إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [41]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [41]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة تثبت العدوى وانتقالها، وجاءت أحاديث أخرى صحيحة تنفي وجود العدوى أو تأثيرها، وبينها تعارض في الظاهر لابد من إزالته، ولذلك فقد سلك العلماء تجاه هذه النصوص مسالك شتى، فمنهم من سلك مسلك الجمع بينها، ومنهم من رجح بعضها على بعض، ومنهم من قال بنسخ بعضها لبعض، وكل منهم قد عمل وأخذ بما أداه إليه اجتهاده.

    1.   

    مسالك العلماء في الأحاديث التي ظاهرها التعارض

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    إخوتي الكرام! تقدم معنا سرد الأحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام التي تنفي العدوى، وتقدم معنا أيضاً بعض الأحاديث التي ظاهرها يفيد إثبات العدوى، ومنها: ( فر من المجذوم كما تفر من الأسد )، ( فر من المجذوم فرارك من الأسد)،( لا يوردن ممرض على مصح)، قوله للمجذوم: ( ارجع فقد بايعناك ) وأبى أن يبايعه، وأن يصافحه عليه صلوات الله وسلامه. هذه تقابل القسم الأول، والقسم الأول تقدم معنا أيضاً فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل مع مجذوم وقال:( كل ثقة بالله وتوكلاً عليه)، وحول الحديث اختلاف في درجته، لكن معناه من حيث العموم ثابت عن نبينا الميمون عليه الصلاة والسلام، (لا عدوى) (لا يعدي شيء شيئاً) (لا يعدي سقيم صحيحاً).

    ما التوفيق بين هذه النصوص؟ كما قلت: هذا لا بد من التعرض له بعد الأدب النبوى على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، والذي تقدم معنا أننا لا ندخل إلى البلدة التي فيها الطاعون ولا نخرج منها، لا نخرج منها فراراً فنتوكل على الله ونثق به، ثم بعد ذلك لا ندخلها، هذا من باب التعليم والإرشاد، وتحصين أنفسنا مما نخشى عليها من الهلاك والعطب والفساد، فذاك له تعليل، وهذا له تعليل، وهنا ما المسلك السديد نحو هذه الأحاديث في هذا الموضوع؟

    إخوتي الكرام! تقدم معنا مراراً أن الأحاديث إذا تعارضت من حيث الظاهر لأئمتنا نحو هذا التعارض أربع مسالك:

    أولها: الجمع، فإذا أمكن الجمع لا يعدل عنه إلى غيره، وثانيها: النسخ، ونقدمه على ما بعده؛ لأننا بالنسخ نترك كلام بعض النبي عليه الصلاة والسلام لبعض كلامه لبينة تدل على ذلك، فما أدخلنا عقولنا في النسخ، الطريق الثالث: الترجيح، والترجيح نؤخره عن النسخ؛ لأن فيه أعمال الجهد البشرى، وقد نخطئ في الترجيح، وتقدم معنا أن المرجحات ذكرها الإمام الحازمي في أول الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار فبلغت خمسين مرجحاً، وقد ذكرتها في موعظة الثلاثاء ضمن مباحث النبوة، والإمام العراقي في نكته على ابن الصلاح -كما تقدم معنا- في صفحة ست وثمانين ومائتين في التقييد والإيضاح، قال: إن المرجحات تزيد على مائة، وأحصاها فبلغت عشر مرجحات ومائة مرجح، ثم قال: وثم وجوه أخر للترجيح، بعد هذه المرجحات يوجد أيضاً وجوه أخر للترجيح، والإمام السيوطي في تدريب الراوي صفحة ثمان وثمانين وثلاثمائة يقول: استوفاها الإمام العراقي في نكته على ابن الصلاح .

    فإذا ما أمكن الترجيح -وهو الطريق الثالث- فنتوقف ونعتبر كأن هذه النصوص لم ترد في هذه المسألة، ونلجأ إلى الأدلة الشرعية العامة الأخرى في هذه المسألة، وهذه كما قال أئمتنا صورة فرضية نظرية وضعت لبيان ما ينبغي أن نفعله نحو النصوص، لكن لا يوجد في الحقيقة نصان لا يمكن أن نجمع بينهما، ولا أن ننسخ واحداً منهما بالآخر، ولا أن نرجح بينهما، فلا بد من هذا من باب ما تحتمله القسمة العقلية نحو النصوص المتعارضة من حيث الظاهر.

    الجمع بين النصوص

    فأولها: الجمع، قال الإمام العراقي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في ألفيته:

    والمتن إن نافاه متن آخر وأمكن الجمع فلا تنافر

    كمتن لا يورد مع لا عدوى فالنفي للطبع وفر عدوا

    أو لا فإن نسخ بدا فاعمل به أو لا فرجح واعملن بالأشبه

    إذاً: المتن إن نافاه متن آخر وأمكن الجمع فلا تنافر، فلا تعارض، وضرب مثالاً بما نبحث فيه، قال: (كمتن لا يورد)، أي: (لا يورد ممرض على مصح)، من عنده إبل مريضة لا يوردها على من عنده إبل صحيحة، هذا حديث، مع حديث ( لا عدوى )، فهنا تعارض حديث: ( لا يورد ممرض على مصح )، ومعه: ( فر من المجذوم فرارك من الأسد )، مع حديث: ( لا عدوى )، ومعه: أنه أكل مع مجذوم وقال: ( كل ثقة بالله وتوكلاً عليه ).

    قال: (فالنفي للطبع)، هذا أحد أوجه سبعة من أوجه الجمع كما سيأتينا، يعني: لا عدوى بذاتها ونفسها، إنما بتقدير الله جل وعلا، ليس كما هو اعتقاد المشركين أن البعير الأجرب سيجرب الإبل، قطعاً وجزماً لا ثم لا، فالنفي للطبع، لا يوجد شيء بطبعه يعدي إلا بتقدير الله، فهو سبب من الأسباب الظاهرة، وقوله: (وفر عدوا) أي: فر مسرعاً مما يضرك، تعدو بسرعة، (أو لا) إذا ما أمكن الجمع، (فإن نسخ بدا فاعمل به، أو لا فرجح واعملن بالأشبه)، نحو هذه الأحاديث، أئمتنا سلكوا المسالك الثلاثة غفر الله لنا ولهم، فسلكوا الجمع، وسلكوا النسخ، وسلكوا الترجيح، فلنبدأ بما هو ضعيف، ثم نختم بما هو قوي.

    القول بنسخ أحاديث نفي العدوى للأحاديث التي تثبتها

    الطريق الثاني من أوجه الموقف نحو الأحاديث المتعارضة: النسخ، نبدأ الآن بالنسخ فما بعده، والنسخ قال به بعض الناس من أئمة الإسلام رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، منهم عيسى بن دينار من أئمة المالكية الكبار، توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين للهجرة، وهو فقيه الأندلس، أبو محمد الغافقي القرطبي ، كان مجاب الدعوة، خيراً صالحاً ورعاً، صلى الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة، رحمة الله ورضوانه عليه، انظروا ترجمته العطرة في السير في الجزء العاشر صفحة أربعين وأربعمائة، وفي ترتيب المدارك في طبقات أصحاب سيدنا الإمام مالك عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في الجزء الثاني صفحة ست عشرة.

    وله كرامة عند موته كما كان مجاب الدعاء في حياته، خلاصتها: أنه في مرض موته قيل له: من يصلي عليك؟ قال: ابني، وكان ابنه في السفر، فلما قبض ما جاء ولده من السفر، وجهز وأحضروه إلى المصلى من أجل أن يصلى عليه، وبدءوا ينظرون من يصلي عليه، فجاء ولده من السفر على دابته وما عرفوا أنه ولده، قالوا: تقدم فصل على هذا الميت، فصلى عليه عليه رحمة الله ورضوانه، حقق الله رغبته فجاء ابنه وصلى عليه، هذا العبد الصالح عيسى بن دينار قال: الأحاديث التي تدل على اجتناب المرضى والمجذومين منسوخة بحديث النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا عدوى )، فحديث: ( فر من المجذوم ) منسوخ، وحديث: ( لا يوردن ممرض على مصح ) منسوخ، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا عدوى )، وبفعله بعد ذلك وقوله: ( كل ثقة بالله وتوكلاً عليه )، قال الإمام العراقي في شرح ألفيته في الجزء الثاني في حدود صفحة ثلاث وثلاثمائة: وذهب إلى هذا المسلك -أي: إلى النسخ بين هذه الأحاديث- أيضاً ابن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ من الآثار؛ لأنه أورد الأحاديث التي تثبت العدوى في الظاهر، والتي تنفيها ضمن الناسخ والمنسوخ، كأنه يرى أنه يوجد بينها نسخ.

    وذكر حديثاً آخر في المجذومين:( لا تديموا النظر إلى المجذومين) ثم بعد ذلك ذكر الخلاف في ذلك، وكأنه يذهب إلى ما ذهب إليه عيسى بن دينار من أنه كان في أول الأمر ثم نسخ، ولذلك ذكر الخلاف في ذلك، ثم أورد حديث: ( كل ثقة بالله وتوكلاً عليه )، والأحاديث يوردها بأسانيدها، كما أورد حديث أبي ذر رضي الله عنهم أجمعين أن نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام قال:( كل مع صاحب البلاء تواضعاً لربك وإيماناً به ).

    وختم بأثر عبد الله بن عباس -وسيأتينا- يقول: أجلس ابن عباس مجذوماً معه يأكل، فقال له عكرمة : فكأني كرهت ذلك، فقال ابن عباس : فلعله خير منك ومني، حتى قال ابن عباس في غير رواية ابن شاهين : قد جلس مع من هو خير مني ومنك يأكل معه، يعني النبي عليه الصلاة والسلام.

    ابن شاهين يرى أيضاً النسخ كـعيسى بن دينار ، والحافظ ابن حجر عزا القول بالنسخ إلى عيسى بن دينار في الفتح، والإمام العراقي في شرح ألفيته في المكان المشار إليه عزا القول بالنسخ إلى ابن شاهين عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهو أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين ، توفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة للهجرة.

    هذا هو المسلك الأول، وهو مع سلامته من حيث الظاهر، إلا أن فيه تخطياً للطريق الأول، فإذا أمكن الجمع لا يجوز أن نعدل عنه، والجمع ممكن، فإعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، وهناك قاعدة عند أئمتنا: لا يصار إلى النسخ والترجيح عند إمكان الجمع، لا يصار إليهما إلا عند تعذر الجمع، فإذا أمكن لا نعدل عنه؛ لأننا نعمل بجميع كلام الشارع الذي لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام، ونحمل كل صنف من كلامه على حالة معينة، فهذا الأمر -كما قلت- مع وجاهة مسلكه، وجلالة من قال به، فيه تجاوز للطريق الأول، ألا وهو الجمع.

    1.   

    القول بالترجيح بين الأحاديث التي تثبت العدوى والأخرى التي تنفيها

    وأبعد منه من تخطى الطريق الأول والثاني، وذهب إلى الترجيح، والذين سلكوا الترجيح على طرفي نقيض، منهم من رجح الأخبار التي تدل على نفي العدوى، ومنهم من رجح الأخبار التي ظاهرها يفيد إثبات العدوى على الأخبار التي تنفي العدوى، يقول: هذا ثابت وهذا ثابت، لكن ذاك أرجح، فكأنه هو المحفوظ، وهذا شاذ؛ لأنه مخالف للراجح الأرجح الثابت، فهذا له حكم الشذوذ، وذاك له حكم الصحة والثبوت، فهو المحفوظ.

    القول بترجيح الأخبار الدالة على نفي العدوى

    الفريق الأول: كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح: رجحوا الأخبار الدالة على نفي العدوى، وتركوا العمل بالأخبار الأخرى التي تدل على عكس ذلك، وهذا يختلف عن النسخ، فقالوا: لا يوجد نسخ، لكن تلك حصل فيها شذوذ، وحصل فيها خطأ، ووهم في الضبط والنقل، أما في النسخ فكل منهما صحيح، لكن نسخ المتأخر منها المتقدم، وهنا قالوا بترجيح: (لا عدوى) والآخر بمثابة الشاذ الذي وهم فيه الرواة، وهذا يختلف عن النسخ بكثير، ولذلك فالنسخ عندنا يقدم؛ لأنك تترك كلام الشارع بكلام الشارع، ولا يمكن أن ننسخ إلا بنص أو قول صحابي أو بتاريخ أو بإجماع، وهي طرق النسخ الأربع.

    والمرجحات كثيرة، فمثلاً: لو قدر أن الحديث في الصحيحين فيقدم على الحديث الذي في سنن ابن ماجه ، هذا مرجح، حديث يتسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين، يرجح على غيره، تقدم معنا في الترجيح بين رواية الرجل والمرأة، هذا من جملة المرجحات، فهنا دخل كما قلت جهد البشر، وقد يخطئ وقد يصيب، وأما هناك فالمسألة: نص متقدم ونص متأخر، مثل حديث: ( نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها )، أو قول صحابي، أو عرف التاريخ، أو عرف الإجماع، وهي طرق النسخ الأربعة.

    إذن: هنا رجحوا الأخبار الدالة على نفي العدوى، وتركوا ما عداها،أي: التي تدل على عكس ذلك، وقووا قولهم هذا بعدة أمور، فقالوا، الأخبار التي تعارض ذلك شاذة، قالوا: أولاً: ورد عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها ما يدل على وهم الرواة في تلك الروايات، فقد ثبت في تفسير الطبري ومصنف ابن أبي شيبة في الجزء الثامن صفحة تسع عشرة وثلاثمائة أنها قالت لما قيل لها: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:( فر من المجذوم كما تفر من الأسد )، والحديث تقدم معنا في صحيح البخاري وغيره، قالت: ما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، كأنها تريد أن تنهي أصحاب هذا القول، قالوا: إذن هذا غير محفوظ، ثم قالت: كان لي مولى فيه هذا الداء، وكان ينام على فراشي، ويأكل من صحافي، ولو كان عاش كان على ذلك. كان عندها مولى عبد يأكل في صحافها، وينام على فراشها، أي: في بيتها، وفيه هذا الداء، والنبي عليه الصلاة والسلام يطلع، ولو كان قال: ( فر من المجذوم كما تفر من الأسد )، لأخرج هذا المجذوم من البيت، هذا كلام أمنا عائشة رضي الله عنها، وهو في تفسير الطبري ومصنف ابن أبي شيبة.

    المرجح الثاني: قالوا: الأخبار التي وردت بنفي العدوى كثيرة شهيرة، ولا يضر تردد أبي هريرة رضي الله عنه في هذا، كما تقدم معنا أنه ترك التحديث بحديث: ( لا عدوى ) وبدأ يقول: ( لا يورد ممرض على مصح )، قالوا: هذا لا يضر؛ لأن الرواية محفوظة من رواية غيره، كما تقدم معنا عن اثني عشر صحابياً، ولو جمعت لكانت أكثر من ذلك، وعادتي -كما تقدم معنا- دائماً إذا زادت الرواة عن عشرة فقد حصلنا المطلوب، وهو أن وصف التواتر حصل في هذه القضية.

    الدليل الثالث: قالوا: الأخبار الأخرى المعارضة لهذا، أو التي تأمر بالفرار، والتي تشير في ظاهرها إلى إثبات العدوى، قليلة فلا تقاوم هذه الأخبار الكثيرة الشهيرة المتضافرة.

    الدليل الرابع: قالوا: يمكن أن تؤول بعض الأدلة التي ظاهرها يدل على نفي العدوى بما لا يثبت العدوى، يمكن أن تؤول الأخبار التي ظاهرها يثبت العدوى بما لا يكون فيه دليل على إثبات العدوى، ويكون لها مخرج، فمثلاً: حديث الشريد بن سويد التي تقدم معنا في صحيح مسلم وسنن النسائي وغيرهما، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ارجع فقد بايعناك )، قالوا: ليس صريحاً أن قوله ذلك بسبب الجذام، يعني ليس من أجل علة الجذام قال له:( ارجع فقد بايعناك )، نعم، هو فيه داء الجذام فوقع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له:( ارجع فقد بايعناك)، لكن ما العلة؟ هل العلة في الجذام أو لاعتبار آخر فيه؟ هذا ما ذكر، فهو ما قال له: ارجع فقد بايعناك لأنك مجذوم، هذا ما ورد هنا.

    وأقول: لو سلم لهم بهذا فإن حديث: ( فر من المجذوم كما تفر من الأسد ) لا مجال للتأويل فيه. وعلى كل حال: هم يجمعون كل الأدلة التي ظاهرها يقوي قولهم بالشذوذ على القول المقابل، وهذا كما قلت: مسلك المرجحين لإثبات أنه لا عدوى، ونفي ما عداها، وهو مسلك سديد، لكنهم تجاوزوا طريقين: النسخ، وقبله الجمع، فإذا لم يمكن النسخ يمكن أن نرجح، وإذا لم يمكن الجمع يمكن أن نرجح، فالجمع ممكن قبل النسخ، فعلام الترجيح؟

    القول بترجيح الأحاديث الدالة على إثبات العدوى

    الفريق الثاني: رجحوا الأحاديث التي تثبت الفرار من المجذومين والمرضى، والتي فيها: (لا يورد ممرض على مصح)، رجحوا هذه الأخبار على الأخبار التي تنفي العدوى، وسبب ترجيحهم عدة أمور:

    أولها: رجوع أبي هريرة رضي الله عنه عن روايته: (لا عدوى)، يدل على أنه يشك في صدور هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً: حديث (لا عدوى) غير محفوظ، والمحفوظ (فر من المجذوم) والمحفوظ: (لا يورد ممرض على مصح)، و(ارجع فقد بايعناك)، إذن يقولون: لشكه أو لثبوت عكسه عنده، من أجل هذا رجع عن قوله برواية: (لا عدوى).

    الدليل الثاني عندهم: هو نفس الدليل المتقدم الثاني، قالوا: الأخبار الدالة على اجتناب المرضى والمجذومين والفرار منهم أكثر مخارجاً وطرقاً، وواقع الأمر ليس كذلك، لكن هذا ما قالوه في الترجيح، فواقع الأمر أن تلك أكثر.

    الدليل الثالث: عندهم: كما أن أولئك في الدليل الرابع قالوا: يمكن أن نصرف بعض الأحاديث التي ظاهرها يثبت العدوى، فليس فيها إثبات العدوى، وهنا هؤلاء قالوا: يمكن أن نقول: إن بعض ما أثبتموه وظاهره ينفي العدوى، فيه تأويل، وأنه ليس فيه نفي للعدوى، فحديث:( كل ثقة بالله وتوكلاً عليه )، قالوا: أولاً: رجح الترمذي وقفه على ابن عمر فليس هو مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم على تقدير ثبوته ليس فيه أنه أكل معه، بل وضع يده في القصعة، ليس فيه أنه جلس وأكل معه، وصاحبه. وكما قلت: ما قالوه يمكن أن يقبل من ناحية ما سلكوه من طرق الجمع لأجل إزالة التعارض، لولا أنهم أيضاً تخطوا طريقين اثنين، فلا نقبل هذا القول إلا إذا لم يمكن المصير إلى الجمع ولا إلى النسخ.

    1.   

    أوجه الجمع بين الأحاديث التي تدل على إثبات العدوى والأحاديث التي تدل على نفيها

    انتهينا من هذين القولين، وذكرنا: أن القول بالنسخ لا يصح الاعتماد عليه، والقول بالترجيح لا يصح الاعتماد عليه، وما أحد قال من أئمتنا بالقول الرابع وهو التوقف، فما بقي إلا القول الأول وهو الجمع، وهذا الذي سلكه أئمتنا فقرروا عدة أوجه يمكن أن تصل معنا إلى سبعة أوجه في الجمع بين هذه الأخبار:

    الوجه الأول: أن العدوى منفية جملة والأمر بالفرار من المجذوم وعدم النظر إليه رعاية لخاطره

    الوجه الأول في الجمع: أن حديث: (لا عدوى) يثبت نفي العدوى جملة، فلا يعدي شيء شيئاً ولا يعدي سقيم صحيحاً، وحديث (فر من المجذوم) و(لا تديموا النظر إلى المجذوم) هذا ليس من أجل إثبات العدوى، قالوا: هذا رعاية لخاطر المجذوم المصاب المبتلى؛ لأن المصاب إذا نظر إليه الصحيح تعظم مصيبته، وينكسر خاطره، فأنت لو رأيت أعور وبدأت تطيل النظر فيه، فإنه ينكسر خاطره، فأغمض عينيك، ولا داعي أن تخبره أنه أعور، هو أعور بتقدير الله، وهذا الشيء الذي فيه يثاب عليه، لكن أنت عندما تجلس وتتأمله، ولو جئت وقلت له: أرني عينك، فأنت تكسر خاطره حقيقة، وهو يشعر بنقص، مع أنه بغير اختياره، لكنه يشعر بنقص، فأنت غض الطرف، وهذا المجذوم، أو المصاب بالجدري، أو بعلة أو آفة، لن يعديك إذا جلست بجواره، ولا إذا دلكت جلدك بجلده، فأنت عندما تنظر إليه ينكسر خاطره، فاتركه مع أصحابه الذين ألفهم، ولا تجلس معه.

    وهذا ما ذهب إليه الإمام مالك وابن خزيمة عليهم جميعاً رحمة الله، فقالوا: الفرار لا من أجل الفار، إنما من أجل المصاب المبتلى؛ لئلا تكسر خاطره، فإذا رأيت مجذوماً فابتعد عنه من أجل ألا تنظر إليه؛ لأن هذا يحقرهم، وهو شيء قدره الله عليه، وهذا طريق من طرق الجمع المعتبرة، وقد قرروا هذا بحديث نبينا عليه الصلاة والسلام:( لا تديموا النظر إلى المجذومين)، فما قال: فر، قل، إنما إذا اجتمعت مع مجذوم فلا تحد النظر فيه، لا تجلس تتأمل هذه العلة التي فيه، والجذام هو داء كريه الرائحة في الإنسان، إذا أصيب به يفيح منه رائحة النتن، يضاف إلى هذا أن جلده يتساقط ويسيل منه الدم، فأنت لا تدم النظر إليه، فإذا جلست معه غض الطرف، فنظرك إليه يكسر خاطره، فإن استطعت ألا تراه ولا يراك ففر منه، هذا أيضاً حسن، وإذا قدر أنك جلست معه فلا تحد النظر إليه؛ لئلا تكسر خاطره.

    والحديث ثابت عن نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، رواه الإمام أحمد في المسند في الجزء الأول صفحة ثلاث وثلاثين ومائتين، ورواه ابن ماجه في سننه في الجزء الثاني صفحة اثنتين وسبعين ومائة بعد الألف، قال الإمام البوصيري كما في مصباح الزجاجة في زوائد سنن ابن ماجه في الجزء الثالث صفحة اثنتين وأربعين ومائة، قال: رجال إسناده ثقات، ورواه ابن أبي شيبة في مكانين من مصنفه في المجلد الثامن أربع وأربعين، ورواه الإمام البخاري في التاريخ، وهو في سنن ابن ماجه ، رواه الإمام ابن ماجه من طريق فاطمة بنت الحسين رضي الله عنها وأرضاها عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وأما طريق معجم الطبراني الكبير فرواه من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس ، فكأنه يقول: هنا طريق ثان يختلف عن طريق سنن ابن ماجه ، ولذلك أورده في المجمع والعلم عند الله جل وعلا.

    والحديث رواه الطبري وابن عساكر والبيهقي في السنن الكبرى، انظروا الجزء السابع صفحة تسع عشرة مائتين، ورواه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ صفحة ست وأربعمائة، والإمام الحربي في غريب الحديث في الجزء الثاني صفحة ثمان وعشرين وأربعمائة، والضياء المقدسي وأبو داود الطيالسي كما في منحة المعبود في الجزء الأول صفحة سبع وأربعين وثلاثمائة، والحديث كما قلت: إسناده صحيح رجاله ثقات عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( لا تديموا النظر إلى المجذومين)، وفي رواية في مسند أبي داود الطيالسي والبيهقي : ( لا تحدوا النظر إلى المجذومين)، لا تديم، ولا تحد النظر إليه، وإذا نظرت أطرق بصرك، والحديث له شواهد: منها: ما رواه الطبراني في معجمه الأوسط والكبير كما في المجمع في المكان المشار إليه عن معاذ بن جبل ، والرواية الأولى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، قال الإمام الهيثمي في المجمع: شيخ الطبراني الوليد بن حماد الرملي لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، من رواية معاذ رضي الله عنهم أجمعين، ورواه أبو يعلى والطبراني في معجمه الكبير والبيهقي في السنن الكبرى والطبري وابن عساكر من رواية الحسن بن علي رضي الله عنهم أجمعين، قال الإمام الهيثمي في المجمع: قلت: من رواية الحسين بن علي ؛ لأن فاطمة بنت الحسين تروي أيضاً عن أبيها، عن الحسين بن علي رضي الله عنه أجمعين، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال:( لا تديموا النظر إلى المجذومين، وإذا كلمتموهم فليكن بينكم وبينهم قيد رمح)، مقدار رمح، رواه أبو يعلى والطبراني وفي إسناده أبو يعلى الفرج بن فضالة ، وثقه أحمد وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات، وفي إسناد الطبراني يحيى الحماني وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات، فكل من الطريقين فيه ضعف يتقوى بالثاني، فطريق الطبراني فيه يحيى الحماني ، وهكذا طريق السنن الكبرى للإمام البيهقي ، ويحيى الحماني قال أئمتنا في ترجمته: حافظ منكر الحديث، وهو من رجال مسلم ، غاية ما عيب عليه -مع كلام كثير أورد الحافظ ابن حجر فيه قرابة خمس صفحات- أنه كان يسرق الحديث،وسيأتينا معنى السرقة إن شاء الله، يحيى بن عبد الحميد الحماني قال ابن حجر : حافظ إلا أنه يتهم بسرقة الحديث، من كبار التاسعة، من رجال مسلم .

    إخوتي الكرام! سرقة الحديث تطلق على ثلاثة أنواع: أولها وثانيها هو ما يريده أئمتنا، وأما الثالث فكما قال الإمام الذهبي : فهو أنحسه: أولها: أن ينفرد راوٍ بالرواية في حديث عن شيخ فيدعي بعض التلاميذ والناس مشاركته في رواية هذا الحديث، انفرد راو برواية حديث عن شيخ، ما روى هذا الحديث عن هذا الشيخ إلا هذا الراوي، فيأتي راوٍ آخر فيقول: أنا سمعته أيضاً من هذا الشيخ، هذه سرقة الحديث، فكأنه الآن أخذه منه، فذاك كان مختصاً به ومعروفاً أنه ما رواه إلا هو، فجاء غيره وأخذه منه.

    الثاني: أن يعرف راو بالسماع من شيخ، ما روى عنه إلا راو فقط، هذا الشيخ روايته من طريق فلان فقط، هناك رواية، أما هنا فرواية شيخ، فيأتي واحد ويدعي مشاركته لهذا الشيخ، فالأول ادعى مشاركته برواية حديث، قد يكون هذا الشيخ سمع منه آلاف، لكن هذا الحديث بعينه ما سمعه إلا واحد، وقال: أنا سمعته معه، والحالة الثانية: شيخ لم يسمع منه إلا واحد فقط، فيأتي غيره ويقول: وأنا سمعت معه، فهذان نموذجان لسرقة الحديث.

    القول الثالث: يقول عنه الذهبي : أنه أنحس من هذين، أن يسرق الكتب من مؤلفيها وأصحابها، قال: وسرقة الأجزاء والكتب أنحس من ذلك.

    على كل حال يحيى بن عبد الحميد الحماني يقول: اتهم بسرقة الحديث، كان يأتي إلى راوٍ انفرد بالحديث فيقول: أنا شاركتك فيه، وإلى راو انفرد بالرواية عن شيخه فيقول: أنا سمعت من ذلك الشيخ أيضاً، هذا الذي أخذ عليه، والعلم عند الله جل وعلا.

    على كل حال: كما قلت: في إسناد الطبراني والبيهقي يحيى الحماني ، وفي إسناده أبو يعلى الفرج بن فضالة ، ففي كل منهما كلام لكن كل منهما يتقوى بالثاني، يضاف إلى هذا رواية عبد الله بن عباس ، وقلنا: هي حسنة بنفسها.

    رواية رابعة: عن سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، رواها شيخ الإسلام عبد الله ولد الإمام المبجل عليهم جميعاً رحمة الله الإمام أحمد بن حنبل في زياداته على المسند، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال:( لا تديموا النظر إلى المجذمين، وإذا كلمتموهم فليكن بينكم وبينهم قيد رمح)، يعني: مقدار رمح، رواه عبد الله بن أحمد ، وفيه الفرج بن فضالة كرواية أبي يعلى التي تقدمت معنا، والفرج بن فضالة وثقه أحمد وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات إن لم يكن سقط من الإسناد أحد، وقد رجعت لإسناد المسند فما تبين لي سقوط أحد، فهل في الأمر شيء؟ يحتاج الأمر لبحث، يقول: بقية رجاله ثقات إن لم يكن سقط من الإسناد أحد، والعلم عند الله جل وعلا.

    خلاصة الكلام: أن الحديث مروي من طريق عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ومن رواية معاذ بن جبل وسيدنا الحسين بن علي ووالده علي رضي الله عنهم أجمعين: ( لا تديموا النظر إلى المجذومين )، والحديث كما قلت: لا ينزل عن درجة الحسن في الرواية الأولى، وبهذه الطرق يرتقي إلى درجة الصحيح لغيره والعلم عند الله جل وعلا، والحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في الجزء العاشر صفحة تسع وخمسين ومائة حكم على إسناد سنن ابن ماجه بأنه ضعيف، وقواعد التعديل والترجيح لا تساعد الحافظ فيما قال، فالرجال في إسناد ابن ماجه ثقات، وهو يقول: سنده ضعيف، هذا في الجزء العاشر صفحة تسع وخمسين ومائة، مع أنه كما ذكرت له هذه الشواهد، والحديث لا ينزل عن درجة الحسن والعلم عند الله جل وعلا.

    إذن: هذا هو الجمع الأول: أنه لا يوجد عدوى، ولا يعدي شيء شيئاً، وما أجمل هذا القول وأحسنه لربط القلوب بعلام الغيوب! إذن لا تفر يا عبد الله! لئلا تكسر خاطر المجذوم، وخاطر المصاب، وإذا قدر أنك اجتمعت به، وما ابتعدت عنه، فلا تحد النظر إليه، مما يدل على أنه ليس من أجل العدوى أننا نفر، إنما لئلا يكسر خاطره، وهذا الكلام يقوله إمام دار الهجرة نجم السنن، وبعده إمام الأئمة الإمام ابن خزيمة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    فمن باب المحافظة على شعوره؛ لأنك لو اقتربت منه واحتككت به يتأثر، ويتأفف من نفسه ويظن أنه في منقصة، فإذا اقتربت منه يشعر أنك تتأذى به، ويجد في نفسه شيئاً، فلئلا تكسر خاطره كلمه من مسافة، ولا تحد النظر إليه، وسيكون الآن مرتاحاً، يعلم أنك ما تتأفف منه، ومثل هذا كما يقع في الأعراف الدنيوية: لو قدر أن هناك إنساناً مسكيناً وجاء من له شأن وقدر ومكانة ولاصقه في الجلوس بجنبه، فذاك قد يتمنى لو بلعته الأرض، وما يعرف كيف يجلس؛ ولا يضبط نفسه ولا يرتاح في الجلوس، ولو ابتعد عنه مسافة رمح لأخذ النفس طليقاً صحيحاً، وهنا كذلك، فنبتعد عنه مسافة رمح لا من أجل العدوى، بل من أجل أن يتنفس كما يريد، ويتصرف كما يريد، وألا تحرجه؛ لأنك عندما تلتصق به يشعر بضيق وحرج، وإذا نظرت إليه لا تحد النظر، وأكرمه.

    أما لو كان المراد من ذلك انتقال العدوى؛ لما كان هناك تقييد للمسافة برمح؛ لأن هذه المسافة لا تمنع العدوى، ونفس الإنسان يصل ما شاء الله من مسافات، فليس هو من أجل العدوى، بل من أجل رعاية خاطره.

    هذا وجه من أوجه الجمع المعتبرة، ولذا قال أئمتنا: واحتملها الدليل فلا جدال ولا قيل، كما قلت مراراً: واحتمله الدليل وقال به إمام جليل نسلم، ثم بعد ذلك يوجد أوجه أخرى من أوجه الجمع، لكن نحن أمام أحاديث متعارضة في الظاهر، فنقول: هذا كله من باب رعاية خاطر المصاب فقط، لا أنه يوجد عدوى تنتقل من السقيم إلى السليم.

    الوجه الثاني: أن نفي العدوى لمن قوي يقينه وتوكله على الله والأمر بالفرار لسد باب اعتقاد تأثير العدوى بنفسها

    الوجه الثاني من أوجه الجمع: النفي والإثبات في حالتين مختلفتين، كيف هذا؟ فحديث: (لا عدوى) لمن قوي يقينه، وعظم توكله، وتعلق قلبه بربه، فلا يضره أن يخالط من كان به مرض يعدي، كما فعل خير العباد عليه الصلاة والسلام مع المجذوم وقال: ( كل ثقة بالله وتوكلاً عليه )، وكما فعلت أمنا الطاهرة المطهرة مع المجذوم الذي في بيتها، كان ينام على فراشها ويأكل في صحافها، وقوله: (فر) هذا من أجل سد باب اعتقاد العدوى، فالإنسان لا يباشر ما يكون سبباً لمرضه، فإذا أصيب يثبت العدوى التي نفاها الشارع فيقع في المحذور، إذا كان يقينك قوياً، وخالطت المرضى فلن تتأثر، وإذا كان في يقينك ضعف إذا خالطت وأصبت فستقول: هذا بسبب فلان، يا عبد الله! فر، وأرح نفسك لئلا تقع في الشرك في العدوى وما معها من الطيرة التي نهينا عنها، فإذا كان عندك ضعف فخذ بالرخصة والشارع أباح لك أن تبتعد عن المصاب الذي في مرضه انتشار إلى غيره، والعدوى في الأصل منفية.

    وهذا الجواب الثاني قال به الإمام ابن خزيمة أيضاً والطبري ، وإليه ذهب الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار في الجزء الرابع صفحة سبع وثلاثمائة وعشر وثلاثمائة، وذهب إليه الإمام ابن أبي جمرة وهو عبد الله بن سعد بن سعيد الأندلسي المتوفى سنة خمس وتسعين وستمائة، وقيل، سنة تسع وتسعين وستمائة،وهو من بلاد الأندلس، وذهب إلى مصر وتوفي وقبر فيها، وكم حوت مصر من صالحين من بلاد الله جميعاً، يأتون إليها ويتوفون فيها رحمة الله على المسلمين أجمعين.

    قال الإمام ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمته في الجزء الثالث عشر صفحة ست وأربعين وثلاثمائة، وترجمه في وفيات سنة خمس وتسعين وستمائة، يقول: كان قوالاً بالحق أماراً بالمعروف نهاءً عن المنكر، واختصر صحيح البخاري وسماه: جمع النهاية في بدء الخير والغاية، والكتاب مطبوع، وشرحه هو في أربعة أجزاء في مجلدين كبيرين سماه: بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما عليها وما لها.

    هذا القول الذي قاله ابن أبي جمرة انظروه في الجزء الرابع من بهجة النفوس له صفحة إحدى وثلاثين ومائة، قال: النفي لمن قوي يقينه، وذاك لمن ضعف يقينه، ولا عدوى في الحقيقة، قال الحافظ ابن أبي جمرة : وقد فعلهما النبي عليه الصلاة والسلام ليتأسى به كل من الطائفتين. قال لذاك: ( ارجع فقد بايعناك )، فحتى لو أن الإنسان أراد أن يبتعد لا يقال له: أنت كفرت، الأمر فيه سعة، وقال لذاك: ( كل ثقة بالله وتوكلاً عليه )، وقال: ( لا عدوى )، حتى لو أن الإنسان أكل لما قلنا له: عرضت نفسك للتلف، فقد فعل كلاً من الأمرين من أجل أن يقتدي به الفريقان، من قوي يقينه، ومن يخشى على يقينه من الضعف إذا خالط المرضى وأصيب، وهذا قول معتبر كالقول الأول.

    ذكر الأحاديث التي تدل على ذلك

    ويدل على هذا بعض الأحاديث التي فيها هذا التوجيه، وهو أنه لا يوجد تشاؤم ولا طيرة ولا عدوى، لكن أنت إذا تخوفت من شيء، وخطر في نفسك شيء، فابتعد عنه وسلم نفسك، ولا داعي أن تدخل نفسك في ضيق وحرج، مما يشهد، لهذا الجمع: ما ثبت في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، والأثر رواه الإمام أبو داود في السنن والبيهقي في السنن الكبرى في الجزء الثامن صفحة أربعين ومائة، ورواه الإمام ابن قتيبة بسنده في تأويل مختلف الحديث صفحة إحدى وسبعين، والحديث في جامع الأصول في الجزء السابع صفحة أربعين وستمائة، وإسناد الحديث حسن، من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رجل: ( يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! إنا كنا في دار كثر فيها عددنا، وكثرت فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، فقل فيها عددنا، وقلت فيها أموالنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذروها فإنها ذميمة )، فهل هذا تشاؤم وتطير؟ لا، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول لهم: البقاع كلها سواء، لكن أنتم بدأ يقع في نفوسكم شيء من هذه الدار، قلتم: أموالنا كانت كثيرة، ولما جئنا افتقرنا، وعددنا كان كثيراً، ولما جئنا هنا مات أكثرنا، فكأنكم تقولون: الدار لها اعتبار، هذه دار نحس، فيا عباد الله! أريحوا أنفسكم وما أكثر الدور! ذروها فإنها ذميمة، ما دام هذا الاعتقاد عندكم اتركوها واذهبوا إلى غيرها، وافعلوا على حسب اعتقادكم ما هو مباح، ولا داعي أن تتشاءموا وتقيموا في هذا المكان.

    قال الإمام ابن الأثير في جامع الأصول: أي: مذمومة، وإنما أمرهم بالتحول عنها إبطالاً لما وقع في نفوسهم من أن المكروه إنما أصابهم بسبب الدار وسكناها، فإذا تحولوا عنها انقطعت مادة ذلك الوهم، وزال ما خامرهم من الشبهة والوهم الفاسد، والله أعلم. ومثل هذا ما يقع من بعض الإخوة عندما يشتري سيارة فيقع له حادث، وثم يقع حادث آخر، فيقول: هذه السيارة مشئومة! نقول: يا عبد الله! لا شؤم فيها، لكن ننصحك أن تبيعها وتشتري غيرها، وأنا أقول لكم عن نفسي وعادتي خاصة بالنسبة للسيارات، لو أخذتها ووجدت فيها مشكلة، ليس من باب -يعلم الله- لا تشاؤم ولا تطير، أقول: ما أريد أن يكون معي شيء فيه مشاكل، أتخلص منه وأستريح، فما تعين علي أن أكون مع هذه السيارة، تخلص منها، وخذ غيرها وأنت في سعة، وهنا كذلك: لا يوجد شؤم في هذه السيارة، ولا في هذه الدار، ولا في هذه البقعة، فهي جماد، لكن أنت بدأ يقع في نفسك هذا الوهم، كلما تدخل هذه الدار تقول: يا لطيف! وكأنه ستنزل عليك قاصمة الظهر، يا عبد الله! خذ غيرها، وإذا دخلت قل: ما شاء الله، هذه دار وسيعة فسيحة ما فيها لا ضر ولا نكد. فهذا الحديث يشهد لهذا الأمر.

    وأيضاً يدخل في هذا الباب ما تقدم معنا وهو حديث فروة بن مسيك المرادي ، وهو في سنن أبي داود والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، حديث فروة بن مسيك المرادي عندما قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ( عندنا أرض يقال لها: أرض أبين، هي أرض ريفنا وميرتنا، وهي وبيئة، أو قال: وباؤها شديد، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: دعها عنك، فإن من القرف التلف)، ومعنى الحديث: (فإن التلف من القرف)، أي: تصاب بالتلف والآفات والنكبات إذا قارفت، أي: اقتربت، والقرف هو المقاربة بهذا المكان الذي ترى فيه وباء،وترى فيه ما فيه من الضر، وهذا يدخل في هذا المعنى.

    وفي ذلك عدة أحاديث لو ذكرتها أيضاً قبل أن ننتقل إلى الوجه الثالث، منها: حديث رواه الإمام البزار كما في المجمع في الجزء الخامس صفحة خمس ومائة من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين: ( أن قوماً جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: يا رسول الله! دخلنا هذه الدار ونحن ذو وفر فافتقرنا، وكثير عددنا فقل عددنا، وحسنة ذات بيننا، فساء ذات بيننا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوها وهي ذميمة، فقالوا: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! كيف ندعها؟ قال: بيعوها أو هبوها)، فإذا كان الإنسان يتشاءم من بيته فليحوله إلى بعض خلق الله وعباده، بيعوها أو هبوها لمن تريدون، رواه البزار وقال: أخطأ فيه صالح بن أبي الأخضر ، والصواب: أنه من مرسلات عبد الله بن شداد ، قلت: وصالح ضعيف يكتب حديثه، وفي الإسناد سعيد بن سفيان ضعفه الإمام علي بن المديني ، وذكره ابن حبان في الثقات، ونقل تضعيف ابن المديني له.

    إخوتي الكرام! أما صالح الذي يقول عنه: ضعيف، فهو يعتبر به، وهو من رجال أهل السنن الأربعة، وتوفي بعد سنة أربعين ومائة للهجرة، وأما سعيد بن سفيان فهو سعيد بن سفيان الجحدري البصري صدوق كما قال الحافظ ويخطئ، وهو من رجال الإمام الترمذي ، وتوفي سنة أربع أو خمس بعد المائتين، وقال الإمام ابن حجر في التهذيب والتاريخ في الجزء الرابع صفحة أربعين: قال ابن حبان : ممن يخطئ، يقول هنا: الهيثمي ذكره في الثقات، ونقل كلام ابن المديني فيه وقال: إنه يخطئ، لكن قول الإمام البزار هنا: الصواب أنه من مرسلات عبد الله بن شداد ، وهو عبد الله بن شداد بن الهاد ، أثره إذا كان من مرسلات عبد الله بن شداد فليس هو من رواية ابن عمر ، وقد رواه من مرسل عبد الله بن شداد البيهقي في السنن الكبرى في الجزء الثامن صفحة أربعين ومائة عن عبد الله بن شداد بن الهاد : ( أن امرأة من الأنصار جاءت إلى نبينا المختار على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فقالت: سكنا دارنا هذه ونحن كثير فهلكنا، وحسن ذات بيننا فساءت أخلاقنا، وكثير أموالنا فافتقرنا، قال: أفلا تنتقلون عنها، ذميمة، قالت: فكيف نصنع؟ قال: تبيعونها أو تهبونها ).

    قال الإمام البيهقي : هذا مرسل، قال الإمام ابن التركماني في الجوهر النقي على سنن البيهقي : عبد الله بن شداد بن الهاد ولد على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، قال الإمام العجلي : هو من كبار التابعين الثقات، وهو معدود في الفقهاء، توفي سنة إحدى وثمانين قبل المائة، وحديثه مخرج في الكتب الستة، قال الإمام ابن التركماني في التعليق على سنن البيهقي : هذه المرأة صحابية،يعني امرأة من الأنصار جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وابن شداد -وهو عبد الله بن شداد بن الهاد - سمع من قدماء الصحابة كعمر وعلي ومعاذ ، وقوله: إن فلاناً قال كذا -كما قال هنا- كالعنعنة -انتبه لهذا الفقه الدقيق عند جماهير أصحاب الحديث- فالحديث مرفوع، يعني عندما يقول عبد الله بن شداد بن الهاد : أن امرأة من الأنصار، هو لا يحكي أنه وقع فحضر الواقعة بنفسه، بل قوله: (أن) بمعنى (عن)، وعليه بما أنه روى عن الصحابة الكبار كـعمر وعلي وغيرهما رضي الله عنهم أجمعين، فإذاً ما رأى هذه المرأة، فإذا كان الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، فالرفع ظاهر ولا انقطاع، وإذا كان من رواية عبد الله بن شداد فكذلك؛ لأن قوله: (أن امرأة) لا يفيد أنه حضر بنفسه، وقد قرر أئمتنا أن صيغة (أن) بمعنى (عن) كالعنعنة، فإذا قال: عن امرأة من الأنصار، لا يعني أنه حضر، وإلا سنحكم على جميع روايات التابعين بأنها مرسلة؛ لأننا نقول: عن ابن عمر ، فإذا قال: أن ابن عمر قال، أو عن ابن عمر أنه قال، فالأمر واحد، وهنا عبد الله بن شداد بن الهاد يروي عن امرأة من الأنصار، فالحديث متصل مرفوع وليس بمرسل.

    هذا تحقيق الإمام ابن التركماني في الرد على الإمام البيهقي عليهم جميعاً رحمة الله، وعليه فقول البزار هنا كقول البيهقي : الصواب أنه من مرسلات عبد الله بن شداد ، وقوله: أن امرأة أو قوماً جاءوا، أي: أنه يروي ذلك عن أناس من الصحابة قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام، وعدم تسمية الأعيان لا يضر بعد التحقق من أنهم صحابة، وتلك امرأة صحابية، والعلم عند الله جل وعلا، إذاً هذا حديث من رواية ابن عمر ومن رواية عبد الله بن شداد ، وهو متصل وليس بمرسل.

    حديث آخر رواه الطبراني في معجمه الكبير من رواية سهل بن حارثة الأنصاري ، قال: ( اشتكى قوم إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنهم سكنوا داراً وهم عدد فقلوا؟ فقال: هلا تركتموها وهي ذميمة )، رواه الطبراني وفيه يعقوب بن حميد بن كاسب وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه جماعة.

    إذاً: معنا عدة روايات: رواية أنس (ذروها فإنها ذميمة)، وبمعناها رواية فروة بن مسيك : (إن من القرف التلف)، ورواية ابن عمر ، ورواية سهل بن حارثة ، ورواية عبد الله بن شداد ، هذه خمس روايات فيها هذا المعنى، وهي أن الإنسان يبتعد عن المكان الذي لا يرتاح إليه، لا لوجود شؤم فيه، فلا شؤم بالمكان، ولا فيما تستعمله من حاجات مباحة، إنما أنت إذا وقع في خلدك وذهنك شيء نحو هذا فتخلص منه، واسترح وانتهى الأمر، وهنا كذلك: (لا عدوى)، فالعدوى منتفية لمن قوي يقينه وعظم توكله على ربه، (وفر من المجذوم) لمن ضعف يقينه، وهنا هذه الدار بدأ يحصل في قلوبكم ما يحصل منها فتخلصوا منها، والعلم عند الله جل وعلا.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن لمن أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.