إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [45]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [45]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اللسان يورد الإنسان المهالك إذا لم ينضبط بضابط الشرع والدين، وقد حذرنا الشرع الحنيف من عواقب ترك اللسان ينطلق في كل شيء دون محاسبة وتقييد. والسنة النبوية مليئة بالأحاديث الآمرة بحفظ اللسان وضبطه والمحذرة من مخاطره في الدنيا والآخرة.

    1.   

    أهمية حفظ اللسان

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة أجمعين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا, وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فما زلنا نتدارس تحصن الإنسان من الجان، فتقدم معنا أن لذلك طرقاً كثيرة متعددة، وهي على كثرتها يمكن أن نجمعها في أمرين اثنين: أولها من باب التخلية. وثانيها: من باب التحلية، فإذا اتصف الإنسان بهذين الأمرين فتخلى عن بعض الأمور, وتحلى ببعض الأمور، فإنه يحفظ من كيد الشيطان الغرور.

    والأمور التي هي من باب التروك، ومن باب الاجتناب، ومن باب التخلية تقدم معنا أنها سبعة ينبغي للإنسان أن بيتعد عنها.

    أولها: الخطرات، فإياكم من الخطرات الخبيثة، ويليها -كما تقدم معنا- اللحظات، ثم اللفظات, ثم الخطوات, ثم ينبغي أن يحفظ الأذن، ثم البطن ثم الفرج.

    فهذه أمور ينبغي أن تصونها عن كل دنس وشائب, فإذا صنتها فقد حصنت نفسك، وتخليت عما ينبغي أن تتخلى عنه، ثم تتحلى بثمانية أمور، وقلت: هذه السبعة مع الثمانية هي بمجموع عدد أبواب النار وأبواب الجنة، فأبواب النار سبعة فتخلى عن سبع من أمهات القبائح، وجميع الرذائل بعد ذلك فروع لهذه الأمهات السبع، فهكذا الفضائل -كما تقدم معنا- ثمانية ينبغي أن تقوم بها.

    أولها قلنا: أن نكثر الاستعاذة بالرحمن من الشيطان.

    وثانيها: أن نداوم على قراءة القرآن.

    وثالثها: أن نحصن أنفسنا بذكر الرحمن.

    ورابعها: أن نكثر من الصلاة والسلام على نبينا خير الأنام، عليه الصلاة والسلام.

    وخامسها: أن نحافظ عن الطهارة فهو سلاح المؤمنين.

    وسادسها: أن نكون مع جماعة المؤمنين: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119].

    وسابعها: أن نكثر من الصوم.

    وثامنها: أن نحرص على دروس العلم.

    فهذه الأمور الثمانية مع السبعة، من قام بها فقد حصن نفسه من الجن.

    وأيضاً تدارسنا الأمر الثالث, ألا وهو حفظ اللفظات، فينبغي للإنسان أن يضبط ألفاظه: فـ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] , وقد ذكرت كثيراً من الألفاظ الثابتة عن نبينا المختار عليه الصلاة والسلام التي تأمرنا بضبط اللسان، وبينت أن الصمت كلام: (فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمُت) ( أو ليصمِت ) بالضم والكسر كما تقدم معنا.

    وسأختم الكلام عن هذا بحديث جامع, وأذكر ما يتعلق به إن شاء الله، وقلت: أن حديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه، جامع لأمهات الأعمال والأقوال.

    وفيه أيضاً: بيان خطر اللسان, وما يترتب عليه من وزر وآفة، وهذا حديث جميل جميل، ينبغي أن نحفظه، وأن نحفظه أهلنا وأولادنا.

    تخريج روايات حديث معاذ: (كف عليك هذا)

    والحديث رواه أحمد في المسند، والإمام الترمذي في سننه؛ وقال: حسن صحيح، ورواه الإمام ابن ماجه، وقد عزاه إلى الإمام النسائي الإمام المنذري في الترغيب والترهيب, والإمام ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم، ولعله في السنن الكبرى وليس الصغرى, أما في السنن المطبوعة فالحديث لا يوجد فيها عندما عدنا إلى سنن النسائي فلعله في السنن الكبرى.

    ورواه الإمام الحاكم في المستدرك في عدة أماكن من المستدرك, رواه في الجزء الثاني صفحة ست وسبعين، وتسع وثمانين، ورواه بعد ذلك مطولاً كما سأذكر في صفحة 413 من الجزء الثاني في تفسير سورة السجدة من كتاب التفسير، ثم رواه في كتاب الأدب في الجزء الرابع صفحة 286 لحكمة استنبطها تتعلق بأدب رفيع ينبغي أن يحرص الإنسان عليه، وسأذكر هذه الحكمة وتنبيه الحاكم عليها عند سرد لفظ الحديث إن شاء الله.

    والحديث رواه الإمام أبو داود الطيالسي كما في منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود في الجزء الثامن صفحة تسع وعشرين وصفحة 64.

    وقد روى بعضه الإمام ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت صفحة 38، كما رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان, وفي آخره زيادة ينبه عليها، وقد عزا الحديث إليهما الإمام السيوطي في جمع الجوامع في الجزء الأول صفحة 674.

    ولفظ الحديث عن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه قال: (كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه) , وفي بعض روايات الحاكم في المستدرك يبين أن هذا السفر كان في غزوة تبوك، وأن الصحابة تفرقوا عن النبي عليه الصلاة والسلام من شدة الحر في الطريق، فأسرع معاذ رضي الله عنه, والتصق بحبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام وسأله ما ستسمعون, ولذلك قال: فأصبحت يوماً قريباً منه، أي بعد أن تفرق الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    روايات وفوائد من حديث معاذ

    فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار), والإنسان إذا كانت همته تتعلق بالآخرة يسأل هذه الأسئلة: (ما العمل الذي يدخلني الجنة ويحفظني من نار جهنم؟ قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه), وفي بعض روايات المسند قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( بخ! بخ! بخ! لقد سألت عن عظيم ) ، يعني: تعجب من هذا السؤال، ويثني نبينا عليه الصلاة والسلام عن السائل بهذه الألفاظ التي فيها استعظام هذا السؤال, وأنه في محله: (بخ! بخ! بخ! لقد سألت عن عظيم) .

    وفي بعض روايات الحديث كما في المستدرك أن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه وأرضاه عندما اقترب من حبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام قال له: (يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتأذن لي أن أتقدم إليك على نفس طيبة؟) يعني: الآن الصحابة تفرقوا, وأنا الآن صرت قريباً منك، أريد أن أتقدم حتى تلاصق بشرتي بشرتك, ونفسك طيبة، يعني: لا تجد علي، قال له: تقدم.

    هذا حال نبينا عليه الصلاة والسلام ليس معه الحراس, وليس معه من يقول: إليك إليك! ولا يطرد أحداً عليه الصلاة والسلام, لا في حجه ولا في ذهابه إلى السوق، ولا في غير ذلك بل كان إذا جاء الغريب لا يميزه من بين أصحابه على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    قال: (أتأذن لي أن أتقدم إليك على نفس طيبة يا رسول الله؟ فأذن له نبينا عليه الصلاة والسلام. فقال له معاذ : بأبي أنت يا رسول الله، أسأل الله أن يجعل يومنا قبل يومك)، يعني: أننا نموت قبلك، فنفديك بأرواحنا وحياتنا، ولا نريد أن نرى أحداً بعدك، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    قال الإمام الحاكم -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا-: الغرض من إخراج هذا الحديث في هذا الموضع إباحة دعاء المتعلم لعالمه الذي يقتبس منه أن يجعل الله منيته قبل عالمه، يعني: هذا أورده في كتاب الأدب، ونسأل الله أن نموت قبل أن تموت، وليس هذا من باب الاعتراض على قدر رب العباد، إنما -كما قلت- من باب: إظهار المحبة من شيخه، وأن ما قدِّر لا بد من وقوعه، وإنما كان يخبر عن مدى تعلقه، وأن الحياة بعده لا تصلح لشيء، هكذا معنى الأثر.

    ولذلك قال الحاكم -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا-: الغرض من إخراجه في هذا الموضع إباحة دعاء المتعلم لعالمه الذي يقتبس منه أن يجعل الله منيته قبل عالمه, ثم قال: فإني قد قدمت قبل هذا أخباراً صحيحة في إباحة قول الناس بعضهم لبعض: جعلني الله فداك.

    وهذه الأخبار قد قدمها الحاكم قبل هذا بأربع صفحات، كما في الجزء الرابع صفحة 286، وأما الأخبار في صفحة 280 من نفس الجزء في كتاب الأدب، فإنه يقول: في هذه الآثار لا بأس على قول بعضهم لبعض: نفسي ومالي لك فداء، أي: جعلت فداك، أي فديتك، كما يشهده بعد أن أورد آثاراً كثيرة، منها ما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه, عندما جلس نبينا عليه الصلاة والسلام على المنبر فقال: (إن عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار ما عند الله، فبكى سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه ورفع صوته بالبكاء، وقال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله) عليه الصلاة والسلام، فاستغرب الصحابة: لم يبك هذا الشيخ أبو بكر رضي الله عنه, وقد ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام : ( رجلاً خير بين الدنيا والآخرة فاختار ما عند الله)؟ فكان المخير هو سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام, وكان سيدنا أبو بكر أفقه الأمة، وستأتي المحاضرة الكاملة بإذن الله من آثاره التي وردت عن الصحابة, وفيها هذا القول لنبينا عليه الصلاة والسلام: جعلني الله فداءك، وجعلت فداءك بأبي أنت وأمي يا رسول الله! وأسأل الله أن يجعل يومي قبل يومك, في آثار كثيرة وسأعمل محاضرة من أولها لآخرها حول هذه الأحاديث الصحيحة التي جرت من صحابة متعددين نحو نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام.

    وأنا لا أريد أن أسترسل الآن في سبب هذه الروايات، إنما هنا أورد كلام الإمام الحاكم عن هذا الحديث في كتاب الأدب؛ لأن فيه هذه الدلالة بين النصوص دون سائر الروايات، ولذلك هنا قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! نسأل الله أن يجعل يومنا قبل يومك, ثم سأله السؤال الذي تقدم: (أخبرني عن عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه؛ تعبد الله ولا تشرك بالله شيئاً، وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان, وتحج البيت).

    وهذه هي أمور الإسلام الخمسة وهي: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً بمعنى: شهادة أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي: أن نعبد الله كما شرع، ولا نشرك به شيئاً وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، فهذا الذي يدخلك الجنة ويباعدك من النار.

    ثم قال له نبينا المختار صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلك على أبواب الخير؟) أي: أنت فتحت الآن الطريق، واقتربت مني، وأظهرت التعلق والمحبة، فأنا سأرشدك على خيرات فاحرص عليها: (ألا أدلك على أبواب الخير؟ فقال سيدنا معاذ رضي الله عنه وأرضاه: بلى!).

    وفي بعض الروايات في المستدرك للإمام الحاكم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: (إن شئت أنبأتك بأبواب الجنة، ألا أدلك على أبواب الخير، قال: بلى، فقال له نبينا عليه الصلاة والسلام: الصوم جنة)، أي: وقاية وحصن حصين من الشيطان الرجيم، (الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل)، وفي بعض الروايات: ( وقيام الرجل في جوف الليل. ثم تلا نبينا عليه الصلاة والسلام قول الله جل وعلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17]).

    وفي بعض الروايات: (وصلاة الرجل في جوف الليل شعار الصالحين، ثم تلا نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام الآية المتقدمة، ثم قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله عليه الصلاة والسلام).

    وهذا تفضل آخر لنبينا عليه الصلاة والسلام عليه، لما رأى حرصه على الخير أراد أن يدله على الخيرات والبركات فقال: ( ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى أخبرني. فقال عليه الصلاة والسلام: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة, وذروة سنامه -وهو أعلاه- الجهاد في سبيل الله ).

    خطر اللسان وفضيلة الصمت

    ثم قال له حبيبنا عليه الصلاة والسلام كلمة وهي محل الشاهد من هذا الحديث العظيم، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟) بكسر الميم وفتحها لفظتان صحيحة: بِملاك، بمَلاك، أي بما يملك عليك جميع أمورك ويدبرها، وهو خادم لك على كل خير، وهو الأصل في مثل قوله: (ولا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه) كما تقدم معنا.

    وهنا قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا) هذا اللسان كفه عن الكلام إلا من خير، فالصمت نجاة، (كف عليك هذا).

    فقال سيدنا معاذ رضي الله عنه وأرضاه: (يا رسول الله! عليه الصلاة والسلام وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟) يعني: بأي كلام نتكلم به، فكلامك انتبه له فلا تقع في غيبة ولا منكر، وهذا معلوم عند الصحابة قطعاً أنه حرام ولا يجوز الكلام فيه، لكن الثرثرة وكلام الرجل فيما لا يعنيه، فهل نحن مؤاخذون بما نتكلم به، يعنينا أو لا يعنينا من كلام لا ينفع لكنه ضرر, فقال عليه الصلاة والسلام: (ثكلتك أمك يا معاذ!) ، وما يريد نبينا عليه الصلاة والسلام الدعاء عليه بالفقدان، وأن يموت وأن تفقده أمه، حاشا وكلا، ولا يجوز لنبينا عليه الصلاة والسلام وهو أرحم بنا من أنفسنا فضلاً عن آبائنا وأمهاتنا عليه صلاة الله وسلامه، قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة:128-129].

    إنما كلمة اعتادت العرب أن تذكرها لتنديد الإنسان عندما يرتكب خطأ في الكلام، فسيدنا معاذ رضي الله عنه وأرضاه ظن أن الكلام إذا كان فيما لا يعني الإنسان فهو مما لا حرج فيه من الكلام الذي يتكلمه الإنسان.

    فقال النبي: (ثكلتك أمك) ، بمعنى فقدتك، واستغرب كيف يخفى على معاذ هذا؟ وأنت يعني: من الصحابة الذين لهم شأن، يخفى عليك أن كلام الإنسان في غير فائدة مضرة عليه! قال: (ثكلتك أمك! وهل يكب الناس على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- في النار إلا حصائد ألسنتهم؟).

    وفي بعض روايات الحاكم في آخر الحديث، وهي الرواية التي في كتاب الأدب في الجزء الرابع صفحة 287 قال له النبي عليه الصلاة والسلام في نهاية الحديث: (فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً وليسكت عن شر، قولوا خيراً تغنموا، واسكتوا عن شر تسلموا). وحقيقة رحم الله امرأً قال خيراً فغنم، أو سكت عن شر فسلم، وهذا اللفظ زيادة في مستدرك الإمام الحاكم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وفي رواية الطبراني وشعب الإيمان للإمام البيهقي زيادة أخرى: قال نبينا عليه الصلاة والسلام لـمعاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه: (إنك لن تزال سالماً ما سكت، فإذا تكلمت كتب لك أو عليك) ، فانتبه لهذا.

    فالحديث حقيقة يشير إلى خطر اللسان، وأن أكثر ما يلقي بني آدم في نار جهنم حصائد ألسنتهم؛ لذلك قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم صفحة 260، ونقل ذلك عنه الإمام السفاريني في غذاء الألباب في الجزء الأول ص65 قال: هذا يدل على أن كف اللسان وضبطه وحبسه هو أصل الخير كله، وأن من ملك لسانه فقد ملك أمره وأحكمه وضبطه. وحقيقة إن أصعب شيء على الإنسان ملك اللسان، فمن له عزيمة ملك لسانه.

    درجة حديث معاذ: (كف عليك هذا)

    والحديث صحيح كما تقدم معنا، صححه الترمذي وقال: حسن صحيح، وأقره أئمة الإسلام، والحاكم صححه وأقره الذهبي والحديث صحيح صحيح.

    أما الشيخ الألباني فقد أصدر أحكاماً متعددة متناقضة:

    الحكم الأول: حكم على هذا الحديث بأنه صحيح في صحيح الجامع في صفحة 913 من الجزء الثاني: (لقد سألتني عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئاً) إلى آخر الحديث، ثم قال: (إلا حصائد ألسنتهم) يقول هنا: صحيح، ثم قال: ح م ع, ح الإمام أحمد , والترمذي والحاكم , وه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان عن معاذ ، زاد الطبراني والبيهقي الزيادة التي ذكرنا. ثم أشار إلى إحالتين:

    الإحالة الأولى قال: الإيمان لـابن أبي شيبة ارجع إليه هناك ذكرت هذا الحديث، وتكلم عليه في تخريج كتاب الإيمان، وكتاب الإرواء أيضاً، فلما رجعت إلى الكتابين فإذا هو أصدر حكمين مختلفين.

    أما حكمه في صحيح الجامع: صحيح ولا تعيير على حكمه فالحديث صحيح، وقد صححه أئمتنا وكفانا الله المؤنة، لكن -كما قلت- أحال عليه في كتاب الإيمان لـابن أبي شيبة هو أول حديث فيه.

    يقول الشيخ الألباني في الحاشية: حديث صحيح للطريق التي بعده، فرجاله ثقات من رجال الشيخين، غير عروة بن النزال وثقه ابن حبان فقط، وأخرجه الترمذي من طريق أبي وائل عن معاذ وقال: هذا حديث حسن صحيح.

    وهذا كلام مقبول وهو حق، ولكن كما قلت: ليس التصحيح بناء على قول فلان وفلان من المتأخرين.

    فقد نقل هذين الحكمين في كتابه إرواء الغليل انظر الحديث في الجزء الثاني من إرواء الغليل، صفحة 138، 413.

    يقول: حديث (وذروة سنامه الجهاد) صفحة ست ومائة من كتاب منار السبيل في فقه السادة الحنابلة، وهم سادة كما أن الحنفية سادة رضي الله عنهم أجمعين.

    يقول: صحيح وهو بضعة من حديث لـمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم أورد الحديث، ثم قال: الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قلت: إسناده حسن، لكن أعله الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين، فقال بعد أن حكى تصحيح الترمذي : وفيما قاله رحمه الله نظر من وجهين.

    خلاصتهما أن أبا وائل روى الحديث عن معاذ ، وأبو وائل قالوا: لم يسمع من معاذ لكنه عاصره، ولكن لم يثبت سماعه ولقياه، وعند جماهير المحدثين كما هو معلوم أن المعاصرة كافية لقبول رواية الراوي، نعم البخاري رحمة الله ورضوانه، ومعه الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله لا يكتفيان بالمعاصرة وإمكان اللقاء بل لا بد من ثبوت اللقاء وتحقق السماع، وهذا أيضاً زيادة احتياط، لكن إذا روى راو عن شيخه وأمكن أن يلقاه سواء ثبت عندنا بعد ذلك سماع أو لم يثبت فيقال: هذه الرواية ثابتة، وهذا عند جماهير علماء الحديث رحمة الله عليهم جميعاً.

    طريق ثانية لحديث معاذ عن شهر بن حوشب

    يقول بعد ذلك الثاني: ورواه حماد بن سلمة من طريق أخرى عن عاصم بن أبي النجود عن شهر بن حوشب عن معاذ، وشهر بن حوشب أيضاً لم يدرك معاذ بن جبل.

    ثم قال الشيخ الألباني : نقلها الإمام أحمد في المسند، وحقيقة هذه الرواية موجودة في المسند، ويتعلق غرضنا من رواية أحمد المطولة في الجزء الخامس صفحة 45 إلى صفحة 46، الرواية مقيدة بنحو الرواية التي ذكرتها في الحديث، من طريق شهر بن حوشب لا عن معاذ، إنما من طريق شهر بن حوشب قال: حدثنا ابن غنم، عن معاذ بن جبل عندي مختصرة، وعبد الرحمن مختلف في صحبته، وعبد الرحمن بن غنم ذكره الإمام العجلي في كبار الثقات من التابعين، وقد أخرج له البخاري في صحيحه تعليقاً عن السنن الأربع.

    إذاً: شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل، فالطريق الآن متصلة، وليست من رواية شهر عن معاذ، بدون واسطة، وإنما من طريق عبد الرحمن بن غنم، وقد قيل فيه: إنه من كبار ثقات التابعين إن لم يكن شهر ، فروى عنه عن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، لكن هذه الرواية التي لا تنزل عن درجة الحسن، الألباني ضعفها فقال: وشهر ضعيف لسوء حفظه.

    وكأنه يتتبع دائماً ما قيل في الرواة فيأخذ أقل درجة، إلا أنه إذا لم يأخذ أحسن ما قيل في شهر فعليه أن يتوسط، يعني: خير الأمور الوسط، قال تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر:18]، فالقول الحسن وهو الوسط، أنك تأخذ أرجح ما قيل في الرجل.

    والشاهد في ذلك: أن هذه الوصية لم نحكم عليها بهذا، ويقول الحافظ في تقريبه: صدوق كثير الإرسال والأوهام، صدوق كثير الإرسال يرسل كثيراً؛ والرواية الآن متصلة من طريق عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، قال: صدوق كثير الإرسال والأوهام روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم في صحيحه متابعة، فلو أخذنا من كل المتأخرين لقلنا عنه: إنه ضعيف.

    وقد وجد أئمتنا اختلافاً في شهر، ولكن انظروا لغربلة الأقوال كما فعل الحافظ فقال: أقل ما يمكن قوله في شهر: إنه صدوق.

    قال الذهبي في الميزان: قال شعبة : لقيت شهراً فلم أعتد به، وقال النسائي: ليس بالقوي. أنقل ما قيل في الرجل، فليس من حقنا أن ننقل الذم فقط.

    قال الذهبي: وقد وثقه أحمد وابن معين، وقال أبو حاتم: ليس شهر دون أبي الزبير، وأبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي صدوق إلا أنه يدلس في حديثه.

    وأبو حاتم يقول: شهر ليس دون أبي الزبير، وقد توفي أبو الزبير سنة ست وعشرين ومائة.

    وقال الذهبي: وقال الخزرجي في الخلاصة في الجزء الأول صفحة سبع وأربعمائة يقول: روى شهر عن مولاته أسماء بنت يزيد، وهي تابعية، كما روى عن أم سلمة ، وعائشة، وابن عباس وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين, وأدرك شهر بن حوشب عدداً من الصحابة، وروى عنه قتادة وثابت البناني وعاصم بن بهدلة بن أبي النجود.

    ولا زال الكلام للخزرجي: وثقه أحمد وابن معين , وقال يعقوب بن سفيان شهر وإن قال ابن عون : تركوه فهو ثقة, وقال ابن معين: ثبت، وقال النسائي ليس بالقوي, وقال أبو زرعة : لا بأس به، هذا الذي في ترجمته في الخلاصة للخزرجي.

    قال الذهبي في السير: في الجزء الرابع صفحة 378: قلت: الرجل غير مدفوع عن صدق وعلم، والاحتجاج به مترجح. هذا كلام من؟ الذهبي، عليه وعلى أئمتنا رحمة رب الأرض والسماء.

    والحافظ ابن حجر يقول: صدوق، والإمام أحمد وابن معين ويعقوب الفسوي يقولان: إنه ثقة, نعم شعبة توقف فيه وقال: وما اعتد، والنسائي قال: ليس بالقوي, هل هؤلاء أعلم من أولئك، -والكل على عيني ورأسي- لكن نأخذ كلام الواحد، ونترك البقية فهذا ظلم، يعني: كلام لواحد ولا يوجد جهة أخرى، وهذا عبد من عباد الله وهو من التابعين السابقين، فلا بد من أن ننصف فلا نقول: شهر ضعيف على الإطلاق، فهذا التضعيف ضعيف، لأنه خلاف المقرر عند أئمتنا، فقد ضعفه قلة قليلة والأكثرون وثقوه واعتمدوا إمامته وضبطه فهو غير مدفوع، وكما يقول عنه الذهبي: والاحتجاج به مترجح.

    وقال الإمام الذهبي في الميزان في الجزء الثاني صفحة 482: قلت: ذهب إلى الاحتجاج به جماعة، قال الإمام أحمد : ما أحسن حديثه, ووثقه الإمام أحمد ، يقول: ووثقه الفسوي أيضاً، يقول: تكلم فيه ابن عون والفسوي تقدم ويقول: ثقة وإن تكلم فيه ابن عون.

    إذاً: ذهب إلى الاحتجاج به جماعة.

    فأنا أريد أن أقول: هل من حق واحد من المتأخرين في هذا الحين أن يعتمد كلام الإمام شعبة شيخ الإسلام, وكلام الإمام النسائي شيخ الإسلام، ويطرح أقوال الأئمة الكرام كالإمام أحمد وقول ابن معين وقول يعقوب الفسوي . وذهب إلى الاحتجاج به جماعة، ويطرح اعتماد الحافظ ابن حجر عليه في حكمه واعتماد الحافظ الذهبي عليه في حكمه، هل هذا من حق أحد من المعاصرين؟ لا والله.

    فهذا ليس من الإنصاف، ولذلك هذه الطريق التي في المسند متصلة ولو قدر أنه لم يثبت سماع أبي وائل من معاذ ، وأن يوجد تابعي بينهما، لو قدر هذا، فالآن زال الإشكال بهذه الرواية، لأن إسناد حديث شهر ضعيف فيعضد بتلك الرواية، إن كان أقصى ما يقال: فيه انقطاع, أو احتمال الانقطاع، وهنا متصلة من طريق ضعيف فتتقوى به، على أنه لا توجد هذه الرواية فقط، بل توجد روايات كثيرة كلها فيها أيضاً عدم سماع التابعي من معاذ الصحابي رضي الله عنهم أجمعين، لكن يمكن اتصال السماع.

    طريق ثالثة لحديث معاذ عن عروة بن النزال

    ومن هذه الطرق: طريق عروة بن النزال وهي التي تقدمت معنا في مصنف ابن أبي شيبة وهناك طرق أخرى من غير هذا الطريق، وعروة بن النزال قال عنه ابن حبان : ثقة, وما وثقه إلا هو. وهناك الألباني قال: هذه الطريق تتقيد بما بعدها والحديث صحيح بالطريق الذي بعده.

    ثم بعد ذلك ذكر بعض الروايات الأخرى، وذكر أن عروة بن النزال وثقه ابن حبان، وقال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: مقبول، وقد خرج حديثه عنه الإمام النسائي في سننه.

    ولا أريد أن أقرأ ثلاث صفحات بهذه الطرق، إنما الذي أريده حكم ابن النزال.

    يقول بعد ذلك: وخلاصة القول: أنه لا يمكن القول بصحة شيء من هذا الحديث إلا هذا القدر الذي أورده المصنف، صاحب منار السبيل لمجيئه من طريقين متصلين يقوي أحدهما الآخر, والله أعلم.

    نقول: أنت في صحيح الجامع أطلقت القول بالصحة على الحديث كله دون جزء متروك, وفي تعليقك على كتاب الإيمان لـابن أبي شيبة قلت: هذه الطريق صحيحة، حتى من طريق عروة بن النزال والذي بعده, وهنا الآن تقول: حديث: ( ذروة سنامه ) صحيح وهو قطعة من حديث معاذ وهذه القطعة هي التي تصح من هذا الحديث, لماذا؟ يقول: لأن هذه القطعة فقط وردت في الحاكم وهي الرواية الأولى في كتاب الجهاد والمغازي وهي صحيحة على شرط الشيخين ولكن يقول أيضاً: ميمون لم يسمع من معاذ لكن يقول: رواه الإمام أحمد بعد ذلك بإسناد متصل ورجاله ثقات غير أبي بكر وهو ابن عبد الله بن نمير الشامي رحمه الله وهو ضعيف.

    ثم قال: يتلخص مما تقدم أن جميع الطرق منقطعة في مكان واحد منها غير هذه الطريق, وأحد طريقي شهر بن حوشب فهي تقوي هذه، وأما الطرق الأخرى فلا يمكن القول فيها أنه يقوي بعضها بعضاً، لأن جميعها متحدة العلة، وهي سقوط تابعيها منها، ويجوز أن يكون واحداً، وعليه فهي حينئذ في حكم الطريق الواحد ويجوز أن يكون التابعي مجهولاً، والله أعلم.

    وهذا التحقيق باطل، والسبب في بطلانه رواية شهر بنفسها لا تنزل عن درجة الحسن, ولو سلمنا قوله في تلك الطريق أو الطرق التي فيها احتمال الانقطاع -أي: سقوط التابعي- فمجيئه هنا من طريق ضعيف من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل بين لنا أن الحديث متصل، وإن كان هناك احتمال انقطاع من طريق أخرى.

    على أنه ورد الحديث في مكان آخر في المستدرك وهو الذي ذكرت لكم في كتاب الأدب من غير هذه الطرق من أولها لآخرها، والألباني ما وقف على ذلك، ولذلك تناقض في هذا الحديث بهذه الأحكام المختلفة المتضاربة.

    أما الحديث في كتاب الأدب في الجزء الرابع صفحة 286 فرجال إسناده رجال ثقات أثبات هم أشهر من الشمس في رابعة النهار، وهو متصل الإسناد كما سمعت.

    رواه الحاكم عن شيخه أبي العباس محمد بن يعقوب وهو الإمام الأصم في هذه الرواية، توفي 346 وقد حدث ستة وسبعين سنة حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وأصيب بالصمم في شبابه, وهو في بضع وعشرين سنة، ولذلك عندما كان يحدث يحدث من لفظه ولا يسمع بعد ذلك شيئاً بالأذن، وهذه العلوم كلها تلقاها في صباه، وحدث ستاً وسبعين سنة حديث النبي عليه الصلاة والسلام والصمم طرأ عليه في الصغر، وأذّن سبعين سنة، وهو أبو العباس محمد بن يعقوب عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    روى الحديث عن الربيع بن سليمان وهو المرادي تلميذ أبي عبد الله الإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله، قال الحافظ ابن حجر : هو صاحب الشافعي ثقة، حديثه مخرج في السنن الأربعة.

    وأما أبو العباس فهذا حياته متأخرة، وما روى عنه أهل السنن؛ لأنه عاصرهم وعاش بعدهم, يعني: الإمام النسائي توفي سنة ثلاث وثلاثمائة، وهذا بعده فقد توفي بعد ست وأربعين وثلاثمائة عليهم جميعاً رحمة الله، إذاً: كلهم الآن ثقات أثبات.

    الرجل الثالث: عن عبد الله بن وهب، وهو شيخ الإسلام أبو محمد المصري ثقة التقي الحافظ العابد حديثه في الكتب الستة، توفي سنة 197.

    هذا الثالث من السلسلة يقول: أخبرني أبو هانئ , وأبو هانئ في المستدرك هو حريث بن هانئ الخولاني المصري، قال ابن حجر في التقريب: هو أكبر شيخ لـعبد الله بن وهب، لا بأس به، حديثه في الأدب المفرد للبخاري وصحيح مسلم والسنن الأربعة.

    الرجل الخامس: عن عمرو بن مالك الجنبي، قال الحافظ في التقريب: مصري ثقة، حديثه في الأدب المفرد والسنن الأربعة.

    انتهينا الآن من الترجمة.

    سنأتي إلى ثلاثة من الصحابة, وهذا من عجائب الحديث، ثلاثة من الصحابة يروونها عن بعضهم، عن فضالة بن عبيد وهو صحابي عن عبادة بن الصامت صحابي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على راحلته وأصحابه معه بين يديه، فقال معاذ بن جبل بنحو الحديث المتقدم.

    اختلاف أقوال الألباني في الحكم على حديث معاذ

    فالرجال ثقات أفذاذ، فلم هذا التناقض والتذبذب معه؟ والسبب كما قلت لكم مراراً: اليوم الجهابذة انقطعوا، وبقي مشتغلون وباحثون، وهؤلاء حالهم كما رأيت، ولذلك حكم الألباني على الحديث بأنه لا يصح منه شيء إلا قوله صلى الله عليه وسلم: ( وذروة سنامه الجهاد ) لوجود شواهد لها، وهذا الحكم مردودٌ، وإني لأعجب من الشيخ الألباني بعد أن يسمع أن الترمذي يقول: حسن، وأن الحاكم يصححه، ويقره الذهبي ، ويتتابع على ذلك أئمة الإسلام، وهذا الحديث ضمن الأحاديث الأربعين النووية التي يحفظها صغار الأولاد، ثم يأتي ويقول: ما صح منه إلا هذه القطعة.

    وهذه الشواهد كلها موجودة، فهذا هو التناقض، وأنت الآن هنا تقول: صحيح، ثم تقول: ارجع لكتاب كذا، فرجعنا ورأينا حكمه المتناقض, وهذا ما أكثره في كتبه، تراه هنا يقول: صحيح، ثم ترجع بعد ذلك لإرواء الغليل فيقول: ضعيف جداً، فهنا تقول: صحيح، وهنا: ضعيف جداً! هذا حالنا في هذه الأيام، والأمة الإسلامية لما كانت حالتها في الفقر الذي تعيش فيه، وفتنت عن الينبوع الصافي, وأقصد به كتب أئمتنا، راج عليها هذا الكلام، وإلا لو أن العلم يؤخذ بالمدارسة والمناصحة لم نر مثل هذا الكلام، لكن لأمور كما ترى, فقط أن تحشو به هذه المعلومة وننتهي كيفما كان، فهذا غلط، ولذلك قلت: لا بد من التحقيق والتمحيص في كل قضية من كلام المعاصرين، أما المتقدمين إياك أن تمحص أو تتحقق؛ فإذا قال الترمذي: حسن صحيح فقل على العين والرأس، وإياك أن تتسفه كما يتسفه كثير من الناس كأن يقول: رواه البخاري وصححه الألباني، أو قال عنه الترمذي: حسن صحيح, وأقره الشيخ الأرنؤوط، هذا الكلام ضعفناه، وهذا الكلام لا أبرأ نفسي، فقد كنت أيضاً أحياناً ممن يقوله، يعني: أقول مثلاً: الحديث حسنه الترمذي وقال الشيخ الأرنؤوط في تعليقه على جامع الأصول: حسن, ثم -حقيقة- لما تأملت في الأمر وجدت أن هذا من باب السفه، وأيضاً لا أرد كلام المتقدمين بكلام المعاصرين، فهذه قضية عندي منتهية منذ أن تأتى لي العلم بفضل الله ومنته.

    فلا أرى أن تقوي كلام المتقدمين بالمتأخرين، فإن قلت: حسنه الترمذي فلا داعي أن أقول: وأقره ووافقه الأرنؤوط أو الشيخ أحمد شاكر، أو غيره ممن يحترم الحديث في هذا الزمان عليهم جميعاً رحمة الله.

    قل: حسنه الترمذي وانتهى، أو قال عنه الحافظ ابن حجر: إسناده قوي وانتهى. أو قال عنه الإمام المنذري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: إسناده صحيح وانتهى، وهكذا ولا داعي أن نبحث في كلام المعاصرين، والعلم عند رب العالمين.

    هذا الحديث له شأن في هذه القضية؛ ألا وهو ضبط اللسان.

    1.   

    أهمية ضبط اللسان

    وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام: أن العبد قد يتكلم بكلمة لا يلقي لها بالاً يكتب له بتلك الكلمة رضوان الله أو سخط الله، فانتبه لكلام رسول الله عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر.

    ثبت في المسند والصحيحين وسنن الترمذي وموطأ الإمام مالك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد ليتكلم بكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم).

    هناك تكلم بكلمة من رضوان الله ما ألقى لها بالاً، وما اهتم بها وما ظن أن لها هذا الأثر وهو أن يرفع بها في الجنة.

    وهنا كلمة ظن أنها يسيرة في عِرض مؤمن, أو أحياناً في التعليق على حُكم من أحكام الشريعة، وهو لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم.

    والحديث ثبت في الصحيحين أيضاً بلفظ آخر: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب)، ما يتبين فيها، أي: لم يتحقق، مجرد يلقي الكلام يظن أن المسألة سهلة, فيهوي بها في النار (يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب).

    الكلام المشوش في بلاد اليمن لـمقبل ، هل هو مقبل على فتنة أو على نعمة العلم عند الله؟ عندما جاء وعلق على موضوع اتباع المذاهب يقول: لو قلدنا المذاهب الأربعة لقلدنا أبا بكر وعمر، فلا تقلد المذاهب الأربعة ولا أبا بكر ولا عمر، ولا تقلدون إلا أهواءكم حسب ما يملي عليكم شيطانكم ثم تدعون الكتاب وسنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    أنا أعجب إخوتي الكرام من هذا غاية العجب, يعني: لا أبا بكر ولا عمر ولا أحد، هم رجال ونحن رجال.

    وثبت هذا الحديث في سنن الترمذي وفي بعض رواياته: ( إِنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يَهْوِي بها سبعين خريفاً في نار جهنم).

    والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وسأختم الكلام عليها في هذا الحديث الثابت في موطأ الإمام مالك وسنن الترمذي ، وقال: حسن صحيح. فلا داعي أن نقول: وافقه الشيخ الأرنؤوط في جامع الأصول وهو حسن صحيح من رواية بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه وأرضاه أن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه).

    وانظروا الحديث في جامع الأصول في الجزء الحادي عشر صفحة 730، وهكذا رواية حديث أبي هريرة المتقدمة في جامع الأصول في هذا المكان، والعلم عند ذي الجلال والإكرام.

    1.   

    خطورة الكلام عن الله بغير علم

    وقبل أن ننتقل إلى الأمر الرابع ألا وهو حفظ الأذن عند حفظ اللفظات عندي تعليق كنت كتبت رؤوس أقلام هو في ظني أن ينتهي في هذه الموعظة، فإذا انتهى ربعه حسب ما يظهر الآن فخير، وبقية المباحث تأتينا فيما بعد إن شاء الله.

    قلنا: ينبغي أن نحفظ اللسان وأن نصونه عن الهذيان، فإذا كنت تطالب بحفظ لسانك عما لا يعنيك، فكيف ينبغي أن يكون حالك مع لسانك عندما تتكلم في شرع ربك، في دائرة الحلال والحرام؟

    ينبغي أن تحترس غاية الاحتراس، من تكلم في شرع الله أو أفتى، أما تعلمون إخوتي الكرام أنه ينيب نفسه عن ذي الجلال والإكرام؟ ألا تعلمون أنه يكون في هذا خليفة لنبينا عليه الصلاة والسلام؟

    وتقدم معنا أن ورثة الأنبياء وخلفاء الأنبياء هم العلماء، فعندما تقول: هذا حلال وهذا حرام، فأنت توقع عن ذي الجلال والإكرام, وعن خير ولد آدم نبينا عليه الصلاة والسلام, وإذا كنت توقع عنه وتختم هذه الفتيا من قبل الله ومن قبل الرسول عليه الصلاة والسلام، فينبغي أن تحتاط غاية الاحتياط، والذي معه الختم الذي يختم به على توقيع الأمير، لو قدر أنك أتيته بتوقيع فيه شيء أحياناً من تزوير، أو حتى لو أن الأمير وقع ولكن التوقيع خالف التوقيع الأصلي فالذي معه الختم لا يختم لك، وأحياناً لو تأكد من التوقيع والأمر مهم فإنه يذهب بنفسه إلى سيده, ويقول: سيدي! أنت وقعت؟ أختم؟ وأنت الآن ستوقع عن الله، وعن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وستقول للناس: هذه جنة وهذه نار فانتبه! وإذا أردت أن تسلم فاعرض نفسك على نار جهنم وعلى الجنة قبل أن تفتي، واعلم أنك صائر إلى أحدهما عندما تفتي.

    وهذا الأمر لو وعى الناس في هذه الأيام أهميته لاستراحت الأمة، لكن حقيقة بدأت تخلط وتحقق، والشيخ الألباني كتناقضاته الكثيرة في الحديث يتناقض ويخبئ تناقضاً وتخبيطاً لا نهاية له في الثقات، وقد نصحته وهي نصيحة ولد إلى والد أن يكف لسانه عن الفتيا، وإذا سئل فليصل إلى الأئمة الفقهاء إن لم يدرس كتبهم، وهو مخبر عن نفسه بأنه كان حنفياً ثم اهتدى.

    وأقول: لو كتب فيك على ما كنت عليه -وإن كنت تزعم أنه ضلال قديم- فهو خير من الضلال الحادث الذي صرت إليه فيه، فضلالك القديم الذي اهتديت منه ليس ضلالاً، وسأذكر لكم فتيا تتطاير بها الأشرطة في هذه الأيام، وفيها إباحة الفروج عن طريق ما حرم الرحمن.

    والله أنا أجزم عن الشيخ أنه ما قصده، لكنه تعثر لعدم علمه في الفقه، ولو كان ممن يدرسون الفقه لكان من الفقهاء، وهذه بينه وبينها مراحل، وبين المعاصرين وبين أئمتنا الفقهاء ورتبة الفقه مراحل، وأنا -كما قلت- على يقين أن الشيخ لم يقصد هذا الأمر، ولكن هذا حال من لم يعد العدة، فعندما لم يعد العدة زل وأزل، وحقيقة هذا خطأ ينبغي للإنسان أن يتقي ربه نحوه.

    وقلت للشيخ الألباني سابقاً: لا تغتر لقول العوام لك: إنك فقيه الزمان، والله لو أن الألباني أنصف لقال لمن قال له: إنك فقيه الزمان: اسكت أنت شيطان، فلا تغتر أيها الشيخ!

    وكما قلت لك سابقاً: أنت الآن على شفير القبر وكلنا على هذا الطريق, ونسأل الله حسن الخاتمة، فكف لسانك عن الفتيا، ولا تدخل نفسك في هذا الأمر الذي ما جعل الله لك فيه نصيباً، وإذا اشتغلت بالحديث التزم أيضاً بهدي أئمتنا, وجزاك الله خيراً على ما تقوم به من تخريجات، وبيان مواضع الحديث في كتب أئمتنا الثقات.

    فجزاك الله خيراً، وهذا أمر تثاب عليه وندعو لك بالليل والنهار على جهدك وخدمتك، ولكن لا تخرج عن وظيفتك، فمتى ما خرجت تعثرت، وتأتي حقيقة بكلام باطل منكر، والفتيا منشورة ضمن شريط الزكاة في عروض التجارة، ولا أريد أن أتكلم على مخالفته لجمهور المسلمين، بل للإجماع الذي حكي في هذه القضية, وأن عروض التجارة فيها زكاة، فلا أريد أن أتكلم على هذا، وهذا سيأتينا في مباحث أخرى، إنما سأتكلم على قضية لا خلاف فيها، والشيخ هو أول من خالف فيها في هذه الأمة المباركة، وما سبقه إلى هذا إنس ولا جان ممن ينتمي إلى الإسلام.

    أما عروض التجارة -كما قلت- لن أتكلم فيها، وإن كان كلامه فيها باطل باطل باطل، وقد حكى الإمام ابن المنذر على أن الزكاة واجبة في عروض التجارة, ونقل الإجماع على ذلك، ونقل كلام الإمام ابن المنذر الإمام ابن قدامة في المغني في الجزء الثاني صفحة اثنتين وعشرين وستمائة وانظروه في كتاب الإجماع لـابن المنذر في صفحة 51 يقول: أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في عروض التجارة، فالمسألة إجماع.

    وعلى هذا المذاهب الأربعة المتبعة كما في كتاب الإفصاح لـابن هبيرة في الجزء الأول صفحة ثمانين ومائة، فلا أريد أن أتكلم في هذه القضية، إنما أريد أن أتكلم كما قلت في قضية أخرى، وهي المطلقة.

    قول الألباني باستئناف عدد الطلقات من جديد في حق من طلقت طلقتين ثم عادت لزوجها بعقد جديد

    الرجل يباح له أن يطلق زوجته مرتين وأن يراجعها، فإذا طلقها الثالثة حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره بنكاح رغبة، فإن لم يحصل بينهما عشرة وطلقها الزوج الثاني فلها أن تعود إلى زوجها.

    هذا هو الحكم المقرر.

    إذاً: له طلاقان فإذا صدر منه الثالث حرمت لكن يجوز عند الشيخ الألباني أن تطلق ثلاثاً وخمساً وخمسين وخمسمائة وخمسة آلاف ولكن بصورة سأذكرها، وهي:

    أنك تطلق طلقة أولى وتراجع، وطلقة ثانية وتراجع، حتى تنقضي عدتها، فإذا انقضت عدتها ملكت نفسها، وعلى تعبير الشيخ -أنا سأقرأ لكم كلامه- صارت حرة، فهذه تخطبها مرة ثانية فإن رضيت فلا بد الآن من إجراء عقد جديد ومهر على أنها زوجة جديدة من نكاح جديد، فإذا رضيت عادت إليه بلا ريب؛ لأنه ما صدر منه إلا طلاقان، فيجوز أن تعود إليك، ولكن إن عادت إليك كم طلقة يجوز أن توقعها عليها بعد ذلك؟ طلقة واحدة إلا الألباني، قال: وإن عادت إليه تعود بثلاث طلقات، أي يجوز أن تطلقها ثلاث طلقات بعدها، فيجوز أن تطلقها طلقة وتراجعها، وطلقة وتراجعها، فإن طلقتها ثلاثاً، فإن عادت فاعمل كالسابق، لم؟ قال: هذه الآن صارت حرة، عندما انتهت عدتها، فصار زوجها الأول وغيره سواء، فإن عاد إليها زوجها الأول فله ثلاث طلقات، وإن تزوجها آخر أيضاً له ثلاث طلقات، هذا الحكم الغريب، هل سمعتم به؟!

    أنه يجوز أن ترجع إليه بثلاث طلقات هل أحد قاله؟ ما أعلم فضيلة الشيخ أحداً قال هذا، وأنا على حسب علمي لو راجعت لكتب من أولها لآخرها في هذه القضية, وقرأت لكم كلام العلماء لم أجد مثل هذا الكلام، حقيقة أمر يوهم العقلاء، فالشيخ عنده يجوز.

    إنما إذا كانت هي في عصمتك وطلاق رجعي وطلقتها في الأولى وراجعتها، ثم الطلاق الثاني وراجعتها، ثم الثالثة حرمت عليك، أما ثانية ولم تراجعها وانقضت عدتها؟ ثم تزوجتها ما بقي عليها ولو طلاق يسير، لك أن تراجعها من جديد، وسار لك طلاق أول وثاني وثالث حتى تحرم عليك. وهكذا لو مرة ثانية تزوجتها وطلقتها طلاقين، وتركتها فانتهت عدتها، ثم راجعتها، وهكذا ما دمت تعيش معها.

    ولذلك إذا أراد الإنسان أن يطلق زوجته أولى وثانية وخشي أن تقع منه الثالثة، لا يراجعها بعد الثانية حتى تنتهي العدة، ثم يراجعها بعقد جديد حتى تعود إليه جديدة، كأنها ما تزوجت، يعني: حفلة زائدة!

    هذه الفتيا سأقرؤها عليكم من كلامه في هذا الشريط الذي أحضره لي بعض الإخوة, وما كان البحث عن هذه المسألة، إنما البحث عن اللغط حول موضوع زكاة عروض التجارة, وإذ رأيت ما هو أدهى وأمر, ولما سمعت الشريط قلت: رب! أسألك أن تظهر الحق.

    فهذه الفتيا التي نعيبها في هذه الأيام كلها نماذج لهذه الأمة التي خرجت عن مذاهب أئمتها ويقول: حكم كذا وحكم كذا، عروض التجارة لا زكاة فيها، وهذا خلاف المذاهب الأربعة، وخلاف الإجماع المحسوم.

    وهنا عندما تقول له: الذهب المحلق للنساء، والإجماع منعقد على هذا، سيقول: الإجماع كله لا قيمة له ولم ينعقد، ولا يوجد إجماع في هذه المسألة، ولو قال الصحابة كلهم: الذهب المحلق على النساء حرام.

    هذا كلامه, لا عبرة له، وهذا خروج عن المذاهب الأربعة، وخروج عن الإجماع المحسوم في هذه المسألة، يقول: المذاهب الأربعة لا قيمة لها، وأنا اجتهد كما اجتهدوا، والإجماع لا يكون فعلياً، وهنا الآن ماذا سيقول في هذه المسألة؟

    ولو قال قائل: في حالة الزواج والطلاق في رجل طلق زوجته ثم راجعها في الطلقة الأولى أثناء العدة، ثم طلقها مرة ثانية حتى أكملت العدة، وذهبت إلى دار أهلها ثم أعادها بعقد كما هو معروف، هل يجوز له؟ وهل نقول بعد استرجاعها في العقد الثاني: إنها إذا طلقها بعد ذلك يجوز له أن يطلقها ثلاثاً؟

    قال الشيخ الألباني إذا عادت إليه له ثلاث طلقات عليها، ويضيف فيقول: هي بهذا العقد كما لو كانت امرأة لم تعرفها، فهذا خبط، ومن تتعرف عليه مطلقاً؟ يعني: كل ما سبق لا قيمة له، يعني: العدة انتهت بعد الطلاق الثانية، فأصبحت بهذا الطلاق حرة، وما دام قد انقضت العدة فلها أن تزوج نفسها له أو لغيره، فكما أصبحت هنا حرة، فبحريتها رجعت إلى زوجها الأول بعقد جديد, فهي كأنها زوجة من جديد، فله عليها ثلاث طلقات، ونص الكلام هكذا:

    السائل: يعني: في هذه الحالة إذاً يستطيع الرجل أن يتزوج المرأة ويطلقها أقل من ثلاث كما هو مذكور في القرآن: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229].

    الجواب: يقول الشيخ الألباني: لا، لأنه إذا أكملت فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، بعد قوله: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فهو طلق أكثر من مرتين وثلاث ومسموح له خمسة، يقول: لأن الآية تقول: فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229].

    فإن طلقها في الثالثة وهي في عصمته بانت منه، أما هذه الصورة فليست في عصمته، أي -الصورة الثانية- هذا كلام الشيخ الألباني .

    قال: والمعروف عند أغلب الناس، أنه إذا طلق مرتين سواء انقضت العدة وأعيدت بعقد أو لم تعد، هي حدها ثلاث طلقات، فهذا أمر معروف عند الناس.

    والشيخ الألباني يقول: هذا الطلاق المذكور في القرآن هو الطلاق الرجعي، فإذا ما بقيت العدة، وأصبحت حرة فليس الطلاق رجعياً، يعني: ما معنى طلاقاً رجعياً؟ يعني: رجعها لعصمته رغم أنفها، وما دامت صورة المسئول عنها أنها أصبحت حرة بسبب انقضاء عدتها، فهي كما أنه تزوجها من جديد.

    وكما قلت: هذا هذيان وافتراء على الشريعة الإسلامية، وكنت قلت في تعليق على فتوى للباقوري -وقد أفضى إلى ما قدم- وقد قال: يجوز للمرأة إذا ذهبت إلى البحر لتسبح أن تصلي لله يوماً على شاطئ البحر قصراً وجمعاً؛ لأنه لا يوجد دليل على تحديد مسافة للقصر.

    ونحن الآن جماعة سلفية، فهاتوا الدليل على أنه لازم عليها أن تخرج ستين كيلو متراً أو ثمانين كيلو متراً، لا يوجد دليل، فإن خرجت من الإسكندرية إلى شاطئ البحر فهذا سفر، ثم تصلي بالمايوه أين الدليل الملزم بستر العورة؟ يعني: أنه سافر إلى شاطئ البحر، فإذا كان كل صلاة ستؤديها تتأخر عن الزينة فلتجمع وتأتي بالصلاة مقصورة حتى ما تتأخر عن البلد.

    قلت: لماذا جئت بهذه القضية حتى تلوث الشريعة بهذه الفتيا، فقلت في التعليق عليه: هذه ليست فتيا، بل هذه يجب أن تقلب التاء فيها سيناً، وفتيا الألباني نظير تلك الفتيا.

    أقوال المذاهب في رجوع المبانة بينونة صغرى إلى زوجها بعد انقضاء العدة

    قال أئمتنا في هذه القضية: في المغني في الجزء الثامن صفحة 442 يقول الإمام ابن قدامة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا:

    مسألة: قال، يعني الإمام الخرقي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: وإذا طلق زوجته أقل من ثلاث فقضت العدة ثم تزوجت غيره ثم أصابها ثم طلقها أو مات عنها وقضت العدة ثم تزوجها الأول فهي عنده على ما بقي من الثلاث.

    قال الإمام ابن قدامة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: وجملة ذلك أن المطلق إذا بانت زوجته منه ثم تزوجها لم يخل من ثلاثة أحوال:

    أحدها: أن تنكح غيره ويصيبها ثم يتزوجها الأول؛ فهذه ترجع إليه على طلاق ثلاث بإجماع أهل العلم, قاله الإمام ابن المنذر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    والسبب في ذلك: أن هذه الزوجة بانت من زوجها الأول بينونة كبرى، فعندما طلقها ثلاثاً، فإذا تزوجها زوج ثان وأصابها، يعني: وطأها، ثم طلقها بعد ذلك، فإذا تزوجها زوجها الأول الذي طلقها ثلاثاً وبانت منه بينونة كبرى، تعود إليه وله أن يطلقها بعد ذلك ثلاثاً؛ لأن الزوج الثاني هدم الطلقات المتقدمة من الزوج الأول.

    والحال الثاني: أن يطلقها دون الثلاث، ثم تعود إليه برجعة -يعني: إذا كان الطلاق رجعياً- أو نكاح جديد، يعني: إذا كان الطلاق بائناً بينونة صغرى دون الثلاث، إذاً: إما أن تعود إليه برجعة في الطلاق الرجعي، أو بنكاح جديد في بائن بينونة صغرى.

    قال: والثاني: أن يطلقها دون الثلاث ثم تعود إليه برجعة أو نكاح جديد قبل زوج ثاني، فهذه ترجع إليه على ما بقي من طلاقها بغير خلاف نعلمه.

    فهذا قول ابن قدامة وهو من القرن السابع للهجرة، ولا يوجد خلاف بين المسلمين على أن من طلق زوجته أولاً وثانياً ثم راجعها سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً فراجعها بعقد أو بمراجعته دون عقد فترجع على ما بقي له من الثلاث، فإن طلقها طلقة وراجعها فله طلقتان، وإن طلقها طلقتين وراجعها فله طلقة، بغير خلاف نعلمه.

    والصورة الثالثة هذه التي اختلفوا فيها وهي: إذا طلقها دون الثلاث فقضت عدتها ثم نكحت غيره، ثم تزوجها الأول، فعن أحمد روايتان:

    إحداهما: ترجع إليه على ما بقي من طلاقها، وهذا هو مذهب الجمهور؛ مذهب الإمام الشافعي ومذهب الإمام مالك، مع أنها تزوجت بعد ذلك فلو أنه طلقها طلقتين، وبانت منه ولم يراجعها، ثم تزوجت رجلاً آخر ثم طلقها وعادت إلى الأول، فعند الإمام أحمد والشافعي ومالك ترجع إلى زوجها الأول، وله طلقة واحدة, والزواج الثاني لا يهدم الطلقتين إلا إذا كانت لا تحل للزوج الأول؛ لأنها لم تكن محرمة عليه حتى يهدم الزوج الثاني ما كان محرماً على زوجها الأول، فترجع إليه على ما بقي من طلاقها، وهذا قول الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر وعلي وأبي ومعاذ وعمران بن حصين وأبي هريرة , وروي ذلك عن زيد وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وبه قال سعيد بن المسيب وعبيدة والحسن ومالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر ، وهو المعتمد عند الحنابلة.

    يقول: والرواية الثانية عن أحمد: أنها ترجع إليه على ثلاث, وهذا لم يعمل به الحنابلة، وهذا قول ابن عمر وابن عباس وعطاء والنخعي وشريح وأبي حنيفة وأبي يوسف . يقولون: لأن وطء الزوج الثاني مثبت للحل, فيثبت حلاً ويتسع لثلاث تطليقات كما بعد الثلاث؛ لأن الوطء الثاني يهدم الطلقات الثلاث, فأولى أن يهدم ما دونها، وهذه حجة الحنفية.

    يقول: ولنا أن وطء الثاني لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول, فلا يغير حكم الطلاق، يعني: وطء الثاني وجوده وعدمه سواء؛ لأن الأول يمكن أن يتزوجها، فتعود إليه كما كانت، له عليها طلقة واحدة، وقد مضى منه طلاقان.

    ثم قال: لأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث فأشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني.. إلى آخر كلامه.

    وهذا -كما قلت- هو المقرر عند أئمتنا، وانظروه في الروضة للإمام النووي في الجزء الثامن صفحة أربع عشرة ومائتين، وانظروه في الروض المربع لشرح زاد المستقنع، والعجب ممن يقول عن زاد المستقنع، وهو يضبط لفظه: من قرأ كتاب الزاد -أي: زاد المستقنع- أظلم قلبه وقسا، وقال: أنا أريد منك أن تقرأ في زاد المستقنع حتى تنظر للقسوة التي في قلبك، ولو أن إنساناً في سجنه وزنزانه وأعطيته زاد المستقنع ليقرأه لأُتي على عقيدته!

    وأنا أقول: أنتم لما انعزلتم عن كتب أئمتنا بدأتم تهرفون بما لا تعرفون، وانظر الآن للروض المربع في شرح زاد المستقنع، كيف يفهمها الطالب الذي في الابتدائي، لا فقيه الزلل، فهذه هي الكتب التي كنتم تقولون عند قراءتها: الحمد لله الذي هداكم، وتقولون: كنت حنفياً فهديت، إلى أي شيء هديت؟! ابحث عن نفسك الآن، وانظر للهداية التي صرت إليها!

    يقول في الزاد ومعه الشرح: ومن طلق دون ما يملك بأن طلق الحر واحدة أو اثنتين, أو طلق العبد واحدة، لأن طلاق العبد ثنتين، ثم راجع المطلقة رجعياً أو تزوج البائن لم يملك من الطلاق أكثر مما بقي من عدد طلاقه، وطئها زوج غيره أو لا.

    هذا عند الحنابلة؛ لأن وطء الثاني لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول، فلا يغير حكم الطلاق كوطء السيد, كما لو وطئ الأمة بعد أن طلقت طلقتين ثم وطئها السيد بملك اليمين، وأراد الزوج الأول أن يسترجعها وقد كانت منه طلقتان ولم يبق له إلا طلقة.

    يقول: بخلاف المطلقة ثلاثاً إذا نكحت من أصابها ثم فارقها ثم عادت للأول فإنها تعود على طلاق ثلاث.

    أهمية الفقه والفهم في صحة الفتوى

    ونحن لما انفصلنا عنهم تخبطنا في الحديث، وتخبطنا في الفقه، أنا أقول للشيخ الألباني : المحدثون لهم منزلة, والفقهاء لهم منزلة، ولا يعني هذا بأننا نستنقص من المحدثين حاشا وكلا أن أعده في زمرة المحدثين فهذا امتهان لأئمتنا المحدثين، إنما يكفيه شرفاً أن يشتغل بحديث النبي عليه الصلاة والسلام, وأنه ممن جندوا أنفسهم لخدمة سنة النبي عليه الصلاة والسلام وبين المعنيين فرق.

    أما أن يقال: محدث وفقيه فهذه سفاهة ينبغي أن يحجر على قائلها وأن يضبط عندما يتفوه بهذا الكلام.

    إنما أقول: كفاك فخراً أن تشتغل بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أريد أن أقول: المحدثين الكبار كـالأعمش وابن معين كانوا يعرفون قدرهم، وكان الواحد لا يزج بنفسه في مقام الفتيا، فمن يشتغلون بالحديث في هذه الأيام نحوهم؟

    والقصة كنت ذكرتها سابقاً, وأعيدها على وجه الإدلال لأنها ترتبط بمبحثنا, يذكر الإمام ابن عبد البر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في جامع بيان العلم وفضله, في الجزء الثاني صفحة 131 في باب ذكر من ذم الإكثار من الرواية دون تفهم وتفقه, يقول:

    عن عبيد الله بن عمرو: كنت في مجلس الأعمش فجاءه رجل فسأله عن مسألة فلم يجبه فيها، ونظر فإذا أبو حنيفة شيخ الإسلام، وفقيه هذه الملة، فقال: يا نعمان! قل فيها. قال: القول فيها كذا. فقال له الأعمش: من أين تقول؟ ما دليلك؟ يعني: أنت نزل عليك وحي، قال: من حيث حدثتناه، أنت حدثتنا بأحاديث مثل هذا الحكم. قال: فقال الأعمش : نحن الصيادلة وأنتم الأطباء.

    يقول: يا أعمش أنت حدثتني، وأنت ثقة، وحديثك فيه فتيا هذا الرجل لكنك ما عرفت تستنبط، قال: أنتم الأطباء ونحن الصيادلة.

    وكنت ذكرت قصة هي في كتاب المحدث الفاصل للإمام الرامهرمزي صفحة 250 وخلاصتها: أن امرأة جاءت على مجلس أبي زكريا يحيى بن معين إمام المحدثين في زمنه -وعيب أن يذكر بجنبه أحد ممن يشتغل بعلم الحديث في هذه الأيام- ومعه أبو خيثمة وخلف بن سالم في جماعة من أصحاب الحديث، هذا في القرن الثاني يتذاكرون حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فجاءت امرأة فقالت: يا أبا زكريا! لـيحيى بن معين: هل يجوز للحائض أن تغسل الميت؟ قال: لا.

    ثم أقبل أبو ثور قرين الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا توفي سنة 240 للهجرة، وهو من تلاميذه الكبار، فلما جاء أبو ثور قال يحيى بن معين: عليك بهذا الإمام, فإذا سألتيه عودي إليّ فأفتيك.

    فسألت أبا ثور : هل يجوز للحائض أن تغسل الميت؟ قال: يجوز. قالت: وما الدليل رحمك الله؟

    قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام لأمنا عائشة : (ناويليني الخمرة فقالت: إني حائض فقال: إن حيضتك ليست في يدك)، أي: هذا شيء معنوي لا يضر، وهذا الحديث ثابت في المسند وصحيح مسلم والسنن الأربعة وموطأ الإمام مالك وهو حديث صحيح.

    وقالت أمنا عائشة رضي الله عنها: (كنت أفرق رأس النبي صلى الله عليه وسلم وأنا حائض) والحديث في الصحيحين وغيرهما: و(كان يتكئ في حجر أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها فترجله وهي حائض).. وهي حائض.

    قال لها: فإذا جاز للحائض أن ترجل الحي، وجاز لها أن تناوله الشيء وهي حائض، فيجوز لها أن تغسل الميت.

    قالت: جزاك الله خيراً، فذهبت إلى أبي زكريا وأخبرته بالفتيا، فقال لها: سألتيه عن الدليل؟ قالت: نعم فذكرت له الحديثين. فقال: نحفظ كل واحد منهما من كذا وكذا طريقة. فقالت: رحمكم الله! أين كنتم لما سألتكم؟ يعني: أنا سألتكم وما أجابني أحد، وتحفظون هذه الروايات!

    فلا بد من أن نقف عند حدنا.

    كان الإمام مالك إمام دار الهجرة إذا سئل عن شيء من القراءات في كلام رب الأرض والسماوات، يقول: اسألوا نافعاً, إن نافعاً إمام القراءة في البرية.

    وهكذا نافع إذا سئل يقول: سلوا مالكاً عن الحديث والفقه فهو إمام دار الهجرة.

    وأنا أقول لهذا الشيخ كما قلت مراراً نصيحة ولد لوالده: الطف بنفسك وبأمة نبيك صلى الله عليه وسلم، وهذه الفتاوى التي أصدرتها أتبعها بشريط، أن كل فتيا صدرت منك لا يحل لأحد الأخذ بها إلا إذا عرضت على المذاهب الأربعة، وأن كل مسألة قلتها في كتاب موقوف بها على عرضها على المذاهب الأربعة، وإذا لم توافق فقل: أنا رجعت عنها وبريء منها، لتبرأ ذمتك أمام ربك، وسنئول إلى الله جل وعلا وسيسألنا عن هذه الشريعة التي ائتمنا عليها.

    أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يحسن ختامنا, وأن يتوفانا وهو راض عنا، وأن يجعل هذا الشهر الكريم أوله لنا رحمة، وأوسطه لنا مغفرة، وآخره عتق لنا من النار.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً.

    اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله وسلم على محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.