إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [49]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [49]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حفظ الفرج من أهم الأمور التي عني بها الشرع، ولذا حرم الله كل ما يؤدي إلى لتفريط فيه، ومن أخطر ما حرمه الزنا واللواط، فبين الشرع قبحهما وسماهما الله فاحشة في كتابه، وحذر صلى الله عليه وسلم من الزنا، كما بين عقوبة إظهاره وأنه سبب في حصول الأمراض، واستحقاق عذاب الله، ونزع الإيمان من صاحبه.

    1.   

    الاحتراز من مداخل الشيطان بحفظ الفروج

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد! إخوتي الكرام: كنا نتدارس الأمور التي يتحصن بها أهل الإيمان من الجان، وتقدم معنا أن هذه الأمور منها ما ينبغي أن نحذره وأن نبتعد عنه وأن نحصن أنفسنا منه، ومنها ما ينبغي أن نفعله وأن نقوم به.

    والأمر الأول يدور على سبعة أمور كما تقدم معنا، والأمر الثاني على ثمانية أمور، وعليه مجموع الأمور كما تقدم معنا خمسة عشر أمراً، وقلت جاء حصرها في هذا العدد اتفاقاً بتقدير الله دون قصد، ووافق هذان العددان كما تقدم معنا عدد أبواب النار وأبواب الجنة.

    أما الأمور التي ينبغي أن نصون أنفسنا منها وأن نحترس وأن لا نجعل للشيطان منفذاً منها؛ قلت أولها: حفظ الخطرات، وثانيها: حفظ اللحظات، وثالثها: حفظ اللفظات، ورابعها: حفظ الخطوات، ومن ضبطها فهو صديق كما تقدم معنا، والخامس: حفظ السمع الذي هو آلة الأصوات، والسادس: حفظ البطن، وهذه الأمور الستة مر الكلام عليها ووصلنا إلى السابع ألا وهو: حفظ الفرج.

    وأما الثمانية التي ينبغي أن نتحلى بها؛ قلت: الاستعانة بالرحمن، والاستعاذة من الشيطان، وقراءة القرآن، وذكر الرحمن، وكثرة الصلاة والسلام على نبينا خير الأنام عليه الصلاة والسلام، والمحافظة على الجماعة، وأن يحافظ على الطاعة، وأن يكتب العلم ويحرص عليه فهو أربح بضاعة، وأن يكثر من الصوم فهو حصن حصين لنا من كل آفة.

    إخوتي الكرام! كما قلت وصلنا إلى الأمر السابع من الأمور التي ينبغي أن نحصن أنفسنا نحوها، وأن لا يدخل الشيطان منها، وهو حفظ الفرج.

    ويراد بالحفظ إخوتي الكرام الحفظ مطلقاً، لا يجوز أن نظهر هذا العضو ولا أن نستعمله إلا فيما أذن فيه ربنا سبحانه وتعالى، وورد فيه نص يدل على الإباحة، فالأصل فيه الحظر والمنع، وتقدم معنا في المواعظ السابقة أن الله عندما قرن بين البصر والفرج فرق بينهما، فقال ربنا العزيز الغفور في سورة النور: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30]، قلت: أدخل (من) في حفظ البصر؛ لأن الأصل فيه الإباحة، وحذفت من الفرج: وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30]؛ لأن الأصل فيه الحظر الا ما استثني وقام عليه دليل الإباحة، ولذلك ينبغي أن نستره ولا يجوز أن نكشفه عمن لا يحل له أن ينظر إليه، وهكذا لا يجوز أن نستعمله إلا فيما قام الدليل على جواز استعمال الفرج فيه، وعليه ينبغي أن نصون فروجنا عن الزنا، وعن اللواط، وينبغي أيضاً أن يصون النساء فروجهن عن السحاق، وينبغي أن نصون فروجنا كذلك عن الوطء الذي حرمه علينا ربنا وإن كان في الأصل حلالاً لنا كإتيان الزوجة أو السرية في حالة الحيض أو في حالة النفاس، وهكذا ينبغي أن نحذر الوطء في الأدبار مع زوجة أو سرية، وهكذا ينبغي أن نصون فروجنا من الاستعمال المحرم مع البهائم سواء كان الإنسان ذكراً أو أنثى، فلا تمكن الأنثى بهيمة من نفسها كما انتشر في هذا العصر الهابط، ولا يفعل الذكر ببهيمة، وهكذا الاستمناء محرم على الذكور وعلى الإناث.

    هذه الأمور إخوتي الكرام ينبغي أن نصون الفروج عنها، ولا أريد أن أستعرضها على التفصيل، كان في نيتي أن أذكر أمرين اثنين منها ثم ننتقل إلى الأمور الثمانية، لكن بعد هذين الأمرين بدا لي أن أضيف أمراً آخر أبين سببه -إن شاء الله- عندما نصل إليه بعد التحذير من أمرين هما أشنع ما يقع الإنسان فيه عند التفريط في الفرج، وهما الزنا واللواط، نسأل الله العافية.

    1.   

    خطر الوقوع في الزنا والأدلة الواردة في تحريمه

    الزنا إخوتي الكرام سماه الله فاحشة في كتابه فقال جل وعلا: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]، والفاحشة: هي المعصية المتناهية في القبح والرذيلة، بحيث حرمها الشرع ويستهجنها ويمتهنها ويستقبحها العقل، وهكذا قال عن جريمة اللواط: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف:80]، معصية خبيثة تستنكرها الفطر السليمة والعقول المستقيمة، وحرمتها شريعة الله القويمة. ينبغي أن نصون فروجنا عن هذين الأمرين المحرمين وعن بقية الأمور.

    حديث ابن عباس: (يا فتيان قريش لا تزنوا...)

    وقد ثبت في مستدرك الحاكم بسند صحيح على شرط مسلم، والحديث سكت عنه الذهبي وهو في الجزء الرابع صفحة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وذكره الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الثالث صفحة اثنتين وثمانين ومائتين، ونسب إلى الحاكم أنه قال: صحيح على شرط الشيخين فوافقه، والذي في المستدرك أنه على شرط مسلم كما ذكرت، والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان والطبراني في معجمه الكبير والأوسط كما في المجمع في الجزء الرابع صفحة ثلاث وخمسين ومائتين، وقال الإمام الهيثمي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: رجاله رجال الصحيح، ولفظ الحديث من رواية سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا شباب قريش: احفظوا فروجكم، لا تزنوا، ألا من حفظ فرجه فله الجنة )، الحديث رواه الإمام أبو داود الطيالسي بهذا اللفظ كما في منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود في الجزء الأول صفحة سبع وتسعين ومائتين، وهكذا رواية البيهقي أيضاً في شعب الإيمان: ( يا فتيان قريش: لا تزنوا، فإنه من سلم الله له شبابه دخل الجنة )، والحديث كما قلت من رواية سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وإسناده صحيح ثابت.

    نعم، روي الحديث أيضاً من رواية سيدنا طلحة رضي الله عنه وأرضاه، كما في المجمع في الجزء الرابع صفحة ثلاث وخمسين ومائتين، وعزى الرواية إلى مسند أبي يعلى، لكن إسناد الحديث فيه انقطاع، قال الإمام الهيثمي : منقطع وفيه من لم أعرفه، ولفظ رواية أبي طلحة : ( يا شباب قريش: لا تزنوا، من سلم شبابه فله الجنة )، الحديث مع ضعفه بانقطاع وجهالة في رواة إسناده، فإن الرواية المتقدمة تغني عنه وتشهد له، وهي صحيحة ثابتة، وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أنه يخاف خوفاً شديدا على هذه الأمة المباركة من التفريط في فروجهم والوقوع في جريمة الزنا، نسأل الله العافية.

    حديث عبد الله بن زيد في التحذير من الزنا والشهوة الخفية

    روى الإمام أبو يعلى في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير، والإمام الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، كما في جمع الجوامع للإمام السيوطي في الجزء الأول صفحة اثنتين وثمانين وتسعمائة، والحديث صحيح كما نص على ذلك الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الثالث صفحة واحد وسبعين ومائتين، وقال الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء السادس صفحة خمس وخمسين ومائتين: رجال الطبراني رجال الصحيح، غير عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي وهو ثقة، وقال عنه الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ، ورمز له بأنه روى له البخاري تعليقاً (خت)، وروى له أبو داود والإمام النسائي في السنن عليهم جمعاً رحمة الله ورضوانه.

    ولفظ الحديث من رواية الصحابي الجليل عبد الله بن زيد المازني ، يكنى أبا محمد ويعرف بـابن أم عمارة ، وهو الذي شارك وحشياً رضي الله عنهم أجمعين في قتل اللعين مسيلمة الكذاب، رماه وحشي بحربة له فصرعه، ثم تقدم عبد الله بن زيد المازني فحز رقبته وضربه، ومسيلمة هو الذي قتل أخا عبد الله بن زيد المازني -وهو حبيب بن زيد المازني - عندما أرسله النبي عليه الصلاة والسلام إلى مسيلمة وقال له: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا أسمعك، فأعاد مسيلمة عليه ثلاثاً: أتشهد أن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ وفي كل مرة يقول: نعم، فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فبعد الثالثة قطعه عضواً عضواً، فعجل الله له العقوبة في هذه الحياة مع ما يدخر له بعد الممات، فقتله ربنا جل وعلا على يد أخي حبيب وهو راوي الحديث عبد الله بن زيد المازني ، والحديث كما قلت إسناده صحيح، ولفظه عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( يا نعايا العرب ) (يا نعايا). ضبطت في كتاب الترغيب والترهيب بدل النون الموحدة من فوق باء من تحت لتصبح أشنع توصيف: ( يا بغايا العرب )، ( يا نعايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الزنا والشهوة الخفية )، ولفظ النعايا شرحه أئمتنا في كتب اللغة والغريب كما في الفائق لـالزمخشري في الجزء الرابع صفحة أربعة، واللسان لـابن منظور في الجزء العشرين صفحة سبع ومائتين، وفي النهاية للإمام ابن الأثير في غريب الحديث في الجزء الخامس صفحة خمس وثمانين، وفي غريب الحديث للإمام ابن الجوزي في الجزء الثاني صفحة واحدة وعشرين وأربعمائة، والخلاصة أن (نعايا) تحتمل ثلاثة أمور: إما أن تكون جمع نعي مصدر نعى الميت نعيا، أي: يا من ينعون ويصيحون، نادوا على العرب بهذا إذا وقعوا في الزنا، فهذه أعظم مصيبة يقعون فيها، ( يا نعايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الزنا والشهوة الخفية )، وإما أن تكون اسم جمع كأخايا جمع آخي، ونعايا جمع ناعي.

    والثالث: إما أن تكون النعايا جمع نعاء، اسم فعل على صيغة فعال المؤنثة، والتقدير: (يا نعايا العرب)، جئن فهذا وقتكن، اصرخن على العرب، على الإسلام، نادين عليهم بهذا الأمر، ( إن أخوف ما أخاف عليكم الزنا والشهوة الخفية ).

    الزنا بالزاي والنون، قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب: وضبط بالراء والياء: ( إن أخوف ما أخاف عليكما الريا والشهوة الخفية )، لكن الإمام الهيثمي يرى أن الضبط الوحيد لهذا الحديث الزنا، ولذلك أورده في المجمع في باب ذم الزنا.

    والشهوة الخفية: هي كل شيء من المعاصي يضمره الإنسان ويصر عليه، فإذا رأى مثلاً جارية حسناء مرت غض طرفه ثم بدأ يحدث نفسه بها ففُتن، فكم من إنسان -نسأل الله العافية-، يمر به ما حرم عليه ربنا الرحمن فيغض طرفه عنه لكن يفكر فيه بقلبه بشهوة خفية، وهذا لا يجوز، بل كما ينبغي أن تصون الجوارح الظاهرة ينبغي أيضاً أن تصون القلب من باب أولى؛ لأن الشهوة الخفية التي تعشعش في هذا القلب الخفي الداخلي أمر لا يصلح.

    حديث شداد بن أوس في بيان المراد بالشهوة الخفية

    ويراد بالشهوة الخفية كما فسر في بعض الأحاديث أن يبدأ الإنسان في طاعة من صلاة أو صيام أو غير ذلك، ثم تعرض له شهوة من شهوات الدنيا، فيعرض عن طاعته إلى حيث سارت به شهوته، وما أكثر ما يقع هذا، نعم، إذا وقع هذا باعتبار شرعي فلا حرج، كمن شرع في صيام نافلة ثم دعاه أمر شرعي إلى الفطر من إكرام ضيف أو إجابة دعوة، أما أن يفطر من أجل شهوة في نفسه، بأن اشتهى طعاماً أو شيئاً مما أباحه الله فقد فضل حظ النفس على طاعة الرب سبحانه وتعالى؛ ولذلك ثبت في المستدرك الجزء الرابع صفحة ثلاثين وثلاثمائة، من رواية شداد بن أوس ، والحديث رواه الإمام أحمد في المسند، والإمام ابن ماجه في السنن، وقد صحح الحديث الإمام الحاكم لكن تعقبه الإمام الذهبي فقال: فيه عبد الواحد بن زيد وهو متروك، وهكذا تعقبه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الأول صفحة واحدة وسبعين، فبعد أن نقل تصحيح الحاكم للحديث قال: قلت بل ضعيف، هذا الحديث ضعيف وليس بصحيح، وهكذا تعقبه الإمام العراقي في تخريج أحاديث الإحياء في الجزء الثالث صفحة ثمان وستين ومائتين، ولفظ الحديث من رواية عبادة بن نسي التابعي رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( دخلت على شداد بن أوس في مصلاه وهو يبكي، فقلت: أبا عبد الرحمن ما الذي يبكيك؟ قال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: وما هو؟ قال: بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ رأيت بوجهه أمراً ساءني -نظر إلى وجه النبي عليه الصلاة والسلام فرأى فيه الكراهية، رأى علامة الغضب، الانفعال بوجه نبينا عليه الصلاة والسلام- فقلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله ما الذي أرى في وجهك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أمراً أتخوفه على أمتي بعدي، فقال له شداد بن أوس : وما هو يا رسول الله؟ فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: الشرك والشهوة الخفية، فقلت: يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً، ولا وثناً ولا حجراً، ولكن يراءون الناس بأعمالهم، قلت: يا رسول الله الرياء شرك؟ قال: نعم، قلت: وما الشهوة الخفية؟ -هذا محل الشاهد في بيان الشهوة الخفية- في قوله: إن أخوف ما أخاف على أمتي الزنا والشهوة الخفية، قال: يصبح أحدكم صائماً، فتعرض له شهوة من شهوات الدنيا فيفطر )، أي: يصبح أحدكم في طاعة من الطاعات، ثم يطرأ عليه حظ النفس في الحياة فيلغي العبادة، ويجعل حظ النفس شهوة خفية ورعونة في النفس البشرية، فخشي علينا نبينا عليه الصلاة والسلام من هذين الأمرين: الشرك، والشهوة الخفية، الشرك هو الريا، والشهوة الخفية أن يقدم الإنسان حظ نفسه على طاعة ربه سبحانه وتعالى.

    ترجمة عبد الواحد بن زيد

    عبد الواحد بن زيد -إخوتي الكرام- توفي بعد خمسين ومائة من الهجرة، قيل عاش إلى سنة سبعين ومائة واستبعد ذلك الإمام الذهبي في السير، انظروا ترجمته في الجزء السابع صفحة ثمان وسبعين ومائة، وليست له رواية في الكتب الستة، والآفة التي فيه من حفظه لا من ديانته رضي الله عنه وأرضاه، قال عنه الإمام الذهبي في السير: هو الزاهد القدوة شيخ العباد، ثم نقل عن الإمام ابن حبان عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا الرحمن أنه رجل صالح لكن تفرغ للعبادة فكان يفحش خطؤه فيغلط، ولذلك حكم عليه أئمتنا بالترك لعدم قبول الرواية لفحش غلطه وكثرة خطئه، وانظروا ترجمته الطويلة كذلك في حلية الأولياء في الجزء السادس صفحة ثلاث وستين، وقد بقي أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء، وذكر الإمام ابن تيمية له كرامة في الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وهي موجودة ضمن مجموع الفتاوى في الجزء الحادي عشر صفحة اثنتين وثمانين ومائتين، والقصة في الحلية، وهي أنه أصيب بالفالج -وهو الشلل- رضي الله عنه وأرضاه، فسأل ربه أن يطلق أعضاءه وقت الوضوء والصلاة، فإذا أراد أن يتوضأ تعود إليه صحته وعافيته ويتوضأ وضوء كاملاً ثم يصلي، فإذا انتهى من هاتين العبادتين يعود إليه الفالج والشلل، وقد يقول قائل: إذا كان العبد الصالح عبد الواحد بن زيد عند الله بهذه المنزلة، فهلا سأل ربه أن يذهب عنه ما به بالكلية، يعني في هذين الوقتين وفي غيرهما من الأوقات، والجواب: أحب الأمرين إلى الصالحين أحبهما إلى رب العالمين، فهو قدر عليه من الله يرى أنه من المطهرات ومما يرفع له به الدرجات، وأن الصبر عليه يعني المثوبة، لكن مع ذلك يريد أن يؤدي العبادة على وجه التمام والكمال، يقول: ربي أطلق أعضائي -فقط- عند الوضوء والصلاة؛ لأتلذذ بخدمتك على وجه التمام والكمال، فلا يكون عندي نقص يجعلني لا أستطيع القيام ولا أستطيع السجود على التمام، فيبقى في الخدمة شيء من القصور والتقصير وإن كان بغير اختياري، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ) وعبد الواحد بن زيد كان في البصرة، والإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في الجزء الحادي عشر من الفتاوى في الجزء العاشر في السلوك والتصوف عندما بحث في فرقة الصوفية يقول عنه: أول من بنا داراً للصوفية في البصرة عبد الواحد بن زيد ، فكان يجتمع بهم واجتماعه في الأمر الأول لمحاكمة نفوسهم وذكر ربهم سبحانه وتعالى، ولم يحصل عندهم مراسيم البدع ومن باب أولى الزندقة التي وجدت بعد ذلك فيمن ينتسب إلى التصوف، فكانوا يجتهدون في العبادة، وضرب بهم المثل حتى في العصر الأول، فكان يقال: عبادة بصرية وفقه كوفي، أي: كما اجتهد إخوانهم من أهل الكوفة في الفقه والاستنباط والنظر وبرعوا في القياس، فهؤلاء اجتهدوا في ذكر الله وطاعته، وبرعوا في ذلك وصار جل وقتهم في ذلك، فلا يضيع ربنا أجر من أحسن عملاً سبحانه وتعالى.

    ثم بعد أن ذكر الإمام الذهبي لـعبد الواحد بن زيد -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- ذكر بعض الملاحظات مع أنه نفى عنه تهمة الاعتزال التي كانت تعج بها البصرة، قال: لكن كان يتوقف في نسبة الإضلال إلى الله، فيقول: لا يجوز أن نقول: إن الله يضل أحداً، لكن يثبت الكسب على خلاف قول المعتزلة قال: وهذه بدعة لا شك؛ لأن الله جل وعلا يضل من يشاء ويهدي من يشاء، قال ربنا جل وعلا في سورة النحل: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:93]، سبحانه وتعالى هو الهادي، لا إله غيره ولا رب سواه، وأئمتنا عندما بحثوا في أنواع الهدايات كما تقدم معنا في محاضرات التفسير، وذكرنا في آخر محاضرة أنواع الهدايات، وهي نوعان في الأصل، ولكل نوع قسمان:

    الأولى: هداية عامة كما تقدم معنا، وهي هداية كل مخلوق لما ركب فيه من استعدادات كما في قوله تعالى: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50]، سواء كان من الإنس أو الجن أو الحيوان كالنمل والنحل وغير ذلك فتتصرف حسبما ألهمها الله جل وعلا، وحسبما جعلها مستعدة له، وحسبما هداها ربنا الآمر.

    والثانية: هداية إيضاح للحق بإذن الله جل وعلا، فأنزل الكتب وأرسل الرسل ليقيم على الناس الحجة والبينة، وليهديهم إلى صراط مستقيم.

    قلت: هذان النوعان يدخلان تحت قسم واحد ألا وهو هداية الإرشاد والبيان، والقسم الثاني هداية التوفيق والامتنان، وهي الأرفع شأناً، كما أنها نوعان:

    النوع الأول: أن يلهم الله من رضي عنهم وأنعم عليهم بفعل الطاعات وترك المنكرات، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17].

    والنوع الثاني: وهي الهداية التي هي أكمل من الأولى حين يهديهم في عرصات الموقف إلى دخول الجنة: وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:6]، إذاً هو الذي يهدي سبحانه وتعالى، هدى من شاء من عباد كرماً وفضلا، وخذل من شاء علماً وعدلا، فـعبد الواحد بن زيد يقول: عن هذه أنها بدعة، وقد ذكر الإمام الذهبي هذا فقال: وبالجملة فـعبد الواحد بن زيد من كبار العباد والكمال عزيز، أي: له شأن لكن لا يسلم بشر من خطأ وتقصير.

    دفاع عن الحارث المحاسبي

    العبد الصالح الحارث المحاسبي تقدم معنا ذكره، وقد كنت استدليت بكلام له أحلى من العسل وأصفى من الذهب، وهو قوله: شرع الله لعقولنا كالشمس لأعيننا، ذكرت هذا في بعض مواعظ الجمعة وقلت هذا القول حق كما قاله أئمتنا عن هذا العبد الصالح الحارث المحاسبي ، وهو كلام الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والإمام ابن أبي العز في شرح الطحاوية، وهو كلام لآخرين كـابن الجوزي في تلبيس إبليس، فهم يكررون هذا القول المحكم: شرع الله لعقولنا كالشمس لأعيننا، فكما أن الأعين لا ترى بدون شمس، فالعقول لا تهتدي بدون وحي لكن علق بعض المشوشين على هذا الكلام فقال: الحارث المحاسبي هذا من أئمة البدع والضلالة وأنت تستدل بكلامه؟ وأنا حقيقة لا أدري ماذا يوجد في هذا الكلام من الخلل أو الزلل وهذا السؤال يتضمن أمرين: أولاً: اتهام هذا العبد الصالح بالبدعة، ولا يتهمه بذلك في هذا الوقت إلا من كان خبيثاً، انظروا ترجمته في تقريب التهذيب، صحيح أنه ليس له رواية في الكتب الستة، لكن هناك راو غيره اسمه الحارث بن أسد ، فرَّق بينهما الإمام ابن حجر في التقريب، فقال عن الحارث بن أسد المحاسبي : مقبول، والمقبول كما لا يخفى عليكم ديانته ثابتة لا خدش فيها، إنما الكلام في ضبطه ينبغي أن يتعزز وأن يتابع فقط، ثم كتبت ونزلت له رواية في الكتب الستة، ثم إنك لو نظرت في حاله فإنه كان يقول لأبيه: طلق أمي فإنها على دين وأنت على دين آخر؛ لأن أباه كان من الواقفة الذين لا يقولون: إن القرآن مخلوق ولا يقول إنه غير مخلوق، فإذا كان هذا حاله مع الواقفة فكيف سيكون حاله فيمن قال إن القرآن مخلوق؟! ولذلك أئمتنا يقولون: رد على المعتزلة وعلى أهل البدع وعلى الرافضة فألف كتباً في ذلك، نعم، سلك طريق النسك، وهذا أمر لا يوجد عليه ملاحظة.

    إخوتي من الذي يسلم من الملاحظات؟ ولو أحصى إنسان علينا ما نفعله كل يوم في حياتنا لملأ دفتراً كبيرا من التخبطات التي تجري منا في كل يوم.

    قال في التقريب الحارث المحاسبي مات سنة ثلاث وأربعين بعد المائتين، وميز بينه وبين الراوي الذي قبله، واسمه الحارث بن أسد ، فهو الزاهد المشهور صاحب التصانيف وهو مقبول، والمقبول كما قلت روايته تقبل عند المتابعة على اصطلاح الحافظ ابن حجر ، لكن ديانته لا ينال فيها، وأنا أعجب ممن يدعي بعد ذلك في هذا الوقت أنه محدث ديار كذا، هذا محدث الديار اليمنية، وهذا محدث الديار الشامية، وخذ ما شئت من المصطلحات، ولا يعلم ماذا يوجد في التقريب، يعني محدث الديار اليمنية لا يعرف ماذا يوجد في تقريب التهذيب، رحمة الله على الإمام الذهبي عندما يقول عن علم الحديث: ليبكه من كان باكياً، ما في التقريب لا تعلمه، وأنت تقول جرح وتعديل ألا تتقي الله، أليس هذا كتاب الجرح والتعديل؟!

    حقيقة أنا سمعت الكلام وقلت: سبحانك ربي صار الإنسان إذا نقل كلاماً عن الحارث المحاسبي أو عبد الله بن زيد يعمل عليه محاضرة، لذلك فصلت ما يتعلق بشيء من حالهم، حتى ما يأتي أحد ويقول: كيف تستدل بكلام عبد الواحد بن زيد وهذا أول من بنى داراً للصوفية، أي هذا الآن أشد من الحارث المحاسبي .

    إخوتي الكرام عبد الواحد بن زيد من رجال الإسناد، ويأتي معنا كما قلت في المستدرك، وروى له كما قلت الإمام أحمد .

    حديث شداد بن أوس في بيان المراد بالشهوة الخفية من طريق أخرى عند ابن ماجه

    أما رواية الإمام ابن ماجه عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا للحديث فهي من غير طريق عبد الواحد بن زيد ، وهي في السنن في الجزء الثاني صفحة ستٍ بعد الأربعمائة والألف في كتاب الزهد له باب في الرياء والسمعة، وقد أشار إليه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الأول صفحة واحدة وسبعين فقال: ورواه ابن ماجه مختصراً من رواية رواد بن الجراح ، عن عامر بن عبد الله ، عن الحسن بن ذكوان ، عن عبادة بن نسي ، عن شداد رضي الله عنهم أجمعين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أخوف ما أخاف على أمتي الإشراك بالله، أما إني لست أقول يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً، ولكن أعمالاً لغير الله وشهوة خفية ).

    قال الإمام المنذري عليه رحمة الله: عامر بن عبد الله لا يعرف، نعم، حكم عليه الحافظ في التقريب بأنه مجهول، ورمز له (ق) أي انفرد الإمام ابن ماجه بالإخراج له.

    أما رواد إخوتي الكرام! فهو رواد بن الجراح العسقلاني ، تكلم عليه الإمام المنذري في آخر كتابه الترغيب والترهيب في الجزء الرابع صفحة سبعين وخمس مائة فقال: قال عنه الدارقطني : متروك، وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الناس، وقال النسائي : ليس بقوي، وقال الإمام أحمد : لا بأس به صاحب سنة إلا أنه حدث عن سفيان -يعني سفيان الثوري عليهم جميعاً رحمة الله- بمناكير، ثم نقل عن ابن معين أيضاً أنه قال: إنه ثقة مأمون، وقال أيضاً: إنه لا يغلط، وإنما غلط في حديثه عن سفيان ، وقال أبو حاتم: محله الصدق وتغير حفظه، هذا ما ذكره الإمام المنذري في آخر الترغيب والترهيب، وأما الحافظ فقد ترجمه في التقريب فقال: صدوق اختلط بآخر فترك، وفي حديثه عن الثوري ضعف شديد، ثم رمز له (ق) أي انفرد الإمام ابن ماجه بالإخراج له.

    وانظروا -إخوتي الكرام- أيضاً الكلام على حديث سنن ابن ماجه في مصباح الزجاجة في الجزء الثالث صفحة سبع وتسعين ومائتين، والعلم عند الله جل وعلا.

    حديث أبي برزة الأسلمي في التحذير من شهوات الفروج والبطون

    إخوتي الكرام! خاف علينا نبينا عليه الصلاة والسلام أن نقع في شهوات البطون والفروج.

    ثبت في مسند الإمام احمد ومسند البزار والحديث رواه الطبراني في معاجمه الثلاثة، كما في المجمع في الجزء الأول صفحة ثمان وثمانين ومائة، ورواه أيضاً في المجمع في الجزء السابع صفحة ستٍ وثلاثمائة، وقال رجاله رجال الصحيح، والحديث من رواية أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الهوى )، ( إنما أخشى عليكم )، الشهوات في البطون وفي الفروج، ومضلات الهوى في العقول وفي القلوب، وهذان المرضان يجمعان سائر الآفات والآثام، شبهات وشهوات، مضلات الهوى شبهات، شهوات البطون والفروج شهوات، وكيف لا يخشى علينا نبينا صلى الله عليه وسلم من شهوة الفرج والوقوع في الزنا، وإذا وقع الإنسان فيها نزع منه الإيمان -نسأل الله العافية والسلامة من سخطه وغضبه- كما ثبت الحديث بذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    حديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)

    ثبت في المسند والصحيحين والسنن الأربعة من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، والحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى وعبد الرزاق في مصنفه، كما رواه أبو نعيم في الحلية، والخطيب في تاريخ بغداد، أنه قال صلى الله عليه وسلم: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن )، وفي رواية: ( ولا ينتهب نهبة ذات شرف يمد إليها الناس أعناقهم فيما ينتهبها وهو مؤمن )، أما لفظ: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )، فهو في الستة وهو في أعلى درجات الصحة.

    حديث ابن عباس في انتزاع نور الإيمان من قلب الزاني

    وهذا الحديث -إخوتي الكرام- مستفيض عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه، روي أيضاً من رواية سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في المسند وصحيح البخاري وسنن النسائي ومصنف عبد الرزاق، ورواه الإمام البزار أيضا والإمام الطبراني في معجمه الكبير والخطيب في تاريخ بغداد بلفظ: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ).

    وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً عليه من قوله: ينزع منه نور الإيمان في الزنا، وقد علقه الإمام البخاري عن سيدنا عبد الله بن عباس ، ووصله الإمام ابن أبي شيبة في كتابه الإيمان بلفظ: كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يدعو غلمانه غلاماً غلاماً، أولاده وأرقاءه، فيقول لكل واحد منهم عندما يدعوه فرداً فردا: ألا أزيدك؟ فما من عبد يزني إلا نزع منه نور الإيمان فإن شاء أن يرده الله إليه رده.

    إخوتي الكرام هذا الأثر الموقوف على سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال عنه الحافظ في الفتح: له شاهد من حديث أبي هريرة، وحديث أبي هريرة رواه الإمام أبو داود في السنن، والحاكم في المستدرك بسند صحيح على شرط الشيخين وأقره عليه الذهبي، ورواه البيهقي في شعب الإيمان، ورواه الترمذي في سننه معلقاً عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظ الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه ).

    وانظروا كلام الحافظ -إخوتي الكرام- في الفتح في الجزء الثاني عشر صفحة تسع وخمسين، والحديث كذلك صححه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الثالث صفحة ثلاث وسبعين ومائتين.

    قال الإمام الترمذي في السنن بعد أن روى هذا الحديث: قال الإمام الباقر -ونعم ما قال رضي الله عنه وعن آل البيت الطيبين الطاهرين أجمعين- في هذا الحديث: ( خرج منه الإيمان ): خرج من الإيمان إلى الإسلام، لئلا يفتح باباً للخوارج والمعتزلة ولأهل الضلال والبدع، يعني تمام الدين خرج منه، وبقي معه أصل الدين وهو الإسلام دين رب العالمين سبحانه وتعالى.

    حديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...) من طرق أخرى والآثار المتعلقة به

    سيأتينا -إخوتي الكرام- بعد سرد رواة الحديث أن هذا الحديث وأمثاله من أخبار الوعيد لها توجيهات محكمة عند أئمتنا أهل الرشد السديد إن شاء الله.

    إذاً تقدم معنا ثلاث روايات بمعنى أن من زنى نزع منه الإيمان.

    فكان عليه كالظلة: الأولى والثانية من رواية أبي هريرة، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، والثالثة أيضاً من رواية أبي هريرة ، فله في هذا المعنى روايتان.

    روي الحديث أيضا من رواية عبد الله بن أبي أوفى في مسند الإمام أحمد ، ومعجم الطبراني الكبير، ومصنف عبد الرزاق ، ومسند عبد بن حميد، والحديث رواه أبو داود الطيالسي والحكيم الترمذي والبيهقي في شعب الإيمان، فصارت معنا رواية ثالثة على أن رواية أبي هريرة الثالثة التي ذكرناها تدخل في الأولى، باعتباره حديث صحابي واحد بروايات مختلفة.

    الرواية الرابعة: عن أمنا الصديقة المباركة سيدتنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، روى الحديث عنها الخطيب في تاريخ بغداد، والطبراني في معجمه الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والحكيم الترمذي ، وهذه الثلاثة الروايات رواية ابن عباس وعبد الله بن أبي أوفى ورواية أمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين، أشار إليها الإمام الترمذي عقيب رواية أبي هريرة الأولى، كما قلنا في الكتب الستة، قال: وفي الباب عن ابن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وعائشة رضي الله عنهم أجمعين، وبهذا إذا وصلنا إلى حديث عائشة يعتبر انتهينا من تخريج هذه الروايات، إذاً صار معنا أربع روايات.

    والخامسة: من رواية أبي سعيد الخدري في مسند البزار ، والأحاديث الجياد المختارة للإمام الضياء المقدسي .

    السادسة: من رواية سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين في مسند البزار، ورواه الخطيب في تاريخ بغداد، والطبراني في معجمه الكبير.

    والرواية السابعة: من رواية سيدنا عبد الله بن مغفل رضي الله عنهم أجمعين في معجم الطبراني الكبير.

    والرواية الثامنة: من رواية سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه في معجم الطبراني الأوسط وتاريخ بغداد.

    والرواية التاسعة: معضلة من رواية الفضيل بن عياض، في حلية الأولياء في الجزء الثاني صفحة مائة وسبعة عشرة، وفي هذا الرواية زيادة: ( ثم التوبة معروضة بعد ) أي، ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ثم التوبة معروضة بعد )، أي: إذا تاب عاد إليه الإيمان.

    والرواية العاشرة: وهي آخرها مرسلة من رواية محمد بن شهاب الزهري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، في الحلية أيضاً في الجزء الثالث صفحة تسع وستين وثلاثمائة.

    إخوتي الكرام! عندنا أثران في هذه الروايات منقولان مع هذه الرواية فانتبهوا لها:

    الأثر الأول عن سيدنا علي رضي الله عنه في تاريخ بغداد في الجزء الخامس صفحة ثمان وثمانين ومائة، وتقدم معنا أنه من رواة حديث: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين فهو كافر إذاً؟ فقال: لا، ولم يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحدثكم بالرخص، أي: ليس بكافر وهذا الحديث له تأويل وله معنى لكن ما أمرنا أن نحدثكم بالرخص؛ لأن مقصود الحديث أن يخاف القلب كي يبتعد الإنسان عن معصية الرب، أما أن نقول معنى الحديث كذا يخف الوعيد على القلب ما أمرنا أن نحدثكم بالرفض بالخرص، إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن إذا قال: هو لي حلال )، هذا أحد التأويلات الخمس وستأتينا، ومعنى: ( إذا قال هو لي حلال )، أي: إذا استحل معصية ذي العزة والجلال فقد كفر.

    ومن بمعلوم ضرورة جحد من ديننا يقتل كفراً ليس حد

    ومثل هذا من نفى لمجمع أو استباح كالزنا فلتسمع

    فمن استباح محظوراً محرما كفر، كما أن من أنكر مفروضا فقد كفر.

    وفي الحلية عند رواية محمد بن شهاب الزهري في الجزء الثالث صفحة تسع وستين وثلاثمائة، قال الأوزاعي فسألت الزهري عن هذا الحديث الذي رواه: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )، فقلت: ما هذا؟ فقال الزهري: (من الله العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، أمروا أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام كما جاءت)، وهذا مسلك لجمع غفير من أئمتنا، كانوا يكرهون تأويل أخبار الوعد والوعيد، أخبار الوعد يتركها لتفعل في النفوس أثرها حتى يطير الإنسان شوقاً إلى ربه وتعلقاً به وفرحاً بعظيم رحمته، وأخبار الوعيد النعيم يتركها لتخلع القلوب ولتحول بين الناس وبين معصية علام الغيوب.

    مسلك العلماء في أحاديث الوعيد

    نعم -إخوتي الكرام- هذا هو المسلك السديد الرشيد عند من يخاطب العامة، لكن إذا أردنا أن نبحث بحثاً علمياً في ضوء النصوص الشرعية لنبين ما المراد بهذا المتن، فهذا لا حرج فيه، أي: في الوعظ والترغيب والترهيب تذكر الحديث ولا داعي أن تقول: هذا إذا استحل، أو أنه يدل على أن الإيمان ناقص، أو أنه يريد نفي الإيمان عنه في النهاية أو غيرها مما ذكر أئمتنا من تأويلات معتبرة.

    إخوتي الكرام: أخبار الوعيد التي تصرح بنفي الإيمان أو بالوقوع في الكفران عند حصول المعصية للرحمن، قال أئمتنا في تأويلها أنها محمولة على عدة أمور.

    أولها: ما ثبت عن سيدنا علي رضي الله عنه أنها في المستحل.

    الأمر الثاني: إذا لم يستحل بقي كفر دون كفر، أي: كفر النعمة لا كفر المنعم؛ لأنه ما أدى النعم حقها، فهو موحد لله وما جحد الله ولا واستهان بحقه واستخف بشرعه سبحانه وتعالى.

    الأمر الثالث: أن هذا يؤدي به إلى الكفر في النهاية، فالمعاصي بريد الكفر وبريد الشرك كما قال أئمتنا، فهو قد يعصي في هذا الوقت وقلبه وجل، ثم بعد فترة يعصي الله عز وجل ولا يبالي، فيصل إلى الاستسلام، ولذلك من البداية نقول له: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )؛ لأن كثيراً من الناس هذا حاله، يعني في أول الأمر يعصي الله وهو خائف، ثم يعصي وهو مستخف؛ لأن المرأة -مثلاً- عندما تسفر في أول الأمر لا تقدر أن تمشي في الشارع من حيائها من ربها ومن الناس، ثم بعد ذلك إذا كلمتها بالتزام وقلت لها: يا أمة الله استحي ولا تسفري، لا تخرجي إلى الشارع تقول: إن الإسلام عندما أمر المرأة بالحجاب ظلمها، فانظر لحالها في أول الأمر ولحالها في آخر الأمر:

    الأمر الرابع: أنه شابه الكفار في تلك الخصلة لا في جميع الخصال فمثلاً قوله صلى الله عليه وسلم: ( إنك امرؤ فيك جاهلية )، أي: في هذه الخصلة، أما أنك جاهلي فلا, ثم لا.

    الأمر الخامس: أنه من التغليظ والزجر بما يقمع القلب، ولا يراد منه الحقيقة، لأن أشنع ما يخاف منه الإنسان أن تنفي عنه الإيمان، وأن تخبر بوقوعه في الكفران.

    إخوتي الكرام! في المبحث الماضي كنت ذكرت كلام الإمام ابن حبان وما قدَّر الله أن أذكره، وتقدم معنا: من دخل على أمراء الجور في آخر الزمان فليس من النبي عليه الصلاة والسلام، وليس النبي منه ولن يرد عليه الحوض، وكل لحم نبت من سحت لا يأذن الله له بدخول الجنة كما تقدم معنا.

    يقول الإمام ابن حبان ؛ لأن ذاك المعنى يشبه هذا المعنى، كما في الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان في الجزء الثالث صفحة اثنتي عشرة ومائة، ليس مني ولست منه، تقول: أي ليس مثلي ولست مثله في ذلك الفعل والعمل، أي: خرج عن هديي في ذلك العمل، قال: وهذه لفظة مستعملة لأهل الفتن، يقول: أنت لست مني وأنا لست منك في هذا الجانب المعين لا مطلقاً، وأنك لست من أتباعي، قال: وقوله عليه الصلاة والسلام: ( لا يدخل الجنة )، ( أبى الله أن يدخل الجنة لحماً نبت من سحت النار أولى به )، كما تقدم معنا، قوله: لا يدخل الجنة، يعني -من نبت لحمه من حرام- يريد به جنة دون جنة؛ لأنها جنان كثيرة، هذا تأويل الإمام ابن حبان عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    التحذير من فشو أولاد الزنا

    وحديث: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) مستفيض بل لعله يصل إلى درجة التواتر، فكيف لا يخاف نبينا عليه الصلاة والسلام من هذه المعصية المهلكة، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم، أن هذه الأمة لا تزال في خير وعلى خير ما لم يفش فيهم ولد الزنا، نسأل الله العافية، يعني: إذا انتشر أولاد الزنا رفع الخير من هذه الأمة وبدأت تتخبط في الظلمات والضلالات.

    روى الإمام أحمد في المسند وهو في الجزء السادس من مسنده صفحة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، والحديث رواه الإمام أبو يعلى والطبراني في معجمه الكبير، وقال الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء السادس صفحة سبع وخمسين ومائتين، وفي إسناد الحديث عبد الرحمن بن أبي لبيبة ، وأبو لبيبة اسمه عطاء، فهو عبد الرحمن بن عطاء ، وقد وثقه ابن حبان، وضعفه ابن معين، وحديثه لا ينزل -إن شاء الله- عن درجة الحسن، قال عنه الحافظ في التقريب صدوق فيه لين ( د- ت) إلا أنه من رجال سنن أبي داود ، وسنن الإمام الترمذي .

    وقد صرح الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الثالث صفحة سبع وسبعين ومائتين بتحسين إسناده فقال: إسناده حسن، نعم في الإسناد محمد بن إسحاق بن يسار تقدم معنا ذكره في الموعظة الماضية مع المواعظ المتقدمة، وقلنا روى له البخاري تعليقاً ومسلم وأهل السنن الأربعة، نعم روايته في صحيح مسلم مقرونة.

    وفي الإسناد محمد بن إسحاق وهو مدلس، لكنه صرح بالسماع كما قال الإمام الهيثمي في المجمع، قال: فالحديث صحيح أو حسن، ولا ينزل عن درجة الحسن، وبذلك حكم عليه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب.

    ولفظ الحديث من رواية أمنا المباركة سيدتنا ميمونة رضي الله عنها وأرضاها، والحافظ في الفتح حسن الحديث في الجزء العاشر صفحة ثلاث وتسعين ومائة، ونسبه إلى الإمام أحمد لكن عن أمنا السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها، والحديث لم يرو عنها إنما روي عن أمنا ميمونة ، فهل هذا خطأ في طباعة الفتح، أو وهم من الحافظ؟ العلم عند الله، ولفظ الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا، فإذا فشا ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله بعذاب )، وفي رواية: ( لا تزال أمتي بخير متماسك أمرها ما لم يفش فيهم ولد الزنا )، نعم إذا فشا فيهم ولد الزنا هذه مهلكة قاصمة.

    إخوتي الكرام! الزنا معروف لكل أحد، فهو أن تلد المرأة من غير زوج، لكن الزنا الذي انتشر في هذه الأيام أكثر من هذا الزنا، ومنه أن يعاشر الإنسان زوجته عن طريق الزنا وهو وفي الظاهر زواج، وهذا كثير في بيوت المسلمين لكن لا أريد أن أحدد النسبة بالمائة خمسين أو أكثر أو أقل دعوها هذه يعلمها رب العالمين، فبعضهم يطلق زوجته ليس ثلاثاً ولا ثلاثمائة ولا ثلاثة آلاف طلقة، بل طلقات لا يعلمها إلا رب الأرض والسماوات، وآخرها من قريب فقد جاءني بعض الإخوة، وقال: إنه طلق وراجع، ثم طلق وراجع، ثم طلق وراجع، ثم طلق وراجع ليس أربعاً بل أكثر من عشر وفي كل مرة تجلس المرأة بعد الطلاق، قلت: لم تعد حلالاً لك من فترة، قال: سألنا بعض الشيوخ فقالوا: أم الأولاد لا تطلق، قلت: إذاً: لماذا تأتون إليّ؟ قال: فقط لكونك أنت شيخ مطوع انظر لنا مجرى. إخوتي الكرام! هذا لا خلاف فيه في شريعة ربنا أنه زنا، طلقها أكثر من عشر هذا من يقر به. جاء مرة بعض الناس ممن له شأن يريد أن يقول أخوه طلق، قال: أخوه يستحي، طلق طلق طلق طلق طلاق ما ينتهي، قلت: يا عبد الله أريد أن أتحقق، كيف وقع الأمر، يعني هل هذا صحيح؟ قال: أكلم زوجة أخي تكتب لك، قلت: تكتب. كتبت حقيقة ما يقارب من خمس صفحات حالته كذا وكذا وكذا، وتكتب الوقائع بالتواريخ في شهر كذا من سنة كذا طلق ثم راجع، طلق ثم راجع، طلق ثم راجع، قلت: هذه زادت عن العشر في الورقة، كم مرة كانت قبلها ولم تكتب؟ قال: ما ندري سابقاً كان يراجعها، لكن الآن وقع طلاق آخر، قلت: الآن ما يوجد أحد يشك في وقوع هذا الطلاق.

    هذه مسألة -إخوتي الكرام- حقيقة ما أكثرها!! فهذا الآن زنا نسأل الله الحفظ، ويخرج من البيوت الذي ظاهراها -كما يقال- الزواج أولاد زنا.

    أنا كنت مرة أتحدث في هذا الموضوع فجاءني بعض الناس ممن له شأن يقول: إن عليه طلاقين سابقين، ولم يكن جمعهم حتى يقال: إن هناك مجالاً للتلفيق، بل طلاق ومراجعة بمحكمة، ثم طلاق ومراجعة بمحكمة، ثم طلاق ثالث، قلت: انتهت، قال: يعني ما له مخرج؟ قلت: ما له مخرج، انتهت هذه، قال: يا شيخ هل أدفع كفارة: أصوم أو أطعم؟ قلت: يا أخي هذه ما لها كفارة أنت المسئول عنها، قال: هي تريدني، ولا تريد أن تفارقني، وأنا حقيقة باقي معها ولا أستطيع مفارقتها، فهذا الآن زنا لا خلاف فيه إخوتي الكرام، يعني هذا ليس من الإسلام نسأل الله العافية، فهو كما لو أتى بعشيقة -كما هو الحال في البلاد الغربية والأوروبية- وأنجب منها ذرية وليس بينهما عقد، والآن بينهما عقد لكن هذا العقد قد ألغي وبقيت عنده، فهذا هو الزنا المكتوب، وأما الزنا والمستور الذي من غير زواج فما أكثره! نسأل الله اللطف، فقد قالوا أن الدور التي فيها رعاية الأيتام، في بعض الأماكن لا يمر عليها شهر إلا ويلتقط واحد أو أكثر من الشوارع من أولاد الزنا -نسأل الله العافية- ويحضر إليها.

    عقوبة ظهور الزنا وفشوه في المجتمع

    إخوتي الكرام! تقدم معنا أنه إذا انتشر الزنا والربا في قوم فقد استحلوا لعنة الله وعقاب الله، تقدم معنا كما في الحديث الذي ثبت في مسند الإمام أحمد ، ومسند أبي يعلى ، ورواه الطبري في تفسيره، وإسناده جيد كما نص على ذلك المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الثالث صفحة ثمان وسبعين ومائتين، وانظروا الحديث في المجمع في رواية المسند، ومسند أبي يعلى في الجزء الرابع صفحة ثمان عشرة ومائة، ولفظ الحديث من رواية سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أنه قال: ( إذا ظهر الربا والزنا في قوم فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله )، والحديث تقدم معنا أنه روي أيضاً من رواية سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين في المستدرك في الجزء الثاني صفحة سبع وثلاثين وقال: صحيح، وأقره الذهبي، ورواه الطبراني أيضا في معجمه الكبير والبيهقي في شعب الإيمان: ( ما ظهر الزنا والربا في قوم إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله ).

    الزنا له شأن فضيع ينبغي أن نصون فروجنا عنه، فمن أهمل فرجه، ووقع في هذا المحظور سيتخبطه الشيطان بلا شك، ومن أهمل فرجه وما اتقى ربه في معاشرة أهله وعاشرها عن طريق الحرام سيتخبطه الشيطان، ويتخبط أولاده بلا شك، وبعد ذلك يصبح قلبه مسكناً للشيطان ولا يجد فيه نوراً.

    فعليك بملاحظة قلبك -يا عبد الله- فإنك فتحت أبواباً -لا يعلم تحديدها إلا الله- للشياطين يدخلون منها إلى قلبك ثم تقول بعد ذلك أصابني الجنون ومسني الشيطان.

    وقد ورد في صحيح ابن حبان حديث حقيقة يبين شناعة الزنا، وكم يمحوا من آثار صالحة؛ لأن الحسنات تتقابل فإذا عظمت الحسنات أبعدت السيئات، وإذا عظمت السيئات أطفأت نور الحسنات.

    حديث أبي ذر في ذكر العابد الذي زنى بعد عبادة ستين سنة فذهب الزنا بحسناته

    الحديث في صحيح ابن حبان، وانظروه في الموارد الصفحة العاشرة بعد المائتين، وهو في الإحسان في الجزء الأول صفحة ثمان وتسعين ومائتين، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الثاني صفحة أربع وعشرين وأعاده في الصفحة خمس وستين وأعاده في الجزء الثالث صفحة أربع وسبعين ومائتين، ولفظ الحديث من رواية سيدنا أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه، عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه قال: ( تعبد عابد من بني إسرائيل في صومعته ستين سنة، فلما نزل المطر ونبت العشب قال: أخرج إلى العشب أذكر الله فهو أنشط لنفسي، فلما خرج إلى العشب مرت به بغي، فراودته فما تمكن من الصبر فوقع عليها، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: فوضعت عبادة ستين سنة في كفة وجريمة الزنا في كفة، فرجحت جريمة الزنا بعبادة ستين سنة، قال: ثم نزل إلى البركة ليغتسل، وكان معه رغيفان من الخبز، فجاء سائل وهو يغتسل، فسأله فأعطاه إياهما وأشار إليه بهما قال خذهما، قال: رجح هذان الرغيفان كفة الحسنات فغفر الله له )، الحديث في صحيح ابن حبان، والإمام السيوطي في جمع الجوامع في الجزء الأول صفحة ثلاث وسبعين وأربعمائة أورده ونسبه إلى صحيح ابن حبان أيضاً وقال: رواه الإمام أحمد في الزهد عن مغيث بن موسى -ابن موسى غلط- إخوتي الكرام -والصحيح ابن سمي فالضبط هنا موسى غلط فراجعوه- عن مغيث بن سمي مقطوعاً.

    ثم نقل عن الحافظ ابن حجر أنه قال هذا أشبه، يعني أن الحديث من رواية مغيث بن سمي مقطوعا، وليس هو من رواية أبي ذر عن نبينا عليه الصلاة والسلام متصلاً مرفوعا ومغيث بن سمي تابعي أخذ عن كعب الأحبار وغيره كما في جمع الجوامع، ومغيث ثقة، وهو من رجال سنن ابن ماجه (ق)، ومترجم في التاريخ الكبير للإمام البخاري في الجزء الثامن صفحة أربع وعشرين، وقد سمع من ابن عمر كما سمع من كعب الأحبار، وقال: أدركت ألفاً من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، مغيث بن سمي لو تتحققون من ترجمته في التقريب هل هو مغيث بن سمي أو ابن موسى أخشى أن يكون هناك شيء من الوهم.

    إخوتي الكرام! وفي اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى للحافظ ابن رجب، تقدم معنا ذكره صفحة اثنتين وخمسين، فقد نسب أثراً إلى سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم أجمعين، وما رأيته مخرجاً في كتب السنة فارجعوا إليه إن أحد عثر عليه فليخبرني، يقول: قال أبو موسى رضي الله عنه وأرضاه لبنيه رضي الله عنهم أجمعين: اذكروا صاحب الرغيف، اذكروا صاحب الرغيف، قالوا: ومن صاحب الرغيف يا أبا موسى ؟ قال: رجل عبد الله سبعين سنة، فراودته بغي فبقي معها سبعة أيام فلم تف عبادته بجريمة الزنا في هذه الأيام السبعة، يقول: ثم خرج يغتسل فمر عليه إنسان فتصدق عليه، -المتصدق واحد آخر- فأعطى لهذا العابد رغيفاً أو رغيفين وهو يغتسل، قال: فرأى كلباً جائعاً فنبذ إليه هذا الرغيف أو هذين الرغيفين، فشكر الله له عندما أطعم الكلب فغفر له.

    نعم -إخوتي الكرام- هذه الأخبار -أن إنساناً سقى كلباً فغفر له، أو أطعم كلباً فغفر له، أو أن إنساناً عبد الله ستين، أو سبعين سنة ثم زنى زنية -نسأل الله العافية- فما وفت عبادته بتلك الزنية التي وقع فيها- ينبغي أن نعيها، وما ينبغي أن يعجب أحد بعمله فما يعلم بأي ذنب سيدخل النار، وما ينبغي للإنسان أن يقنط من رحمة ربه فما يدري بأي طاعة سيقبله العزيز الغفار سبحانه وتعالى، المسألة ما بين الخوف والرجاء، ورحمة الله واسعة.

    حديث الرجل الذي سقى كلباً فغفر له

    ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين، والحديث في موطأ الإمام مالك وسنن أبي داود وصحيح ابن حبان ، ورواه البخاري في الأدب المفرد، وهو صحيح في أعلى درجات الصحة فهو في الصحيحين من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه قال: ( بينما رجل يمشي في فلاة قد اشتد به العطش، فوجد بئراً فنزل فشرب منها، فلما خرج رأى كلباً يلهث من شدة العطش -يلحس الثرى من شدة العطش- قال: لقد بلغ بهذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ بي، فنزل إلى البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ورقى، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له )، سقى كلباً، وفي بعض روايات الحديث في الصحيح أنه كانت بغي من بغايا بني إسرائيل رأت كلباً في يوم حار يطوف ببئر قد كاد يقتله العطش، فنزلت إلى البئر ونزعت موقها ثم ملأته ماءً ومسكته بفيها ثم سقت هذا الكلب فشكر الله لها فغفر لها.

    إخوتي الكرام! الشكر هنا مضاف إلى ذي الجلال والإكرام، كنت سابقاً ذكرت الحديث في بعض المواعظ السابقة في مسجد من المساجد، وكأن بعض الإخوة الحاضرين قال لي: يعني ينبغي أن يكون لفظ الجلالة منصوبا، قلت: لمَ؟ قال: فشكر الله: يعني الكلب شكر الله ودعا لمن سقاه فغفر اللهُ لساقي الكلب بواسطة شكر وثناء ودعاء هذا الكلب، قلت: حقيقة هناك مجال للاحتمال، لكن الذي أحفظه: فشكر اللهُ، الله هو الذي شكر سعي هذا الإنسان، ومع ذلك قلت له مرد الأمر إلى الرواية، ويحتاج إلى تحقق منها فأخشى أن يكون بعضكم الآن يستذكر، فبعد التحقق من ضبطها، وجدنا أن الذي شكر هو ربنا سبحانه وتعالى، فهو الشكور الذي يشكر عباده على ما يصدر منهم من طاعات كرماً منه سبحانه وتعالى وإحساناً إليهم.

    حديث المرأة التي دخلت النار بحبسها هرة

    فإذاً شكر الله لبغي سقت كلباً وغفر لها، وامرأة قانتة حبست هرة حتى ماتت فدخلت بسببها النار، معصية صغيرة لا تبالي بها أهلكتها.

    ثبت الحديث بذلك في المسند وصحيح مسلم وسنن ابن ماجه من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، والحديث في الصحيحين والأدب المفرد من رواية سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي سقتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض )، أي: من حشراتها وهوامها التي تسير عليها، لا أطعمتها ولا سقتها ولا خلت سبيلها، قال الإمام الزهري كما في رواية ابن ماجه : لئلا يتكل رجل ولئلا ييأس رجل.