إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [53]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [53]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حثت الشريعة على حفظ الفروج، وبينت أن ذلك من أسباب وقاية الإنسان من الشيطان، ومن دخول النيران، وهناك أمثلة عديدة لمن آثروا حصن العفاف وأبوا أن يكونوا أسرى فروجهم وشهواتهم.

    1.   

    بعض ما روي عن السلف في النهي عن وطء المرأة في الدبر

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    كنا ذكرنا في المبحث السابق ثلاث روايات متعلقة بتحريم وطء المرأة في دبرها ونذكر هنا بقية تلك الروايات:

    الرواية الرابعة: عن ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين، روى الإمام الدارمي في السنن، في الجزء الأول صفحة ستين ومائتين، والطبري في تفسيره، والطحاوي في شرح معاني الآثار، والأثر رواه الإمام النسائي في السنن الكبرى، والدارقطني في سننه، ورواه الإمام ابن حزم في المحلى، وإسناد الأثر صحيح ثابت عنه ثبوت الشمس في رابعة النهار، عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لـابن عمر : ما تقول في الجواري حين أحمض لهن؟

    يريد أن يقول من باب التفكه، وتحميض الإنسان يريد أن يتلذذ وذلك بأن يغير أشكال المعاشرة، فليس هذا وطء من أجل إخراج ذرية تعبد الله جل وعلا، فهل يجوز أن نحمض لهن؟ فقال سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين: ويحك وما التحميض، أي: ماذا تقصد؟ فذكرت له الدبر، وأن يباشرها الإنسان في ذلك المكان، فقال: أفٍ أف، وهل يفعل ذلك مؤمن؟!

    قال ابن كثير في تفسيره في الجزء (1/264): هذا إسناد صحيح ونص صريح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه مما يحتمل الجواز ويحتمل التحريم فهو مردود إلى هذا الحكم؛ لأنه ورد عنه روايات موهمة بأنه يجوز وطء المرأة في دبرها، وقلنا: إن معناه أي: من وراءها بحيث يقع الإيلاج في القبل، وعليه يأتيها من الوراء، ويقع الوطء في القبل لا بد من هذا، وهذه الروايات الموهمة لا بد من فهمها على حسب النصوص المحكمة، وهذا حال الراسخين في العلم.

    هذه الرواية الموهمة ينبغي أن تردها إلى روايةٍ محكمة، كقول نبينا عليه الصلاة والسلام لـعمر : ( أقبل وأدبر لكن -وهذا تنبيه- اتق الحيضة والدبر ) وعليه لك أن تجامعها من أي جهةٍ، أو من جميع الجهات، وفي جميع الأوقات، بشرط أن يكون في قبلها.

    الرواية الخامسة: عن أبي هريرة رضي الله عنه، رواها عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد في المسند، والنسائي في السنن الكبرى، والبيهقي في السنن الكبرى، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إتيان الرجال والنساء في أدبارهن كفر، وتقدم معنا مثل هذه الألفاظ، وقلنا: إنها تحمل على المستحل أو أن معناها: كفر دون كفر، كفر النعمة لا المنعم، التي تقود إلى الكفر إلى آخر التأويلات التي مرت معنا، فلا يشكلن ذلك عليكم.

    الرواية السادسة، والسابعة، والثامنة، والتاسعة، أربع روايات مع بعضها مجموعة: رواها الدارمي في السنن في الجزء (1/261) عن أربعة من التابعين: طاوس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعطاء رضي الله عنهم أجمعين: أنهم كانوا ينكرون إتيان النساء في أدبارهن ويقولون: هو الكفر، وقال مجاهد كما في مسند عبد بن حميد ، كما في الدر الجزء (1/265): من أتى امرأته في دبرها فهو من المرأة مثله من الرجل، الحكم كما لو وطء الرجل في دبره، هذه تسع روايات.

    العاشرة: عن مالك ، قال الحافظ في الفتح في الجزء (8/190): روى الخطيب في كتابه: الرواة عن مالك ، عن إسرائيل بن روح قال: سألت مالكاً عن وطء المرأة في دبرها، فقال: ما أنتم قوم عرب؟! وفي بعض الروايات ضبط أثره: ما أنتم إلا قوماً عرب، أي أنتم قوم عرب كيف يخفى عليكم فهم الآية، كيف تسألون عن هذا الحكم والآية صريحة في النهي عن وطء المرأة في دبرها؟!

    ثم قال: هل يكون الحرث إلا في موضع الزرع؟ قال القرطبي في تفسيره في الجزء (3/95): أنكر مالك ذلك، أي: وطء المرأة في دبرها واستعظمه وكذب من نسب إليه ذلك، ونحن نسأل من يقول هذا عن مالك ؟ هل يقوله مالكي من أتباع مالك ؟ لأن أهل مكة أدرى بشعابها، ودائماً قول الإمام يؤخذ من أصحابه ومن أتباع مذهبه.

    1.   

    مذهب مالك في وطء دبر المرأة وتحرير قوله فيه

    وهذا القرطبي يقوله: أنكر مالك ذلك واستعظمه وكذب من نسب إليه ذلك، قال القرطبي : فما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا - يعني: أنهم يجيزون وطء النساء في أدبارهن - باطل وهم مبرءون من ذلك.

    وهذا القول عن القرطبي نقله الشنقيطي في الأضواء في الجزء (1/125) وارتضاه وأقره، وهو مالكي أيضاً رضي الله عنهم أجمعين، وقال ابن كثير في تفسيره في الجزء (1/265): هذا هو الثابت عن مالك ، وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، يعني: قول المسلمين أجمعين، فهؤلاء هم علماء الأمة وفقهاؤها وهو قول أصاحبهم قاطبةً، وهو المروي عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة ، يعني: ابن عبد الرحمن ، وعكرمة ، وطاوس وهو المروي عن عطاء ، وسعيد بن جبير ، وعروة بن الزبير ، ومجاهد بن جبر ، والحسن وغيرهم من السلف، وأنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلق على من فعله الكفر.

    وعلى هذا درجت كتب المالكية: ففي مختصر خليل الذي يعول عليه المالكية في فقههم وفي أمورهم، يقول: وحل تمتع بغير دبرٍ، هذا في مختصر خليل ، وفي شرحه للدردير وحاشية الدسوقي عليه في الجزء (2/192) وهكذا في مواهب الجليل الجزء (3/407) قال هؤلاء: المشهور ما ذكره المصنف صاحب مختصر خليل .

    عدم صحة نسبة كتاب السر إلى الإمام مالك وما نقل فيه من جواز وطء دبر المرأة

    وأما القول بالجواز المنسوب إلى الإمام مالك في كتاب السر، ففيه أنه سئل عن ذلك فقال: إنه أحل من الماء البارد، وفي روايةٍ قال: اغتسلت الآن منه، أعاذ الله مالكاً من هذه التفاهة وهذا الجهل.

    قال المالكية كما في شرح الدردير ، وحاشية الدسوقي ، ومواهب الجليل، قالوا: أما كتاب السر فمنكر، قال ابن فرحون من المالكية: وقفت عليه، وفيه من الغض من الصحابة، وتنقصيهم، والقدح في دينهم، ومن الحط على العلماء والقذف فيهم، ونسبتهم إلى قلة الدين، قال: وورع مالك ينافي ما اشتمل عليه كتاب السر، وكتاب السر جزء في ثلاثين ورقة.

    والحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير في الجزء (3/208) يقول: وقفت عليه وطالعته، وتسميته بكتاب السر يشعر أنه كذب لكن كتب في السر، وأنه يتعلق بسمو الخلفاء والأمراء، ونحن نقول: هل كان مالك من أتباع الخلفاء والأمراء؟! حتى ينقل ما يجري في قصورهم وأحوالهم، وماذا يفعلون مع جواريهم حتى يذكر هذه الأخبار؟

    وقيل: سمي بذلك لأنه جمع أحوالاً لا يطلع عليها إلا الخواص الذين يتصلون بما يجري في تلك القصور فيعلمون ما يقع.

    قال القرطبي في تفسيره في الجزء (3/93): حذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له كتاب السر، وهكذا تتابع أئمتنا إلى إنكار ذلك الكتاب، وإنكار نسبته إلى مالك وعدم صحته، منهم ابن كثير في تفسيره، والشوكاني في فتح القدير، وأبو حيان في البحر المحيط، والبغوي في معالم التنزيل ومعه الخازن في لباب التأويل، انظروا الجزء (1/219).

    وهكذا ابن جزي وهو من أئمة المالكية في كتابه: التسهيل في الجزء (1/80)، وفي كتابه: القوانين الفقهية صفحة (141)، وقال ابن جزي : قد افترى من نسب جواز ذلك إلى مالك ، وقد تبرأ هو من ذلك وقال: إنما الحرث موضع الزرع.

    إذاً: لا تصح نسبة هذا القول إلى أحد من أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين، ممن يقتدى به ويعول عليه، وآفة العلم التقليد، ونسب هذا القول إلى مالك في كثيرٍ من الكتب، ولعل غر جاهل يفتح تلك الكتب، فيقف على ذلك القول فيقول: قال بهذا إمام جليل، وإجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة، فيرخص لنفسه إن لم يرخص لغيره في هذه الفعلة الملعونة المنكرة، التي من فعلها لعنه ربنا الكريم سبحانه وتعالى.

    فلا بد من الوعي.

    ذكر من نسب إلى الإمام مالك القول بجواز الوطء في الدبر

    وهذا القول نسبه إلى مالك ، ابن جرير في كتابه: اختلاف الفقهاء صفحة (124)، وأنا أعجب من ابن جرير كيف تساهل ونسب هذا القول إلى مالك في هذا الكتاب: أنه يجيز وطء المرأة في دبرها، وهو يتبرأ من ذلك، وأتباع مالك يردون هذا القول وينفونه، ونسب هذا القول إليه الوزير ابن هبيرة في كتابه: الإفصاح، في الجزء (2/ 129).

    ونسبه إليه الرازي في تفسيره في الجزء (6/71)، بل نسب إليه هذا القول ابن قدامة في المغني، وكما قلت: هذا كله كذب لم يقله مالك رضي الله عنه وأرضاه ولا علم به.

    ذكر من نفى عن الإمام مالك القول بجواز الوطء في الدبر

    قال ابن القيم في إغاثة اللهفان في الجزء (2/144): هذا كذب على مالك وعلى أصحابه، فكتبهم مصرحة بتحريم ذلك، ثم قال: أجاز مالك وأصحابه ما أجازه الأئمة الآخرون من وطء المرأة من دبرها في قبلها فاشتبه ذلك على السامع، وما آفة الأخبار إلا رواتها..

    ولا يجوز أن يحمل مالك ولا أصحابه وزر هذا القول ولا القول به، ثم قال: وقد توسع بعض المجان من أهل الزندقة والإلحاد في الأمر، فنقلوا الأمر من أدبار النساء إلى أدبار الرجال، وعنونوا عليه باب في المذهب المالكي، فقالوا: كما يجوز وطء المرأة في دبرها يجوز وطء الرجل في دبره أيضاً، ولم يوجد دليل على التحريم، والذي حرم علينا الزنا وهو بين الذكر والأنثى.

    قال ابن القيم: وذلك كفر وزندقة بالإجماع.

    فالمالكية كما قلت ينكرون ذلك، وكتبهم تصرح بالتحريم، فهذا أبو بكر بن العربي يذكر في كتابه أحكام الكهان في الجزء (1/174) قال: سألت شيخنا الإمام القاضي الصوفي عن وطء المرأة في دبرها، فقال: لا يجوز، ثم احتج فقال: إذا حرم وطء المرأة في قبلها وقت الحيض من أجل الأذى العارض، فلأن يحرم وطئها في دبرها من أجل الأذى الملازم أولى، هنا حيض وهو دم طارئ وهناك قذر وهو أذى ملازم، حرم عليك وطئها عند مجيء الدم الذي هو دون الغائط بكثير لأجل الأذى العارض: قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222] فكيف يباح لك أن تباشرها في محل النجس والأذى؟ هذه الدلالة الأولى.

    والدلالة الثانية كما تقدم معنا، قوله: حَرْثٌ [البقرة:223] فلا يجوز أن تأتيها إلا حيث يوجد الزرع حيث تخرج الذرية التي تعبد رب البرية، ولذلك الذي يطأ في الأدبار قال أئمتنا: هذا استبذار في السباخ، يضع بذره في مكانٍ لا ينبت شيئاً، كالذي يزرع في الأرض السبخة، فلا يمكن أن يخرج له زرعاً، استبذار في السباخ، واستفراخ حيث لا أفراخ، فلا ذرية تخرج ولا أولاد، وحيث يوجد الاستزراع، فثم يحل الانتفاع.

    على التسليم بأنه ثبت ذلك عن بعض أئمة المسلمين -ولم يثبت- فإن الزلل والخطأ من العلماء كما تقدم معنا لا يجوز أن يعول عليه إذا ثبت الأمر عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وقد حذرنا من اتباع زلل العالم، وتقدم معنا كلام سليمان التيمي ، رواه الخلال في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صفحة (159) ورواه ابن عبد البر في كتاب: جامع بيان العلم وفضله في الجزء (2/ 91)، وهو في الحلية في الجزء (3/ 32)، وفي السير في الجزء (6/ 198)، وفي تذكرة الحفاظ في الجزء (1/ 151).

    يقول سليمان التيمي : من تبع زلل العلماء ضل، ومن أخذ برخصة كل عالم اجتمع فيه الشر كله، هب أنه وجد عالم أو إمام ترخص لبعض الناس في هذه المسألة، فأنت ينبغي أن تحذره لا أن تعول عليه، وتقدم معنا كلام إبراهيم بن أدهم وأثره في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال صفحة (160) قال: من حمل شاذ العلماء حمل شراً كثيراً، وتقدم معنا كلام الأوزاعي كما في السير في الجزء (7/ 125) قال: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام.

    وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/ 228-231) حول ما يتعلق بالرخص: من أخذ برخص العلماء تزندق أو كاد.

    إذاً: هذا القول لو قدر أنه ثبت عن أحد فلا يجوز أن نعول عليه، فالحجة في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وفيما عليه الجم الغفير، والجمع الكثير من أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين، على أنه لم يثبت هذا القول عن إمام يقتدى به، والعلم عند الله جل وعلا.

    قال الشافعي في رسالته في صفحة (330): إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الشيء، فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، أي لا يقويه أخذ الناس به، ولا يوهنه ترك الناس له.

    قال: بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله جل وعلا لأحدٍ من الخلق -مع النبي صلى الله عليه وسلم- أمراً يخالف أمره، وقال في صفحة (219) من كتابه الرسالة: وإما أن يخالف حديثاً ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فأرجو ألا يؤخذ ذلك علينا، والمعنى: أن لكل أحد أن يتتبع كتبنا ويرى أننا خالفنا حديثاً ثابتاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأرجو ألا يؤخذ ذلك علينا وليس ذلك لأحد، وليس لأحد من العلماء أن يخالف حديثاً لخاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    ولكن قد يجهل الرجل السنة فيأتي بالخطأ، فهذا ليس من باب المعارضة للسنة؛ لأنه لم يتعمد مخالفتها، بل غفل عنها أو نسيها أو أخطأ في تأويلها، أما أن يأتي إلى حديث وهو ثابت عنده، ودلالته واضحة ظاهرة، ثم يتعمد بعد ذلك مخالفته، فهذا ليس من المسلمين، هذا فيه كفر لعين.

    يقول الشافعي: هذا لا يمكن أن يؤخذ علينا ولا على أحد من علماء الإسلام، لكن قد يجهل المرء السنة، أو قد يغفل، أو قد يخطئ في الفهم أو قد..، فالسنة إذا ثبتت كما قلت: فلا، وتقدم معنا: أن الأحاديث في ذلك متواترة، نص على تواترها الطحاوي ، وإذا كانت متواترة فلا كلام لأحدٍ في هذه المسألة، فحجيتها قطعية وتفيد العلم الضروري، ومنكر ذلك كافر، فلا بد من وعي هذا.

    وقد كان أحمد كثيراً ما ينشد كما في جامع بيان العلم وفضله في الجزء (3/35):

    دين النبي محمد أخبار نعم المطية للفتى الآثار

    لا ترغبن عن الحديث وأهله فالرأي ليل والحديث نهار

    وهذا كما قال الحارث المحاسبي : شرع الله لعقولنا كالشمس في أعيننا، (فالرأي ليل والحديث نهار)، فمنزلة عقلك مع وحي ربك كمنزلة عينيك مع النهار، إذا طلع النهار رأيت، وإذا أظلم الليل ذهب الإبصار.

    آخر المباحث معنا -في هذا الأمر الثالث في تحريم وطء المرأة في دبرها، ويجب أن نصون فروجنا عن ذلك-: أضرار ذلك الفعل الأثيم، الذي لم يبح عن لسان نبيٍ من النبيين على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، ولم يقل بحله أحد من أئمة المسلمين، كما قرر ذلك ابن القيم في كتابه: زاد المعاد في هدي خير العباد على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، في الجزء (4/257-264) في ثمان صفحات يبحث فيه تحريم هذا الفعل وأضراره.

    1.   

    الأضرار المترتبة على وطء المرأة في دبرها

    ومن الأضرار التي تترتب على ذلك الوطء المستهجن المذموم المحرم:

    الأول: وطء أدبار النساء ذريعة إلى وطء أدبار الرجال، وذلك طريق لتعطيل النسل، وتقدم معنا هذا وما وقع فيه قوم لوط، عليهم وعلى أمثالهم غضب الله جل وعلا، وطئوا أدبار النساء أربعين سنة ثم انتقلوا إلى أدبار الرجال، فهذا ذريعة إلى هذا، ومن تمكنت منه شهوته، ومسخت فطرته لن يقنع بعد ذلك بدبر زوجته إنما سيبحث عن أدبار الرجال، وهذا واقع الآن في أمةٍ منحطة.

    أخبرني مرةً بعض الناس، أن بعض الناس إذا ذهب إلى بعض البلاد، تراه يجري هنا وهناك؛ ليبحث عن: عيل، على تعبيره، يعني: يريد ولداً غلاماً يفعل فيه الفاحشة، حتى النساء ما عاد يريدهن لا من أقبالهن ولا من أدبارهن.

    إذاً: هو ذريعة للانتقال من أدبار النساء إلى أدبار الغلمان، وفي ذلك تعطيل لنسل الإنسان.

    الثاني: شرع الله جل وعلا الجماع الحلال لقضاء الوطر ولتحصل اللذة للأنثى وللذكر، ولا تحصل اللذة للصنفين إلا إذا وطئ الرجل زوجته في قبلها، أما إذا وطئها في دبرها فما تحصلت على اللذة، ولا تمتعت بما أباح الله لها، وهو يتضرر لأن الله جعل في الفرج خاصية اجتذاب الماء الذي يطبخ في الخصيتين وهو المني، فإذا اجتمع هذا الماء جلب وسحب ويحصل بعد ذلك للرجل بعد قذفه الماء شيء من الإرهاق والتعب، وتفتر بعد ذلك شهوته ولا يتطلع إليها إلا بعد أن تعود الشهوة بعد فترة، فقد تعود إليه بعد نصف ساعة، أو بعد ساعة، بحسب قوته ونشاطه.

    فإذا وطئ في المحل المكروه فإنه يبقى شيء من الماء لا يخرج، لعدم الانتصاب فيؤذيه وينغص عليه متعته، والمرأة أيضاً تتأذى، فلا هو حصل وطره، ولا هي حصلت وطرها، وأكثر المشاكل التي تجري بين الأزواج إذا قلت: تسعون بالمائة ولا أبالغ إن قلت أكثر، سببها عدم حصول المتعة الكاملة لكل منهما، فتأخذ أشكالاً مختلفة في الخصومة والنفرة، وإلا لو أن المرأة استراحت مع زوجها في المباشرة وهو استراح، ولفض كل واحد منهما فرجه عما يجري لتلبية الآخر.. لحصلت المتعة وكانا في بهجةً وقرة عين، لكن هو في ضنك وهي في ضنك.

    سألني مرةً بعض الناس في قضية وقعت لما كنت في الأزهر: امرأة تزوجت من زوجها، وجلست عنده ما يزيد على السنة، وما استبضعها ولا باشرها في قبلها، إنما في المحل المكروه وهو الدبر، تقول: ويأخذ شيئاً من الحبوب التي تقوي العملية الجنسية، ويريد أن يطيل معها هذه المعاشرة الردية، وهي تقول له: يا عبد الله! ما نريد الفضيحة، لا أمام أهلي، ولا أمام المحاكم، ولا أمام الناس، أنك تفعل كذا، ثم بعد ذلك في أحد الأيام خرجت إلى بيت أهلها تشتكيه، فتوسط الناس وجاءوا على حسب الأعراف الجاهلية يرمون حاجاتهم من أجل إعادتها، فاستشارني هو، قبل أن يأتوا، قال: ما رأيك؟ قلت: ما المسألة؟ قال: كذا، فقلت: أعوذ بالله يا رجل! هذا شيطان، هذا ليس من فصيلة الإنسان، لا يجوز أن يرى حذاء ابنتك… إلخ، فلما جاءوا إليه قال: يا عباد الله! المسألة ليست متعلقة بي أنا ليس عندي مانع، الآن يمكن لي مهما كان أن أضغط على ابنتي حتى تذهب معكم، لكن الآن تأتيكم ابنتي وتقول ما يجري لها.

    وقال: فعلاً أحضرتها إلى المجلس بعدما كلمتهم، قالت: هذا الرجل أكثر من سنة وهو يفعل بي كذا، وأنا ما زلت على حالتي، فاحتاروا وبعد ذلك وافقوا على أن تطلق بسلام.. انتهى.

    ورجل آخر كما قلت لكم في الأسبوع الماضي، يقول لها: ما دام أنك قد أنجبتي العيال يكفي، ذاك المكان نغلقه، وما بقي إلا الوطء في الدبر، وهي ترفض وإذا امتنعت يضربها، أما تتقون الله، ما الذي يجري في بلاد المسلمين؟! ما الذي يجري في بيوت المسلمين، امرأة تريد أن تحصن نفسها، أو أن تعف نفسها، أو أن تتمتع بما أحل الله لها، فتأبى إلا أن تباشرها في المحل المكروه وتؤذيها، بعد ذلك حتماً سيترتب على ذلك مشاكل لا نهاية لها.

    إذاً: الجماع.. شرع ليحصل كل من الأنثى والذكر على الوطر، ولا يحصل هذا إلا في الوطء في القبل.

    الآفة الثالثة: الدبر لم يتهيأ للوطء وما خلق له، فالذي يطأ فيه معتد ظالم، وإذا مكنت المرأة من أن توطأ فيه فهي ظالمة معتدية، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، والعدوان مجاوزة الحد الذي شرعه الرحمن، وفي ذلك تلف للإنسان في العاجل والآجل.

    الآفة الرابعة: الوطء في الدبر يستدعي من الواطئ حركات تحول اللذة إلى غصة في ذلك المحل؛ لأن الله جل وعلا عندما هيأ الإنسان في مباشرة أهله في أول ليلة عندما تفض البكارة، قد يجد شيئاً كما يقال من الشدة، لكنها بعد ذلك تنتهي؛ لأنه شرعه ربنا جل وعلا لتحصيل اللذة فلا حركات ولا إجهاد، أما الوطء في الدبر فلا، ثم لا، الأمر ليس كذلك؛ لأن فيه إيذاء فأنت قد تؤذي زوجتك، وهذا لا بد من أن يحصل، ويخرج الدم عندما تباشر المرأة في دبرها.

    الآفة الخامسة: يترتب على وطء المرأة في دبرها هم، وغم، ونفرة بين الفاعل والمفعول به، ولا شك، وقلت لكم: أكثر المشاكل من عدم تحصيل اللذة التي أحلها الله، فقد يتلذذ بذلك فيبحث عن ما يشبهه من الرجال وهي أيضاً لا تتلذذ وقد تبحث عن طريق الحرام، فهو هم وغم ونفرة بعد ذلك بين الزوجين.

    الآفة السادسة: المعاشرة التي شرعها الله بين الزوجين لا يراد منها لذة الجماع فقط؛ لأنه مع لذة الجماع حلاوات كثيرة كحلاوة التقبيل، وحلاوة الضم، وحلاوة اللمس، فالحلاوات بين الزوجين التي أحلها رب الكونين، فيها راحة للنفس، ومتعة، ولهما عليها أجر، هذه كلها ستنعدم عند وطء المرأة في دبرها، إذاً: صارت كأنها متاع، تريد أن تتمتع به، لكن ليس لها كما يقال: لا شعور، ولا عواطف، ولا أحاسيس.

    وإذا جئت بعد ذلك من ذلك المكان، فستفقد حلاوة المعاشرة؛ وسيرد عليها وارد غريب، فأنت تستقبل النجوى بوجهك، وتجامع ذلك المكان، وهي في وارد غريب يقع عليها، فلا هي تلذذت، ولا أنت تلذذت، وبهذا الوطء ذهبت حلاوة المعاشرة.

    الآفة السابعة: فعل ذلك الأمر يزيل الحياء، والحياء حياة القلوب، فإذا مات القلب -نعوذ بالله- ينتكس الإنسان.

    الآفة الثامنة: تترتب على السابعة، إذا فقد الإنسان الحياء والخشية وأظلم قلبه ومات يعتري وجهه ظلمة وقترة، ويكسبه وقاحةً بعد ذلك ودعارة وغلظة وسوء أدب.

    الآفة التاسعة: يحيل الطباع الكريمة إلى طباع ذميمة كريهة.

    الآفة العاشرة: يترتب عليه زوال النعم وحلول النقم لعصيان الله جل وعلا.

    هذه كلها بلايا ورزايا يحصلها الإنسان عندما يطأ المرأة في دبرها.

    1.   

    عقوبة من وطئ في الدبر

    وأما العقوبة التي تجب على فاعل ذلك، فباتفاق أئمتنا كما في فتح القدير للكمال بن الهمام من كتب الحنفية في الجزء (5/ 262) وليس هو بتفسير الإمام الشوكاني ، وفي رد المحتار على الدر المختار في الجزء (4/ 27)، وفي شرح السنة للبغوي في الجزء (9/ 106)، وفي مجموع الفتاوى لـابن تيمية في الجزء (32/ 268): من فعل ذلك بزوجته أو سريته عرف إن كان جاهلاً أن هذا حرام، ويقال له: اتق ربك وقف عند حدك، فإن كان عالماً عزر، وإذا قال: أعلم أن هذا حرام لكن ما ملكت نفسي يعزر، فإن عاد فرق بينهما.. هذه الأحكام الثلاثة، كما قرر أئمتنا، نعم ليس فيه الحد الذي يجب على اللوطي أو على الزاني كما قال أئمتنا لشبهة حل النكاح الذي أحل له، فبما أنه يوجد شبهة في الوطء في هذا فيدرأ عنه الحد، لكن كما قلت: يعرف، ويعزر، ويفرق بينهما عندما يجتمعان على ما حرم الله عليهما.

    1.   

    حكم الاستمتاع بما بين الإليتين

    الجمهور من أئمتنا أجازوا التلذذ بين الإليتين، بل أجازوا التلذذ بحلقة الدبر الخارجية دون أن يحصل إيلاج شيءٍ في ذلك المكان، قالوا: لأن المحرم هو الإيلاج، وعليه إذا تلذذ بما بين الإليتين فلا حرج عليه.

    انتبه: لبعض المالكية قول بمنع التلذذ بين الإليتين وبحلقة الدبر من الخارج.. فهم يحتاطون في هذا الأمر، وفي موضوع الإباحة كما قلت، التلذذ بين الإليتين، حكاه أئمتنا كما في المغني لـابن قدامة في الجزء (8/132) وعللوا هذا بأن المحرم الوطء في الدبر، وهذا ليس بوطء، وسائر جسدها ما بين الإليتين كما بين الفخذين وغير ذلك، كله يدخل في قول الله جل وعلا: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187] ويدخل في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أقبل وأدبر واتق الحيضة والدبر ) .

    وهذا هو الذي قرر في كتب الفقه الشافعية في تكملة المجموع في الجزء (16/420): يباح التلذذ بين الإليتين من غير إيلاج في الدبر، وبعض المالكية توقف، كما في كتاب: المعيار المعرب والجامع المغرب في فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب في الجزء (3/259) لـأحمد بن يحيى الونشريسي من أئمة المالكية، والكتاب في اثني عشر مجلداً، وتوفي سنة 914 فهو من علماء القرن العاشر للهجرة وهو من بلاد المغرب.

    يقول الونشريسي : فاوضت بعض أصحابنا في التلذذ بين الإليتين وفي التمتع بحلقة الدبر من الخارج، يقول: لعدم قدرتي على مفاتحة الشيوخ بذلك فكيف ينسب إلى المالكية هذا العار -وطء دبر المرأة-، إذاً: فقط فاوض بعض أصحابه.. بعض قرنائه في هذه المسألة، -فقالوا بالجواز-، يقول: ولم يبدوا وجهاً لذلك، ولعله عندي أنه كما أبيح التمتع بسائر جسدها يباح هذا فهو قطعة من الجسد، والذي حرم الإيلاج، ثم قال الونشريسي : ومع ذلك فعندي في الأمر اشتباه وتركه أولى.

    إذا كان المالكية في هذا الأمر بعضهم يتوقف، يقول: تركه أولى، كيف ينسب إليهم القول بجواز وطء المرأة في دبرها؟! حاشاهم من ذلك.

    1.   

    سحاق النساء

    الأمر الرابع الذي فشا في هذه الأيام -نسأل الله العافية وحسن الختام- وفي هذا العصر الهابط الذي نعيش فيه، حيوانية دنية انتشرت في هذه العصور الرديئة: السحاق بين النساء، يجتمعن ويفعلن هذا ببعضهن، إتيان المرأة المرأة في قبل أو دبر، يقال له: السحاق، مأخوذ من السحق، والسحق: هو أشد الدق، وسمي السحاق بذلك؛ لوجود احتكاك شديد بين البشرتين، لعدم وجود عضوٍ يدخل، فلا بد إذاً من احتكاك شديد بين المرأتين.

    وهذا الاحتكاك يقع بين بشرتين رقيقتين ناعمتين، يقع متواصلاً متتابعاً، فهو دق شديد، دق رقيق، دق متتابع.

    سحاق النساء محرم

    قال ابن منظور في اللسان في الجزء (12/18) والزبيدي في تاج العروس، في الجزء (6/377): لا خلاف بين أئمتنا الكرام في تحريم ذلك الفعل على النسوان، ففي ذلك الفعل كشف للسوءة وهو حرام، وفي ذلك الفعل استعمال للفرج فيما لم يأذن فيه الرحمن، إذاً: كشف واستعمال والأمران محرمان، وقد اتفق أئمتنا على أن ذلك من كبائر الذنوب، ونص على ذلك الذهبي في الكبائر صفحة (226) وبعده ابن حجر الهيتمي في الزواجر في الجزء (2/143).

    الأدلة على تحريم السحاق وأنه زنا

    وقد روي عن نبينا عليه الصلاة والسلام ما يفيد تحريم ذلك وأنه زنا: روى الطبراني في معجمه الكبير، وأبو يعلى في مسنده كما في المجمع في الجزء (6/256)، والأثر رواه ابن الجوزي في: ذم الهوى، والبيهقي في شعب الإيمان كما في جمع الجوامع في الجزء (1/459)، ورواه الآجري في كتاب: ذم اللواط وتحريمه في صفحة (54).

    ولفظ الحديث عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( السحاق بين النساء زناً بينهن ) قال الهيثمي في المجمع: رجال الحديث ثقات، تقدم معنا مراراً أن حكم الإمام على رجال الإسناد بالتوثيق، أو أن رجال الإسناد رجال الصحيح، لا يعني منه أن الحديث صحيح، لكن إذا أطلق الجهبذ العالم النحرير المحقق هذا الحكم على حديث: رجاله رجال الصحيح.. رجاله ثقات، فالغالب أنه يقصد أن الحديث صحيح، وقد لا يريد ذلك أحياناً، إنما يحكم فقط على الرجال بالتوثيق، وقد يكون في الحديث آفة لوجود -مثلاً- انقطاع، وهو لم يحكم على الاتصال، إنما قال: الرجال ثقات، أو الرجال رجال الصحيح، وقد يكون بعض الرجال مدلساً وقد عنعن، وقد.. إلخ، هذا لا بد من وعيه.

    فقول الهيثمي : رجاله ثقات، فالرجال كما قال ثقات، لكن يوجد في بعضهم آفة التدليس وقد عنعن، ولذلك قال البوصيري كما في المطالب العالية في الجزء (2/115) قال: فيه الوليد بن مسلم وهو مدلس فالحديث ضعيف، فلا يتنافى مع قول الهيثمي : رجاله ثقات؛ والوليد بن مسلم هو أبو العباس الدمشقي ثقة كما قال الهيثمي ، لكنه كثير التدليس والتسوية، توفي سنة 195وحديثه في السنن الأربعة.

    ( السحاق بين النساء زناً بينهن ) الحديث رواه ابن حزم في المحلى في الجزء (11/391) من طريق بقية بن الوليد ، وقال: لا يصح، فـبقية ضعيف، وبقية هو أبو يحمد صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، هو والوليد بن مسلم يدلسان تدليس التسوية، وقد قال بعض أهل العلم: أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية، كثير التدليس عن الضعفاء توفي سنة 197 يعني: بعد ذاك بسنتين، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم في صحيحه، وفي السنن الأربعة.

    قال ابن حزم : وفيه علة أخرى: لم يدرك مكحول واثلة بن الأسقع فهو منقطع، لكن العلة الثانية ليست مسلمة؛ لأن مكحول الدمشقي أدرك واثلة وروى عنه كما في تهذيب التهذيب في الجزء (10/290) نقل الحافظ ابن حجر عن الترمذي قال: سمع مكحول ، من واثلة بن الأسقع ، ومن أنس بن مالك ، ومن أبي هند الداري ، وقيل: لم يثبت له سماع عن أحد من الصحابة إلا عن هؤلاء الثلاثة.

    قال البوصيري بعدما ذكر أن الرواية ضعيفة من أجل الوليد بن مسلم لتدليسه، قال: وله شاهد من حديث أبي موسى رضي الله عنهم أجمعين، وكان يقول: حديث واثلة مع ما فيه من ضعف وآفات، قيل: الحديث بمعناه من رواية أبي موسى الأشعري فهو ضعيف، لكن ضعيفان يعتضدان، وحديث أبي موسى ، رواه البيهقي في السنن الكبرى في الجزء (8/283) ورواه الطبراني في معجميه الكبير، والأوسط كما في المجمع في الجزء (2/102) ورواه الآجري في كتاب: ذم اللواط وتحريمه في صفحة (51).

    ولفظ الحديث كما قلت من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قال: ( إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان ) يعني: جريمة اللواط تعتبر زنا، وتقدم معنا كما قلت أن الزنى اسم عام للاستعمال الحرام، وأطلق على اللمم وبعد ذلك إلى استعمال الفرج ( يصدق ذلك الفرج أو يكذبه ) وتقدم معنا: أن الفرج يزني، والعينان تزني، والرجلان تزني.

    وفي رواية للطبراني في معجمه الكبير: ( لا تباشر المرأة المرأة إلا وهما زانيتان ) والمباشرة: أن يكونا تحت لحاف واحد، ليس على بدن واحد منهما شيء يستره، عاريتان تحت غطاء.

    الرواية الثانية التي في معجم الطبراني نسبها ابن حجر في تلخيص الحبير، في الجزء (4/61) إلى كتاب الضعفاء للأزدي وإلى مسند أبي داود الطيالسي ، أما مسند أبي داود الطيالسي فقد بحثت بحثاً طويلاً في مظان هذا الحديث فما وجدته، فيحتمل أن الحافظ واهم في عزوه هذا الحديث إلى مسند أبي داود الطيالسي ، أو أني قصرت في البحث؟

    ومسند أبي داود الطيالسي رتبه الشيخ البنا في مجلدين سماه: منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود وقد طبع -والذي لم يطبع بكامله سنن سعيد بن منصور- ، في مثل سنن الدارمي وهو بحجمه تماماً، لكن رتبه الشيخ البنا كما رتب مسند أحمد ، فرتبه مع المحافظة على الإسناد، ليس كما فعل في المسند، جرد الأسانيد ثم وضعها في حاشية، يقول: إسناده كذا، فما أعلم إن كان فيه نقص، وما أشار إلى ذلك الشيخ البنا .

    وبدأ من كتاب الإيمان وانتهى بعد ذلك بما يكون في اليوم الآخر، على حسب الترتيب الذي جعله حتى في المسند، ولم يشر إلى أنه يوجد أبواب ليست موجودة.

    أما رواية البيهقي ففي إسناده محمد بن عبد الرحمن وهو الراوي عن خالد الحذاء ، قال البيهقي : لا أعرفه وهو منكر بهذا الإسناد، فتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي، فقال: قلت وهو معروف، هو محمد بن عبد الرحمن الراوي عن خالد الحذاء يقال له: محمد بن عبد الرحمن المقدسي القشيري ، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وقال: ذكره البخاري وسألت أبي عنه أي: أبا حاتم فقال: متروك الحديث، كان يكذب ويفتعل الحديث.

    وكلام ابن أبي حاتم في الجرح في الجزء (7/325) وترجمة محمد بن عبد الرحمن في اللسان في الجزء (5/252) وفي المغني في الجزء (2/607)، هذا في إسناد البيهقي.

    الرواية التالية: ( لا تباشر المرأة المرأة إلا وهما زانيتان ) رواية الطبراني وهكذا الأزدي ، الرواية الثانية: شيخ الطبراني علي بن سعيد الرازي فيه لين، وبقية رجاله رجال الصحيح أو ثقات، أما علي بن سعيد الرازي تقدم معنا حاله، قال عنه الدارقطني : ليس بذاك بسبب وحدته بالسلطان توفي سنة 299 .

    يقال: اسمه علي وعلى حسب اصطلاح العجم: عليق، يقول الذهبي : عليك، يعني: الكاف الأخيرة تعدل التصغير عند العرب، يعني: علي، فهم إذا أرادوا أن يصغروه تركوا الاسم على ما هو عليه وأضافوا إليه الكاف: عليك، ونحن نقول: علي.

    وفي إسناد الأزدي في الضعفاء: بشر بن الفضل مجهول وكذلك قال الذهبي في المغني في الجزء (1/107)، وهكذا في إسناد أبي داود الطيالسي ، كما قال الحافظ في اللسان في الجزء (2/31) وأورد هذا الحديث في هذا المكان، إذاً: الحديث ضعيف أيضاً من رواية أبي موسى الأشعري .

    هذا وقد روي أن السحاق بين النساء زنا في كتاب المجروحين لـابن حبان صاحب صحيح ابن حبان في الجزء (1/190) لكن من طريق بشر بن عون الشامي ، وهو شديد الضعف بل اتهم بالكذب، وفي الميزان في الجزء (1/321) واللسان في الجزء (2/28) وفيه يقول ابن حبان : له نسخة فيها قرابة مائة حديث موضوع، وفي رواية تسعمائة حديث.

    فإذاً هذه الرواية الثالثة تالفة واهية، والحديث نسبه العجلوني في كشف الخفاء في الجزء (1/450) إلى سنن ابن ماجه ، ومعجم الطبراني الكبير، وذكر أن إسناده حسن، وكلامه لا يستقيم، بل لا بد من عرضه على كلام أئمتنا، فما أراه يتثبت. فالكلام يحتاج إلى تحقق، فالحديث ليس في سنن ابن ماجه .

    إذاً: من طريق بشر بن عون الشامي ، عن بكار بن تميم ، عن مكحول الدمشقي ، عن واثلة رضي الله عنه: أن السحاق بين النساء زناً بينهن، وأشار إلى الحديث وذكره الذهبي في المغني في الجزء (1/106).

    وروي أيضاً -إخوتي الكرام- التحذير عن ذلك الفعل، لكن المروي لا يثبت ومعناه صحيح، إنما من حيث الإسناد لا يثبت: روى الطبراني في معجمه الأوسط كما في المجمع في الجزء (6/272) من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاثة لا تقبل لهم شهادة أن لا إله إلا الله: الراكب والمركوب، والراكبة والمركوبة، والإمام الجائر ) والمعنى صحيح في الثلاثة، لكن في إسناد الحديث عمر بن راشد المدني الحارثي متهم بالكذب، انظروا ترجمته في المغني في الجزء (2/466) وفي اللسان في الجزء (4/303)، قال أبو حاتم : وجدت حديثه كذباً وزوراً، وقال الدارقطني : كان ضعيفاً ولم يكن مرضياً، متهم بوضع الحديث.

    وروى عبد الرزاق في مصنفه في الجزء (7/334) عن عبد الله بن كعب بن مالك رضي الله عنه، ولد على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم ولحق به وأدركه، ولذلك ترجم في الصحابة، انظروا أسد الغابة في الجزء (3/391)، والإصابة في الجزء (2/64) وترجمه في الفصل الثاني من حرف العين على حسب اصطلاحه الذي تقدم معنا، أن الفصل الأول للمقطوع بصحبته والفصل الثاني لمن ولدوا في عهد النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه ولم تثبت رواية عنهم من طريق صحيح فأدرجهم في الفصل الثاني؛ لأنه قال: شرف الصحبة ثابت لهم في الغالب؛ لأنهم كانوا يحضرون أولادهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليحنكهم وليبرك عليهم.

    وتوفي سنة 98 للهجرة رضي الله عنه، الحديث كما قلت في المصنف: عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: أنه لعن الراكبة والمركوبة، كالحديث المتقدم هناك من رواية أبي هريرة : الراكب والمركوب، والراكبة والمركوبة، لا تقبل لهم شهادة ألا إله إلا الله، وهنا لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراكبة والمركوبة، لكن في الإسناد حرام بن عثمان ، قال البخاري في التاريخ الكبير في الجزء (3/101): منكر الحديث وكان يتشيع، وكذلك ترجمه في كتابه الضعفاء الصغير صفحة (38)، وترجمته في اللسان في الجزء (2/182)، وفيه النقل عن الشافعي ، وعن ابن معين ، وعن الجوزجاني أنهم قالوا: الرواية عن حرام حرام.

    السحاق مما ابتدعته الساقطات من هذه الأمة

    هذا الفعل -كما قلت- لا خلاف بين أئمتنا في تحريمه، والذي يظهر والعلم عند الله أنه من مبتدعات الساقطات في هذه الأمة، يعني: ما أشير في الأحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه كان في الأمم السابقة، فكما ابتدع قوم لوط اللواط، الساقطات من النساء في هذه الأمة سيبتدعن السحاق.

    روى الطبراني في معجمه الأوسط كما في المجمع في الجزء (7/332) في كتاب الفتن، باب ثانٍ في أمارات الساعة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا استحلت أمتي ستاً فعليهم الدمار: إذا ظهر فيهم التلاعن، وشربوا الخمور، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، واكتفى النساء بالنساء، والرجال بالرجال ) أما قوله: الرجال بالرجال فهذا موجود في الأمم السابقة، لكن كما قلت: هذه الخصلة المساحقة بين النساء الذي يظهر والعلم عند الله أنها من مبتدعات الساقطات الشريرات في هذه الأمة.

    قال: ( إذا استحلت أمتي ستاً فعليهم الدمار: إذا ظهر فيهم التلاعن ) وما أكثره! حتى عندما يحيي بعضهم بعضاً، وعندما يسلم عليه يلعنه، يقول له: كيف أنت؟ وقع عليك اللعنة، وذاك يقول له: بخير ويرد عليك اللعنة! كأنها صارت تحية، وهكذا ظهر فيهم التلاعن، وشربوا الخمور، ولبسوا الحرير، وظهرت فيهم القيان، فلا تخلو بقعة من البقاع إلا ووسائل الإجرام من القيان فيها على الدوام، وبعد ذلك اكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء.

    الحديث فيه عباد بن كثير الرملي ، وثقه ابن معين وغيره وضعفه جماعة، وقد حكم عليه الحافظ في التقريب بأنه ضعيف، وروى له البخاري في الأدب المفرد، وابن ماجه في سننه، وترجمته في الميزان في الجزء (2/270) .

    وخلاصة الكلام: أن ذلك الفعل محرم عند أئمتنا باتفاق، والعلم عند الكريم الخلاق.

    المباشرة فيما دون السبيلين

    الأمر الخامس الذي سنتدارسه من الأمور التسعة كما قلت: المباشرة فيما دون السبيلين إشباعاً لشهوة الفرج، ينبغي أن نحذر هذا، من ملامسة بشهوة.. من تقبيلٍ بشهوة.. من بول بشهوة من أجل إشباع شهوة الفرج، فكل هذا أيضاً ينبغي أن نبتعد عنه وأن نحذر منه، ولا خلاف بين أئمتنا في تحريم ذلك الفعل، سواء وقع من كل جنسٍ مع جنسه، النساء مع النساء، أو من كل جنسٍ مع الجنس الآخر، فهذه المباشرة بشهوة فيما دون السبيلين محرمةً ينبغي أن نحذرها.

    وقلت: هذا محرم بالاتفاق، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن قدامة في المغني في الجزء (10/62)، وابن حزم في المحلى في الجزء (11/390)، وقد وردت الأحاديث الكثيرة الوفيرة عن نبينا عليه الصلاة والسلام تحذرنا من ذلك الفعل وتمنعنا منه، فمن ذلك: ما رواه أحمد في المسند، ومسلم في صحيحه، وأبو داود ، والترمذي في السنن، والحديث في صحيح ابن حبان ، وصحيح ابن خزيمة ، ورواه الطبراني في معجمه الكبير، والبيهقي في السنن الكبرى، والبغوي في شرح السنة.

    وصدر الحديث كما سأبين، رواه ابن ماجه ، وابن أبي شيبة ، والحديث رواه الآجري في ذم اللواط والخرائطي في مساوئ الأخلاق، وابن الجوزي في ذم الهوى، وهو صحيح، من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوبٍ واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوبٍ واحد ).

    والإفضاء كالمباشرة، أي: أن يلتصقان دون أن يكون على بدن واحد منهما شيء، عاريان تحت لحافٍ واحد، فهذا الإفضاء، وهو المباشرة فـابن ماجه ، وابن أبي شيبة رويا القسم الأول من الحديث فقط وهو: ( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ) فلم يرد الإفضاء هذا لا في سنن ابن ماجه ولا في مصنف ابن أبي شيبة .

    ولفظ العورة وردت في بعض الروايات عن نبينا عليه الصلاة والسلام: ( لا ينظر الرجل إلى عرية ) بضم العين وكسرها: عرية، وهي العورة، وضبط ضبطاً ثالثاً إلى: عرية بالفتح، فالعورة يقال لها: عرية -بالكسر- وعرية -بالضم-. وعرية -بالفتح-، ولا تنظر المرأة إلى عرية المرأة، الشاهد عندنا الشطر الأخير، وهو الإفضاء دون السبيلين، وهو محرم علينا لا ينبغي أن يحصل هذا منا.

    وروى أحمد في المسند، والبخاري في صحيحه، والحديث في السنن الأربعة، إلا سنن ابن ماجه ، ورواه البيهقي في السنن الكبرى، ابن أبي شيبة في مصنفه، من رواية سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تباشر المرأة المرأة ) بمعنى الإفضاء، زاد النسائي في روايته: ( لا تباشر المرأة المرأة في الثوب الواحد وتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها ) .

    الأمران محرمان، يعني: لا يجوز للمرأة أن تباشر المرأة فتلتقي البشرتان ولا يوجد عليهما حائل، ولا يجوز للرجل أن يباشر الرجل، ولا يجوز للمرأة أن تنعت امرأةً لزوجها، فهذا محرم، وهذا محرم، لكن تمام النعت إذا باشرتها، لأنها تطلع على زينتها الظاهرة والخفية، فإذا باشرتها أثمت لمباشرتها، وإثم ثانٍ نعتتها لزوجها ووصفت ما فيها من أمور خلقية داخلية، فهذا محرم وذاك محرم.

    والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وفيرة مروية عن أبي هريرة رضي الله عنه، عبد الله بن عباس ، جرير بن عبد الله ، أبي ريحانة رضي الله عنهم أجمعين، مع رواية أبي سعيد ، وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، والروايات الأربعة الأخيرة في مصنف ابن أبي شيبة في الجزء (4/397)، وغير ذلك من دواوين السنة.

    إذاً: لا يجوز لأحد الصنفين أن يباشر الصنف الذي هو من جنسه، ولا يجوز لأحد الصنفين أن يباشر الجنس الآخر من بابٍ أولى، كل هذا محرم علينا ينبغي أن نصون أنفسنا منه، مباشرة الجنس للجنس حرام من ذكورٍ أو إناث، ومباشرة الجنس لغير جنسه التحريم أشد بكثير، ولذلك ثبت في معجم الطبراني الكبير، والسنن الكبرى للبيهقي ، والحديث رجاله ثقات رجال الصحيح، كما قال المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء (3/ 39)، والهيثمي في المجمع في الجزء (4/ 326) .

    ولفظ الحديث من رواية معقل بن يسار رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأةً لا تحل له ) والمباشرة هنا: فيما دون السبيلين، أن تلاصق بشرته بشرة امرأةٍ أجنبية عنه.

    إذاً: لا يجوز للرجل أن يباشر الرجل ولا أن يفضي إليه في ثوبٍ واحدٍ، ولا يجوز للمرأة أن تباشر المرأة وأن تفضي إليها في ثوبٍ واحد، ولا يجوز لأحد الصنفين أن يمس الصنف الآخر بشهوةٍ، وإذا حصل هذا فإذا طعن في رأس الإنسان بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأةً لا تحل له.

    والمصافحة المنكرة التي فشت في هذه الأيام نسأل الله حسن الختام، حتى بعض الناس يحتج بالدعوة ويترخص فيها من باب على تعبيره: التطور، وأن هذه صديقة، وهذه ملتزمة حديثة عهد بالتزام لكن يصافحها ليخلع يدها عند المصافحة، يا عبد الله! أما تتقي الله في نفسك: ( لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأةً لا تحل له ) .

    النووي تكلم كلاماً محكماً طيباً فيما يتعلق في مباشرة كل صنفٍ من أفراد صنفه، ولخصه الحافظ ابن حجر في الفتح، النووي في شرح صحيح مسلم في الجزء (4/30)، وخلاصته والمقصود منه في فتح الباري في الجزء (9/338) يقول: لا تباشر المرأة المرأة، زاد الإمام النسائي في روايته: ( في الثوب الواحد ) قوله: ( فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها ) قال الإمام القابسي : هذا أصل للإمام مالك في سد الذرائع: فإن الحكمة في هذا النهي خشية أن يعجب الزوج الوصف المذكور فيفضي ذلك إلى تفريق الواصفة، أي: الاتكال للموصوفة.

    ووقع في رواية النسائي من طريق مسروق ، عن ابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين: ( لا تباشر المرأة المرأة ولا الرجل الرجل ) وهذه الزيادة ثبتت في حديث ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين عنده - أي: عند النسائي - وعند مسلم ، وأصحاب السنن، من حديث أبي سعيد بأبسط من هذا، ولفظه: ( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد ) قال النخعي : فيه تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل، والمرأة إلى عورة المرأة، وهذا مما لا خلاف فيه، وكذا الرجل إلى عورة المرأة والمرأة إلى عورة الرجل حرام بإجماع.

    وصلى الله على محمد آله وصحبه وسلم.