إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. شرح مقدمة الترمذي
  5. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [56]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [56]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اتفق أهل المذاهب الأربعة على أن نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر جائز، ولكن الأولى تركه؛ لورود بعض الآثار في كراهية ذلك لا في تحريمه، ولهذا جاء الأمر بالاستتار أثناء الجماع والاغتسال وقضاء الحاجة، فذلك أستر عن أعين الملائكة والجن والإنس.

    1.   

    تابع نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:

    فآخر شيءٍ كنا نتدارسه في موضوع نظر كل من الزوجين إلى عورة صاحبه، وقلت: ظاهر الآثار تدل على الجواز من آيات القرآن وفعل نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا ما قرره علماؤنا الكرام كما سيأتينا، لكن هل هو مستحسن أو مستحب، أو تركه أحب؟ هذا محل بحث، سيأتينا أن أئمتنا استحبوا عدم نظر كل من الزوجين إلى عورة صاحبه؛ لأنه يضعف البصر بعد ذلك ولا يتناسب مع تمام الحياء والأدب، ويقولون أيضاً: لو حصل هذا عند المباشرة يخرج الولد بعد ذلك وما عنده حصانة وحياء وأدب كثير، فالأولى البعد عن هذا.

    وسيأتينا أيضاً آثار تشير علينا بأن نبتعد عن النظر إلى السوءة، لكن من فعل هذا فلا إثم عليه ولا حرج، وقد فعل نبينا عليه الصلاة والسلام وقد تقدم معنا ما يدل على هذا وهو ثابت في الصحيحين وفي غيرهما كما تقدم في: كيف كان يغتسل عليه صلوات الله وسلامه مع أمهاتنا، وقلت: إذا اغتسل الإنسان مع أهله وكلٌ منهما بدنه عارٍ توقع العين على عورة صاحبه فلا حرج، ثم أبيح له ما هو أعظم من النظر، فإذاً: الأمر في دائرة الجواز إن شاء الله، وقلت: التصريح بأن نبينا عليه الصلاة والسلام فعل هذا مع أهله، وأهله يفعلونه معه عليه صلوات الله وسلامه، هذا ثبوته فيه ضعف في قصة سيدنا عثمان بن مظعون رضي الله عنه وأرضاه، الذي تقدم معنا شيء من مناقبه ضمن مباحثنا السابقة، وأنه عندما توفي قبله نبينا عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا أن الحديث صحيح في المسند والمستدرك، ورواه أهل السنن الأربعة إلا الإمام النسائي ، فقبله النبي عليه الصلاة والسلام وهو يبكي حتى سقطت الدموع منه عليه صلوات الله وسلامه، وثبت في صحيح البخاري ومصنف عبد الرزاق عن أم العلاء رضي الله عنها وأرضاها قالت: ( اشتكى عثمان بن مظعون فمرضناه، فلما قبض حضر النبي عليه الصلاة والسلام، فقلت: هنيئاً لك أبا السائب الجنة! فشهادتي لك أن الله أكرمك، فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: وما يدريك يا أم العلاء أن الله أكرمه -تشهدين له بالجنة- والله إني لرسول الله عليه الصلاة والسلام وما أدري ما يفعل بي ) وفي هذا أن التألي على الله غير محمود.

    فقال نبينا عليه الصلاة والسلام عن سيدنا عثمان : أرجو له الخير، قالت أم العلاء : والله لا أزكي أحداً بعده، أي: إذا كان عثمان بن مظعون الذي له شأن ونبينا عليه الصلاة والسلام يحزن لفراقه ويقبله ويبكي، وما قبل مني أن أشهد أن الله أكرمه، وأنه من أهل الجنة، فقالت: والله لا أزكي أحداً بعده، قالت: فنمت فرأيت عيناً تجري على عثمان ، فقصصتها على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: ( ذاك عمله ) أي: هذا عمله الطيب الخير يأتيه الآن نفعه بعد موته رضي الله عنه وأرضاه.

    وقد جاء في طبقات ابن سعد من طريق الواقدي عليهم جميعاً رحمة الله أن عثمان لما توفي وقع في قلب عمر شيء كما يقول هو عن نفسه وقع في قلبه شيء، يقول بينه وبين نفسه: كان زاهداً قانتاً عابداً، ثم يموت على فراشه، يعني: هو يرى أنه إذا لم يمت شهيداً ففيه منقصة، يقول: فهبط من قلبي، قال: فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه قلت: ويحك خيارنا يموتون، لأن أبا بكر خير مني، يعني: استعظم هذا، وقبله لأنه مات النبي عليه الصلاة والسلام، قلت: خيارنا يموتون ومات أبو بكر ، يعني: لا يشترط أن يموت في المعركة ليكون علامة على صدقه، يقول: فرجع عثمان إلى المنزلة التي كان عليها، والمؤمن على خير في جميع أحواله، إن مات على فراشه فهو على خير، وإن مات في ساحة المعركة فهو على خير، (وأكثر شهداء هذه الأمة أصحاب الفرش، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته).

    إذاً: ما تقدم معنا من استدلال معتبر: أنه يجوز لكل من الزوجين النظر إلى عورة صاحبه، ورد ما يعارض ذلك، وتعدد ذلك الوارد واختلاف طرقه ومخارجه مع ضعفه يحتم القول باستحباب ترك النظر، أي: نظر كل من الزوجين إلى عورة صاحبه مع إباحة فعله، لكن هذه الآثار مع تلك تتقوى واستمعوا لبعض هذه الآثار.

    حديث عائشة في أن النبي لم ير منها ولم تر منه

    روى الإمام أحمد في المسند في الجزء (6/63 ، 190) والأثر رواه الإمام ابن ماجه في سننه في الجزء (1/217) في كتاب الطهارة: باب النهي أن يرى عورة أخيه، وأعاده في كتاب النكاح في الجزء (1/619) باب التستر عند الجماع، وذكره في المكانين، ورواه الإمام الترمذي لكن في الشمائل المحمدية على نبينا صلوات الله وسلامه صفحة (192)، ورواه ابن سعد في الطبقات في الجزء (1/384) ورواه البيهقي في السنن الكبرى في الجزء (7/94) وابن أبي شيبة في مصنفه في الجزء (1/106) .

    ولفظ الحديث: عن مولى لأمنا عائشة، وفي روايةٍ: عن مولاة لأمنا عائشة، إما مولى ذكر، وإما مولاة أنثى، رضي الله عنهم أجمعين، عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: ما نظرت إلى فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث ضعيف لكن ضعفه يسير، قال الإمام البوصيري في مصباح الزجاجة في الجزء (1/238) وفي الجزء (2/96) لأنه تكلم في المكانين في كتاب الطهارة وفي كتاب النكاح على حسب إيراد الإمام ابن ماجه له، قال: إسناده ضعيف لجهالة تابعة أو تابعيته، يعني: التابعي ذكر أو أنثى مجهول، هل هو مولى لأمنا عائشة أو مولاة لأمنا عائشة؟

    ما يتعلق وتقدم معنا بالجهل بالنسبة لطبقة التابعي ولا سيما للطبقة المتقدمة، مع أنه ضعف في الإسناد لكن كما قلت: يختلف عن الجهل في الطبقات الأخرى من الرواة، فهو مولى لأمنا عائشة نعت بذلك، لكن ما اسمه؟ ما وضعه؟ وحقيقةً بقي فيه جهالة، وبقية الإسناد ثقات.

    والحديث في هذه الدواوين: ما رأيت فرج رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو ما نظرت إلى فرج رسول الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وقد ورد أنها كانت تغتسل معه؛ وعليه فلو أراد الإنسان أن يجمع، فيمكن أن يقال إذاً: في حالة الاغتسال ترى ما عدا هذا لا تراه، ويمكن أن يقال: تغتسل ولا ترى، لا سيما إذا كان الإنسان يلبس إزاراً، أو إذا غضت طرفها، يعني: إذا ما تأمل من يغتسل معه فيمكن أن يغتسل الإنسان مع زوجه ولا ينظر إلى العورة، وصرف النظر ميسور وليس فيه حرج.

    هذا إذا أردنا أن نجمع، أو أن نقول كما جمع أئمتنا: النظر يدل على الجواز، وما ورد من نفيٍ يدل على استحباب ترك النظر، وهذا ما قرره أئمتنا كما ستسمعون إلى هذه الدلالة، وكل طريقٍ منها ضعيف، لكن إذا اجتمعت تعتضد، وحقيقةً لا بد من الإنصاف، فبعض من يشتغلون بالحديث في هذه الأيام، جاء إلى هذه الأحاديث التي سأذكرها من أولها إلى آخرها فضربها وقال: موضوعة! وهي ليست موضوعة ولا نقول: الأمر الأول لم يثبت، فلا يوجد تصريح من نبينا عليه الصلاة والسلام أنه فعل هذا بأهله أو فعله أهله معه، إنما هو استدلال فقط من واقعة اغتساله، وأما حديث عثمان بن مظعون المتقدم فليس هو أحسن حالاً من الأحاديث التي سيذكرها، والتي تدل على عدم النظر.

    وخلاصة الكلام كما قرر أئمتنا الكرام، وهم أهل الهدى: هذا جائز وتركه أولى، وهذا وجه الجمع والأمر فيه سعة، والناس بعد ذلك يختلفون في كيفية التمتع بما أحل الله، فإذا أراد الإنسان أن ينظر فلا حرج، وإذا أراد أن يلمس فلا حرج، ولو أراد حتى أن يقبل فلا حرج، ولو أراد أن يلحس ذلك المكان فلا حرج، والأمر كله ضمن دائرة الإباحة، والنفوس بعد ذلك تختلف، وتركه أحسن، كنت مرةً في بلاد الشام فسألني بعض الإخوة من المدرسين، في تلك الليلة طلق زوجه ثلاثاً من أجل المباشرة والمعاشرة، على حسب كلامه، يعني: حلف عليها بالطلاق ثلاثاً أن تمس عضوه وإلا فهي طالق، فإذا طلع الفجر وما فعلت تطلق، وهي قالت: أنا أعاف هذا، ولا أستطيع فعله، فقلت: أنت والله مجنون وهي أجن منك، يعني: هي لو فعلت فهو مباح واستراحت، وأما أنت فما عندك عقل، وليس بينك وبين زوجك تفاهم فلم تفعل بنفسها إذا كان لك رغبة، ولا فعلت عندما حلفت بالطلاق من بابٍ أولى.

    فقال: ألا يوجد مخرج، قلت: هذا هو البلاء، أحدكم يركب الصعب والذلول ليأتي ويبحث عن مخرج، فمن الذي ألزمك أن توقع نفسك في هذا المأزق ثم تقول: ابحثوا لي عن مخرج؟! وهذه بلية، لكن كما قلت: لو اتفق الزوجان بينهما، فهي راضيةً وهو راضٍ فلا حرج، والأمر فيه سعة.

    والقرآن لا يمنع من ذلك: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ [البقرة:187] وعليه فلا حشمة بين الزوجين على الإطلاق فكما في ملابسك التي تلبسها لا تستحي منها، فكذلك هي تستره وتحيط ببدنه كاللباس، ولا داعي أن يفصل القول فيها، والأمر على الجواز، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: ( اتق الحيضة والدبر ).

    أحاديث أخرى عن عائشة في نظر الزوجين إلى عورة بعضهما والحكم عليها

    إذاً: هذا حديث مروي من طريق مولىً أو مولاة عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وروي أيضاً من طريق آخر عن أنس عن أمنا عائشة ، رواه الطبراني في معجمه الصغير في الجزء (1/100)، وأبو نعيم في الحلية في الجزء (2/247)، والخطيب في التاريخ صفحة (4/225)، عن أنس رضي الله عنه، عن أمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين، قالت: (ما رأيت عورة رسول الله صلى الله عليه وسلم قط).

    لكن الحديث تفرد به بركة بن محمد الحلبي، قيل: اسمه الحسين وبركة لقب له كما ذكر ذلك الإمام ابن ماكولا فيما نقله عنه الحافظ في اللسان في الجزء (2/9) وأورد الحافظ هذا الحديث في ترجمة بركة الحلبي، قال الإمام الذهبي في المغني في الجزء (1/102): معروف بالكذب، وقال الإمام ابن حبان في كتابه المجروحين في الجزء (1/203): كان يسرق الحديث، وانظروا ترجمته في الجرح والتعديل لـابن أبي حاتم في الجزء (2/433)، وفي سير أعلام النبلاء في الجزء (14/29) ختم ترجمته عن صالح بن محمد الملقب بـجزرة لأنه صحف: خرزة إلى جزرة، فصار هذا نعتاً له ولقباً عليه، وكان لا يأنف منه، وفيه دعابة، وبعض الدعابات مستنكرة، أوردها الإمام الذهبي في السير وعلق عليه ما ترونه لو نظرتم في ترجمته: أنه قال هذا إما حال غيبوبة عقله عند المرض، أو أنه دعابة لكنها مذمومة.

    يقول: صالح جزرة لما وقع على أحاديث بركة الحلبي قال: هذا عقوبة وليس ببركة، وفي رواية: هذا نقمة وليس ببركة.

    وروى الحديث أبو الشيخ في كتاب: أخلاق النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: عن أمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين قالت: (ما رأيته من رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا رآه مني، وما أتى امرأة من نسائه عليه الصلاة والسلام إلا متقنعاً -أي: يلبس القناع ويغطي رأسه- يرخي الثوب على رأسه ).

    وهذا أدب أيضاً لو حافظ عليه الإنسان كما هو الحال عندما يدخل الخلاء، يعني: يستر رأسه عندما يباشر أهله، وسيأتينا أيضاً: يستحب ألا يتجردا تجرد العيرين أي: تجرد الحميرين: الحمر الأهلية أو الحمر الوحشية، فليلق على نفسه ستاراً أو بطانية أو شرشفاً، وهذا أكمل وأفضل، ولو لم يفعل فلا حرج، لكن هذا أدب يستحب المحافظة عليه والأخذ به.

    الحديث من طريق محمد بن القاسم الأسدي ، لقبه : كاو ، وحاله كحال بركة الحلبي ، قال الحافظ : كذبوه، وتوفي سنة 207 وهو من رجال الترمذي ومترجم له في التقريب، وغالب ظني أنه تقدم له ترجمة معنا في الأحاديث المتقدمة وقال الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء (8/104): وثقه ابن معين وضعفه أحمد وغيره، وقال في الجزء (10/67): مجمع على ضعفه، وانظروا ترجمته في تهذيب التهذيب (9/74).

    إذاً: صار معنا طرق متعددة، مولى أو مولاةٍ، ومن طريق أنس ومن طريق عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، والحديث ضعيف لكن لا يصل كما قلت إلى درجة الوضع ولا الترك، ففي الطريق الأولى كما تقدم معنا جهالة التابعي أو التابعية وقلنا: الضعف يسير، وقال الإمام ابن حزم في المحلى في الجزء (10/33) أن ذلك مباح وجائز، ثم قال: وما نعلم للمخالف تعلقاً إلا بأثر سخيف عن امرأة مجهولة عن أم المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين أنها قالت: ( ما رأيت فرج رسول الله عليه الصلاة والسلام قط ).

    إذاً: هذا الحديث ضعيف، وروي النهي عن النظر إلى السوأتين أدباً واحتياطاً بسندٍ ضعيفٍ أيضاً وهو حديث آخر، رواه الإمام البيهقي وكما قلت: أحاديث ضعيفة إذا اجتمعت اعتضدت، وهذا فقه أئمتنا استنبطوا منها استحباب عدم نظر كلٍ من الزوجين إلى عورة صاحبه مطلقاً حال المباشرة أو حال الاغتسال أو في غير ذلك من الأحوال.

    حديث ابن عباس في أن نظر الرجل لفرج زوجته يورث العمى

    الحديث الثاني رواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى في الجزء (6/95)، ورواه الإمام ابن عدي والإمام ابن عساكر وابن أبي حاتم والإمام ابن الجوزي في كتابه: الموضوعات في الجزء (2/271) بسنده، ورواه الإمام ابن حبان في كتابه: المجروحين في الجزء (1/201)، انظروا أيضاً جمع الجوامع للسيوطي في الجزء (1/641).

    ولفظ الحديث عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته - يعني: سريته وأمته - فلا ينظر إلى فرجها، فإن ذلك يورث العمى ) والحديث في إسناده بقية بن الوليد ، وهو صدوق كما تقدم معنا مراراً، روى له البخاري تعليقاً ومسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة لكنه كثير التدليس عن الضعفاء، وقد صرح بالتحديث، لكن قال أبو حاتم : هذا خطأ، يعني: تصريحه بالتحديث هنا خطأ ممن روى عنه، وقال الإمام ابن حبان في المجروحين: امتحن بتلاميذ كانوا يدلسون عنه، يعني: هو لا يقول: حدثنا، وهم يقولونها، يعني: كما هو يدلس ابتلاه الله بتلاميذ، أحياناً هو يقول: عن، وهم يقولون: حدثنا، ويفهم من كلام الإمام الذهبي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في الجزء (4/298) في الميزان أنه يميل إلى ذلك: أن بقية وإن صرح بالتحديث فهذا خطأ كما قال أبو حاتم ، ولذلك حكم الإمام ابن الجوزي على الحديث بالوضع، ونقل عنه ذلك الحكم الإمام الدسوقي من أئمة المالكية في حاشية الدسوقي على مختصر خليل في الجزء (2/192) .

    إذاً: يرون أنه موضوع، لكن الإمام السيوطي في اللآلئ المصنوعة في الجزء (2/170) وهكذا الإمام ابن عراق في تنزيه الشريعة في الجزء (2/209) وهكذا الإمام المناوي في فيض القدير في الجزء (1/326) حكوا أن الإمام ابن القطان ذكر في كتاب أحكام النظر له: أن بقي بن مخلد رضي الله عنهم أجمعين، وهو من شيوخ الإسلام وأئمة الهدى روى هذا الحديث بسنده عن بقية بن الوليد وفيه التصريح بالتحديث؛ ولذلك قال الإمام ابن الصلاح كما في هذه الكتب المتقدمة: إن هذا الحديث جيد الإسناد: ( إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها، فإن ذلك يورث العمى ) وأوردوا له شاهداً آخر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، رواه الإمام الأزدي في الضعفاء وهو أيضاً في كتاب الموضوعات للإمام ابن الجوزي بلفظ: ( إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها، فإن ذلك يورث العمى ولا يكثر الكلام، فإن ذلك يورث الخرس ) .

    لكن في طريق الأزدي : إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي قال عنه الأزدي : إنه ساقط، ورد أئمتنا كلام الأزدي فهو صدوق تكلم فيه، وهو من رجال سنن ابن ماجه ، قال الذهبي في الميزان في الجزء (1/61): لا يلتفت إلى كلام الأزدي فيه فإن في لسانه في الجرح رهقاً، أي: يسقط ويزيد، وأقر ذلك الإمام ابن حجر في تهذيب التهذيب في الجزء (1/161) وعليه؛ فـإبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي لا يحكم عليه بأنه ساقط، ولا الرواية الثالثة لأنها جاءت من طريقه.

    نعم في الإسناد راوٍ آخر وهو محمد بن عبد الرحمن القشيري ، وورد ذكره في الكتب الستة، والذي يبدو لي أنه خطأ؛ لأنه بالرجوع إلى كتب التراجم، قال عنه الخليلي : تفرد به -أي: بهذا الحديث- ويأتي بمناكير، وليست له رواية في الكتب الستة، هو مترجم في الميزان في الجزء (5/250) قال الإمام ابن عدي : إنه منكر الحديث، وقال عنه الأزدي : كذاب متروك، وترجمته أيضاً في المغني في الجزء (1/606)، وقال في ترجمته: كذاب متروك.

    ولا زلت أقول: تلك الأحاديث مع ضعفها تعضد ببعضها وترتفع عن درجة الترك، فتصلح للاستشهاد بها، ولذلك نقل الإمام ابن عراق في تنزيه الشريعة في الجزء (2/209) عن الإمام أبي بكر بن العربي رضي الله عنهم أجمعين أنه قال في كتابه مراقي الزلف: أقول بكراهة النظر؛ لأن الخبر وإن لم يثبت فالخبر الضعيف أولى عند العلماء من الرأي والقياس، وقد تتابع أئمتنا الكرام على استحباب عدم النظر أدباً، وكرهوا النظر حياءً وطباً.

    كلام الفقهاء في نظر الرجل إلى فرج زوجته

    قال الإمام ابن عابدين الحنفي في رد المحتار على الدر المختار في الجزء (6/366): الأولى ألا ينظر كل من الزوجين إلى عورة صاحبه؛ لأن ذلك يورث النسيان ويضعف البصر، وقال الدسوقي المالكي في الجزء (2/192): قال زروق من أئمة المالكية يحل لكل من الزوجين النظر إلى فرج صاحبه اتفاقاً، الحل والجواز لا خلاف فيه، لكن كرهوا ذلك للطب لأنه يؤذي البصر ويورث قلة الحياء في الولد.

    ولذلك قال الإمام القرطبي وهو من أئمة المالكية أيضاً في تفسيره في الجزء (12/232): الأصح جواز النظر؛ لأنه إذا جاز له التلذذ به فالنظر أولى، وقال أصبغ من أئمة المالكية: يجوز له أن يلحسه بلسانه، كما تقدم معنا.

    وقال الإمام أبو بكر بن العربي : إن المنع محمول على الأدب.

    إذاً: المالكية أيضاً منعوا أدباً وطباً، وكذا الحنفية وكذلك الشافعية، قال الإمام النووي في الروضة في الجزء (7/25): يجوز للزوج النظر إلى جميع بدن زوجته إلا الفرج ففيه وجهان: أصحهما: أنه لا يحرم لكن يكره، وفي وجه آخر: يحرم، والثاني: لا يحرم لكن يكره، قال: وباطنه أشد كراهةً، ثم قال: وهكذا فرج نفسه لا ينظر إليه إلا لحاجة، وكما تقدم معنا عند مبحث الاستتار عند قضاء الحاجة، وسيأتينا بعض الآثار أيضاً التي تقرر هذا ضمن هذا المبحث إن شاء الله.

    وقال الإمام ابن حجر في الفتح وهو من أئمة الشافعية أيضاً في الجزء (9/339): الأصح الجواز لكن يكره حيث لا سبب، وقال الإمام البغوي في شرح السنة الجزء (9/25): يجوز لكل من الزوجين النظر إلى بدن صاحبه إلا نفس الفرج، فإن النظر إليه مكروه، وكذلك فرج نفسه.

    إذاً: الحنفية والمالكية وبعدهم الشافعية وأما آخر المذاهب على حسب الترتيب الزمني وهم الحنابلة، فقال الإمام ابن قدامة في المغني في الجزء (7/458): يباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه، ولمسه حتى الفرج؛ لحديث كما سيأتينا: ( احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ) من رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة وسيأتينا تخريجه قريباً، قال الإمام ابن قدامة : ولأن الفرج يحل الاستمتاع به فجاز النظر إليه ولمسه كبقية البدن، ويكره النظر إلى الفرج؛ لما روي عن أمنا عائشة رضي الله عنها، قالت: ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط.

    1.   

    الأمر بالاستتار والنهي عن التعري

    الأمر بالستر أثناء الجماع والنهي عن التجرد

    إذاً: الآن اتفاق المذاهب الأربعة على كراهية نظر كلٍ من الزوجين إلى فرج صاحبه أدباً وحياءً وطباً، ولو فعل لا إثم عليه ولا معصية ولا حرج، وقد روي الأمر بالتستر عند المباشرة كما تقدم معنا في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: لا ينظر لأنه يورث العمى، والأمر بالتستر قدمناه لحديث أمنا عائشة بطرقه، وحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ومعه رواية أبي هريرة : لا ينظر فإن ذلك يورث العمى، وأحاديث أخرى تأمرنا بالتستر وألا يتجرد الإنسان تجرد العير، وهو الحمار الأهلي أو الوحشي، وروى الإمام البزار في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير كما في المجمع في الجزء (4/293)، ورواه البيهقي في السنن الكبرى في الجزء (7/193)، والإمام العقيلي في الضعفاء، والخطيب في تاريخ بغداد في الجزء (13/248)، عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، عن نبينا المحمود عليه صلوات الله وسلامه أنه قال: ( إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجردان تجرد العيرين ) بفتح العين تجرد العَيرين، أي: الحمارين: حمار الوحش والحمار الأهلي الإنسي، وفي إسناد الحديث مندل وتقدم معنا أن الميم مثلثة: مندل ، ومندل، واسمه عمرو كما تقدم معنا ضمن مباحث النبوة، ومندل لقب له، وهو عمرو بن علي العنزي ، ضعيف، وضعفه يسير ليس من ترك ولا نكارة، توفي سنة 167 وحديثه في سنن أبي داود وسنن الإمام ابن ماجه ، وقال الإمام الهيثمي : وثق، وقال في مكان آخر: فيه كلام كثير وقد وثق، وقيل: إن هذا الحديث فيه خطأ في وصفه، فهو مرسل عن أبي قلابة وليس من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم وأرضاهم، ولذلك رواه الإمام ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق أبي قلابة مرسلاً، بقي أيضاً ضعيفاً ومرسلاً، وهنا متصل وضعيف، في الجزء (4/402) في المصنف، وهذا الذي استظهره البزار والخطيب في تاريخ بغداد: أن رواية الاتصال والرفع من طريق عبد الله بن مسعود فيها وهم، وأنه من رواية أبي قلابة مرفوعاً إلى نبينا عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    إذاً: رواية أبي قلابة مرسلة في المصنف، نسبها الإمام ابن حجر في المطالب العالية في الجزء (2/30) إلى مصنف ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود ، لكنها عن أبي قلابة فيحتاج الأمر إلى تحقق، يعني: لو كان للمصنف رواية أخرى عن عبد الله بن مسعود لنسب إليه الروايتين، فنسب هنا الرواية إلى عبد الله بن مسعود وهي في المصنف عن أبي قلابة فيحتاج الأمر إلى تحقق: هل وهم بأن الرواية منسوبة لـعبد الله بن مسعود فأضافها إليه ووضعها لـأبي بكر ، ابن أبي شيبة يحتاج الأمر إلى تحقق من ذلك، في الجزء (2/30) في المطالب العالية.

    إذاً: الحديث ضعيف ومندل ضعيف، لكن بلا ترك ولا نكارة، وروي مرسلاً الطريق ثابت لكن الإرسال ضعيف، وهذا الحديث له شواهد متعددة، الشاهد الأول: من طريق عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه وأرضاه، رواه الإمام ابن ماجه في سننه والطبراني في معجمه الكبير كما في جمع الجوامع في الجزء (1/31) وضعف إسناده الإمام البوصيري في مصباح الزجاجة في الجزء (2/95)، وشيخ الإسلام الإمام العراقي في تخريج أحاديث الإحياء في الجزء (3/51)، وانظروا شرح الإحياء في الجزء (5/372)، وسبب الضعف فيه الأحوص بن حكيم العنسي الحمصي الهمداني ضعيف الحفظ وكان عابداً، ولم يخرج له إلا الإمام ابن ماجه من أهل الكتب الستة.

    قال الإمام البوصيري : لها شاهد من حديث عبد الله بن مسعود وقد تقدم معنا الشاهد عن عبد الله بن مسعود لكن رواية عبد الله بن مسعود لم يخرجها الإمام ابن ماجه ، لكن البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد سنن ابن ماجه بعد أن تكلم على رواية عتبة بن عبد السلمي قال: له شاهد من رواية عبد الله بن مسعود .

    شواهد لحديث ابن مسعود في النهي عن التجرد أثناء الجماع

    وله شاهد آخر أيضاً من رواية عبد الله بن سرجس رضي الله عنه وأرضاه وهو من الصحابة الكرام، رواها عنه الإمام النسائي في السنن الكبرى، والطبراني في معجمه الكبير، والدارقطني في الأفراد، والإمام ابن عدي ، وانظروا جمع الجوامع الجزء (1/31) باللفظ المتقدم من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين: ( إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجردان تجرد العيرين ) .

    وفي لفظ للدارقطني لهذا الرواية الثالثة: ( إذا أتى أحدكم أهله فليلق على عجزته وعجزتها شيئاً -وفي روايةٍ: ثوباً- ولا يتجردان تجرد العيرين ) وفي الإسناد: صدقة بن عبد الله السمين الدمشقي قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف وهو من رجال السنن الأربعة إلا سنن أبي داود ، توفي سنة 166 وبذلك حكم عليه الذهبي في الكاشف فقال: ضعيف، وانظروا ترجمته في الميزان في الجزء (2/311)، قال ابن عدي : أكثر من أحاديث من لا يتابع عليه وهو إلى الضعف أقرب، وقال أبو حاتم ودحيم : محله الصدق، وقال سعيد بن عبد العزيز للأوزاعي : حدثني الثقة عندي وعندك صدقة بن عبد الله السمين ، لكن أئمتنا كما تقدم معنا اعتمدوا تضعيفه والعلم عند الله جل وعلا، فضعفه يسير، وهذه رواية ثالثة.

    والرواية الرابعة: عن أبي أمامة رضي الله عنهم أجمعين، رواها الطبراني في معجمه الكبير كما في المجمع في الجزء (4/293) ولفظ الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام: ( إذا أتى أحدكم أهله فليستر عليه وعلى أهله ولا يتعريان تعري الحمير ) وفي الإسناد عفير بن معدان وهو ضعيف، قاله الإمام الهيثمي في المجمع، وبذلك حكم عليه الحافظ في التقريب، فقال: ضعيف (ت ق) من رجال الترمذي وابن ماجه وهو عفير بن معدان الحمصي المؤذن ، قال عنه الذهبي في الكاشف: ضعفوه.

    وشاهد خامس من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، رواها البزار في المسند والطبراني في معجمه الأوسط، كما في المجمع في الجزء (4/293)، وإسناد البزار ضعفه البزار فقال: إسناده ليس بالقوي، كما في كشف الأستار في الجزء (2/170) وإسناد الطبراني في معجمه الأوسط فيه أبو المنيب وهو صاحب يحيى بن أبي كثير ، قال الإمام الهيثمي : لم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم كلام لا يضر، وأبو المنيب صاحب يحيى بن أبي كثير ترجمه الذهبي في المغني في الجزء (2/810) وفي الميزان في الجزء (4/277) فقال: لا يعرف ألبتة.

    فهذه رواية خامسة، والخمس الروايات ضعيفة إذا اجتمعت تعتضد حتماً، فإسقاط القول بأنها موضوعة ولا يصح منها شيء مجازفة، فلا بد من الإنصاف عند البحث، والروايات أقل ما تفيد -كما قلت- الاستحباب وأنها ترتقي إلى درجة القوي، ولذلك كما تقدم: استحب أئمتنا عدم النظر، ودرج على هذا المذاهب الأربعة المتبعة، وبوب على هذه الأحاديث أئمتنا في كتب الحديث أبواباً يستنبطون منها ما قرره أئمتنا الكرام، فاستمع لتراجم أئمتنا في كتب الحديث على الأحاديث المتقدمة.

    الإمام ابن ماجه في كتاب النكاح بوب عليه: باب التستر عند الجماع، يعني: كأنه يستنبط هذه الدلالة من هذا الحديث، وبوب عليه الإمام البيهقي في السنن الكبرى: باب الاستتار في حال الوطء، وبوب عليه الهيثمي في المجمع: باب الجماع والقول عنده والتستر، ولم يقل: عندما يجامع، وبوب عليه في كشف الأستار في ترتيب البزار قال: باب التستر عند الجماع، وبوب عليه ابن أبي شيبة في مصنفه: الاستتار إذا جامع الرجل أهله، وبوب عليه الحافظ في المطالب العالية فقال: الأمر بالتستر عند الجماع وجواز رؤية الفرج.

    فأقل ما تفيده الأحاديث أن ذلك الأمر مستحب، أي: عدم نظر كلٍ من الزوجين إلى عورة صاحبه وإذا نظر فلا إثم عليه، وتقدم معنا ما يشهد لهذا من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها في رواية أبي الشيخ : ( أنها ما رأت منه ولا رأى منها، وكان عليه الصلاة والسلام إذا أتى أهله تقنع )، وهذا الذي روته أمنا عائشة رضي الله عنها مع ضعفه، روي أيضاً عن أمنا أم سلمة رضي الله عنها في تاريخ بغداد في الجزء (5/162) قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى امرأةً من نسائه غمض عينيه وقنع رأسه، ويقول للتي تحته: عليك بالسكينة والوقار ).

    والحديث إسناده ضعيف أيضاً، كما في تخريج أحاديث الإحياء للإمام العراقي في الجزء (2/51) وضعفه أيضاً الإمام ابن حجر الهيتمي في كتابه: الإفصاح عن أحاديث في النكاح في صفحة (138) وهو جزء مستقل جمع فيه أحاديث النكاح.

    إذاً: الأحاديث ضعيفة لكن تعتضد، لذلك هو أدب جميل ومراعاته خلق نبيل، وكان سلفنا يتواصون بذلك، روى الإمام ابن أبي شيبة في مصنفه في الجزء (4/402) عن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، أنه قال: إذا جامعت أهلك فاستتر، وهو ثقة عابد وحديثه في الأدب المفرد للبخاري وصحيح مسلم والسنن الأربعة، وتوفي سنة 118.

    ستر الرأس عند قضاء الحاجة

    فالاستتار مطلوب عند المباشرة، وتقدم معنا عند قضاء الحاجة، روى الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه أيضاً في الجزء (1/105) عن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، وإسناد الأثر صحيح عنه كما في السنن الكبرى للإمام البيهقي في الجزء (1/96) أنه قال: يا معشر المسلمين! استحيوا من الله، فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء مغطياً رأسي استحياءً من ربي سبحانه وتعالى، قال الإمام البيهقي : وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام عن حبيب بن صالح مرسلاً، أي: مثل هذا الكلام وأنه يستر رأسه عند قضاء الحاجة.

    وتقدم معنا عن سيدنا أبي موسى الأشعري عند مبحث الاستتار عند قضاء الحاجة في سنن الترمذي والأثر في مصنف ابن أبي شيبة في الجزء (1/106) قال: إني لأغتسل في البيت المظلم فأحني رأسي حياءً من ربي، وفي رواية قال: ما أقمت صلبي عند اغتسالي منذ أسلمت، لا ينتصب من أجل ألا تظهر العورة، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عبادة بن نسي عن ابن طاوس أن أباه أمره، قال: إذا دخلت الخلاء فتقنع، أي: يلبس القناع على رأسه، ويستر رأسه -فقال له عبادة بن نسي : لم آمرك بذلك؟ قال: لا أدري؛ حياءً من الله عز وجل.

    وغالب ظني أنه عند هذا المبحث تقدم معنا باب الاستتار عند قضاء الحاجة في سنن الترمذي ، فقلت: أدركت كثيراً من الشيوخ الكرام في بلاد الشام عندما يذهب للحمام والمطاهر يضع شيئاً على رأسه ويسترها من منشفة أو كذا، ولا يذهب عندما يريد أن يقضي حاجة حاسر الرأس أو كاشف الرأس في المكان الذي يدخل فيه، يعني: مثلاً المسجد فيه حجر؛ عشرة أو أكثر، يسكنون هناك، وعندما يريد أن يخرج لقضاء الحاجة يضع على رأسه ستارة ويذهب بهذا الأدب الرفيع حياءً من الله عز وجل، وكما قلت: ليس بواجب، لكنه أدب مستحب، ومراعاته مطلوبة، وإذا كان الإنسان يتأدب مع الله جل وعلا في هذه الأحوال فسيتأدب في سائر الأحوال، ومراعاة ذلك أمر كريم.

    الأمر بالاستتار عند الاغتسال

    الحياء مطلوب وهو دليل على حياة القلوب، ووجوده في القلوب دليل على الخشية من علام الغيوب، وقد نهانا نبينا عليه الصلاة والسلام عن التعري عند الاغتسال، ولا بد من أن يحتاط الإنسان وأن يستتر، أما إن يتعرى في فضاء ولا يوجد ستارة تحيط به فهذا مذموم، فيوجد من ينظر إليه من ملائكة عندما يتعرى في الفضاء، ومن جن وغيرهم، فضع شيئاً واذكر بعد ذلك ربك عندما تدخل إلى هذا المكان من ستارة أو من حجرة، أما أن يتعرى في العراء أو في صحراء مكشوفة، فهذا نهانا عنه نبينا عليه الصلاة والسلام.

    روى الإمام البزار كما في كشف الأستار في الجزء (1/160) والأثر في الدر المنثور في الجزء (6/322) عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله ينهاكم عن التعري، فاستحيوا من ملائكة الله الذين لا يفارقونكم إلا عند ثلاث حالات: عند الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه، أو بجذمة حائطٍ -يعني: أصل حائط أو بقية من حائط- أو ببعيره ) فإذا كان لا يوجد عنده حائط قائم، ولا يوجد ثوب يستر به نفسه فيقف وراء البعير ويجعله سترةً له ويغتسل.

    والأثر فيه حفص لين الحديث كما قال الإمام البزار ، قال الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء (1/269): رجاله رجال الصحيح، قال: وجعفر بن سليمان من رجال الصحيح، وتصحف على الحافظ الهيثمي : حفص بن سليمان فظنه جعفر بن سليمان ، وجعفر بن سليمان الضبعي صدوق زاهد، توفي سنة 178 وحديثه في صحيح مسلم والسنن الأربعة وروى له البخاري في الأدب المفرد، ولكن في إسناد البزار : حفص بن سليمان وهو الراوي عن عاصم الذي نقرأ بقراءته، ويقال له: حفيص الأسدي رضي الله عنه وأرضاه وهو ثبت في القراءة لكنه ضعيف في الحديث، روى له الترمذي في السنن، وروى له الإمام النسائي في فضائل سيدنا علي ، وروى له الإمام ابن ماجه في سننه، أما جعفر بن سليمان فمن رجال مسلم.

    وروى الإمام ابن مردويه في تفسيره كما في الدر في المكان المتقدم، عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الظهيرة فرأى رجلاً يغتسل بفلاة من الأرض، فحمد النبي صلى الله عليه وسلم الله جل وعلا وأثنى عليه ثم قال: ( أيها الناس! أما بعد: فاتقوا الله عز وجل وأكرموا الكرام الكاتبين الذين معكم ليس يفارقونكم إلا عند إحدى منزلتين: عندما يكون الرجل على خلائه، أو يكون مع أهله؛ لأن الله جل وعلا جعلهم كراماً، وسماهم كراماً كاتبين، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر )، وروى الإمام عبد الرزاق في مصنفه في الجزء (1/285) عن ابن جريج عن صاحبٍ له عن مجاهد -فالحديث مرسل وفيه مجهول لم يسم، لكن الآثار كما قلت: كلها تفيد هذه الدلالة وهو استحباب التستر عند الاغتسال، وعند مباشرة الأهل، وألا يتعرى الإنسان- قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية وعليه ثوب مستور عليه، يحيط به ثوب يستره عليه الصلاة والسلام وهو في جوف خيمة له، فقال: هبت الريح فكشفت طرف الثوب عنه، فإذا هو برجل يغتسل عرياناً، فتغيظ النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( أيها الناس! اتقوا الله واستحيوا من الكرام؛ فإن الملائكة لا تفارقكم إلا عند إحدى ثلاث: عندما يجامع الرجل أهله، وعند الخلاء ) قال: ونسيت الثالثة، والثالثة عند الاغتسال كما تقدم معنا: ( فإذا اغتسل أحدكم فليستتر ) .

    وروى البيهقي في سننه عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قالت: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء غطى رأسه )، وإذا أتى أهله غطى رأسه، والحديث ضعيف، قال عنه الإمام البيهقي : هذا أحد ما أنكر على محمد بن يونس الكديمي ، قال الإمام ابن عدي : أمره أظهر من أن يحتاج إلى أن يبين ضعفه، لكن ضعفه بسبب حفظه وعدم ضبطه، وانظروا ترجمته في التقريب عندكم: ضعيف، توفي سنة 286، قال الحافظ : لم يثبت أن أبا داود روى عنه، وانظروا ترجمته في التهذيب في الجزء (9/540) وغير ذلك.

    ومع أنه ضعّف إلا أن جعفر الطيالسي يقول: إنه ثقة، وقال الإمام أحمد : إنه حسن المعرفة حسن الحديث، ونقل توثيقه أيضاً عن غيرهما، لكن قال الإمام الدارقطني : ما أحسن القول فيه إلا من لم يخبر حاله، فالعلم عند الله جل وعلا؛ لأن الإمام أحمد حسن حاله، قال: حسن المعرفة، حسن الحديث وغيره، يعني: لعله قال مما اختلف فيه، والحكم بعد ذلك كما تقدم معنا: ضعيف، فلم يُخبَر حاله في الحقيقة فيحتاج الأمر إلى تمهل في قبول هذا الكلام.

    وكان هذا العبد الصالح يقول: من رماني بالكفر والزندقة سامحه الله، ومن رماني بالكذب فلا أسامحه، سنقف أنا وهو أمام الله، يعني: يرميني بالكفر والزندقة مسامح معلوم كذبه ولا يقبل، أما أنه يرميني بالكذب على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذه لا أتحملها فأنا صادق أمين.

    إذاً: الأحاديث في ذلك كثيرة، روى الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن والنسائي في السنن وإسناد الحديث حسن، من رواية يعلى بن شداد رضي الله عنه وأرضاه، وانظروا الحديث في جامع الأصول في الجزء (7/300) قال: ( رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يغتسل بالبراري -يعني: عرياناً لم يستتر بشيءٍ- فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر ) والحديث رواه الإمام البيهقي في كتابه: الآداب أيضاً.

    الأمر بحفظ العورات في كل حال

    إذاً: الأحاديث كما قلت في ذلك كثيرة وكلها تدل على هذا، وروى الإمام الترمذي في سننه في كتاب الأدب: باب ما جاء في الاستتار عند الجماع، وانظروا الحديث في جامع الأصول في الجزء (5/449) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إياكم والتعري! فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وعندما يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم ) الحديث قال عنه الإمام الترمذي : هذا حديث غريب؛ لوجود ليث بن أبي سليم فيه، وتقدم معنا حاله مراراً.

    هذا الحديث وما قبله وما تقدم مما فيه ضعف أو مما هو حسن، كما تقدم معنا رواية يعلى بن شداد يشهد لها جميعاً حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وهو حديث صحيح، رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن وهكذا ابن ماجه ، ورواه الإمام الدارمي والبغوي في شرح السنة، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في السنن الكبرى.

    إذاً: عندنا روايتان، الرواية هذه في هذه الكتب عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه وتقدمت معنا، وأن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن مع ما جرى حوله من كلام، وقد حسنه عدد من أئمتنا الكرام النووي وابن حجر والإمام العيني وغيرهم كما تقدم معنا، ولفظ الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام، أنه قال: ( من اكتحل فليوتر؛ من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ) تقدم معنا: ( ومن استجمر فليوتر؛ من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن لاك بلسانه فليبتلع؛ من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ) الأمر الآخر وهو محل الشاهد: ( ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كومة من الرمل فليفعل، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم؛ من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ).

    وحديث معاوية بن حيدة رضي الله عنه وأرضاه رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود والترمذي وابن ماجه في السنن والنسائي لكن في السنن الكبرى، والحاكم في المستدرك وصححه وأقره عليه الذهبي ، ورواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه وكذا ابن أبي شيبة في المصنف، والخطيب في تاريخ بغداد، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في السنن وفي كتابه الآداب، عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنهم أجمعين، أنه قال لنبينا الأمين عليه الصلاة والسلام: ( يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قلت: فإذا كان أحدنا خالياً، قال: فالله أحق أن يستحيا منه ).

    هذا الحديث علقه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الغسل: باب من اغتسل عرياناً وحده في الخلوة، ومن تستر فالتستر أفضل، ثم قال: قال بهز عن أبيه عن جده: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( الله أحق أن يستحيا منه ).

    استدل الإمام البخاري وهكذا أئمتنا على جواز الاغتسال في الخلوة عارياً، تقدم معنا في الحديثين اللذين أوردهما الإمام البخاري في صحيحه في قصة اغتسال نبي الله موسى عليه صلوات الله وسلامه، والحديث في المسند وصحيح البخاري ورواه الإمام الترمذي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه عندما كان يغتسل عارياً ويبقي الإزار ويضع عليه الحجر على شاطئ البحر، لكنه يبتعد عنه إلى بني إسرائيل.

    وتقدم معنا الحديث وروي في البزار من طريق سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، وأما حديث اغتسال نبي الله أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام عرياناً فهو في المسند وصحيح البخاري ورواه الإمام النسائي في السنن.

    والأحاديث في ذلك كثيرة وفيرة تدل على هذا الأمر، وأن الإنسان إذا أراد أن يغتسل يستحب له أن يستتر أو أراد أن يباشر أهله فيستحب له أن يستتر، فيوجد ملائكة ويوجد جن، فاستتر فهذا أفضل، روى شيخ الإسلام عبد الرزاق في مصنفه في الجزء (1/289) عن أبي جعفر وهو الإمام الباقر محمد بن علي رضي الله عنه وعن آل البيت الطيبين الطاهرين أجمعين، قال: دخل الحسن والحسين إلى نهر الفرات يغتسلان ويسبحان وعليهما المئزر، كل واحدٍ اتّزر ودخل، ثم قالا: إن للماء ساكناً، يعني: إن في هذا الماء ساكناً من الجن كما قلت، ورواه الإمام ابن أبي شيبة في مصنفه: إن للماء ساكناً.

    هذا فيما يتعلق بالأمر السابع، عندنا مبحث بعد ذلك كما قلت: يتعلق بعورة الرجل والمرأة، فيما بين الرجل والمرأة، وبين الرجل والرجال، وبين المرأة والنساء، ليس بين الرجل وزوجته فقط، يعني: ما الذي يحل للنساء أن تراه من الرجل بوصفها أجنبية عنه، وما الذي يحل للرجل أن يراه من المرأة بوصفه أجنبياً عنها، وما الذي يراه الرجل من الرجل، سواء كان من الأجانب أو من أقربائه، في تحديد عورة الرجل وعورة المرأة التي ينبغي أن تصان عن الكشف وعن النظر إليها، فلا نكشف هذا المكان ولا ننظر إليه.

    هذا لا بد من ضبطه ليتم معنا المبحث في هذا الأمر، نتكلم على هذا في أول الموعظة الآتية إن يسر الله وأعان، نسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء إن أحيانا أن يحيينا على الإسلام، وإن أماتنا أن يتوفانا على الإيمان، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.