إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [46]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [46]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأذكار الشرعية والمحافظة عليها من أعظم الأسباب التي تحفظ الإنسان مما قد يضره ولا سيما خطراته، ومن الأسباب الشرعية أيضاً: مراقبة الله عز وجل في سن الشباب فإنها تحفظ العبد عند شيبته، وهناك أمثلة كثيرة ضربها سلفنا، ومن صور حفظ الخطرات: حفظ السمع والبصر لما لهما من علاقة ومنزلة، وقد اختلف العلماء في تفضيل أحدهما على الآخر بعد اتفاقهم على تفضيل القلب وأنه أشرفها، وقد ذهب بعض العلماء كشيخ الإسلام وتلميذه إلى التوفيق بين القولين.

    1.   

    أهمية حفظ الخطوات

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصالحين المصلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فكنا نتدارس الطرق الحسان التي يحصن بها أهل الإيمان أنفسهم من عتاة الجان، وهذه الطرق التي يحصنون بها أنفسهم تنقسم إلى طريقين اثنين:

    الأول: طريق ينبغي أن يحصنوا أنفسهم منه، وألا يدخل الشيطان إليهم منه.

    والثاني: طريق ينبغي أن يفعلوه، وأن يقوموا به، فالأول: من باب التخلية، والثاني: من باب التحلية.

    أما الأول: فتقدم معنا ويدور على سبعة أمور:

    أولها: حفظ الخطرات، وثانيها: حفظ اللحظات، وثالثها: حفظ اللفظات، ورابعها: حفظ الخطوات، وخامسها: حفظ السمع الذي هو آلة لسماع الأصوات، وسادسها: أن يحفظ بطنه, وسابعها: أن يحفظ فرجه, فهذه هي الأمور السبعة.

    وأما الثاني: فيدور على أمور ثمانية ينبغي أن يقوم بها، وأن يتحلى بها، وأن يفعلها:

    الأول: أن يكثر الاستعاذة بالله من الشيطان.

    والثاني: أن يكثر من قراءة القرآن.

    والثالث: أن يكثر من ذكر الله على الدوام.

    والرابع: أن يكثر من الصلاة والسلام على نبينا خير الأنام, عليه صلوات الله وسلامه.

    والأمر الخامس: أن يحافظ على الطهارة.

    والسادس: أن يلازم الجماعة.

    والسابع: أن يبذل ما في وسعه في تحصيل العلم, فهو أربح تجارة.

    والثامن: أن يكثر من الصوم ما استطاع, فهو حصن حصين له من الشبهات والشهوات.

    مر الكلام على الأمر الأول والثاني والثالث من الأمور السبعة الأولى، وشرعنا في الأمر الرابع ألا وهو حفظ الخطوات.

    وقررت ما يتعلق بالخطوات: وأن الإنسان إذا استعمل هذه الخطوات فيما أمر الله به فهنيئاً له, ترفع له الدرجات, وتكفر عنه الخطيئات، وإذا استعملها في غير ذلك فشقاءً له.

    وأن كل من يخطو خطوة إما أن يخطو لله وبالله وفي الله، وإما أن يخطو لحظ نفسه وللشيطان.

    وقد أشار إلى هذا المعنى ربنا الرحمن في سورة الإسراء؛ فقال جل وعلا: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء:61-65] .

    وتقدم معنا شرح هذه الآيات؛ فقوله سبحانه: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء:64] أي: وناد وادع مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء:64], فكل داع إلى معصية الله فهو بوق الشيطان، ويدخل في هذا الغناء الذي هو أعظم ما يحرك النفوس إلى المنكرات والرذيلات.

    وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [الإسراء:64]، فقوله: (أجلب عليهم) من الجلب وهو الصياح، أي: استخدمهم.

    (ورجِلك): وهو: بكسر الجيم هذه قراءة حفص وبقية القراء قرأوها بإسكان الجيم (ورجْلك)، وقلت: الرجل جمع راجل، كصحب صاحب، وتجر تاجر، وركب راكب ونظائر هذا.

    فقراءة الجمهور، وقراءة حفص : ورِجِلك بكسر الجيم هي لغة في الرجل، يعني: جمع راجل رجل، لغة فيها ورجلك بالسكون ورجلك بالكسر؛ وعليه فالقراءتان بمعنى واحد، كما يقال: قصر بالسكون وقصِر بالكسر، وهنا رجْل بالسكون ورجِل بالكسر.

    وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [الإسراء:64] ، بخيلك كل راكب في معصية الله، ورجِلك بالكسر ورجْلك بالسكون كل ماشٍ في معصية الله.

    وعليه فالإنسان عندما يخطو خطوة إما أن يخطو في طاعة وإلى طاعة، وإما أن يخطو في معصية وإلى معصية، ولذلك أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام وأتباعه من أهل الإيمان أن يسألوا ربهم أن يدخلهم مدخل صدق، وأن يخرجهم مخرج صدق.

    والدخول إلى الصدق والخروج من أجل الصدق هو المدخل والمخرج إن لم يكونوا لله وبالله وفي الله؛ كما قال الله جل وعلا: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء:80] .

    أمر الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام، وهذه الأمة أن يسألوا ربهم أن يجعل لهم لسان صدق، فقص الله جل وعلا علينا خبر خليله الكريم نبي الله إبراهيم أنه سأل ربه ذلك وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ [الشعراء:84]، وهو الثناء الذي يكون بحق خالص، بصدق لله جل وعلا.

    وهكذا أخبرنا الله جل وعلا أن المؤمنين الذين يدخلون لله ويخرجون لله يقدمون على قدم صدق عند الله: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس:2] ، وهو ما يقدمون عليه من الكرامة التي ينالونها عند الله جل وعلا والمنزلة؛ لأنهم قدموا عملاً صالحاً وخطوات مباركة في هذه الحياة.

    ولذلك أخبرنا الله أنهم يستقرون ويمكثون في مقعد صدق: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55] ، وآثر هنا لفظ المقعد على لفظ المجلس فلم يقل: في مجلس صدق بدلاً عن (مقعد صدق)؛ لأن المقعد قعود مع تمكن ولبث واطمئنان واستقرار، وأما المجلس فليس كذلك، فهو قعود ليقوم.

    وهذه الأمور الخمسة لا يصل الإنسان إلى الأخير منها إلا بعد أن يتصف بالأول، فيكون قد دخل مدخل صدق، وخرج مخرج صدق، وسأل ربه أن يجعل له لسان صدق فحصل له، فلما كان عمله لله خلد الله ذكره في هذه الحياة، فيقدم بعد ذلك على مكان صدق، وجزاء صدق وخير عند الله جل وعلا، فهناك يمكث بعد ذلك في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

    إن هذه الخطوات لا بد من أن نصونها عن الآفات، فكل ماش إما أن يمشي في طاعة الله، وإما أن يمشي في طاعة الشيطان.

    1.   

    المحافظة على الأذكار من أسباب حفظ الله للعبد

    ولقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن الإنسان إذا خرج من بيته واستعان بربه وتوكل عليه والتجأ إليه فر الشيطان منه؛ لأنه صار خروجه في الله، فما خرج لحظ نفسه، ولا لطاعة الشيطان، ولا لمعصية للرحمن، إنما عندما خرج استعان بالله على خروجه، فاستمع لتقرير هذا من كلام نبينا عليه الصلاة والسلام:

    ثبت في سنن الترمذي وأبي داود والسنن الكبرى للنسائي ، وصحيح ابن حبان ، ورواه أبو يعلى ، وابن السني ، والضياء المقدسي في المختارة كما في جمع الجوامع للإمام السيوطي في الجزء الأول، صفحة خمس وخمسين، والحديث إسناده صحيح ثابت، من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا خرج الرجل من بيته فقال: باسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله يقال له: حسبك).

    إذاً: بهذا تكون قد أتيت بأعظم ما يؤتى به، وصرت في حصن حصين وجنة قوية، وحسبك أنك صرت في خير: (هديت وكفيت ووقيت)، هديت إلى الصواب والرشد، وكفيت كل آفة، ووقيت من كل مكروه.

    (حسبك، هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان، فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟).

    إذاً: هنا خرج مخرج صدق.

    وروى ابن ماجه في سننه في الجزء الثاني، صفحة تسع وسبعين بعد المائتين والألف من سننه، ورواه الطبراني في كتابه الدعاء كما نص على ذلك البوصيري في كتابه مصباح الزجاجة في زوائد سنن ابن ماجه في الجزء الثالث، صفحة إحدى عشرة ومائتين، ولفظ الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا خرج الرجل من باب بيته)، وفي رواية: (إذا خرج الرجل من داره كان معه ملكان موكلان به، فإذا قال: باسم الله قالا له: هديت) .

    هناك يقال: حسبك، من القائل؟ الملكان الموكلان.

    ثم قال: (وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قالا له: وقيت، فإذا قال: توكلت على الله قالا له: كفيت)، هديت ووقيت وكفيت، (فيلقاه قريناه -أي: من الجن- فيقولان: ماذا تريدان من رجل هدي وكفي ووقي؟).

    وإسناد حديث أبي هريرة رضي الله عنه فيه ضعف. ففي إسناده هارون التيمي المدني . قال الإمام البوصيري : ضعيف؛ وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: ولم يخرج له من أهل الكتب الستة إلا الإمام ابن ماجه ورمز له في التقريب بـ(ق)، لكن قال الإمام البوصيري : له شاهد من حديث أنس ، وتقدم معنا.

    1.   

    صور من حفظ الله لعباده في الكبر

    إخوتي الكرام! حقيقةً الجزاء من جنس العمل، فمن كانت خطواته لله عز وجل حفظه الله سبحانه وتعالى، ولا يجعل للشيطان عليه سبيلاً، ومن حفظ أعضاءه في حال شبيبته حفظها الله له في حال شيبته.

    حفظ الله للقاضي أبي شجاع الشافعي

    يذكر أئمتنا في ترجمة القاضي أبي شجاع من أئمة الشافعية صاحب المتن المشهور المسمى باسمه متن أبي شجاع في الفقه الشافعي، كالإمام السبكي في طبقات الشافعية في الجزء السادس، صفحة خمس عشرة، وقوله فيه: هو أحمد بن الحسن بن أحمد الأصفهاني ، درَّس الفقه الشافعي في البصرة أربعين سنة، وممن تلقى عنه الإمام أبو طاهر السلفي .

    يقول أبو طاهر السلفي : حدثني بذلك الإمام أبو شجاع سنة خمسمائة للهجرة، قال: ولا أدري كم عاش بعد ذلك، وهو من أبناء الدهر -يعني: ممن عمر طويلاً- كان يقفز قفزةً لا يستطيعها الشباب، فيقال له: كيف هذا يا أبا شجاع ؟

    فيقول: أعضاء حفظناها في الشبيبة فحفظها الله سبحانه لنا في الشيبة، وكان يقرأ الخط الدقيق من بعد شيبته، ولم يحدد عمره إلا أنه قيل: إنه من أبناء الدهر، وذكر الإمام الباجوري في حاشيته على شرح الإمام ابن القاسم على متن أبي شجاع في الجزء الأول، صفحة عشرة: أنه عاش ستين ومائة سنة، وما رأيت أحداً ذكر هذا، فيحتاج الأمر إلى تحقيق.

    والذي يبدو لي أن الإمام الباجوري وهم وخلط بينه وبين رجل آخر يكنى أيضاً بـأبي شجاع ، واسمه قريب منه فخلط بينهما، ذاك محمد بن الحسين ، وهذا أحمد بن الحسن ، فذاك صار وزيراً للخليفة المقتدي بالله ، ثم ترك الوزارة بعد ذلك, واشتغل في المدينة المنورة في خدمة المسجد الشريف، وكنس الحجرة وتنظيفها ورعايتها، وأدركه أجله وتوفي في المدينة المنورة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة كما ذكر الإمام الباجوري ، لكن ليس عمره ستين ومائة سنة، نعم توفي في تلك السنة, كما ذكر ذلك الإمام ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الثاني عشر، صفحة خمسين ومائة، هذا من هو؟ محمد بن الحسين ، فالإمام الباجوري فيما يظهر خلط بين الأمرين، فهو لم يتوف سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.

    الإمام السبكي ينقل عن أبي طاهر السلفي أن أبا شجاع حدثه في عام خمسمائة أنه درس الفقه الشافعي في البصرة أربعين سنة, وكان حياً في ذاك الوقت.

    والأمر يحتاج إلى تحقيق، فما أعلم كيف دخل الوهم على الإمام الباجوري .

    والشاهد: أنه من أبناء الدهر، وعاش طويلاً، وعاش بعد الخمسمائة كما قال أئمتنا، ولا ندري كم عاش وكان يتمتع بحواسه, وعنده النشاط والحيوية, يقرأ الخط الدقيق من بعد، ويقفز قفزةً لا يستطيعها الشباب، فعندما يسأل يقول: أعضاء حفظناها في الشبيبة فحفظها الله لنا في الشيبة.

    حفظ الله لأبي الطيب الطبري

    ونقل مثل هذا عن إمام جليل من أئمة الشافعية ألا وهو أبو الطيب الطبري وترجمته الطيبة في البداية والنهاية في الجزء الثاني عشر صفحة اثنتين وثمانين، وهو طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري ، ولد سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمسين وأربعمائة، فعاش سنتين ومائة.

    ويقول الإمام ابن كثير : إنه مات عن مائة سنة وستين، وكان صحيح العقل والفهم والأعضاء، وكان يفتي في آخر أيامه، ويقرأ الخط الدقيق من بعد، وذكر أئمتنا في ترجمته عجباً، وليتنا أدركنا زمانه لنعطيه أرواحنا لا ثيابنا ليلبسها.

    قالوا: كان هو وأخوه من العلماء العباد، وليس لهما إلا ثوب واحد وعمامة واحدة، فإذا خرج أحدهما من البيت قعد الثاني لا يستطيع أن يخرج؛ لأنه لا يوجد ثوب للخروج إلا ثوب واحد، فإذا اضطرا لغسل هذا الثوب حبس الأخوان معاً فلا يستطيع واحد منهما أن يخرج، وكان فقيراً، ولا يأخذ من أحد شيئاً، فمرةً أعطى خفه إلى الخفاف ليصلحه، وبما أنه فقير بدأ يؤخر إصلاحه له، ولو أنه من أهل الغنى والثراء لكان عجل له في إصلاحه.

    فبدأ يمشي الإمام أبو الطيب الطبري حافياً، فكان إذا دخل السوق يمر على الخفاف، فإذا رآه أخذ الخف وغمسه في الماء، فيقول: أين الخف؟

    يقول: غمسته في الماء أصلحه لك، لا يريد أن يجلس عنده لئلا يتأخر فإذا مشى أخرجه من داخل الماء وتركه بلا إصلاح.

    ولما تكرر هذا قال: يا هذا! أعطيتك خفي لتصلحه لا لتعلمه السباحة، كلما أتيت إليك تدخل الخف في دلو الماء, وتقول: أدخلته ليلين والآن أصلحه!

    وكان الإمام أبو الطيب الطبري يقول كما في طبقات السادة الشافعية للإمام السبكي في الجزء الخامس, وترجمته من صفحة اثنتي عشرة إلى صفحة خمسين ترجمه في قرابة أربعين صفحة.

    يقول: ما عصيت الله بواحدة من جوارحي قط، ولما رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام وسماه فقيهاً, كان يعجب بهذه الرؤيا ويفرح بها، ويقول: سماني النبي عليه الصلاة والسلام في الرؤيا فقيهاً، فقال له: (يا فقيه! يا فقيه!).

    حفظ الله لأبي بكر البزار شيخ ابن الجوزي

    وهكذا شيخ ابن الجوزي أبو بكر البزاز محمد بن عبد الباقي ، الذي توفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة للهجرة.

    وقد عاش ما يزيد على ثلاث وتسعين سنة، فلما ولد حضر منجمان واتفق رأيهما أنه لن يزيد عمره أكثر من خمسين سنة.

    يقول الإمام ابن الجوزي: أدركته بعد ثلاث وتسعين سنة من عمره سليم الحواس لم يتغير منه شيءٌ، ثابت العقل، يقرأ الخط الدقيق من بعد.

    إذاً لا بد من ضبط الخطوات كما ضبطنا اللفظات، كما ضبطنا اللحظات، كما ضبطنا الخطرات. هذه الأمور الأربعة لا بد من ضبطها، فمن ضبطها فهنيئاً له، فليس للشيطان عليه سبيل.

    1.   

    منزلة السمع والبصر والمفاضلة بينهما

    الأمر الخامس الذي ينبغي أيضاً أن نراعيه تمام المراعاة: حفظ الأذنين، وهما آلة لسمع الأصوات.

    حفظنا الخطرات وآلتها القلب، واللحظات وآلتها البصر، واللفظات وآلتها اللسان، والخطوات وآلتها الرجلان.

    فنحفظ بعد المشي السمع الذي هو آلة أيضاً فالأذنان آلة لضبط الأصوات.

    إذاً: لا بد من حفظ السمع ولا يجوز أن تسمع شيئاً لا يحل لك، وإذا عرضت نفسك لذلك فأنت تعرضت لدخول الشيطان عليك، فإذا أصابك بعد ذلك سوء فلا تقل: من أين أُتيت؟ أتيت من هذا المنفذ الذي ما حصنته، فحصن نفسك, واتق ربك.

    السمع والبصر لهما شأن عظيم في إيصال الأشياء إلى القلب، فالسمع مع البصر مجموعهما يعدلان القلب؛ لذلك من فقد سمعه وبصره كمن فقد عقله وقلبه, لا وعي عنده, ولا يكلف, فالقلم مرفوع عنه، ولا تكليف على من فقد العقل، ولا تكليف على من فقد السمع والبصر، فليس بالإمكان أن توصل إليه معلومة من المعلومات، لا عن طريق السماع ولا عن طريق الرؤية.

    ففاقد هذين الأمرين كمن فقد عقله، نسأل الله العافية والسلامة، كل منهما له شأن عظيم، وينبغي أن يضبط وأن يحفظ.

    وأئمتنا بحثوا في منزلتهما والمقارنة بينهما، والبحث طريف وإليكم خلاصته, ذكره الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في بدائع الفوائد في الجزء الثالث صفحة أربع وستين ومائة إلى خمس وستين ومائة، كما ذكره في كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولايتي العلم والإرادة في الجزء الأول، صفحة أربع ومائة إلى صفحة ست ومائة، وأعاد البحث في صفحة خمس وستين ومائتين من نفس الجزء من مفتاح دار السعادة فقط.

    وخلاصة كلامه في هذا الأمر: أن الله جل وعلا ميز هذا الإنسان عن بهيم الحيوان، بتحصيل العلوم الفكرية، فيكتسب العلوم ويحصلها، وليس هذا في مقدور الحيوانات البهيمية.

    وأشرف ما في هذا الإنسان من أعضاء ما كان محلاً للعلوم، والأعضاء التي هي محل للعلوم ثلاثة: الفؤاد وهو القلب، والسمع، والبصر.

    فمستقر العلوم وموضعها القلب، والسمع رسول القلب يأتي له بالعلم, ويوصله إلى القلب، وأما العين فهي طليعته، وهي رقيب القلب، وهي أمين سر القلب.

    إذاً: فتحصيل العلم عن طريق العين، وعن طريق السمع، ويستقر بالقلب، فالسمع والبصر هما أشرف الأعضاء بعد القلب، لهما من الإدراك ما ليس لسائر الأعضاء, فلا يوجد عضو في الإنسان يدرك كما يدرك السمع والبصر، اليد فيها حاسة اللمس، لكن الإدراك الذي في السمع, والإدراك الذي في البصر يفوقان بكثير الإدراك الذي في اليد والأعضاء الأخرى فيها إدراك يناسبها.

    ثم جعلهما ربنا جل وعلا في أشرف جزء من الإنسان وهو وجهه ورأسه، فالسمع والبصر في أشرف أعضاء الإنسان.

    وقد أشار الله جل وعلا إلى هذه الأعضاء الثلاثة في كثير من آيات كتابه, فقال جل وعلا في سورة النحل: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78].

    وفي سورة الإسراء قال جل وعلا: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36] .

    وسورة الأحقاف, بعد أن ذكر قوم نبي الله هود على نبينا وعليه الصلاة والسلام وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ [الأحقاف:21] ، وأرسل نبي الله هود على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلى قوم عاد: إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأحقاف:21] إلى أن ذكر الله جل وعلا بعد ذلك أنه حلت بهم العقوبة، فقال جل وعلا: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الأحقاف:26] . إذاً: هذه أشرف ما في الإنسان من الأعضاء قلب وسمع وبصر.

    والله جل وعلا يقول في حق من أهملها: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] .

    وأشرف ما في الإنسان من الأعضاء القلب وهذا محل اتفاق.

    أما السمع والبصر فاختلفوا أيهما أفضل؟

    وأورد أئمتنا في ذلك بحثاً طريفاً، ومحاكمةً في تفضيل أحد هذين العضوين على بعضهما:

    ذكر بعض من فضل السمع على البصر وأدلتهم في ذلك

    فذهب ابن قتيبة ومعه الإمام الجويني إمام الحرمين أبو المعالي إلى تفضيل السمع على البصر.

    ابن قتيبة عبد الله بن مسلم بن قتيبة توفي سنة ست وسبعين ومائتين للهجرة، وهو صاحب كتاب مشكل القرآن وتفسير غريب القرآن وغير ذلك من الكتب النافعة.

    نعته أئمتنا كما قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الثاني عشر صفحة واحدة وتسعين وثلاثمائة بقوله: كان لأهل السنة كـالجاحظ للمعتزلة، يعني: أنه خطيب أهل السنة، ومتكلم أهل السنة، والمدافع عن أهل السنة, كما أن الجاحظ متكلم وخطيب ومدافع عن أهل الاعتزال.

    وأما ما قاله الحاكم في ترجمته كما نقل الإمام الذهبي في الميزان، والحافظ ابن حجر في اللسان في الجزء الثالث صفحة سبع وخمسين وثلاثمائة: أجمعت الأمة على أن ابن قتيبة كذاب.

    فهذا في الحقيقة كلام شديد قاس، علق عليه الذهبي بعبارة قاسية بمثل ما في هذه العبارة من قسوة، فقال: هذا كلام من لم يخف الله عز وجل.

    والإمام ابن قتيبة بشر يخطئ ويصيب, فحوله ثلاثة أخطاء ينبغي أن تحذر، وما عدا هذا فهو من أئمة الهدى رضي الله عنه وأرضاه:

    الأمر الأول: كان عنده انحراف يسير عن آل البيت الطيبين الطاهرين، والحاكم بالعكس عنده زيادة ميل إلى أهل البيت, بحيث يفضل علياً رضي الله عنه على غيره رضي الله عنهم أجمعين.

    فإذاً: هنا زيادة وهناك نقصان فاختلف المشربان، فلذلك وجد هذا الكلام القاسي, غفر الله لهما ورحمهما ورضي عنهما.

    الأمر الثاني: الإمام ابن قتيبة في أوائل كتاب تأويل مختلف الحديث تكلم كلاماً لا ينبغي في حق سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه.

    وعندما أطلق لسانه في أبي حنيفة أطلقت الألسن بعد ذلك فيه، وليته لم يذكر ما ذكره في حق أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه من أنه يترك الآثار، ويقدم الرأي, وغير ذلك من الكلام، ثم ذكر بعد ذلك عنه أخباراً مستهجنة, وأبو حنيفة رضي الله عنه بريء منها. فهذا لا بد من وعيه.

    الأمر الثالث: أخطاء عامة, لا سيما في القراءات، فله مواقف فيها خطأ، جاء لقراءة حمزة فزعم أنها ليست متواترة, وأن حمزة أخطأ في حروف كثيرة؛ لأنه من أبناء العجم, وكان يلحن.

    وهذا كلام باطل ممن صدر، ويكفي أن يقول الإمام سفيان الثوري في حق حمزة : ما قرأ حرفاً إلا بأثر، وكان أورع أهل زمانه رضي الله عنهم وأرضاهم.

    ولذلك يقول الحافظ ابن حجر نقلاً عن شيخه الإمام العراقي: هذا شيخي في لسان الميزان عنده أغلاط وكما قلت: كل إنسان له أغلاط، فلينتبه لهذه الأمور الثلاثة، وما عدا هذا فهو إمام.

    ولذلك قال الخطيب في تاريخ بغداد في الجزء العاشر، صفحة سبع عشرة: كان ثقةً ديناً فاضلاً، له أغلاط، هذا لا ينجو منه أحد.

    اتهم بأمر رابع لم يثبت عنه ألا وهو أنه يذهب مذهب الكرامية ويقول بتشبيه الخالق بخلقه، فقال الإمام الذهبي في السير خاتماً ترجمته في الجزء الثالث عشر، صفحة ست وتسعين ومائتين: قلت: إن صح عنه ذلك وهو تشبيه الخالق بمخلوقاته فسحقاً له وبعداً، ولكن لم يصح.

    ابن قتيبة فضل السمع على البصر، ومعه أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف إمام الحرمين، توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة للهجرة.

    وترجمته الطيبة في السير في الجزء الثاني عشر، صفحة ثمان وستين وأربعمائة، وترجمه السبكي في طبقات الشافعية بما يقارب الستين صفحة، في الجزء الخامس، من صفحة خمس وستين ومائة إلى صفحة اثنتين وعشرين ومائتين، يعني: في سبع وخمسين صفحة أو بهذا الحدود رضي الله عنه وأرضاه.

    إمام الحرمين من أئمة الشافعية الكبار، واعتنى به والده أتم عناية، ليس بعد أن ولد بل قبل أن يولد، فاكتسب المال الحلال، وتزوج امرأةً صالحةً، وكان يعتني به وهو حمل في بطن أمه، فلما ولد ازدادت العناية به؛ فبتقدير الله في يوم من الأيام كانت أمه مشغولة وهو طفل رضيع، فدخلت عليهم الجارية من جيرانهم وكانت مرضعة، فبكى إمام الحرمين وهو في المهد، فأخذته تلك الجارية فأرضعته مصة أو مصتين، فلما دخل والده أخبر بذلك فقال: سبحان الله! هذه جارية للجيران وما استأذناهم في أن ننتفع بلبنها، أفسدتم علي الولد، فأخذه ونكسه على رأسه ليتقيأ ما رضعه.

    وكان كما يقولون: لا يتلعثم في دروسه إلا نادراً، فإذا توقف يقال: مم هذا يا إمام؟ يقول: هذا من أثر المصة التي مصصتها في المهد وأنا في الصغر.

    الإمام ابن قتيبة ، وأبو المعالي إمام الحرمين ذهبوا إلى تقديم السمع لعدة أمور:

    أولها: قالوا: بالسمع يسمع الإنسان كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، نسمع القرآن وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. فإذاً: السمع له ميزة يتلذذ بسماع كلام الله، وتلاوة القرآن عندما نقرأ.

    الجانب الثاني: بالسمع نحصل العلوم النافعة، أكثر مما نحصل العلوم النافعة بواسطة البصر.

    الأمر الثالث: بالسمع ندرك الحاضر، والغائب، والمحسوس، والمعكوس، وأما البصر فليس كذلك، ما هو محسوس حاضر مشاهد أمامك تدركه, وأما بعد ذلك فالغائب معقول يعبر عنه ولا يمكن أن تراه بعينك.

    الأمر الرابع: السمع لا يلحق الإنسان فيه مع كثرة الأصوات وعظمها، وكثرة المعلومات التي تتلقاها بأذنيك ولا يعتريك كلل ولا ملل ولا سآمة مهما سمعت.

    وأما البصر فتنظر ثم تنظر بعد ذلك مرةً أخرى ولكن لا بد من الملل والسآمة، ولذلك لا بد من أن ينام الإنسان، حتى ينتهي عنه الضرر وحتى في النوم فالبصر قاصر الإدراك، فإذا صاح الإنسان مثلاً بجوارك فإذا استيقظت تسمع الصياح لكنك لا تستطيع الرؤية مع أنه بجوارك ولكن لا تراه.

    فإذاً: البصر يعتريه كلل وتعب فيقف، أما السمع فعمله مستمر.

    الأمر الخامس: قالا: فاقد السمع أقل علماً من فاقد البصر، بل قد يكون فقد البصر سبباً لتحصيل العلم الكثير إذا كان السمع معه؛ لأنه إذا فقد بصره ذهبت عنه المشغلات والملهيات التي تشوش قلبه وتعكر نفسه، فيسمع وليس عنده في مخيلاته صور تشغله فيحفظ.

    ولذلك حفظ الأعمى أضبط من حفظ المبصر، إنما إذا فقد السمع فستصبح حالته ردية؛ لأنه فقد السمع وعنده البصر والملهيات التي يراها، ثم ما ينبغي أن يسمعه من مواعظ حتى تزجره أصبح عاجزاً عنها, عند ذلك قد يكون البصر سبباً لتلفه وعطبه بما يراه من مغريات وملهيات.

    الأمر السادس: قالا: إن الله جل وعلا أشار إلى تقديم السمع ومنزلته على البصر في سورة يونس, فقال جل وعلا: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ [يونس:42] ، فهنا قابل الله جل وعلا في ذهاب السمع وذهاب العقل؛ فكأنه إذا ذهب السمع ذهب العقل، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ [يونس:43] .

    وهنا لم يُقارن ذهاب البصر بذهاب العقل وضياعه، إنما ذكر أنه بمجرد ذهاب الإبصار انتفت الرؤية، ويضاف إلى هذا أن الله قدم في الآية السمع على البصر، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ [يونس:42-43] . هذه دلالة ثالثة -كما قلت- ثابتة استدل بها هذان الإمامان المباركان.

    ذكر بعض من فضل البصر على السمع وأدلتهم في ذلك

    وخالفهما فيما ذهب إليه الإمام ابن الأنباري ، وقد توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وهو محمد بن القاسم بن محمد أبو بكر بن الأنباري ، كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت من الشعر استشهاداً لمعاني القرآن, وكان يحفظ عشرين ومائة تفسير سنداً ومتناً.

    وما حدث وبين يديه صحيفة قط، إنما يملي من صدره، وكان يقرأ في كل أسبوع عشرين ألف ورقة، اجمعها كم مجلد؟ لو قلنا: كل مجلد خمسمائة يصبح معنا أربعون مجلداً.

    وألف في غريب الحديث كتاباً هو أكبر كتاب وليس عندنا خبر عنه بلغت ورقاته خمسين ألف ورقة.

    لو أن كل مجلد خمسمائة ورقة مع أن خمسمائة ورقة تخرج أكثر من مجلد وكل ورقة مكتوب على وجهيها يصبح الخمسمائة ألفاً، وإذا كانت خمسمائة بخطوطهم السابقة فما بالك الآن والطباعة تحتاج أكثر.

    لكن لو قلنا: خمسون ألف ورقة وكل مجلد خمسمائة صفحة فهو يزيد على مائة مجلد كما قال الإمام الذهبي : أحسبه يزيد على مائة مجلد في غريب الحديث.

    والإمام أبو بكر بن الأنباري ذهب إلى تفضيل البصر على السمع، قال: منة الله علينا بالبصر أعظم من منته علينا بالسمع، وفائدة البصر فينا أعظم من فائدة السمع، لماذا؟ ذكر أموراً قرر بها قوله فقال:

    الأول: بالبصر يحصل الإقبال والإدبار، والقرب إلى النجاة، والبعد عن الهلاك فلو أنك فقدت بصرك وعندك سمع فلا تستطيع أن تقترب مما ينفعك، ولا أن تبتعد عما يضرك؛ لأن هذا محله البصر والرؤية, وهذا في العين لا في الأذنين. إذاً: بالبصر إقبال وإدبار، قرب إلى النجاة، بعد من الهلاك.

    الأمر الثاني: قال: بالبصر تحصل الرؤية، والرؤية لا تقبل الغلط، ولذلك إدراك البصر أتم وأكمل من إدراك السمع، وليس راء كمن سمع.

    وخليل الرحمن إبراهيم سمع أن الله جل وعلا يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير، وهو مؤمن بذلك، لكن طلب الرؤية بعينيه ليزداد اطمئناناً ويقيناً، وإدراكاً أتم، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260] .

    إذاً: الإدراك هنا تام، ويحصل به مزيد اطمئنان، وهذا الذي صدر من خليل الرحمن إبراهيم، وعلل ذلك ليحصل مزيد اطمئنان, وليس هناك شك ولا شائبة من الشك.

    وقد دافع نبينا عليه الصلاة والسلام عن خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم دفاعاً عظيماً حتى ظن بعض قاصري النظر أن خليل الرحمن إبراهيم شك.

    ثبت في المسند والصحيحين، ورواه ابن ماجه في سننه، وعبد بن حميد في مسنده، والحديث في تفسير الطبري ، وابن مردويه ، ورواه البيهقي في الأسماء والصفات من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم، ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو كنت مكان يوسف لأجبت الداعي).

    فقوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، نحن نجزم بأن نبينا عليه الصلاة والسلام لا شك ولم يشك، ولا يتأتى منه الشك في قدرة الله جل وعلا وفي الله، ولكن كأنه يقول: خليل الرحمن إبراهيم كيف سيشك ونحن لا نشك، ونحن دونه، ونبينا عليه الصلاة والسلام يقول هذا وهو فوقه تواضعاً لله عز وجل، وإجلالاً لخليل الرحمن إبراهيم.

    إذاً فالمعنى: إن فهمتم من قول إبراهيم الشك، فنحن أولى بأن نشك، ونحن ما شككنا ولا يمكن أن نشك، فكيف سيشك الخليل.

    وما أرسل الله نبياً بعد نبيه لوط إلا في عز ومنعة من قومه, عندما جاءته الملائكة في صورة أضياف حسان: وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ [هود:78] ، قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80] ، نبينا عليه الصلاة والسلام يقول: (يرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد) وهو الرب المجيد سبحانه وتعالى، ماذا تريد أقوى منه؟

    لكن هو على حسب الأسباب الظاهرة يعتذر إلى أضيافه يقول: لو كان عندي قوة, وآوي إلى ركن شديد لمنعت هؤلاء السفهاء وطردتهم عنكم، فهؤلاء يريدون أن يعتدوا عليكم، كأنه يعتذر إلى أضيافه، عندها قالوا له: قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ [هود:81] .

    وقوله: (ولو كنت مكان يوسف لأجبت الداعي)، كان نبي الله يوسف حليماً رزيناً متأملاً، لا يعجل، فنبينا عليه الصلاة والسلام أعجب بحلم هذا النبي المبارك.

    دخل السجن ظلماً, فلما طلب منه الملك أن يخرج، قال: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [يوسف:50] ، الملك ينادي: اخرج, كيفما كان الأمر ولكنه يقول وكأنه في روضة في الجنة: لا أخرج إلا أن يظهر الأمر أتم ظهور، هذا حلم, ورزانة وتؤدة.

    الأمر الثالث: قال ابن الأنباري : محل البصر أحسن وأجمل، وهو أعظم عجائب خلق الله، البصر والسمع تقدم معنا من أشرف الأعضاء في الرأس، لكن مكان العينين أجمل من مكان الأذنين، فهذان على الجانبين، وأما البصر ففي مقدمة الوجه.

    لو رأى الإنسان كل عضو من الإنسان إلا وجهه لما قنع، ولو رأى الوجه لقنع برؤيته عما عداه، فإذا رأى وجهه لا يريد أن ينظر إلى يده، ولا يريد أن ينظر إلى رجله بعد ذلك، لذلك عندما يخطب الإنسان ويرى الوجه ينتهي الأمر، ولو قلت له: نريك البدن من أوله لآخره إلا الوجه لقال: لا، الوجه لا بد منه، وأجمل شيء في الوجه العينان.

    وكذلك محلهما أجمل، وهما أجمل الأعضاء، ومنظرهما أبهى من منظر الأذنين بكثير، فهذان على الجانبين وهذا في المقدمة.

    الأمر الرابع: يقول: بالعينين نرى أعظم نعمة علينا في الدنيا والآخرة وهي النظر إلى الله جل وعلا في جنات النعيم، فنحن وإن تلذذنا بكلامه لكن هذا دون النظر إلى وجهه، فالتلذذ بسماع كلامه أقل من التلذذ بالنظر إلى وجهه.

    الأمر الخامس: يقول: البصر هو طليعة القلب ورائده، يؤدي إليه وعنه ويأتمنه.

    فإذا أردت أن تعرف ما في القلب فانظر إلى العينين، أما إذا نظرت إلى الأذنين فلا تستفيد شيئاً، فلا تعلم هل الإنسان في فرح أو في غضب، في كرب أو في سرور؟ لا تعلم شيئاً، ولو نظرت إلى عينيه مباشرةً يلوح لك عندما يستقبلك هل هو فرح بك أو متثاقل؟ فقط انظر إلى وجهه، وإلى حركات عينيه لتعلم ما في قلبه.

    والقلب إذا أراد أن يرسل رسولاً ليتحقق يرسل العين، فإدراكها أتم ورؤيتها أوضح، فطليعته هو رسوله الذي يأتمنه، وهو البصر، فهو يعبر عنه أكثر من الأذنين.

    الأمر السادس: يقول ابن الأنباري في الآية المتقدمة في سورة يونس: ما نفاه الله جل وعلا مع السمع بمنزلة ما نفاه مع البصر، لماذا؟ قال: لأنه أراد إبصار القلوب وهو تعقلها وإدراكها ولم يرد إبصار العينين.

    فالله جل وعلا يقول: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ [يونس:42-43] .

    يقول: المراد إبصار القلوب ليس إبصار الأعين، وعليه قابل هناك نفي التعقل عند عدم السمع، ونفي إبصار القلوب عند عدم الإبصار بالعين، هناك المراد: لا يعقلون؛ لأنه ليس عندهم أسماع يسمعون بها، وهنا لا يبصرون بقلوبهم عندما كانوا لا ينتفعون بأبصارهم، فقابل إذاً نفي التعقل في الأمرين، فيما يتعلق بالسمع، وفيما يتعلق بالبصر. فإذاً: الأمر واحد.

    وأما تقديم السمع على البصر في آية يونس: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ [يونس:42-43] ، فقد قدم الله جل وعلا البصر على السمع في الآية الأخرى، فقال جل وعلا في سورة هود: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [هود:24] ، فهنا قدم البصر على السمع.

    إذاً: هذه ستة حجج أدلى بها هؤلاء الأئمة الكرام في تقديم السمع أو البصر بعد الاتفاق على تقديم هذين العضوين على سائر الأعضاء بعد القلب.

    الراجح في مسألة التفضيل بين السمع والبصر

    فما هو التوفيق بين ذلك؟

    اختار الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله قولاً يوفق به بين القولين، فقال: كل من القولين صواب.

    قال الإمام ابن القيم : قال شيخنا الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: السمع له مزية العموم والشمول، فهو أفضل من جهة شمول إدراكه وعمومه؛ لأنه يدرك الحاضر والغائب والمحسوس والمعقول، فهو أفضل من هذه الحيثية.

    والبصر أفضل من جهة كمال إدراكه وتمامه، فهو أمين القلب وسره، كل واحد أفضل من جهة وأعم من جهة وأدق من جهة أخرى.

    قال ابن القيم : فإذا فقد الإنسان سمعه فالضرر الذي يقع عليه في الدنيا قليل؛ لأنه يمشي يتحرك ويرى ولا يحتاج إلى قائد ولا إلى دليل، ويذكر ويميز بعينيه، لكن فيما يتعلق بعد ذلك بأمر دينه بسماع المواعظ وسماع العلوم سيتضرر فضرره الديني عندما يفقد السمع أكثر من ضرره الدنيوي.

    وأما البصر على العكس، فإذا فقد بصره فضرره الدنيوي أشد؛ لأنه لا يستطيع الذهاب والإياب والحركة كما يتحرك الناس، فإذاً في الدنيا مصيبته شديدة، لكن من ناحية الضرر الديني فهو أقل بكثير مما لو فقد سمعه.

    قال الإمام ابن القيم : ولذلك ابتلى الله بعض الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بفقد أبصارهم ولم يبتل صحابياً قط بفقد سمعه إكراماً لهم من الله عز وجل؛ لأن فقد السمع ضرره عظيم على الإنسان في دينه وفي دنياه، فصان الله الصحابة عن ذلك، فوجد منهم الأعمى ولم يوجد منهم الأصم الذي لا يسمع، فالفائدة الدينية حاصلة لهم.

    أما فقد البصر فهو مصيبة دنيوية، مصيبة يثابون عليها عند ربهم جل وعلا، ثبت هذا في صحيح البخاري ، وغيره من رواية سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة).

    وعليه يمكن أن يقال: فقد السمع أشد من فقد البصر؛ لأن الضرر فيه أكثر في الآخرة.

    أما فقد البصر فهذا ضرر دنيوي لا أثر له على الإنسان فيما يتعلق بدينه وآخرته، أما في الآخرة فقد أكرم الله المؤمنين بحصول الأمرين لهم، فيسمعون ويبصرون، وليس فيهم أعمى وأصم، أكرمهم الله جل وعلا بذلك في جنات النعيم.

    وأما الكفار فقد عاقبهم الله جل وعلا بفقد الأمرين: بفقد السمع وبفقد البصر، وأخبر ربنا جل وعلا عن ذلك بقوله في سورة الإسراء: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء:97].

    1.   

    مشروعية الدعاء بحفظ السمع والبصر

    السمع ينبغي أن نصونه وأن نحفظه، وهو نعمة عظيمة من الله علينا تزيد على نعمة البصر؛ فينبغي أن نصونها، وألا نسمع بها شيئاً حرمه الله علينا، ومن فتح أذنيه سمعه, لسماع ما حرم عليه فأصيب بعد ذلك وتخبطه الشيطان فلا يلومن إلا نفسه، فهو الذي جعل للشيطان عليه سبيلاً.

    والمعافاة في هذه الحياة من سلم له هذان العضوان: السمع والبصر مع سماع الفؤاد والقلب, واستعمل هذه الجوارح فيما يقربه إلى الرب سبحانه وتعالى، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يمتعه بهذه الحواس من السمع والبصر كما يمتعه بسائر الحواس الأخرى.

    روى الإمام الترمذي في سننه وقال: هذا حديث حسن غريب، ورواه الحاكم في مستدركه في الجزء الأول، صفحة ثمان وعشرين وخمسمائة، وقال: صحيح على شرط البخاري ، وأقره عليه الإمام الذهبي ، والحديث في جامع الأصول في الجزء الرابع، صفحة تسع وسبعين ومائتين.

    ولفظ الحديث من رواية نافع مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين قال: (قلما ابن عمر رضي الله عنهما إذا جلس مجلساً لم يقم منه حتى يدعو لجلسائه، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو لجلسائه بهذه الدعوات).

    وفي رواية الترمذي يقول ابن عمر : (قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يختم بهؤلاء الكلمات لأصحابه).

    لفظ رواية الترمذي : (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا).

    لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس مجلساً إلا دعا بهذه الدعوات ورواية الحاكم عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين: (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أعلنت وما أسررت، وما أنت أعلم به مني، اللهم ارزقني من طاعتك ما تحول به بيني وبين معصيتك، وارزقني من خشيتك ما تبلغني به رحمتك، وارزقني من اليقين ما تهون به علي مصائب الدنيا، وبارك لي في سمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، اللهم وخذ بثأري ممن ظلمني، وانصرني على من عاداني، ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي، اللهم لا تسلط علي من لا يرحمني).

    كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختم بهن مجلسه).

    فقوله إذاً: (متعنا بأسماعنا وأبصارنا) وقوله: (بارك لي في سمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني)، بيان أن سلامة هذين العضوين من أعظم النعم، فمن من الله عليه بسلامة هذين العضوين فليحمد الله, وليستعملهما فيما يرضي الله.

    وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يجعل له في سمعه نوراً، وفي بصره نوراً، كما يسأل ربه أن يجعل له نوراً في جميع أعضائه، ومن جميع جهاته.

    ثبت الحديث بذلك في الصحيحين وسنن أبي داود ، والنسائي ، ورواه الإمام مالك في موطئه، من رواية سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

    والحديث طويل في قصة مبيت سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عند خالته ميمونة أمنا رضي الله عنها وأرضاها وزوج نبينا، وفيه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر ).

    إذاً: صلى عشر ركعات وأوتر بثلاث. وزاد في هذا الحديث على الحديث الوارد عن أمنا عائشة رضي الله عنها (أنه كان يصلي ثمان ويوتر بثلاث)، قال: (صلى ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، ثم نام عليه الصلاة والسلام حتى سمع عبد الله بن عباس غطيطه من النوم، ثم استيقظ عليه صلوات الله وسلامه فتلا العشر الآيات الأخيرة من آخر سورة آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ [آل عمران:190] إلى آخر الآيات الكريمات.

    قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: وكان في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم اجعل لي في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، واجعل أمامي نوراً، وخلفي نوراً، واجعل لي نوراً).

    هذا من دعاء نبينا عليه الصلاة والسلام أن يجعل الله النور في أعضائه في سمعه وبصره وفي غير ذلك من جوارحه. وفي رواية: (واجعل في لساني نوراً، وفي نفسي نوراً، وأعظم لي نوراً).

    وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله، ويعلمنا أن نستعيذ بالله جل وعلا من استعمال هذه الأعضاء فيما لا يرضي رب الأرض والسماء سبحانه وتعالى.

    روى الإمام أحمد في المسند، وأهل السنن الأربعة، إلا سنن ابن ماجه ، والحديث إسناده صحيح من رواية شكل بن حميد ، قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! علمني تعوذاً أتعوذ به -وفي رواية: علمني دعاءً أدعو به- قال: فأخذ بكفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، وشر بصري، وشر لساني، وشر قلبي، وشر هني)، والهن هو الفرج.

    وفي رواية في النسائي (وشر منيي) يعني: ماءه, وقال مرة: (ذكره) يعني: شر ذكري.

    هذا الدعاء استعيذ بالله من استعمال هذه الأعضاء فيما حرم علينا رب الأرض والسماء.

    وإذا تولى الله جل وعلا العبد وتولى العبد ربه جعله ربنا جل وعلا يحفظ أعضاءه، وحفظه الله ورعى له سمعه وبصره وسائر جوارحه، وفي الحديث القدسي، في صحيح البخاري ، والحلية لـأبي نعيم ، ورواه البيهقي في كتابه الزهد، وفي كتاب الأسماء والصفات، وفي السنن الكبرى, وهو في شرح السنة للإمام البغوي ، من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (قال الله عز وجل: ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن, يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه).

    فقوله: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به)، هذا متى؟ هذا عندما تسمع لله وبالله، ومتى تكون رجلك التي تمشي بها كذلك؟ عندما تمشي بها لله وبالله وفي الله.

    إذا حفظت الخطوات، حفظت اللحظات، وصنت بعد ذلك هذا السمع، فما سمعت به إلا خيراً، تولاك رب العالمين سبحانه وتعالى وسدد خطاك، وجعل لك في هذه الجوارح نوراً في هذه الحياة ينفعك بعد الممات.

    إن بعض المعاصرين دندن حول هذا الحديث بلغط ذميم ينبغي أن نحذره، فقال كما ذكرت عبارته سابقاً: كنت برهةً من الزمن متوقفاً في صحة هذا الحديث. ثم قال بعد ذلك: فتبين لي بعد برهة من الزمن أنه صحيح بمجموع هذه الطرق التي ذكرها. قال: وقد صححه جمع، وارجع إليه على تعبيره إلى سلسلة الأحاديث الصحيحة فتجد فيها ما لا تجده في مكان آخر.

    وقلت الكلام مردود من عدة جهات:

    أولاً: الحديث صححه لشواهده، لولا الشواهد لحكم عليه بالضعف مع أنه في صحيح البخاري ، وهذا كلام منكر، الحديث صحيح سواء وجدت له تلك الشواهد أم لا، نعم تلك الشواهد زادت من تيقننا في ثبوت الحديث، لكن يكفي في صحته أنه في صحيح البخاري ، ولو لم يجد شاهداً من تلك الشواهد التسعة لكان الحديث في أعلى درجات الصحة, وانتهى الأمر.

    الأمر الثاني كل ما ذكر موجود في الفتح, وما زيد عليه بشيء، فقد ذكر الحافظ ابن حجر التسعة الشواهد ثمانية متصلة مرفوعة، وواحداً مقطوعاً عن وهب بن منبه .

    وقوله: بعد توقفي برهةً من الزمن، هذا لغط ينبغي أن نحذره في هذه الأيام، كالقول الذي يقال: ينبغي أن نتسمى بالسلفية، وما كان أئمتنا يتسمون بذلك، إنما اسمنا الذي ننتسب إليه أهل السنة والجماعة، هذا هو اسم الفرقة الناجية. وفي سائر كتب التوحيد أهل السنة والجماعة أو اعتقاد الفرقة الناجية.

    السلف الصالح رضوان الله عليهم هم أئمتنا لا شك في ذلك، وأهل السنة والجماعة هم الذين في الأصل يأخذون هذا عن السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، لكن هدي السلف الصالح أين حصل؟ عند من؟ عند أهل السنة والجماعة الذين يتميزون عن غيرهم من الفرق، ليس عندنا فرقة اسمها سلفية إلا في هذه الأيام التي بدأت تتسمى بهذه التسمية المخترعة الجديدة التي هي كالتسميات المخترعات الأخرى، نحن أهل سنة وجماعة طريقتنا طريقة السلف الصالح لا شك في ذلك، ومن خرج عن طريقة السلف فهو ضال، لكن لنميز أنفسنا بعد ذلك عن فرق البدعة ماذا نقول؟

    نقول: أهل السنة والجماعة, هذا هو المنصوص عليه في كتب التوحيد بلا استثناء؛ لكنهم بدءوا الآن يثيرون لغطاً فقالوا: في هذه الأيام صار مفهوم أهل السنة والجماعة مميعاً، وليس له تحديد.

    فنقول لهم: الآن إذا صار مفهوم الإسلام مميعاً فلا ننتسب إلى الإسلام؟ وهكذا مفهوم السلفية قد يكون مميعاً، فكل سلفي له رأي، والحقيقة: أننا نحن الذين ميعنا وإلا ما لنا وللمعاصرين، نحن عندنا أصول ثابتة لأهل السنة والجماعة ضمن الكتب التي جاءتنا عن أئمتنا، هذه طريقة أهل الهدى، أما من ينتمي إليهم في هذه الأيام ويخبط ما لنا وله، فهو كمن ينتمي إلى الإسلام ويخبط، وكمن ينتمي على تعبيركم إلى السلفية ويخبط، وأنتم تختلفون فيما بينكم، والاختلاف فيما بينكم هو أكثر من الاختلاف فيما بين الجماعات الأخرى.

    وعليه دعونا من هذه الاصطلاحات الحادثة، فمذهب أهل السنة والجماعة هو مذهبنا الذي ننتمي إليه، هذا لا بد من وعيه، وأما أن يُقال بعد ذلك: لا بد من أن تقول: سلفية، فهذا ساقط لا يحدد هويتك.

    السلفيون: واحد يجيز البرلمان، وواحد لا يجيز، وواحد في فتنة الخليج يؤيد صدام وواحد يؤيد السعودية، وواحد يقف حيادياً، هذه هي السلفية الموجودة، بقول من سنأخذ؟! لا بهذا ولا بهذا ولا بهذا.

    نحن طريقتنا طريقة أهل السنة والجماعة وانتهى الأمر، وبذلك نتميز عن سائر فرق الضلال، وما أحد من أئمتنا المتقدمين قال: سلفية، أما بعد ذلك فهدي السلف هو الذي نعول عليه, وهذا لا إشكال فيه.

    إن طريقة أهل السنة والجماعة كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام حسبما قرر سلفنا الكرام هذا لا شك فيه، أما أن نأتي لنجعل تسمية خاصة في هذه الأيام فهذه تسمية محدثة.

    1.   

    الفلاح والفوز لمن حفظ سمعه مع الأعضاء الأخرى

    إخوتي الكرام! أفلح من ضبط سمعه، كما أفلح من ضبط بصره، وأفلح من ضبط سمعه وبصره واستعملهما فيما ينفعه، وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى أن من حفظ سمعه مع أعضائه الأخرى صار مفلحاً فائزاً ناجياً.

    روى الإمام ابن السني ، والإمام أبو نعيم ، والبيهقي في شعب الإيمان، والإمام أحمد في المسند، في الجزء الخامس، صفحة سبع وأربعين ومائة، وإسناده حسن كما في مجمع الزوائد، في الجزء العاشر، صفحة اثنتين وثلاثين ومائتين.

    وقال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، في الجزء الأول، صفحة ست وخمسين: إسناد أحمد فيه احتمال للتحسين، والهيثمي يجزم بأنه حديث حسن، والحديث حسن إن شاء الله.

    ولفظ الحديث من رواية سيدنا أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان، وجعل قلبه سليماً، ولسانه صادقاً، ونفسه مطمئنة، وخليقته -بمعنى أخلاقه- مستقيمة، وجعل أذنه مستمعة) إلى ما ينفعه وما يقربه إلى الله عز وجل، (وعينه ناظرة، فأما الأذن فقمَع) وقمَع: بإسكان الميم وفتحها قمْع بسكون الميم، قمَع بفتح الميم، وهو الذي يصب فيه الشيء، ليكون بعد ذلك سبباً للوصول إلى شيء آخر من فتحة في الوعاء كبيرة إلى فتحة ضيقة يوضع بعدها في زجاجة أو ما شاكل، ومما يصب فيه السمن والعسل وما شاكل.

    قوله: (فأما الأذن فقمَع -بالفتح أو فقمْع بالسكون-، والعين مقرة لما يوعي القلب، وقد أفلح من جعل قلبه واعياً).

    إذاً: إذا جعل الإنسان أذنه تستمع الخير فهنيئاً له فإنه صاحب فلاح، والويل له إذا أعرض عن استعمال سمعه فيما ينفعه.

    روى الإمام أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير، والبخاري في الأدب المفرد، صفحة ثمان وثلاثين ومائة، والخطيب في تاريخ بغداد، الجزء الثامن، صفحة خمس وستين ومائتين، وعبد بن حميد في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، والبيهقي في شعب الإيمان، كما في الدر المنثور في الجزء الثاني، صفحة ثمان وسبعين.

    والعزو إلى هذه الكتب في جمع الجوامع للإمام السيوطي الجزء الأول، صفحة واحدة ومائة، والحديث قال عن إسناده الإمام المنذري في الترغيب والترهيب: إسناده جيد، الجزء الثالث، صفحة ثمان وثلاثمائة، ثلاثمائة وثمانية، إسناده جيد.

    وقال الهيثمي في المجمع في الجزء العاشر صفحة واحدة وتسعين ومائة: رجاله رجال الصحيح، غير حبان بن زيد الشرعبي ، وقد وثقه ابن حبان .

    و حبان بن زيد الشرعبي خرج له أبو داود في سننه، والبخاري في الأدب المفرد، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة، أخطأ من زعم أن له صحبة.

    إذاً: فهو تابعي رضي الله عنه وأرضاه وليس بصحابي، وهو الراوي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم أجمعين. والحديث قد حسنه الحافظ في الفتح في الجزء الأول، في صفحة اثنتي عشرة بعد المائة.

    ولفظ الحديث من رواية سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول, ويل للمصرين الذين يصرون على ما عملوا وهم يعلمون).

    وقوله: أقماع القول، أي: من يستمع ولا يستفيد، أي: يجعل في إحدى أذنيه طينة وفي الأخرى عجينة، أو على تعبير الناس يدخل من جهة ويخرج من جهة أخرى.

    إلى هنا وصلى الله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.