع النظرة النظرة، بل تصرف نظرها، فلا حرج في ذلك؛ لأنها لا تتعمد صرف النظر إلى الرجل.

    الدلالة الثالثة: قالوا: الفتنة مشتركة بين الجانبين من حيث المعنى، فكما حرم على الرجل أن ينظر إلى المرأة لئلا يحصل ما لا يحمد، فيحرم على المرأة أن تنظر إلى الرجل لئلا يحصل في نفسها ما يحصل، بل فتنة المرأة إذا نظرت إلى الرجل واشتهت أقوى من فتنة الرجل إذا نظر إلى المرأة واشتهاها؛ لأنه إذا نظر واشتهى لا يتوصل إليها إلا برضاها، وإذا نظرت إليه واشتهت احتالت في الوصول إليه، وفي الغالب ذنب الرجل ضعيف في هذا الأمر، إذا عرض عليه قل أن يصبر، ولذلك في السبعة الذين يظللون في ظل العرش (رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله)، ولم يقل: امرأة؛ لأن المرأة يعرض عليها بكثرة، والأصل أنها تتمنع، فالرجل موقفه موقف الطالب الراغب، وتلك مطلوبة، فإذا صارت المطلوبة طالبة حصل المطلوب.

    وعليه كما كان بعض الناس يقول: لإن ينظر ألف رجل إلى ابنتي خير من أن تنظر ابنتي إلى رجل واحد، فإذا كانت الفتنة مشتركة بين الجانبين، ولا يجوز للرجل أن ينظر خشية الفتنة، فلا يجوز للمرأة أن تنظر خشية الفتنة، هذا مذهب السادة الشافعية في هذه القضية.

    نسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء إن أحيانا أن يحيينا على الإسلام، وإن أماتنا أن يتوفانا على الإيمان، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.