إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. شرح مقدمة الترمذي
  5. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [52]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [52]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حفظ الفرج مما شدد ديننا الإسلامي عليه، وتواترت الأدلة في الحث عليه، فهو من أسباب تفريج الكربات في الدنيا، كما يتبين من قصة الثلاثة أصحاب الغار، ومن فعله فقد ضمن له النبي دخول الجنة، فهو بذلك يحصل البشارتين في العاجلة والآجلة، وحفظ الفرج كما يكون في عدم إتيان فرج حرام، كذلك يدخل فيه عدم الوطء في الدبر، سواء كان لزوجة أو غيرها.

    1.   

    فوائد صيانة الفروج وحفظها

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المصلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحا بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    كنا ذكرنا فيما سبق الطرق الحسان التي يحصن الإنسان بها نفسه من الشيطان، وقلت: إن هذه الطرق على تعددها وكثرتها وتنوعها تنقسم إلى أمرين اثنين:

    أمر ينبغي أن نجتنبه وأن نحذره وأن نصون أنفسنا عنه، وأمر ينبغي أن نتحلى به وأن نفعله، تحلية وتخلية، ترك وفعل، أما ما ينبغي أن نتركه وأن نحذره وأن نصون أنفسنا عنه تقدم معنا وهو سبعة أمور: ووقفنا عند الأمر السابع.

    أول هذه الأمور السبعة كما تقدم معنا: حفظ الخطرات، وثانيها: حفظ اللحظات، وثالثها: حفظ اللفظات، ورابعها: حفظ الخطوات، وخامسها: السمع، وسادسها: حفظ البطن من الشهوات والمحرمات، وسابعها وهو آخر الأمور: حفظ الفرج، نسأل الله أن يحفظنا من كل شائبة بفضله ورحمته.

    وتقدم معنا أنه يراد بحفظ الفرج أمران؛ أولهما: عدم كشفه، فينبغي أن نستره وأن نصونه كما لا يجوز لأحد أن يراه إلا من أذن له ربنا، والأمر الثاني: عدم استعماله إلا فيما أحل الله عز وجل، إذاً نستره ونستعمله فيما أذن الله جل وعلا، والتفريط في هذا -كما قلت- فتح باب للشيطان ليدخل منه إلى قلب الإنسان.

    وتقدم معنا أنه ينبغي أن نصون فروجنا عن الزنا، وتقدم معنا شناعة هذا الأمر، وما يترتب عليه من خطر في الدنيا والآخرة، كما ينبغي أن نصون فروجنا عن اللواط، وشرعنا في الأمر الثالث ألا وهو: أن نصون فروجنا عن مباشرة الأهل فيما حرم الله عز وجل الوطء فيه.

    بقي علينا ستة أمور، هي: أولاً: حفظ الفروج من السحاق فيما يتعلق بالنساء، وهذا سنذكره إن شاء الله بعد هذا الأمر، والأمر الثاني: من الأمور الستة: أن نصون أنفسنا عن المباشرة فيما دون الفرج، مما حرم الله علينا إلا من مداعبة، وتقبيل، ومفاخذة، وإن لا يقصد بذلك إيلاج وإدخال، الأمر الثالث: أن نصون أنفسنا عن الاستمناء، وعمل الكفار بالبهائم فهذا خلق السفهاء، وعن وطء المرأة في حيضها أو نفاسها، وأكمل المبحث بأمر سادس يكثر السؤال عنه في موضوع نظر كل من الزوجين إلى فرج زوجه وإلى نفسه، وإلى غير ذلك.

    حفظ الفرج سبب لدخول الجنة

    لابد من أن نصون فروجنا، ومن حفظ الفرج فقد حصل له الفرَج في العاجل والآجل، وقد تقدم معنا أن: ( أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان: الفَم والفرْج، وأكثر ما يدخل الناس الجنة: تقوى الله وحسن الخلق ).

    من حفظ فرجه مع الأمور الأخرى، وقام بها فله بشارة في العاجل والآجل فهو ولي لرب الأرض والسماوات، ويضمن له نبينا عليه الصلاة والسلام بعد الممات أن يدخل نعيم الجنات.

    ثبت في مسند الإمام أحمد، ومعجم الطبراني الأوسط، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، ورواه الإمام النسائي في السنن الكبرى، والبيهقي في السنن الكبرى، وشعب الإيمان، ورواه ابن أبي الدنيا، والخرائطي في مكارم الأخلاق.

    والحديث لا ينزل عن درجة الحسن بشواهده الكثيرة، ولفظ الحديث من رواية عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة؛ أولها: اصدقوا إذا حدثتم، ثانيها: أوفوا إذا وعدتم، ثالثها: أدوا الأمانة إذا أتمنتم، رابعها: احفظوا فروجكم، خامسها: غضوا أبصاركم، سادسها: كفوا أيديكم )، عما حرم الله عليكم من بطش وأذى ولمس المحرم وغير ذلك، قال الحاكم في المستدرك: هذا حديث صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي في تلخيص المستدرك فقال: قلت فيه إرسال، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: قلت: بل المطلب بن عبد الله بن حنطب ، لم يسمع من عبادة بن الصامت رضي الله عنهم أجمعين، وهذا هو الإرسال الذي أشار إليه الإمام الذهبي أي: الانقطاع، الذي بين المطلب بن عبد الله بن حنطب ، وبين عبادة بن الصامت رضي الله عنهم أجمعين.

    وهكذا قال الهيثمي في المجمع: رجال الحديث ثقات إلا أن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، لم يسمع من عبادة بن الصامت رضي الله عنهم أجمعين، والمطلب : صدوق كثير التدليس ،كما حكم عليه بذلك الحافظ في التقريب، وروى له البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وأهل السنن الأربع.

    وله شاهد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وأبو يعلى في مسنده، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في شعب الإيمان، كما رواه الخرائطي ، والحديث في الترغيب والترهيب في الجزء الثالث، صفحة ثمان وثمانين وخمسمائة، وأورده في أول الجزء الرابع، صفحة ثلاث، وهو في المستدرك في الجزء الرابع، صفحة تسع وخمسين وثلاثمائة، وصححه، قال المنذري في الترغيب والترهيب: رجاله ثقات، وفيه سعد بن سنان ، وهذا الذي جرى حوله الكلام، قال عنه النسائي : منكر الحديث، وقال عنه الجوزجاني : أحاديثه واهية، وقال عند الدارقطني : ضعيف في الحديث، وهذا كله من كلام المنذري، في ترجمته في آخر الجزء الرابع صفحة سبعين وخمسمائة، وبعد أن نقل كلام الأئمة في الدين قال: وروي عن أحمد توثيقه، وحسن له الترمذي حديثه، واحتج به ابن خزيمة في صحيحه في غير موضع، وسعد بن سنان حكم عليه الحافظ في التقريب: بأنه صدوق له أفراد ينفرد بها، فلا ينزل حديثه عن درجة الحسن إن شاء الله.

    وقد أخرج حديثه أهل السنن الأربعة إلا النسائي ، وقال عنه الذهبي في الكاشف: ليس بحجة، وقال عنه ابن معين : ثقة. وقال عنه في المغني : ضعفوه ولم يترك، وهذه الأحكام متباينة ولعل حكم الحافظ أوسطها، وهو: أنه صدوق ينفرد أحياناً ببعض الأحاديث، ولفظ رواية أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تقبلوا لي ستاً أتقبل لكم بالجنة )، وهناك: ( اضمنوا لي من أنفسكم ستا )، وهنا: ( تقبلوا لي ستاً أتقبل لكم بالجنة إذا حدث أحدكم فليصدق، وإذا وعد فليفِ، وإذا ائتمن فليؤد، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم )، وللحديث شاهد آخر، رواه الإمام القضاعي في مسنده الشهاب، في الجزء الأول، صفحة ثلاث وسبعين ومائتين من رواية معاوية رضي الله عنهم أجمعين، بإسناد ضعيف، ولفظه: ( تكفلوا لي بست أتكفل لكم بالجنة، اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا أتمنتم، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفوا أيديكم )، والألفاظ الثلاثة بمعنى واحد.

    الشاهد: من غض بصره، وحفظ فرجه يضمن له نبينا عليه الصلاة والسلام أن يدخل الجنة مع تلك الصفات الحسنة التي ينبغي أن يتصف بها.

    حفظ الفرج سبب لمغفرة الذنوب

    لقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن بعض الصالحين في الأمم السابقة كان يرتع فيما حرم الله عليه، ثم جاءته موعظة من ربه وهي قصة حصلت له، فصان فرجه فمات في ليلته، فغفر الله له وأصبح مكتوباً على باب بيته: إن الله قد غفر للكفل، وهو في الأمم السابقة.

    وحديثه ثابت صحيح رواه أحمد في المسند، والترمذي في السنن وقال: هذا حديث حسن، ورواه الحاكم في المستدرك في الجزء الرابع، صفحة أربع وخمسين ومائتين وصحح الحديث وأقره عليه الذهبي ، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه، وأبو داود الطيالسي في مسنده، والثعلبي في عرائس المجالس، المسمى بقصص القرآن للثعلبي .

    ورواه ابن الجوزي في كتابه ذم الهوى، رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن أبي شيبة في مصنفه، وابن المنذر في تفسيره، والطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان، وابن مردويه في تفسيره، وهو في الدر المنثور الجزء الرابع، صفحة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وجمع الجوامع في الجزء الأول، صفحة خمس عشرة وستمائة، والحديث كما قلت صحيح من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، أنه قال: لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني هذا الحديث الذي سيحدث به- إلا مرة أو مرتين لم أحدث به، إنما سمعته أكثر من سبع مرات، يقول: أنا لو سمعته مرة أو مرتين لم أحدث به أخشى أن يقال لم يضبط حفظه إنما أنا متأكد منه تماماً، وفي رواية ابن حبان قال: سمعته من النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من عشرين مرة، وانظروا تحسينه في جامع الأصول في الجزء العاشر، صفحة ثمان عشرة وثلاثمائة.

    ولفظ الحديث عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قال: ( كان الكفل لا يتورع منه )، يقع في جميع المنكرات والمحرمات، ليس عنده حصانة تردعه عن رذيلة ولا عن قبيحة، ( فجاءته امرأة فراودها عن نفسها وبذل لها ستين ديناراً )، والدينار من الذهب أربعة غرامات ونصف، ( فرضيت، فعندما أراد أن يقع في المحظور ارتعدت، وأخذتها قشعريرة ورعدة، فقال: ما لك؟ قالت: أخاف الله )، هذا شيء لم أفعله قبل هذه المرة، وأنت الآن ألجأتني جئت أريد المساعدة وأنت لا تبذلها إلا بهذا الأمر الوضيع، فأخذتها هذه القشعريرة وهذه الرعدة، فقال: ( أنا أحق بأن أخاف الله منك، ثم قام عنها وترك الدنانير لها، فمات من ليلته، فأصبح مكتوباً على باب بيته: إن الله قد غفر لك )، فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان بقصة الكفل ، وأخبرنا عنه نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، صان فرجه فغفر الله له ورحمه.

    هذا الكفل اختلف أئمتنا فيه هل هو ذو الكفل الذي ذكر في سورة الأنبياء: وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء:85]، أو هو غيره، قال ابن الجوزي في باب المسيء في الجزء الخامس، صفحة ثمان وثلاثمائة: خبره معروف، أي: خبر الكفل معروف، وكنت ذكرته في الحدائق، -وهو كتاب في مجلدين الحدائق لأهل الحقائق لـابن الجوزي- ، في حديث نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قال: الثعلبي وهو أحد الوجوه في بيان المراد بـذي الكفل الذي ذكر في سورة الأنبياء، أنه كان رجلاً لا يتورع عن رذيلة، ثم بعد ذلك عندما حصل له ما حصل أكرمه الله بالمغفرة فهو المذكور في سورة الأنبياء: وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء:85]، قال ابن الجوزي: وهذا غلط، ثم استظهر بعده أموراً يقرر بها قوله؛ أولها: قال: إن ذا الكفل هذا كان لا يتورع عن رذيلة وذو الكفل الذي ذكر في القرآن أخباره التي نقلت إلينا لا تنطبق عليه؛ لأنه رجل صالح وسيأتينا لم سمي بذلك، وأمر آخر أن هذا مات من ليلته بعد أن تاب فلا ينطبق الخبر عليه، الأمر الثالث: في القرآن إشارة إلى أنه نبي كما سيأتينا وإلى هذا ذهب جمع غفير من أئمتنا، ولا يليق أن يصدر من نبي ما كان يصدر من الكفل قبل توبته وأنه لا يتورع عن شيء، ثم إن المذكور في القرآن ذو الكفل ؛ وهذا الكفل ، فوهم الثعلبي فجعلهما شيئاً واحداً، وأنا أقول: إن كلمة ذو لا إشكال فيها، في موضوع أنه الكفل أو ذو الكفل ؛ لأن الكفل الذي وردت معنا قصته، ورد في صحيح ابن حبان ، وتفسير ابن مردويه أنه ذو الكفل وكان لا يتورع من ذنب، وفي بعض الروايات الأخرى الكفل ، وكونه ذو الكفل أو الكفل هذا لا إشكال فيه؛ لأنه قد يكون وافق اسم ذاك النبي الذي هو ذو الكفل ، وهذا الكفل ، فلا تعارض في هذا، لكن بقي عندنا أن هذا من أخباره التي نقلت عنه أنه مات من ليلته، وذو الكفل ذاك ليس كذلك كما سيأتينا في خبره.

    الأمر الثاني: ذكره في سورة الأنبياء مع الأنبياء قرينة على أنه نبي كما ذهب إلى ذلك جمع غفير من المفسرين كما سأذكر، مما يبعد عنه ذلك الوصف الذي ورد في وصف الكفل .

    بـذي الكفل المذكور في سورة الأنبياء منها: وأئمتنا أوردوا عدة أمور في سبب تسميته:

    أنه تكفل بأن يصلي لله جل وعلا كل يوم مائة صلاة فوفى بذلك فأثنى الله عليه، وجعله نبيناً بعد ذلك؛ لأنه كان من أتباع الأنبياء، ولما وصل إلى رتبة الصديقين منّ الله عليه بالنبوة بعد ذلك وهو على كل شيء قدير.

    وقيل: أمر آخر أنه تكفل بنصرة نبيه في ذلك الزمان، وأن يمنعه من قومه، وينصره وينصر دعوته، فأثنى الله عليه وأدرجه مع الأنبياء.

    وقيل: أن بعض الجبابرة في ذلك الوقت قتل ثلاثمائة نبي في يوم واحد، وفر مائة نبي فآواهم هذا العبد الصالح وكفلهم فأكرمه الله بأن ذكره في كتابه وأثنى عليه؛ لأنه تكفل بمائة نبي حين فروا من ظلم وجبروت بعض الجبابرة في ذلك الوقت والعلم عند الله جل وعلا.

    والذي يظهر كما قال الرازي في تفسيره، في الجزء الثاني والعشرين، صفحة ست عشرة وثلاثمائة، وبعده أبو حيان في البحر المحيط، وبعدهما الألوسي في روح المعاني، أنه: نبي من الأنبياء لعدة قرائن معتبرة: أولها: أنه أدرج ذكره مع الأنبياء فقال تعالى: وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء:85]، والأمر الثاني: أنه ذكر في السورة التي تسمى بسورة الأنبياء، الأمر الثالث: أن الكفل معناه النصيب العظيم، ولا يمكن أن يذكر صديق له نصيب عظيم مع أنبياء الله فنصيبهم أعظم، إذاً هذا له شأن عظيم يعدل أنبياء الله مثل إسماعيل، وإدريس، هذا فيما يظهر والعلم عند الله جل وعلا، إذاً الكفل أو ذو الكفل الذي ورد خبره في حديث نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه لا يراد منه ذو الكفل الذي ورد ذكره في سورة الأنبياء.

    هذا فيما يظهر في موضوع الكفل ، وذي الكفل الذي ورد ذكره في سورة الأنبياء على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، أما الطبري فتوقف في ذي الكفل هل هو نبي أو لا؟ ونعم ما فعل؛ لأنه لم يرد التنصيص عليه صراحة على أنه نبي أو لا.

    وأما ابن كثير فذكر ما يستدعي العجب نحو حديث الكفل الذي ذكرته لكم، فقال في تفسيره في الجزء الثالث، صفحة واحدة وتسعين ومائة عند هذه الآية: وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء:85]، قال بعد أن روى الحديث المتقدم من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين قال: هذا حديث غريب لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وتقدم معنا أنه في سنن الترمذي وقال: هذا حديث حسن، مع أنه هو نفسه رضي الله عنه ذكر أن الترمذي خرج هذا الحديث في موضعين من كتبه، في البداية والنهاية في الجزء الأول، صفحة ستٍ وعشرين ومائتين في ترجمة الكفل قال: هذا الحديث رواه أحمد في المسند، والترمذي وقال: هذا حديث حسن، هذا في البداية، وكذلك فعل في قصص الأنبياء، في الجزء الأول، صفحة سبعين وثلاثمائة، قال: رواه أحمد في المسند، والترمذي وقال: هذا حديث حسن، ففي موضعين ينص على أن الترمذي خرج الحديث وحسنه، وفي تفسيره يقول: غريب لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وهو كما قلت، في المسند، وسنن الترمذي ، والمستدرك والحديث صحيح وهو في غير ذلك من دواوين السنة.

    تحصين الفرج سبب لتفريج الكرب

    إذا حصن الإنسان فرجه وصانه، وحفظ عورته يرفع الله ذكره وقدره في هذه الحياة ويكرمه برضوانه وجنته بعد الممات، ويجعل الله له فرجاً ومخرجاً في الدنيا، ويكرمه برحمته ومغفرته وجنته في الآخرة، وحديث أصحاب الغار -وهو الحديث المشهور بين المسلمين أجمعين- أحد أصنافه الثلاثة توسل إلى الله بأنه صان فرجه، وأنه ما وقع في المحظور بعد أن تيسر له ذلك خشية من الله العزيز الغفور، ففرج الله عنهم في هذه الحياة.

    وحديثهم تقدم معنا وهو مروي في الصحيحين، وسنن أبي داود ، ورواه النسائي في السنن الكبرى، وهو من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وهو الذي روى حديث الكفل ، وحديث أصحاب الغار، في جامع الأصول في الجزء العاشر، صفحة خمس عشرة وثلاثمائة، وفي الترغيب والترهيب في الجزء الثالث، صفحة اثنتين وثمانين ومائتين وكرره في عدة أماكن من كتابه الترغيب والترهيب، وروي أيضاً من رواية أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح ابن حبان، في الجزء الثاني، صفحة تسع وخمسين بعد المائة، وروي أيضاً من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه، رواه أبو داود الطيالسي ، كما في منحة المعبود في الجزء الثاني، صفحة أربع وثمانين.

    ونبينا عليه الصلاة والسلام يخبرنا أنه كان ثلاثة نفر ممن سبق يمشون في فلاة، فلما آواهم المبيت دخلوا إلى غار فنزلت صخرة فسدت عليهم باب الغار، فقال بعضهم لبعض: لا ينجيكم من هذه الشدة إلا أن تتوسلوا إلى الله جل وعلا بصالح أعمالكم، فكل واحد يذكر ما بينه وبين الله من عمل صالح؛ ليفرج الله عنا ما نحن فيه من المحنة فتقدم الأول وقال: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما، أي: لا يسقي أحداً، والغبوق هو اللبن الذي يقدم للإنسان في الرواح في المساء، لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، أهلاً أي: زوجته وأولاده، ومالاً أي: من عبيده وأجرائه، يقول: فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أرح عليهما إلا وقد ناما، فحلبت لهما غبوقهما وحملت القدح بيدي فجئت أنتظر استيقاظهما، والصبية يتضاغون عند قدمي ولم أسق أحداً قبلهما حتى استيقظا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فتوسل إلى الله ببر الوالدين، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج، وتقدم الثاني: -وهو محل الشاهد عندنا- فقال: اللهم إنه كانت لي ابنة عم وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وكان يراودها عن نفسها فتأبى حتى نزلت بها سنة، أي: شدة، فجاءت وقد استجابت فأعطاها، في حديث ذي الكفل أعطاها ستين، وهذا أعطاها عشرين ومائة دينار، وهو مال طائل، كم يبذل أهل الحرام من أجل معصية الرحمن، فلما تمكن منها وجلس بين رجليها، قالت: اتقي الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، هذه الفتاة تذكره بأن لا يأتيها إلا عن طريق العقد الحلال، فخشي الله جل وعلا وأوقعت في قلبه خشية ربه سبحانه وتعالى، فقام عنها وتركها وترك الدنانير التي أعطاها إياها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج أيضا، وتقدم الثالث قال: اللهم إنه كان لي أجراء، ثم إني أعطيتهم أجرتهم إلا واحداً منهم كره أجرته وسخطها فنميت له أجرته فجاء بعد سنين فقال: يا عبد الله أعطني أجرتي، قلت كل ما تراه من الغنم، والبقر، والإبل، والرقيق، التي تملأ الوادي، هذا كله من أجرتك نميته لك في هذه السنين الطويلة، قال: يا عبد الله لا تهزأ بي، قلت: لا أهزأ بك هذا مالك نميته لك، يقول: فاستاقها الغنم، والبقر، الإبل، والرقيق ولم يترك شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يسعون.

    1.   

    دخول الجنة وتفريج الكربات برحمة الله لا بكسب العبد وعمله

    كنت نقلت لـابن الجوزي في مباحث النبوة -في غالب ظني- كلاماً يتعلق بهذه القصة لابد من وعيها، هؤلاء توسلوا إلى الله بعملهم ورأوا منة الله عليهم في ذلك العمل، وقد أحسنوا فيما فعلوا، فتوسلوا إلى الله بما من به عليهم فالفضل لله، وإلى الله، ومن الله سبحانه وتعالى.

    وقد ذكر ابن الجوزي كلاماً طيباً في صيد الخاطر في مكانين، في صفحة ثمان عشرة ومائة، وصفحة تسع وعشرين وثلاثمائة، يقول: إذا عملت خيراً فاحمد الله عليه، تأملت قوله عز وجل: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17]، فرأيت فيها معنى عجيباً، وهو أنهم لما وهبت لهم العقول تدبروا بها عيب الأصنام، فبذلك آمنوا بالرحمن، وعلموا أنها لا تصلح للعبادة، فوجهوا العبادة إلى من فطر الأشياء، وكانت هذه المعرفة ثمرة العقل، الموهوب لهم، الذي به باينوا البهائم، فإذا آمنوا بفعلهم الذي ندب إليه العقل الموهوب، فقد جهلوا قدر الموهوب، وغفلوا عمن وهب، وأي ثمرة لهم والشجرة ليست ملكاً لهم، فبالعقل تعرف أن الله هو الذي يمن عليهم، فإذا اهتديت به فاحمد الله: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17]، وعلى هذا فكل متعبد ومجتهد في علم وعمل، إنما رأى بنور اليقظة وقوة الفهم والعقل الصواب، فوقع على المطلوب، فينبغي أن يوجه الشكر إلى من بعث له في ظلام الطبع القبس، أي: جعل له نوراً في ظلام طبعه، قال: ومن هذا الفن حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار فانحطت عليهم الصخرة فسدت باب الغار، فقالوا: تعالوا نتوسل بصالح أعمالنا، فقال كل منهم: فعلت كذا وكذا. وهؤلاء -تأمل هذا الكلام جيداً- وإن كانوا لاحظوا نعمة الواهب للعصمة عن الخطأ فتوسلوا بإنعامه عليهم، الذي أوجب تخصيصهم بتلك النعمة عن أبناء جنسهم، فبه توسلوا إليه، يقولوا: سبحانك أنت وفقتنا فيها، وحفظتنا في تلك المواقف التي وقفنا فيها، فأنت وفقتني لبر الوالدين، وأنت وفقتني للعفة، وأنت وفقتني للأمانة فأديت الحقوق إلى أصحابها، كما أنعمت علينا هناك فحفظتنا من الزلل، فرج عنا من فضلك وأنت اللطيف الخبير، فتوسلوا به إليه، وإن كانوا لاحظوا أفعالهم، فلمحوا جزاءها ظناً منهم أنهم هم الذين فعلوا، فهم أهل غيبة لا حضور ويكون جواب مسألتهم لقطع مننهم الدائمة، ومثل هذا رؤية المتقي تقواه حتى إنه يرى أنه أفضل من كثير من الخلق، وربما احتقر أهل المعاصي وشمخ عليهم، وهذه غفلة عن طريق السلوك، وربما أخرجت، أي: الإنسان من الاستقامة عندما يتكبر ويصاب بغرور وعجب، ولا أقول لك: خالط الفساق احتقاراً لنفسك، لا، لكن لا يجوز أن ترى نفسك خيراً من غيرك وأنت لا تعلم حقيقتك عند الرب سبحانه وتعالى، وإذا وجدت نعمة فأسندها إلى من أنعم بها عليك، وأما أن تغتر بما يصدر منك من طاعات ولا ترى عليك منة رب الأرض والسماوات، فأنت من أهل الغيبة لا من أهل الحضور مع العزيز الغفور سبحانه وتعالى.

    قال: ولا أقول لك: خالط الفساق احتقاراً لنفسك، بل اغضب عليهم في الباطن وأعرض عنهم في الظاهر، وتلمح جريان الأقدار عليهم في الباطن فأكثرهم لا يعرف من عصى، وجمهورهم لا يقصد العصيان، بل يريد موافقة هواه، وعزيز على أكثر العصاة أن يعصي؛ لأن هذا يوافق هواه، ولا يريد فقط أن يحارب مولاه، وفيهم من غلب عليه تلمح العفو والحلم فاحتقر ما يأتي لقوة يقينه بالعفو، وهذه كلها ليست بأعذار له، ولكن تلمحه أنت يا صاحب التقوى، واعلم أن الحجة عليك أوفى من الحجة عليهم؛ لأنك تعرف من تعصي، وتعلم ما تأتي، بل انظر إلى تقليب القلوب بين إصبعين فربما دارت الدائرة، ففصل المتصل، ووصل المقطوع، فالعجب ممن يمن بخير عمله، وينسى من أنعم ووفق.

    وهذا كلام لابد من وعيه، كما قلت، لا نلتمس لهم الأعذار، ولا نخالطهم، أننا لسنا خيراً منهم إذاً نسير معهم، وأعاد ابن الجوزي نحو هذا في صفحة تسع وعشرين وثلاثمائة، فقال: التقرب إلى الله جل وعلا، إذا تم عمل الإنسان ولم يرى لنفسه عملا، وإنما يرى في العمل أنه موفق من الله سبحانه لذلك العمل الذي يمنع العاقل أن يرى لنفسه عملاً، أو يعجب به، وذلك بأشياء منها: أنه وفق لذلك العمل، ولذلك قال الله عز وجل: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:7]، ومنها: أنه إذا قيس بالنعم -يعني ما يصدر منك من طاعة وشكر- لم يف بمعشار عشيرها، ومنها: أنه لو لاحظت عظمة المخدوم كما ينبغي، فستبذل نحوه من الشكر ما يليق بجلال الحي القيوم، احتقر كل عمل وتعبد، هذا إذا سلم من شائبة وخلص من غفلة، فأما والغفلات تحيط به، فينبغي أن يغلب الحذر من رده، فأنت لا تعلم هذه الأعمال أقبلت أم ردت، وكم من قائم محروم، وكم من نائم مرحوم، أما والغفلات تحيط به، فينبغي أن يغلب الحذر من ربه، ويخاف العتاب على التقصير فيه، فيشتغل عن النظر إليه، وتأمل الفطناء وأحوالهم في ذلك، فالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون قالوا: ما عبدناك حق عبادتك.

    ثبت في مستدرك الحاكم بسند صحيح على شرط مسلم وأقره عليه الذهبي ، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب من رواية سلمان رضي الله عنه، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( يؤتى بالميزان يوم القيامة فيوضع، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة ربنا من يزن هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك )، وخليل الرحمن إبراهيم الذي خلص قلبه لرب العالمين، إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات:84]، فقلبه للرحمن، وولده للقربان، وماله للضيفان، وبدنه للنيران يقول: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:82]، أطمع أن يغفر لي خطيئتي، ولا أدل على ذلك من تصبره على النار، وتسليمه الولد للذبح، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لن ينجو أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل )، والحديث في الصحيحين من رواية أبي هريرة ، ورواه الإمام مسلم في صحيحه من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين. وأبو بكر رضي الله عنه يقول: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعمر يقول: لو أن لي ملأ الأرض لافتديت بها من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر، وابن مسعود -رضي الله عنهم أجمعين- يقول: ليتني إذا مت لا أبعث، ولما قال له مرة بعض الناس: أريد أن أكون من السابقين، ولا أريد أن أكون من أصحاب اليمين، فقال عبد الله بن مسعود : ها هنا رجل لو خير بين الجنة والنار، وبين أن لا يبعث لاختار أن لا يبعث، والمعنى: أنه لو قيل له: اختر تريد الجنة أو النار -والجنة مضمونة- أو تريد أن لا تبعث إذا مت؟ لاختار أن لا يبعث، لماذا لا يرى نفسه أهلاً لجوار الله جل وعلا؟ لتقصيره وتفريطه في حق الله، يقول: من نحن حتى ننال جنة الله ورضوان الله، وعائشة رضي الله عنها تقول: ليتني كنت نسياً منسياً، والنِسي -بكسر النون- هو: الخرقة التي يمسح بها الحلق، ليتني كنت خرقة لا قيمة لها، لا يؤبه بها تطرح في المزابل والأوساخ ولا أحد يلتفت إليها.

    وهذا شأن جميع العقلاء فرضي الله عن الجميع، ثم جاء إلى هؤلاء، قال: وقد روي عن قوم من صلحاء بني إسرائيل ما يدل على قلة الأفهام لما شرحته؛ لأنهم نظروا إلى أعمالهم فاعتمدوا عليها. فمن ذلك حديث العابد الذي تعبد خمسمائة سنة في جزيرة وأخرج الله له كل ليلة رمانة، وسأل الله تعالى أن يميته في سجوده. فإذا حشر قيل له: ادخل الجنة برحمتي قال: بل بعملي، فيوزن جميع عمله بنعمة واحدة فلا يفي، فيقول: يا رب برحمتك، فيقول له: ادخل الجنة برحمتي، والحديث في المستدرك في الجزء الرابع، صفحة واحدة وخمسين ومائتين وصححه، لكن تعقبه الذهبي بقوله: لا والله فيه سليمان بن هرم غير معتمد، وقال في الميزان في الجزء الثاني، صفحة سبع وعشرين ومائتين: لم يصح هذا، وأما قول الله: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32]، فلا تعارض، بين الآية والحديث، فمن ناحية الإسناد فيه ضعف، فـسليمان بن هرم غير معتمد، وأما معنى الحديث فحقيقة لا تعارض بينه وبين الآية؛ لأنه تقدم معنا كلام نبينا عليه الصلاة والسلام: (لن يدخل أحد منكم بعمله الجنة، قيل: ولا أنت؟ قال: ولا أنا )، وأئمتنا يقررون أن دخول الجنة برحمة الله، وبفضل الله، كما أن النجاة من النار برحمة الله ومغفرة الله، كما أن اقتسام الدرجات في الجنة بالأعمال، لكن لا يسلم أحد من النار إلا بعفو الله ومغفرته، ولا يدخل الجنة إلا برحمته وفضله، ويقتسمون بعد ذلك الدرجات على حسب الأعمال، ولذلك قال ابن القيم -ونعم ما قال- في أول كتابه مفتاح السعادة ومنشور الولايتين علم القراءة في الجزء الأول صفحة ثمان: الباء المقتضية للدخول -في الآية- غير الباء النافية -في الحديث- فهناك: بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32]، وهنا: ( لا يدخل أحد منكم بعمله الجنة )، فالباء التي تقتضي الدخول هذه باء السببية، جعل الله هذا العمل سبباً لدخول الجنة بفضله، وأما الباء المنفية فهي باء المقابلة والمعاوضة، والحافظ ابن حجر ذكر أربعة أدلة على هذا في الفتح في الجزء الحادي عشر، صفحة ستٍ وتسعين ومائتين.

    يقول ابن القيم في مثل هذه العبارات -بكثرة- نحن معشر الحمقى نحسب ما لنا ولا نحسب ما علينا، إذا عمل الواحد منا طاعة طار فرحاً كأنه الآن سيدخل الجنة من أبوابها الثمانية، أما الدنس الذي يلازمك في كل وقت لا تستحضره، ولو فهم لشغله خجل الهمة عن الامتنان، كما قال نبي الله يوسف: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي [يوسف:53]، والمعتمد أن هذا من كلام امرأة العزيز كما يدل على ذلك سياق الآيات.

    ثم يقول: وذاك ترك صبيانه يتضاغون إلى الفجر ليسقي أبويه اللبن، وفي هذا البر أذى للأطفال، ما المانع لأن تسقي أولادك وأهلك ما المانع؟ ثم تسقي بعد ذلك والديك، ولكن الفهم عزيز، وكأنهم لما أحسنوا، قال لسان الحال: أعطوهم ما طلبوا، فإنهم يطلبون أجرة ما عملوا، ولولا عزة الفهم ما تكبر متكبر على جنسه، ولكان كل كامل خائفًا محتقرًا لعمله، حذرًا من التقصير في شكر ما أنعم الله عليه، لماذا تتكبر على عباد الله؟ وأنت خرجت مما تعلم، وفي جوفك ما تعلم، وستصير إلى ما تعلم، وأنت نطفة قذرة، في جوفك العذرة، ستصير بعد ذلك جيفة قذرة، وإذا كان فيك شيء من الفضل فهذا من الله عز وجل، يقول: وفهم هذا المشروح ينكس رأس الكبر، ويوجب مساكنة الذل، فتأمله، فإنه أصل عظيم.

    سلفنا كانوا يتمثلون هذا المعنى على الدوام، يذكرون في ترجمة مالك بن دينار عليه وعلى أئمتنا رحمة العزيز الغفار، أنه قال لأصحابه وهم في المسجد: لو نادى منادٍ على باب المسجد ليخرج أشركم، ما سبقني أحد إلى الخروج إلا بفضل قوة، ولما بلغ عبد الله بن المبارك هذا الكلام عن مالك بن دينار عليهم جميعاً رحمة العزيز الغفار، قال: بهذا صار مالك مالكاً.

    وابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا ينقل عنه تلميذه ابن القيم في المدارج في الجزء الأول، صفحة خمس وعشرين وخمسمائة، في احتقار نفسه، وهضم عمله شيئاً عجيباً كان يقول: مالي شيء، ولا مني شيء، ولا أنا شيء، فمن وجد خيراً فليحمد الله، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل:53]، وكان يقول لتلميذه: والله منذ أن أسلمت إلى الآن، وهو نشأ في أسرة إسلامية أي منذ أن عقل، منذ أن نطقت بالشهادة إلى أجدد إسلامي، وما أعلم أني وحدت الله توحيداً حقا، يليق بجلاله وجماله سبحانه وتعالى.

    ومثل هذا تقدم معنا بكثرة في ترجمة الشيخ أحمد الرفاعي يقول الذهبي في العبر في ترجمته في الجزء الثالث، صفحة خمس وسبعين: إليه المنتهى في التواضع، والقناعة، ولين الكلمة، والذل، والانكسار، والإزراء على نفسه وسلامة الباطن، وكان يقول: من أراد أن يدخل إلى الله، فليدخل من باب الفقر والذل والانكسار والتواضع ولين الجانب والإزراء على النفس، وأنه ليس لك شيء، ولا منك شيء، ولا فيك شيء؛ لأنك لا ترى عليه زحاماً، والأبواب الأخرى يتنافسون عليها، فإذا أراد الإنسان أن يدخل إلى الله جل وعلا فليسلك هذا الباب.

    وهذا الكلام من ابن الجوزي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا ينبغي أن ينقش على القلوب، فإذا توسل أهل الغار إلى الله بما صدر منهم وأن الله أنعم بذلك عليهم فقد أحسنوا، توسلوا بإنعامهم لإنعامهم، يريدون إنعاماً بعد الإنعام السابق، وإذا توسلوا بما جرى منهم ونسبوه إلى أنفسهم، فهؤلاء أهل غيبة وليسوا بأهل حضور، فحالهم كحال ذاك العابد الذي قال: بعملي، ثم في نهاية الأمر استبانت له الحقيقة، فرجع بعد ذلك بالذل والانكسار لربه، قال: برحمتك، قال: ادخل الجنة برحمتي.

    من صان فرجه أظله الله في ظل عرشه يوم القيامة

    من صان فرجه -ضبط عرضه- فرج الله عنه في هذه الحياة، وأكرمه بنعيم الجنات، وأظله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله عند اجتماع المخلوقات.

    تقدم معنا أن من الأصناف الذين يُظلون في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله المتحابين في الله، وقلت: إن الحديث ثابت في المسند، والصحيحين، وسنن النسائي، ورواه ابن حبان في صحيحه، وابن خزيمة في صحيحه، وأبو داود الطيالسي، والبيهقي في السنن الكبرى، وفي الأسماء والصفات كما رواه عبد الله بن المبارك عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث روي أيضاً من رواية أبي هريرة ، وأبي سعيد في صحيح مسلم، وروي من رواية أبي هريرة ، أو أبي سعيد على الشك في موطأ مالك ، وسنن الترمذي، وصحيح ابن حبان ، والسنن الكبرى للبيهقي ، والأسماء والصفات له، عن أبي هريرة ، أو أبي سعيد رضي الله عنهم أجمعين.

    وقد روي موقوفاً على سلمان الفارسي، وله حكم الرفع إلى نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، في مصنف عبد الرزاق ، ومصنف ابن أبي شيبة، ورواه أحمد في الزهد، وهكذا هناد بن السري في الزهد، وتقدم معنا لفظ الحديث: ( سبعة يظلهم الله في ظل عرشه -وفي رواية: في ظله- يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في طاعة ربه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها كي لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه )، فمن حفظ فرجه وصان عورته له هذه المكانة عند الله عز وجل، وإذا فرط فالويل له.

    روى الطبراني في معجمه الكبير، كما في المجمع في الجزء الثامن، صفحة ثلاث وستين، والحديث في الترغيب والترهيب في الجزء الثالث، صفحة سبع وثلاثين، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني، قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف، ( ت ، ق ) من رجال الترمذي ، وابن ماجه ، توفي سنة بضع عشرة ومائة، وللحديث شواهد ومعناه ثابت صحيح، وعلي بن يزيد الألهاني تقدمت معنا ترجمته مراراً، وأما الهيثمي فاضطرب نحوه فتارة يقول: ضعيف، وتارة يقول: ضعيف جدا، وتارة يقول: متروك، ولفظ الحديث من رواية أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لتغضن أبصاركم، ولتحفظن فروجكم، ولتقيمن وجوهكم، أو ليخسفن الله وجوهكم )، أي: يمسخ الله هذه الخلقة ويغيرها من خلقة آدمي إلى خلقة أخرى، فلابد إذاً من حفظ الفرج، ولابد من غض البصر، ولابد من حفظ الأعضاء مما حرم علينا رب الأرض والسماء.

    1.   

    الوطء في الدبر

    هذه مقدمة لهذا الموضوع حفظ الفرج وله شأن عظيم، ونعود بعد ذلك إلى ما كنا ذكرنا من الأمر الثالث وهو الوطء في المحل المكروه.

    تقدم معنا أن هذا محرم باتفاق أئمتنا دل على ذلك كلام ربنا كما ذكرنا الآية التي تقدمت معنا: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، وقلت: إنها تحتمل عدة أمور لا يوجد منها قول يدل على جواز الوطء في المحل المكروه، كما تقدم معنا، وأن احتمال أنى شئتم: أي حيث شئتم، -وهو الاحتمال الثالث- من المسالك، أو عموم المسالك، وحيث شئتم من الجهات، قولٌ ما قال به أحد، والآية لا تشير إليه كما يوضح هذا سبب النزول.

    واستعرضنا أسباب نزول الآية، ثم أتبعتها بعشرة أحاديث صحيحة ثابتة عن عشرة من الصحابة الكرام، نقلوها عن نبينا عليه الصلاة والسلام تحرم وطء المرأة في دبرها، ثم أتبعتها بخمسة أحاديث أخرى، ورواية مرسلة، والروايات الخمس ذكرتها دون أن أذكر ألفاظ الروايات، قلت: من رواية سمرة ، وعمران بن حصين ، هاتان الروايتان في مسند الحارث بن أبي أسامة ، ورواية أبي بن كعب في شعب الإيمان للبيهقي ، ورواها الحسن بن عرفة في جزئه المشهور، والخطابي في غريب الحديث، والرواية الرابعة رواية أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين رواها إسماعيل في معجمه، والرواية الخامسة رواية طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق ، رواها أحمد ، وابن أبي خيثمة ، وابن قانع ، وابن شاهين ، والبغوي في تراجم الصحابة وفضائلهم كما في الإصابة، وأسد الغابة، والدر المنثور، والرواية السادسة، مع الروايات العشر المتقدمة وهي مرسلة من رواية عطاء في مصنف ابن أبي شيبة .

    أقوال العلماء في تحريم الوطء في الدبر

    انتهينا من تقرير الأحاديث في ذلك، وأنها ثابتة صحيحة مستفيضة بل متواترة نص على ذلك أئمتنا، قال القرطبي في تفسيره، في الجزء الثالث، صفحة خمس وتسعين: وردت الأحاديث الصحيحة الحسان الشهيرة في تحريم وطء المرأة في دبرها، رواها اثنا عشر صحابياً عن نبينا عليه الصلاة والسلام بمتون مختلفة، كلها متواترة على تحريم إتيان النساء في الأدبار، ذكرها أحمد في المسند، وأبو داود، والنسائي، والترمذي في السنن وغيرهم، قال: وجمعها ابن الجوزي في جزء سماه تحريم المحل المكروه -وهو وطء المرأة في الدبر- قال: ولشيخنا أبي العباس في ذلك جزء سماه إظهار إدبار من أجاز وطء النساء في الأدبار، قلت: القائل هو القرطبي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: وهذا هو الحق المتبع، والصحيح في هذه المسألة، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه، هذا لو صحت هذه الزلة عن أحد، وتقدم معنا أنه نسب إلى ثلاثة من سلفنا هذا القول وهم منه برآء كما تقدم معنا، ابن عمر ، ومولاه نافع ، وتلميذه مالك رضي الله عنهم أجمعين، فـالقرطبي يقول: هذا هو الحق والصحيح في هذه المسألة، ولا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعول في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه.

    وقال نحو هذا القول قبله ابن عطية في كتابه المحرر الوجيز في تفسير كلام الله العزيز، في الجزء الثاني صفحة سبع وخمسين ومائتين، وختم الكلام على هذه المسألة بقوله: قال ابن المنذر : إذا ثبت الشيء عن النبي صلى الله عليه وسلم استغني به عما عداه، وتقدم معنا خمس عشرة رواية ثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام تحرم هذا، وهي متواترة كما سيأتينا نص التواتر عليه من قبل أئمتنا إن شاء الله.

    وقال الذهبي في السير في الجزء الخامس، صفحة مائة: أوضحنا هذه المسألة في مصنفٍ مفيد لا يطالعه عالم إلا ويقطع بتحريم ذلك، وليس عند طلبة العلم شك في تحريم هذا، وهذا الذي عليه فقهاء المذاهب الأربعة رضي الله عنهم أجمعين، وقال في الجزء الرابع عشر، صفحة ثمان وعشرين ومائة: قد تيقنا بطرق لا نحيد عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن أدبار النساء، تيقنا جازماً؛ لأن الأحاديث في ذلك تفيد القطع، وتوجب للإنسان العلم الضروري بأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك الفعل الرزي، وجزمنا بتحريمه ولي في ذلك مصنف كبير، وكتاب الذهبي طالعه وأشار إليه ابن كثير في تفسيره في الجزء الأول، صفحة خمس وستين ومائتين عند تفسير هذه الآيات من سورة البقرة: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة:223]، فقال: وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في هذا، في جزء وجزم بصحة هذه الأحاديث وأنها تفيد تحريم ذلك على سبيل القطع لا غلبة الظن.

    قال ابن كثير : وقد وردت الأحاديث المروية، من طرق متعددة بالزجر عن فعله وتعاطيه.

    وهذا ما قاله أيضاً شيخنا عليه رحمة الله في أضواء البيان في الجزء الأول، صفحة خمس وعشرين ومائة، فأورد كلام القرطبي محتجاً به وأن هذه الأحاديث رواها عن النبي عليه الصلاة والسلام اثنا عشر صحابياً رضي الله عنهم أجمعين بمتون مختلفة كلها تنص على تحريم وطء المرأة في دبرها.

    وهذا هو الذي قرره أبو حيان في البحر المحيط في الجزء الثاني، صفحة واحدة وسبعين ومائة، فأورد خلاصة كلام القرطبي دون أن يضيف ذلك إليه فقال: روى تحريم ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام اثنا عشر صحابياً بألفاظ مختلفة، كلها تدل على تحريم وطء المرأة في دبرها -قال البنا : هذا الكلام كلام القرطبي - رواها أحمد في مسنده، وأبو داود، والترمذي، والنسائي في سننه، وجمعها أبو الفرج بن الجوزي في كتاب سماه: تحريم المحل المكروه، ثم نقل كلام ابن عطية : لا ينبغي لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعول على زلل العلماء في هذه المسألة إذا صحت عنه وثبتت، فكيف ولم تصح عن أحد من أئمة الإسلام! وهذا أيضاً قاله القرطبي في تفسيره عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه.

    وتتابع أئمتنا البررة، على تحريم تلك الفعلة القبيحة المنكرة، وعدوها من الكبائر المدمرة، منهم الذهبي في الكبائر في صفحة ثلاثين ومائتين، بعد أن تكلم على كبيرة اللواط ألحق بها في آخرة تلك الكبيرة، قوله: ويلتحق باللواط إتيان المرأة في دبرها، وذلك مما حرمه الله جل وعلا، ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: وكثير من الجهال واقعون في هذه المعاصي، وذلك من قلة معرفتهم وسماعهم العلم.

    وهذا ما قرره ابن حجر الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر، في الجزء الثاني، صفحة ثلاثين في الكبيرة الخامسة والستين بعد المائة، قال: إتيان الزوجة أو السرية من دبرها، ثم قال: عد هذا كبيرةً، أي: وطء المرأة أو السرية في دبرها، عد هذا كبيرة وهو ما صرح به غير واحد، وهو ظاهر، لما علمت من هذه الأحاديث الصحيحة أنه كفر، وأن الله لا ينظر إلى فاعله، وأنه اللوطية الصغرى، وأنه من أقبح الوعيد وأشده، وقد صرح العلائي ، -المتوفي سنة واحدة وستين وسبعمائة جمع بين العلم والدين والكرم والمروءة، وترجمته الطيبة في الدرر الكامنة في الجزء الثاني، صفحة تسعين، من أئمة الشافعة الكبار-: بأن ذلك ينبغي أن يلحق باللواط، يعني فعل هذا الأمر في الزوجة أو السرية يلحق باللواط؛ لأنه ثبت في الحديث لعن فاعله.

    هذا ما يتعلق كما قلت بالأحاديث المروية في هذا الأمر، وقلت سأتبعها بعشرة آثار عن سلفنا الأبرار، ثم أختم الكلام بعشرة أضرار لذلك العار.

    الآثار المروية عن السلف في النهي عن الوطء في الدبر

    أما آثار السلف الأخيار، وتابعيهم الأبرار التي تحذر من ذلك الإثم والعار فكثيرة منها:

    ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، في الجزء الرابع، صفحة ثلاث وخمسين ومائتين، والبيهقي في السنن الكبرى في الجزء السابع، صفحة ثمان وتسعين ومائة، ورواه ابن المنذر ، وابن أبي حاتم في التفسير، وهو في الدر المنثور في الجزء الثالث، صفحة مائة، عن علي رضي الله عنه أنه قال للمسلمين في زمنه: سلوني ما شئتم ما دمت فيكم، فقام بعض الحاضرين المتنطعين فقال: يا أمير المؤمنين ما تقول في وطء المرأة في دبرها؟ فقال له سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه: سفلت سفل الله بك -سفلت: أي: أصابتك خسة ونذالة ومهانة فألصق الله بك الوضاعة وجعلك وضيعاً حقيراً مهينا- أما سمعت قول الله جل وعلا: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف:80]، وطء المرأة في الدبر، وتقدم معنا أن قوم لوط بقوا أربعين سنة يطئون النساء في أدبارهن، ثم انتقلوا إلى أدبار الرجال.

    الأثر الثاني: روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه، رواه أحمد ، وعبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد في مسنده، والبيهقي في السنن الكبرى، والطبري في تفسيره، والبغوي ، عن أبي الدرداء رضي الله عنهم أجمعين: أنه سؤل عن وطء المرأة في دبرها فقال: وهل يفعل ذلك مؤمن؟!

    الأثر الثالث: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، رواه عبد الرزاق في مصنفه، وعبد بن حميد في مسنده، والنسائي في السنن الكبرى، والبيهقي في شعب الإيمان: أن رجلاً سأله عن وطء المرأة في دبرها، فقال للحاضرين: هذا يسألني عن الكفر، هذه من خصال الكافرين، وتقدم معنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:( من أتى حائضاً في فرجها، أو امرأة في دبرها، أو كاهناً فقد كفر بما أنزل الله على محمد ) وفي رواية أبي داود : ( فقد برئ مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ) وسأله مرة رجل عن آية المحيض، وهي: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222] فقال له: سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: من حيث جاء الدم، من ثم أمرت أن تأتي، أي من القبل، أمرت أن تأتي، إذا انقطع هذا الدم فقال السائل: فماذا تفعل بقول الله: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة:223]، فقال له عبد الله بن عباس رضي الله عنهم: ويحك وفي الدبر حرث؟ الله يقول لكم: حرث لكم، أي مكان الزراعة، وإخراج ذرية تعبد رب البرية، فهل في الدبر حرث؟ لو كان ما تقول حقا لكان الاعتزال منسوخاً، لأنه إذا منعت من هاهنا، جئت من هاهنا، إذا كان يجوز وطء المرأة في دبرها، فلا داعي لاعتزال المرأة، فطالما أن الإيلاج يحرم عليك في هذا المنفذ، فاذهب لمنفذ آخر، فعلام إذاً أمرنا باعتزالها؟ ولكن أنى شئتم من الليل والنهار.

    وهذا تقدم معنا وهو القول الثاني، أنى شئتم، إن شئتم، متى شئتم، إذا شئتم، كما تقدم معنا أي في أي وقت، فالأمر فيه سعة، أنى شئتم من الليل والنهار، وفي رواية قال له: يا لكع أنى شئتم أي: قائمة، أو قاعدة أو مقبلة أو مدبرة في أقبالهن، لا تعدُ ذلك إلى غيره، روى ذلك أيضا عنه عبد بن حميد في مسنده وغيره، وفي رواية الدارمي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: يأتيها قائمة ومن بين يديها وكيف يشاء، بعد أن يكون ذلك في المأتى، زاد البيهقي في روايته، حيث يكون الحيض والولد.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.