إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [35]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [35]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد اختلف العلماء في حقيقة الطاعون، وهم وإن تنوعت عباراتهم إلا أن معانيها متفقة، وإذا أصاب أهل الإيمان كان لهم رحمة وشهادة، وإذا أصاب العتاة كان عليهم نقمة عاجلة، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الجبابرة بالإصابة به، كما تكاثرت الروايات في الدلالة على شهادة المصاب بالطاعون.

    1.   

    منزلة أبي حنيفة والرد على الطاعنين فيه

    الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    لا زلنا نتدارس وخز الجن، ألا وهو الطاعون الذي يطعن به من يطعن من بني الإنس وهو لهم شهادة عند الله جل وعلا.

    وتقدم معنا أنني سأذكر تعريف الطاعون، ثم سأذكر فضل الإصابة به، وبعد ذلك أسباب الطاعون، وآخر الأمور كما قلت أدب نبوي أشار إليه نبينا عليه الصلاة والسلام وينبغي أن نحافظ عليه في البلدة التي ينتشر فيها الطاعون إذا كنا فيها، أو كنا في بلدة أخرى وأردنا أن ندخل بلدةً انتشر فيها الطاعون.

    تقدم معنا تعريف الطاعون وأنه باختصار: وخز الجن، وتظهر أعراضه على الإنسان، وقد ذكرت بعضها وأكملها في أول هذا المبحث إن شاء الله، ثم انتقل إلى فضل الإصابة بالطاعون، وأن من أصيب به فله أجر الشهادة عند الحي القيوم.

    الاستغناء بشهرة الراوي عن تعديل أئمة الجرح والتعديل له

    أحب أن أنبه إلى أمر ختمت به الكلام على المبحث السابق ألا وهو ما يتعلق بترجمة فقيه الملة سيدنا أبي حنيفة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وتقدم معنا أنه ثقة عدل ضابط، بل من فضول القول أن يقول الإنسان عن هذا الإمام وعن أمثاله: إنه من الثقات العدول الضابطين.

    من له لسان صدق في هذه الأمة هذا أعلى من أن يعدل أو يوثق، كما قال أئمتنا:

    وصححوا استغناء بالشهرة عن تزكية كمالك نجم السنن

    فمن شهره الله في هذه الأمة بالخير والصلاح، والديانة والعلم، والصدق والأمانة والحفظ، هذا كالشمس في رابعة النهار، وإذا أراد الإنسان أن يقيم برهاناً على طلوع الشمس في رابعة النهار فهذه حماقة، وحماقة تزيد على هذه ألا وهي إذا أراد إنسان أن يحجب نور الشمس وضياءها بنفخه عليها، فبدأ ينفخ إلى الشمس من أجل أن يحجب حرارتها وضياءها عن الناس فهذه حماقة، ولذلك دندنة من دندن حول هذا الإمام المبارك في القديم والحديث: لا وزن لها ولا اعتبار، نعم نجل أئمتنا الذين تكلموا كما قلت: إما بتأويل أو بغير ذلك من الاعتبارات التي عندهم فهذا الكلام لا ينقص من قدرهم عندنا، ولا ينقص من قدر أبي حنيفة ولا غيره رضي الله عنهم أجمعين، وإذا أراد الإنسان أن يشتغل بهذه الأمور في العصور المتأخرة، وأن ينبش كما يقال ما في الكتب فهذا من علامات الزيغ والضلال في الإنسان.

    أعظم ما نعده للقاء ربنا أمران:

    الأمر الأول: توحيده جل وعلا. والثاني: حبنا لعلمائنا حملة الشريعة المطهرة، فلا بد من أن نعي هذين الأمرين وهما: توحيد لله ومحبة للصالحين، ولا نعني أننا لو أحببنا الصالحين فإنهم لا يخطئون، أو أننا نقول: إنهم معصومون، لا ثم لا، وكفى بالمرء نبلاً أن تعدى معايبه، والكريم من عد سقطه، ثم أكثر ذلك السقط وتلك المعايب التي تذكر وتحد وتقيد أكثرها هي من باب ما تختلف فيه الأنظار، فأنت ترى أن هذه معيبة، وذاك يراها أنها فضيلة، فلذلك لا بد من أن يقف كل واحد عند حده، كما تقدم معنا فيما يتعلق بالإرجاء، وكما تقدم معنا فيما يتعلق بالقياس واستعمال الآراء والاجتهادات، قد يظن أن هذه معيبة، لكنه لعدم علمه بحقيقة ذلك الأمر فهو معذور، وذاك على هدى والكل مأجور عند العزيز الغفور سبحانه وتعالى.

    ينبغي أن نعي هذا، وإذا جرى كلام من إنسان في حق إمامٍ من أئمتنا فلنضبط ألسنتنا، ولذلك كان أئمتنا الكرام يعتبرون الكلام الذي حصل من بعض العلماء في بعضهم داءً للدين، ومن اشتغل به فهو من الزائغين الضالين.

    يقول يحيى بن عمار وقد توفي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة للهجرة، ترجمته الطيبة في سير أعلام النبلاء وهو أبو زكريا شيخ سجستان في زمانه، كان كما يقول الإمام الذهبي : متحرقاً على المبتدعة، أي: يزيد في الرد عليهم كأنه نار تحرقهم، يقول: بحيث إنه أحياناً يتجاوز طريقة السلف في معاملتهم من شدة غيظه عليهم، وكان من كبار العلماء المذكورين، وكان يقول: العلوم خمسة:

    أولها: علم به حياة الدين، وهو توحيد رب العالمين، فتعلموا علم التوحيد، فبذلك يحيا الدين، وتحصل في هذه الحياة على البهجة والنور والسرور.

    ثانياً: علم يحصل به قوت الدين، وهو غذاء وهو علم العظة والتذكير أو علم الوعظ وترقيق القلوب، أو المواعظ أخبار الرقائق، هذه كما قلت قوت الدين، فالأول: حياة الدين، وهنا قوت الدين.

    ثالثاً: علم هو دواء الدين، وهو علم الفقه، الذي جمعه أئمتنا الفقهاء رحمة الله عليهم أجمعين.

    رابعاً: علم هو داء الدين، وهو أخبار ما وقع من الخصومات والمخالفات بين سلفنا الطيبين، فيحكي في كل موعظة وفي كل مجلس يذكر، وبعد ذلك لا بد أن يختار إما إلى هنا، وإما إلى هنا، هذا في الحقيقة علة في الدين، وهذا مرض في دين الإنسان، وهذا يضعف الدين أمام عباد الله الموحدين، ويأتيك بعد ذلك من يقول: إذا جرى هذا مع سلفنا فنحن من باب أولى أن نزيد عليهم، ولا يعلم أن ما جرى منهم قطرة فقط في بحر حسناتهم، فأخذ هذه القطرة وجعلها مسلكه في الحياة، وترك بعد ذلك الفضائل والكمالات التي كانوا عليها، هذا علم يضعف الدين.

    خامساً: وأشنع العلوم علم يحصل به هلاك الدين وهو علم الكلام، قال الإمام الذهبي : ويلحق به علم الأوائل، يعني الفلسفة التي رمي بها من رمي، واشتغل بها من اشتغل، ولذلك الاشتغال بما جرى بين أئمتنا الأبرار، هذا في الحقيقة مرض للدين، وينشر الشك عند المسلمين.

    ولذلك ما ينشر من كلام في هذه الأيام حول أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه، هذا من علامة هدم الدين، فينبغي أن نحذر هذا غاية الحذر، والفلسفة التي يقولها من يقول: إنه في ديانته عدل، لكن في حفظه لا يعول عليه فهو ضعيف، قلت: وهذا كلام باطل كما تقدم معنا ولا قيمة له ولا اعتبار؛ لأنه يترتب على تضعيفه كما تقدم معنا رد أحاديث مروية من طريق هذا الإمام، وجميعها سترد إذا كان ضعيفاً، فهذه في الحقيقة بلية، وأما كما قلت من تكلم فيه من المتقدمين فلهم عذرهم، ونستغفر الله لهم جميعاً، لكن لا يجوز أن نأخذ بقول واحد منهم في حق هذا الإمام المبارك، وإذا أخذنا بقول واحد في حق هذا الإمام فلنأخذ أيضاً قول الآخر بحق إمام آخر، كالإمام الشافعي كما تقدم معنا وبهذا لن يبق معنا عالم في هذه الأمة ولا إمام، فلنتق الله في ألسنتنا، ولنقف عند حدنا.

    ضبط الإمام أبي حنيفة

    الذي وقع في أبي حنيفة له عذره والله يغفر لنا وله، وتقدم معنا أن من تلك الوقيعة ما شملت ديانته كما شملت ضبطه وحفظه، وأول حكم استدل به من استدل في هذه الأوقات المعاصرة بكلام البخاري ، ماذا قال فيه؟ قال: سكتوا عنه، ما معنى سكتوا عنه؟ أي: أنه قارب الوضاع، أو أن حديثه لا يكتب، ولا يلتفت إليه ولا يعتبر به، ولا يعول عليه، وهو من أشنع ألفاظ الجرح أن تقول: سكتوا عنه؛ لأن بعده كذاب، وبعده وضاع، فحديثه ساقط الاعتبار ومنكر، وهذا كلام لا يقال في حق هذا الإمام، من قاله بعد ذلك هذا أو غيره يرد عليه، ونقف نحن عند الحد، ونتقي الله عز وجل في كلامنا.

    على أن بعض الإخوة المعاصرين في هذه الأيام بحث فيما يشار من كلام حول ضبط أبي حنيفة ، وقدم في ذلك رسالة علمية في جامعة أم القرى في ضبط أبي حنيفة وهل هو ضابط أم لا؟ أما البحث في عدالته فلا يبحث في هذا إلا سفيه في نظري، لكن البحث في الضبط هل هو ضابط أم لا؟ فأخذ مجموعة من أحاديثه، وكيف نعرف الراوي هل هو ضابط أو لا؟ بعرض حديثه على أحاديث الثقات الحافظين الضابطين، فإن وافقهم تماماً فهو ضابط، وإن خالفهم وخص بالمخالفة فهو خفيف الضبط حديثه حسن، وإن فحش في المخالفة فهو سيئ الحفظ حديثه مردود، فهذا الباحث أخذ مائة حديث من أحاديث أبي حنيفة ، ثم عرضها على أحاديث الحفاظ المتقنين الذين شاركوه في هذه الأحاديث، ولا أستحضر الآن النسبة الدقيقة لكن هذا فيما أتصوره وفيما حكاه لي بعض الإخوة عن ملخص هذه الرسالة، وخلاصة الكلام والتحقيق أنه قال: دعونا من الكلام، فلا ينبغي أن نعول على كلام فلان وفلان، هذه مائة حديث من مسند أبي حنيفة ، قارنها مع الحفاظ المتقنين الذين شاركوه في هذه الأحاديث من طرق أخرى، ثم ننظر بأي شيء اختلفوا؟ وبعد الاختلاف نحقق من ترجح روايته لمشاركة رواة آخرين له، بحيث يتبين لنا أن هذا هو الذي ضبط، وهذا الذي أخطأ، ففي ثلاثة من مائة ضبطوا وأخطأ أبو حنيفة، وفي اثنين من مائة ضبط أبو حنيفة وأولئك على خطأ، ثم في البقية الكل حديثهم سواءً بسواء، إذا كان الأمر كذلك فهو ضابط لروايته كما تقدم معنا مقطوع بها وعدالته، فهو إذاً: عدل ضابط، رغم أنف الكبير والصغير، وما جرى بعد ذلك من أئمتنا يبقى أنه من باب كلام الأقران، نحيل شيئاً، ونؤول شيئاً، ولا نقع في المتكلم، نستغفر للجميع، وحال أئمتنا عندنا كحال الرسل تماماً، آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة:285] ، ونحن لا نفرق بين أئمة الإسلام؛ أبو حنيفة إمام، الشافعي إمام، ومالك إمام، وأحمد بن حنبل إمام، والبخاري إمام، وسائر أئمتنا أئمة على العين والرأس.

    موقف أصحاب الحديث من أبي حنيفة

    وهذا كلام كنت نقلت بعضه من كتاب جامع بيان العلم وفضله لـابن عبد البر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا حافظ المغرب وهو مالكي المذهب، ليس كما يقول المعاصرون: حنفي متعصب، هذا الآن ليس حنفياً ولا متعصباً، يقول أبو عمر ، وهو ابن عبد البر : أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة ، وتجاوزوا الحد في ذلك، والسبب والموجب لذلك عندهم إدخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما، وكذلك رده أخبار الآحاد بتأويل محتمل، تقدم معنا رد مالك الذي قال فيه الذهبي ؟ هو معذور ومأجور في رده لهذا ولغيره؛ لأنه ما رده بناءً على هوى، أو بناءً على معارضة لأشياء عنده ثابتة.

    ثم تأمل قول ابن عبد البر : وكان رده بما رد من أخبار الآحاد بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدمه إليه غيره، فلماذا لا تشنع إلا عن أبي حنيفة فقط؟ هذا التأويل قال به من سبقه من الأئمة الكرام، يقول: وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي، وجل ما يوجد له من ذلك ما كان اتباعاً لأهل بلده كـإبراهيم النخعي ، وأصحاب ابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، إلا أنه أغرق وأفرط في فرض النوازل هو وأصحابه، والجواب فيه برأيهم واستنباطهم، فأتى منه في ذلك خلاف كبير للسلف، وسمع هو عندما قال: فيهم بدع، وما أعلم أحداً من أهل العلم إلا وله تأويل في آية، أو مذهب في سنة، رد من أجل ذلك المذهب سنةً أخرى بتأويل ثالث، أو ادعاء النسخ، إلا أن لـأبي حنيفة من ذلك كثير، وهو يوجد لغيره قليل.

    ثم قال أبو عمر : ليس لأحد من علماء الأمة أن يثبت حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام ثم يرده دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله، أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته فضلاً عن أن يتخذ إماماً ولزمه إثم الفسق، هذا كان يرد الأحاديث دون وجود معارض لها من نص أو إجماع أو قاعدة شرعية لصار هذا صدقاً في حقه والأئمة برآء من ذلك.

    يقول: ونقموا أيضاً على أبي حنيفة الإرجاء.

    إذاً المسألة الأولى: أنه يجتهد ويقيس، والثانية: أنه مرجئ، ومن أهل العلم من ينسب إلى الإرجاء كثيرا، ولم يعن أحد بنقل قبيح ما كما عنوا بذلك في أبي حنيفة ، لماذا؟ لو قلت: هو كان مرجئا، قلنا: وغيره كان يقول بهذا فلماذا أنتم تنقلون الإرجاء عن أبي حنيفة فقط؟ استمع ماذا يقول، قال: لإمامته، وكان أيضاً مع هذا يحسب وينسب إليه ما ليس فيه، ويختلق عليه ما لا يليق، وقد أثنى عليه جماعة من العلماء وفضلوه، ولعلنا إن وجدنا نشطة أن نجمع من فضائله، وفضائل مالك ، والشافعي ، والثوري ، والأوزاعي ، كتاباً أملنا جمعه قديماً في أخبار أئمة الأمصار إن شاء الله.

    على كل حال هذه الأمنية حققها ابن عبد البر فألف كتابه الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، ولم يدخل أحمد في الأئمة الفقهاء رضي الله عنهم أجمعين؛ لأنه تغلب عليه النزعة الحديثية رضي الله عنهم أجمعين.

    ثم ساق ابن عبد البر الإسناد مباشرةً عن ابن معين فقال: يقول أصحابنا يفرطون في أبي حنيفة وأصحابه، فقيل لهم: أكان أبو حنيفة يكذب؟ فقال: كان أنبل من ذلك. ونقل عن ابن معين أنه قال: ما رأيت أحداً أقدمه على وكيع ، وكان -يعني وكيع - يفتي برأي أبي حنيفة ، وكان يحفظ حديثه كل يوم، وتقدم معنا أن عبد الله بن المبارك كان يأخذ برأي وفقه أبي حنيفة ، قال: وكان قد سمع من أبي حنيفة من هو؟ وكيع بن الجراح ، وكان قد سمع من أبي حنيفة حديثاً كثيراً، قال: وقيل لـيحيى بن معين : يا أبا زكريا ! أبو حنيفة كان يصدق في الحديث؟ قال: نعم صدوق، قيل له: والشافعي كان يصدق؟ قال: ما أحب حديثه ولا ذكره، طيب غفر الله لك، يعني جئت من ناحية أطلقت ومن ناحية ثانية نسأل الله أن يغفر لك، وقيل له: والشافعي كان يكذب؟ قال: ما أحب حديثه ولا ذكره، قال: وقلنا لـيحيى بن معين : أيهما أحب إليك أبو حنيفة أو الشافعي أو أبو يوسف القاضي ؟ قال: أما الشافعي فلا أحب حديثه، وأما أبو حنيفة فقد حدث عنه قوم صالحون، وأبو حنيفة لم يكن من أهل الكذب وكان صدوقاً، ولكن ليست أرى حديثه يجزي.

    وقال الحسن بن علي الحلواني: قال لي شبابة بن سوار : كان شعبة حسن الرأي في أبي حنيفة .

    ثم نقل عن علي بن المديني قال: أبو حنيفة روى عنه الثوري ، وابن المبارك ، وحماد بن زيد ، وهشيم ، ووكيع بن الجراح ، وعباد بن العوام ، وجعفر بن عون ، وهو ثقة لا بأس به.

    وقال يحيى بن سعيد وهو القطان : ربما استحسنا شيئاً يقول به أبو حنيفة فنأخذ به، وتقدم معنا: ما سمعنا رأياً أحسن من أبي حنيفة ، نحن لا نكذب الله، يعني: نحن لا نكذب الله ولا يعلم الله منا الكذب أننا نجحد مكانة أبي حنيفة ، ونحن لا نكذبه في أنه جعله آيةً وإماماً لهذه الأمة، لا نكذبه ولا نكذبه، إنما يتكلم بالصدق وهو إمام هذه الأمة.

    قال أبو عمر : الذين رووا عن أبي حنيفة ووثقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلموا فيه، والذين تكلموا فيه من أهل الحديث وأكثر ما عابوا عليه إغراقه في الرأي والقياس والإرجاء، وكان يقال: يستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه، قالوا: ألا ترى إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه هلك فيه فئتان: محب أفرط، ومبغض أفرط. هذا أفرط في الحب، وهذا أفرط في البغض، وقد جاء في الحديث (أنه يهلك فيه رجلان محب مطر ومبغض مفتر)، وهذه صفة أهل النباهة ومن بلغ في الدين والفضل الغاية والله أعلم.

    تخريج حديث: (إن فيك مثلاً من عيسى...)

    الحديث الذي أشار إليه عبد الله رواه أحمد في المسند، وهو من زيادات عبد الله في مسند زوائد المسند، ورواه البزار ، وأبو يعلى كما في مجمع الزوائد في الجزء التاسع صفحة ثلاث وثلاثين ومائة، ورواه الحاكم في المستدرك في الجزء الثالث، صفحة ثلاثة وعشرين ومائة، ولفظ الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال لـعلي : (يا علي ! إن فيك مثلاً من عيسى بن مريم، أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وقالوا: إنه ابن كذا وكذا، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به)، قال علي رضي الله عنه: ألا وإنه يهلك في اثنان: محب مفرط يقربني ويقول في ما ليس في، ومبغض مفرط يحمله شنآنه على أن يبهتني. ثم قال: ألا وإني لست بنبي، ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله فحق الله عليكم طاعتي فيما أحببتم وكرهتم، وأن هذا طاعة لربكم جل وعلا .

    والحديث روي بإسنادين: الإسناد الأول من طريق عبد الله ولد أحمد في زياداته على المسند، وفي مسند أبي يعلى ، والحاكم رواها من طريق الحكم بن عبد الملك وهو ضعيف، كما قال الهيثمي في المجمع.

    وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: وهاه ابن معين ، والبزار من طريق محمد بن كثير القرشي الكوفي وهو ضعيف أيضاً، وقد روى أحمد بن منيع في مسنده بسند رجاله ثقات كما في المطالب العالية للحافظ ابن حجر في الجزء الرابع صفحة خمس وستين ومائة أنه قال: -أي علي رضي الله عنه وأرضاه، والكلام موقوف عليه - هلك في رجلان: محب مفرط، ومبغض مكذب. والأثر إسناده ثقات، محب مفرط يتجاوز الحد فيرفعه إلى درجة العصمة والنبوة، ومبغض مفرط يتكلم عليه ويقول فيه ما ليس فيه.

    ابن عبد البر يقول: حال أبي حنيفة يشبه حال علي رضي الله عنه وأرضاه، وما أشبهنا به يعني في حبه، فأناس قدموه على غيره وتركوا سواه فهذا في الحقيقة أيضاً شطط، وأناس وقعوا فيه وقالوا: إما ضعيف في حفظه، وإما ساقط في عدالته، هذا وذاك كلاهما ضلال، ودين الله بين الغالي والجافي.

    الحافظ ابن عساكر رد على بعض شيوخه الذين تلقى عنهم عندما أطلق لسانه في الأئمة المتقدمين، وقالوا له: نحترمك ما احترمت أئمة الإسلام، ولذلك ينبغي أن يعلم الكبير والصغير أن أهل الأرض قاطبةً عندنا لو وضعوا في كفة ووضع أبو حنيفة في كفة لرجح بهم، فليعرف كل واحد قدره، وليقف عند حده، ونحن نحترم المعاصرين وغيرهم ما احترموا أنفسهم، فإذا جاءني أحد ليعرض بأئمتنا -لا ليصرح- فلن نسكت عنه، ونحن إذا لم نحترم أئمتنا فلا خير فينا، فانظر للإمام ابن عساكر ورده على الحافظ العبدري ، وذاك حافظ -كما قلت- يملي من صدره، فهو حافظ الدنيا في زمنه، ومن تلاميذه ابن عساكر ، فاستمعوا لهذه المناظرة التي جرت بينهما يوردها الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء التاسع عشر، صفحة تسع وسبعين وخمسمائة: العبدري الشيخ الإمام الحافظ الناقد الأوحد أبو عامر محمد بن سعدون ، ثم قال: مولده بقرطبة وكان من بحور العلم لولا تجسيم فيه، نسأل الله السلامة، ثم ذكر من سمع منه ومن أخذوا عنه، ثم جاء لمحل الشاهد الذي أريد أن أذكره.

    فقال الحافظ ابن عساكر : كان العبدري أحفظ شيخ لقيته، وكان فقيهاً داودياً على مذهب داود الظاهري ، ذكر أنه دخل دمشق حياة أبي القاسم بن أبي العلاء وسمعته وقد ذكر مالك أمام الحافظ العبدري فقال: جلف جاف، ولا بد من أمر نقف عند حدنا ونوقفك عند حدك، قال: ضرب هشام بن عمار بالدرة؟

    هشام بن عمار رحمه الله هو من القراء الكبار، والسبب في ضربه أنه جاء وطلب من مالك أن يحدثه وغالب ظني أنه ما كان في وجهه ولا شعرةً، ومالك لا يحدث من ليس في وجهه شعرة، هذا سبب.

    سبب ثاني: أنه جاء وألح عليه بالسؤال فقال مالك : لمن يشرف على حلقة كذا، خذوه فاضربوه كذا وكذا درة، فيقال: إنهم ضربوه خمس عشرة جلدة بالدرة، فجاء فقال له مالك : ما كفارة ضربك؟ قال: أن تحدثني بكل درة حديثاً، فحدثه وكان صغيراً، وكان مالك لا يحدث الأحداث، فقال: يا إمام! اضربني بالدرة وزدني تحديثاً، إذا كانت الدرة بحديث، اضربني أنت درة ما أبالي، وزدني حديثاً فأنا أفتخر أنني حدثت عنك، ولا تظن أنه جلده كأنه يقيم عليه الحد.

    فهذا العبدري يقول: جلف جاف ضرب هشام بن عمار بالدرة، قال: وقرأت عليه كتاب الأموال لـأبي عبيد ، فقال وقد مر قول لـأبي عبيد : ما كان إلا مغفلاً، لا يعرف الفقه، وقيل لي عنه: إنه قال في إبراهيم النخعي : أعور رجل سوء كما تقدم معنا سابقاً عن إبراهيم النخعي ، قال: كنت معه يوما عند ابن السمرقندي في قراءة كتاب الكامل، فجاء فيه وقال السعدي : كذا، فقال: يكذب ابن عدي ، يعني: الحافظ العبدري يقول: يكذب إنما ذا قول إبراهيم الجوزجاني ، فقلت له: فهو السعدي ، فإلى كم نحتمل منك سوء الأدب، تقول في إبراهيم : كذا وكذا أعور رجل سوء، وتقول في مالك كذا وكذا، وتقول في أبي عبيد ، قال: فغضب وأخذته الرعدة فقال: كان ابن القاضي ، والبرداني وغيرهما من التلاميذ يخافونني فآل الأمر إلى أن تقول في هذا؟ يقول هذا لتلميذه الحافظ ابن عساكر، فقال له ابن السمرقندي : هذا بذاك، يعني كما أنك تتطاول على الأئمة فقف عند حدك، وقلت وهنا القائل ابن عساكر : إنما نحترمك ما احترمت الأئمة، فقال: والله لقد علمت من علم الحديث ما لم يعلمه غيري ممن تقدم، وإني لأعلم من صحيح البخاري ومسلم ما لم يعلماه، فقلت مستهزئاً: فعلمك إلهام إذن، من أين نزل عليك هذا العلم؟ يقول: وهجرته، وكان سيئ الاعتقاد، فقد كان يعتقد التجسيم، ثم تكلم عنه بعد ذلك بما فيه من تجسيم، وقد تقدم كلام الذهبي عنه بأنه من بحور العلم لولا تجسيم فيه.

    يقول الذهبي ، وختم ترجمته بذلك: توفي سنة أربع وعشرين وخمسمائة، قلت: ما ثبت عنه مما قيل من التشبيه وإن صح فبعداً له وسحقاً، الحافظ العبدري حافظ الدنيا في زمانه، وابن عساكر الذي هو حافظ الدنيا يقول: ما لقيت أحداً من الشيوخ أحفظ منه، ومع ذلك نحترمه ما احترم الأئمة.

    سبب عدم ذكر الذهبي لأبي حنيفة في ميزان الاعتدال

    انظر للذهبي الذي هو ذهب خالص، عندما ألف كتاب الميزان وتكلم فيمن تكلم فيهم، وقد يكون فيهم ثقة، وذكر بعضهم وقد يكون ثقة ليدافع عنه، وانظر لاحتياطه واحتراسه ماذا يقول في مقدمة كتابه في الجزء الأول، صفحة عشرين، يقول: وكذا لا أذكر في الكتاب من الأئمة المتبوعين في الفروع أحد لجلالتهم في الإسلام وعظمتهم فيه، ففي هذا الكتاب لا يمكن أن ترى مالكاً أو الشافعي أو غيرهم من أئمة الإسلام، ثم قال: فإن ذكرت أحداً منهم فسأذكره على الإنصاف، وما يضره ذلك عند الله ولا عند الناس، إذاً: إنما يضر الإنسان الكذب والإصرار على كثرة الخطأ، والتجري على التدليس بالباطل، فإنه خيانة وجناية، والمرء المسلم يطبع على كل شيء إلا الخيانة والكذب.

    إذاً: الذهبي لم يذكر أحداً من الأئمة المتبوعين في الفقه لجلالة قدرهم، وهذه الأمة تلقت أمرهم بالقبول والتسليم، فهذا الذي اتفقت عليه الأمة نأتي نحن الآن نخدشه، لا ثم لا، وكما قلت لكم: لن تجدوا أحداً من الأئمة لم يتكلم فيه، كل إنسان يجد أحياناً من يتكلم عليه من أقرانه ومن نظرائه بحق أو بغير حق، فإذا جرى الكلام من الأئمة كما تقدم نطرح هذا الكلام، وإذا جرى ممن دونهم نوقفه عند حده ونحاسبه، وهذه الإمامة لا تتزحزح أبداً، لا بد من وعي هذا.

    1.   

    جلالة حمزة الزيات والخلاف فيه وفي قراءته

    الإمام أحمد على جلالة قدره ومكانته ونبله تكلم في قراءة حمزة، وقراءة حمزة متواترة، عندنا من أنكر حرفاً منها نحز رقبته؛ لأنه ينكر كلام الرحمن، لكن نلتمس للإمام أحمد العذر ونقول: إنه لم يدرك قراءته رحمة الله.

    يقول ابن قدامة محقق المذهب الحنبلي في الجزء الأول، صفحة خمس وثلاثين وخمسمائة من المغني مع الشرح الكبير، يقول: كان أحمد يختار قراءة نافع ، فإن لم تثبت فقراءة عاصم ، وأثنى على قراءة أبي عمرو بن العلاء ، يقول: ولم يكره قراءة أحد من العشرة إلا قراءة حمزة ، والكسائي ، فقيل له: أبا عبد الله -والقائل هو الأثرم - هل نصلي وراء من يقرأ بقراءة حمزة ؟ وإذا صلينا وراءه نعيد الصلاة؟ قال: لا يبلغ به هذا كله ولكنها لا تعجبني، يعني إعادة الصلاة لا داعي لها، لكن أنا أكرهها.

    وهذا الكلام لا يؤثر في حمزة لا من قريب ولا من بعيد، ونقول: هو معذور فيما قال، نسأل الله أن يغفر لنا وله وانتهى الأمر، وما سقطت مكانة الإمام أحمد عندنا عندما قال هذا الكلام.

    موقف ابن قتيبة من حمزة الزيات

    يوجد في هذا الوقت أحد المعاصرين يشبه الألباني في كلامه على أبي حنيفة ، لكن هذا كلامه في أحمد بن حنبل ، والألباني من بلاد الشام وهذا من بلاد مصر، وكأن الأمة الإسلامية ابتليت بما يسمى هذه الأيام بالبحث والتحقيق العلمي، وخدمة التراث، لوثوا تراث سلفنا باسم خدمة السنة والفقه والآثار المتقدمة، استمع إلى هذا البلاء الذي هنا في صفحة تسع وخمسين في تأويل مشكل القرآن، يقول هنا المعلق وهو أحمد الثقفي من مصر ودرس فترة طويلة في جامعة أم القرى، وفي غالب ظني أنه توفي من قريب عليه وعلى المسلمين أجمعين رحمة رب العالمين.

    يقول معلقاً على كلام ابن قتيبة ، يقول: ومن عجب أن يقول ابن مطرف في كتاب القرطين، وابن مطرف جمع كتابين في كتاب واحد: كتاب غريب القرآن لـابن قتيبة ، وتأويل مشكل القرآن لـابن قتيبة ، جمع الكتابين في كتاب واحد وهو كتاب القرطين، يقول: ومن عجبٍ أن يقول ابن مطرف في كتاب القرطين: وباقي الباب لم أكتبه لما فيه من الطعن على حمزة ، وكان أورع أهل زمانه، مع خلو باقي الباب من الفائدة.

    ابن قتيبة هنا عرض بـحمزة في تأويل مختلف الحديث، قال ابن مطرف : أنا سأحذف ذاك الباب ما فيه فائدة، وفيه طعن على حمزة ، وكان أورع أهل زمانه، فهل سيقرأ كلام الله على غير ما أنزله؟ لعنة الله على الورع إذا كنا سنتلاعب بكلام الله جل وعلا، يقول: حمزة ما قرأ حرفاً إلا بأثر، وهو أورع أهل زمانه، وفي كلام ابن قتيبة تعريض بـحمزة ، فلما جمع بين الكتابين حذف كلام ابن قتيبة .

    ومن كلام ابن قتيبة قوله: وكذلك لحن اللاحنين من القراء المتأخرين لا يجعل حجةً على الكتاب، وقد كان الناس قديماً يقرءون بلغاتهم كما أعلمتك، ثم خلف قوم بعد قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة ولا علم التكلف، فهفوا في كثير من الحروف، وزلوا، وقرءوا بالشاذ وأخلوا، ومنهم رجل شكر الله عليه عند العوام بالصلاح، وقربه من القلوب بالدين.. إلى آخره، يقول هذا الرجل: وحمزة بن حبيب الزيات أبو عمارة الكوفي أحد القراء السبعة، وقد توفي رحمه الله سنة ثمان وخمسين وقيل: ست وخمسين بعد المائة، يعني بعد أبي حنيفة بست، أو ثمان سنين.

    وبعد ذلك يذكر كل ما قيل في حمزة من طعن ولا يذكر تعديلاً له وثناءً من إمام من الأئمة.

    يقول: هكذا قال ابن مطرف وهو قول يدل على عصبية مضلة، كقول الألباني تتعصبون لـأبي حنيفة عندما نقول: هؤلاء أئمة ونحن نهتدي بأقوالهم؛ لأن الموضوع موضوع إمام من أئمتنا ونحن نهتدي بأقوال الأئمة وهنا كذلك، يقول وهو قول يدل على عصبية مضلة، فيقول: إن الإمام ابن مطرف يتعصب لـحمزة ، يقول: يدل على عصبية مضلة، وغفلة عن قيمة الحقائق العلمية، وأي فائدة أعظم من أن يبين ابن قتيبة في باقي الباب أوهام القراء التي وهموا فيها، وسجلها عليهم العلماء الأثبات، وبينوا خطأهم فيها، وهل طعن ابن قتيبة في حمزة بغير حق؟ إي والله طعن فيه بغير الحق، لكنه معذور فيما قال. انتهى.

    كان شيخنا عليه رحمة الله محمد أبو الشيخ زين العابدين عندما يأتي لكلام ابن جرير في رد بعض القراءات يقول: هذه لحن.. هذا خطأ.. وهي من القراءات العشر المتواترة، فيقول شيخنا: ما لـابن جرير وللقراءة، كل واحد يقف عند حده، ولا ينال منه بسوء.

    علماء كرهوا قراءة حمزة ودفاع الحافظ عنه

    يقول هنا: ثم إنه لم ينفرد بالطعن فيه، فقد سبقه إلى ذلك أعلام العلماء، فقد كان يزيد بن هارون يكره قراءة حمزة كراهيةً شديدة، وأرسل إلى أبي الشعثاء : لا تقرئ في مسجدنا بقراءة حمزة ، اترك قراءة حمزة لا نريدها.

    وقال عبد الرحمن بن مهدي : لو كان لي سلطان على من يقرأ قراءة حمزة لأوجعت ظهره، وكذلك كان أحمد بن حنبل يكرهها، وكذلك كرهها ولم يقرأ بها عبد الله بن إدريس الأودي ، وقال أبو بكر بن عياش : قراءة حمزة بدعة، وعلق على ذلك الذهبي بقوله: يريد ما فيها من المد المفرط والسكت، وتغيير الهمزة في الوقف، والإمالة وغير ذلك.

    وقال ابن جريج : إنني أشتهي أن يخرج من الكوفة قراءة حمزة .

    وقال حماد بن زيد : لو صلى بي رجل فقرأ بقراءة حمزة لأعدت صلاتي.

    وكان أحمد يكره أن يصلي خلف من يقرأ بقراءته، وكان الأزدي والساجي يتكلمون في قراءته.

    هذه كلها طعون، وكلها مأخوذة من تهذيب التهذيب بالحرف، لكن ابن حجر ذكر ما قيل من طعن والتمس له مخرجاً، وذكر ما قيل من ثناء وقال: هذا هو الصواب، فإذا به حذف الثناء وأكثر من هذه الطعون، واختار فقط أرذلها، ممن يعذر فيما قاله، ثم يقول: ولكن الذهبي قال في ميزان الاعتدال: قد انعقد الإجماع بآخره على تلقي قراءة حمزة بالقبول، والإنكار على من تكلم فيها، فقد كان من بعض السلف في الصدر الأول فيها مقال، ويكفي حمزة شهادة مثل الإمام سفيان الثوري له، فإنه قال: ما قرأ حمزة حرفاً إلا بأثر.

    هذا كلام الذهبي ينقله في الميزان، وينقله في معرفة القراء الكبار، فيرد على الذهبي ، وعجيب من الذهبي أن يكتفي بدعوى الإجماع وقول الثوري هذا، ويسكت عما قاله فيه السلف ولا يتعرض له بنقد.

    ثم نقل الإجماع، فهل انعقد الإجماع بآخره على أنهم كانوا في نقدهم لـحمزة من الخاطئين؟ أقول: نعم، انعقد الإجماع على أنهم كانوا في نقدهم لـحمزة من الخاطئين، وأن من نقد حمزة كان مخطئاً الإمام أحمد أو غيره رضي الله عنهم أجمعين.

    عندنا القراءات متواترة فرشاً وأصولاً، من شك في شيء منها أو جحده فقد كفر، وهل القرآن إلا القراءات؟ يعني قراءة حفص قرآن، وقراءة حمزة قرآن، وكم من أناس اعتادوا على أن يقرءوا في هذه البلاد بقراءة حفص عن عاصم ، أو ما اعتاده أناس يقرءون بقراءة قالون عن نافع ، أو ورش عن نافع هي هي، يعني كلام الله هو القراءات، فإذا كنت تشكك في شيء من القراءات فهذا طعن في كلام الرحمن جل وعلا، لكن إذا ما استوعب الإنسان الأمر، أو نقل له خلاف الواقع وهذا ما قاله ابن الجزري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في غاية النهاية في طبقات القراء في الجزء الأول، صفحة ثلاث وستين ومائتين، وينقله الذهبي في معرفة القراء الكبار في الجزء الأول، صفحة خمس وتسعين يقول: إن طعن أحمد وعبد الله بن إدريس الأودي وغيرهما من أئمة الحديث في القراءة، هذا الطعن على حسب نقل الناقل، جاء بعض الناس وبدأ يمطط ويطرب ويغني فقالوا لهم: قراءة من هذه؟ قالوا: قراءة حمزة قال ابن الجزري : وهل آفة الأخبار إلا رواتها، وحمزة يكره هذا، ولا يوجد عنده لا تمطيط، ولا تغني، ولا خروج عن قواعد التجويد.

    إذاً الطعن، طعن معين، بقراءة معينة، لكن كان الأولى التحقق من هذا الذي حصل، فإذا كان كذلك فلا بد من تحقيق القضية، ثم إذا جئنا بمنقول عن أحد فالواجب على الإنسان أن ينقل ما قيل فيه، ويبين للناس بعد ذلك حقيقة أمره، انظر الآن في تهذيب التهذيب سأسقط كل ما نقله من طعن، واستمع الآن لمن أثنوا على حمزة ، وبأي شيء ختم الحافظ ابن حجر ترجمته.

    توثيق حمزة بن حبيب الزيات في التهذيب

    حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات القارئ أبو عمارة الكوفي .

    الأول قال أبو بكر بن منجويه : كان حمزة من علماء زمانه بالقراءة، وكان من خيار عباد الله عبادةً وفضلاً وورعاً ونسكاً، وكان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان في بلاد مصر رضي الله عنه وأرضاه. هذا أول ثناء عليه في هذا الكتاب وتوثيق له، وذاك كيف جاء وأخذ هذه الطعون وترك الثناء.

    الثاني: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال فيه مثل كلام ابن منظور سواء، يقول: ومنه أخذ ابن منظور وزاد ذكر وفاته، وأنه توفي سنة ست وخمسين أو ثمان وخمسين.

    ثالثاً: وقال العجلي : ثقة رجل صالح.

    رابعاً: قال ابن سعد : كان رجلاً صالحاً عنده أحاديث، وكان صدوقاً صاحب سنة.

    خامساً: قال ابن فضيل : ما أحسب أن الله يدفع البلاء عن أهل الكوفة إلا بـحمزة .

    سادساً: ورآه الأعمش مقبلاً فقرأ: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج:34] .

    سابعاً: قال حسين الجعفي : ربما عطش حمزة فلا يستسقي كراهة أن يخالف من قرأ عليه، يعني: لئلا يأخذ أجرة على كلام الله جل وعلا، يعطش فلا يستسقي خشية أن يسقيه أحد قرأ بقراءته، فيقول: هذه أجرة على كلام الله جل وعلا.

    ثامناً: قال أبو حنيفة غلب حمزة الناس على القرآن والقراءة.

    لماذا لم تذكر هذا؟ ثم قال الحافظ ابن حجر : -وهذا أعدل شيء في ترجمته- وقد ذمه جماعة من أهل الحديث في القراءة، وأبطل بعضهم الصلاة باختياره من قراءته وهذا من أهل الحديث، بعد أن أورد شيئاً مما قيل، قال: فكلام التاجي الذي تقدم معنا أن أحمد يكره أن يصلى خلف من يقرأ بقراءة حمزة يقول: وقد قرأت بخط الذهبي : قد انعقد الإجماع بآخره على تلقي قراءة حمزة بالقبول، ويكفي حمزة شهادة الثوري له، فإنه قال: ما قرأ حرفاً إلا بأثر، ثم قال: وذكر الذهبي أنه ولد سنة ثمانين إلى آخر كلامه.

    هذه القاذورات والبليات تخرج للناس، تحت ستار البحث العلمي، والتحقيق العلمي، والله أنا أعجب غاية العجب كيف لهذه الكتب أن تنتشر في هذا الزمان، هناك في ترجمة إمام من أئمة الإسلام وهو فقيه هذه الملة وأول الفقهاء الأربعة، يأتي أحدهم في رسالة ضمنها ثلاثة أبحاث في السنة فيورد ترجمة مظلمة لـأبي حنيفة رضي الله عنه، وحشر فيها كلام من تكلم فيه ممن هو معذور، وخطؤه مغفور ليستدل به ويحتج به، وهذه بلية البلايا.

    1.   

    انعقاد الإجماع بعد اختلاف والأمثلة عليه

    وأما قول الشيخ: هل يمكن أن ينعقد الإجماع بعد اختلاف؟ أي غرابة في ذلك؟ اختلف أئمتنا في الصدر الأول في أمور كثيرة ثم انعقد الإجماع عليه منها:

    نكاح المتعة اختلفوا فيه في زمن الصحابة وأوائل أيام التابعين، ثم ما انقرض عصر التابعين حتى أجمعوا على تحريمه، وهذا يدرس حتى في كتب التوحيد أن نكاح المتعة حرام، وأنه عقيدة من أجل الإجماع الذي صار فيها، وصارت فارقاً بين أهل السنة وأهل البدعة، مع أنه كان فيها خلاف في الصدر الأول.

    سبي ذرية المرتد، أبو بكر رضي الله عنه سبى ذرية المرتد، وعلي رضي الله عنه استولد امرأةً من السبي من بني حنيفة وجاءه منها ولده وهو: محمد بن الحنفية ، ثم ما انقرض عصر الصحابة، ليس عصر التابعين حتى أجمعوا أن المرتد لا تسبى ذريته.

    وهنا حصل كلام حول قراءة حمزة من غير أهل الاختصاص، ثم استقر الأمر على أن قراءة حمزة متواترة، وأنه ما قرأ حرفاً إلا بأثر وانتهى الأمر، ومن يتكلم على قراءته في هذه الأيام ينبغي أن تحز رقبته؛ لأن ذاك يلتمس له العذر في العصر الأول ليس كحالنا في هذه الأيام، عندنا أمور ضبطت وانتهت، وهكذا كما قلت أبو حنيفة وأمثاله من أئمتنا الأمر فيهم انتهى، ويبني عليه، والقيل والقال ذهب، القبول والبحث العلمي إذا جاءنا أحياناً وجهناه، وإلا سترنا وانتهى الأمر، أما نأتي بقضية مسلمة فنعلم الأمة بها اعلموا أن أبا حنيفة ضعيف، واعلموا أن حمزة وهم؛ لأنه من أبناء العجم؛ ولأنه ما عنده معرفة باللغة، ولا معرفة قواعد العرب فكان يخطئ ويخبط.

    إذا رق دين حمزة عند حمزة ، فهل رق دين الله عند المسلمين في الصدر الأول حتى تركوا حمزة يقرأ بهذه الشواذ؟ إذ سندوه -بالتخفيف- ويقال: سنَّدوه -بالتشديد- وقد كان قريباً للقرون الأولى، هو في القرن الرابع للهجرة لما كان يقرأ بالشواذ ويقول: إنها شاذة وليست متواترة لكن يجوز القراءة بها، لماذا لم يجتمع علماء بغداد في زمانهم علماء الدنيا، وقالوا: يستتاب فإن تاب وإلا ضربت رقبته، ففي الصدر الأول في القرن الثاني حمزة يقرأ بالشواذ ويخبط في القراءة والدين، ولا أحد يدافع عنه، ثم افرض أن الدين رق عند حمزة وحاشاه، فأين أئمة المسلمين وأين الإسلام في ذاك الوقت حتى تركوا هذا الأعجمي يتلاعب بكلام الله القويم؟

    أما عندنا عقل؟! أما من تكلم فيه من الأئمة فإنما بلغته صورة مشوهة فتكلم وهو معذور، وآفة الأخبار رواتها، وأما من كان من غير أهل الاختصاص فيطرح الكلام وانتهى فهذا له شأن آخر، وكنت ذكرت لكم أن بعض القضاة في بلدة أبها ينكرون ليس قراءة حمزة فحسب، بل ينكرون ما عداها إلا قراءة حفص ، فعندهم كل قراءة غير قراءة حفص بدعة، ولما كان بعض الشيوخ الصالحين في بلدة الجنوب يقرءون بقراءة نافع ، قام بعض طلبة العلم ممن يقرءون عليه، فقرءوا بها في بعض المجالس فقال لهم هذا الشيخ وهو قاض: هذه قراءة من؟ قالوا: قراءة نافع ، قال: ما عندنا لا نافع ، ولا حمزة كل القراءات بدعة، لا يوجد إلا قراءة حفص ، فقال: هكذا أقرأني الشيخ فلان، قال: أبداً، فالتقى بالشيخ -والشيخ هو بنفسه من ينقل لي هذه القصة كما ذكرتها لكم- فقال له: أنت تقرئ الناس قراءة نافع ؟ أقرئ الخواص الذين هم طلبة علم حتى يتعلموا القراءات، وإياك أن تقرئ أحداً غير قراءة حفص ، كل القراءات بدعة ما في قراءة إلا قراءة حفص ، قال: فسكت وما تكلمت بكلمة، وقلت: أفوض أمري إلى الله، هذا قاضي كبير وله شأن، أنا شيخ مسكين لست من أهل البلاد وجئت أعلم القرآن، يقول: فركب معنا الشيخ عبد الله بن يوسف ، وهو من الشيوخ الصالحين في بلاد أبها، فاجتمع به وركبا في السيارة في ذاك الوقت بعد صلاة العشاء، فالقاضي هو الذي بدأ بقاصمة الظهر له، قال: يا شيخ عبد الله ! أما بلغك ما يقول هذا الشيخ؟! يقرئ الناس قراءة نافع وغيرها من القراءات، جاء يشوش أذهاننا مع أن القراءات كلها بدعة، وهذا يريد أن تضمحل قراءتنا، وكان الشيخ عبد الله بن يوسف أعلى من هذا مكانةً ولم يكن قاضياً، فقال له: على مهل يا فلان على رسلك، من قال لك: القراءات بدعة؟ ما سمعنا بها، قال: إذا كنت جاهلاً فالله يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] ، وإذا كنت جاهلاً لم تحكم؟ كيف تحكم اتق الله في نفسك، القراءات كلها كلام الله متواترة، قراءات حمزة ، كقراءة عاصم ، كقراءة حفص ، كقراءة غيره من الذين رووا عن عاصم هذه كلها متواترة، كيف تنكرها؟ قال: فسكت، وذاك الشيخ الغريب يقول: أنا أحمد الله، الحمد لله، الحمد لله الذي أظهر الحق ورد إلي كرامتي، يقول: بدأت بعد ذلك أقرئ الناس بالقراءات التي أتقنها، رحمة الله عليه.

    كما قلت لا يجوز تحت ستار البحث العلمي وما يجري في هذه الأيام أن نرد ما هو مسلم عند أهل الإسلام، ووالله الذي لا إله إلا هو لو اجتمع أهل الأرض قاطبةً في هذه الأيام على أن ينقصوا من قدر أبي حنيفة إذا تكلموا عليه لما نقص، والله سيظهر أمره شئنا أم أبينا، ولذلك بيننا وبينه الآن ما يزيد على عشرة قرون؟ سل نساء البادية عن أبي حنيفة يقلن لك: هذا إمام المسلمين، وسل نساء البادية عن الشافعي يقلن كذلك، الأمر مقطوع به ومفروغ منه، والتثليب عليه لا يضر إلا المشوش فقط، والله يقول: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32] .

    وكما قلت أنا: لا أقول: هذا افتراء للمعاصرين لا، أقول: التنبيش هذا بلية، لكن الإمام إذا مرّ بك فلتلتمس له عذراً وتلقي كما قلت عليه الستر ولا تقف عنده، أما أن تأتي وتنقل من هنا، وهنا تنقل عن أربعة، وهناك عن عشرة، وهنا عن أحد عشر، وأنهم ضعفوا أبا حنيفة ؛ وكأن القضية مسلمة، والله هذه بلية ليس بعدها بلية، فلنتقي الله في أنفسنا وفي أئمتنا، وأسال الله أن يحسن ختامنا.

    أعود إلى الأمر الأول الذي كنا ذكرناه ألا وهو مرض الطاعون، نسأل الله أن يحسن ختامنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    تقدم معنا أنه وخز الجن والأحاديث في ذلك كثيرة صحيحة صريحة تدل على هذا الأمر، لا زال معنا أمر يرتبط بالمبحث الأول في تعريف الطاعون ألا وهو أعراض الطاعون، ثم أنتقل إلى فضل الإصابة بالطاعون إن شاء الله، وهذه الأعراض كنت قد ذكرت بعضها عند قراءة كلام ابن القيم في زاد المعاد عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    1.   

    حقيقة الطاعون وأعراضه

    أعراض الطاعون قال الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء العاشر، صفحة ثمانين ومائة: والحاصل من كلام العلماء في حقيقة الطاعون وما ينشأ عنه من أعراض: أن حقيقة الطاعون ورم ينشأ، -الورم: هو انتفاخ أو دمل- عن هيجان الدم وعن انصبابه إلى عضو فيفسده.

    إذاً: من أصيب بالطاعون سيحصل فيه ورم ودمل، هذه واحدة.

    حقيقة الطاعون عند النووي

    وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات في الجزء الثاني، صفحة ثمانين ومائة: الطاعون: مرض معروف، وهو بثر وورم مؤلم جداً، بثرات وهي دمل وانتفاخ يكون في الإنسان إما في الرأس أو غيره وهو ورم مؤلم جداً، قال النووي : وقد يخرج معه لهب ويسود ما حوله، أو يخضر، أو يحمر حمرةً بنفسجيةً تميل إلى الكدرة، ويحصل معه خفقان القلب والقيء، ويخرج هذه الآثار وهي الأورام والانتفاخات والدمل في المراقِّ- أسفل البطن-، والآباط غالباً، ويكون أيضاً في الأيدي والأصابع، وسائر الجسد.

    وقال النووي في روضة الطالبين في الجزء السادس، صفحة ست وعشرين ومائة: قال بعضهم: الطاعون: هو انصباب الدم إلى عضو فيفسده. وقال أكثرهم: هو هيجان الدم في جميع البدن. ثم نقل عن المتولي من أئمة الشافعية أنه قال: إن الطاعون قريب من الجذام، من أصابه تآكلت أعضاؤه وتساقط لحمه، ولعل هذا التآكل والتساقط يصيب الإنسان في آخر مرحلة منه عندما يشرف على الموت، يصبح كل شيء من جسمه يسقط، وبعد ذلك يموت كأنه متفسخ من شدة مرض الطاعون الذي يصيب البدن.

    حقيقة الطاعون عند ابن القيم

    وتقدم معنا كلام ابن القيم في زاد المعاد، الجزء الرابع، صفحة سبع وثلاثين في حقيقة الطاعون. وخلاصة الكلام: لا بد من خروج دمل، لا بد من خروج تلهب شديد، لا بد من حصول ورم، لا بد من انتفاخ إذا أصيب الإنسان بطاعون، وهذا الانتفاخ لا يأخذ طويلاً في الإنسان، قد يموت في نفس اليوم، أو بعد يوم، أو يومين، وتقدم معنا أن أشده ما يميل إلى السواد، وإذا أصيب الإنسان به في الغالب يكون قد انتهى أجله، نسأل الله حسن الخاتمة.

    وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى أن الطاعون غدة وورم يكون في بدن الإنسان، وقلت: هذه أعراض تحصل له، لكن هو وخز وعندما يحصل الوخز، يحصل في البدن ما حصل.

    والحديث تقدم معنا وغالب ظني أنه من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها، وهو في مسند أحمد ، وأبي يعلى ، ورواه، البزار ، والطبراني في معجمه الأوسط أنه قال: (غدة كغدة الإبل)، وقلت: إنه يشبه الدمل يأخذهم في الآباط وفي مراقِّ البطن كما تقدم معنا من كلام نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد دعا نبينا عليه الصلاة والسلام على بعض العتاة الأشقياء في هذه الأمة بأن يصيبه الله بعذاب عاجل، فعجل الله له الإصابة بمرض الطاعون.

    1.   

    دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على بعض العتاة بالطاعون

    قلت: والطاعون إذا أصاب المؤمنين فهو رحمة وشهادة، وإذا أصاب العتاة فهو نقمة عاجلة توصل إلى عذاب أليم، ثبت الحديث بذلك في مسند الإمام أحمد ، وصحيح البخاري ، من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه، والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير من رواية سهل بن سعد ، ورواه الطبراني أيضاً في معجمه الكبير من طريق أخرى وبلفظ آخر من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه، ورواية الطبراني الأولى فيها: عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد رضي الله عنهم أجمعين، وفيه ضعف، وهو من رجال الترمذي ، وسنن ابن ماجه القزويني ، وتوفي بعد سبعين ومائة للهجرة.

    ورواية الطبراني قال عنها الهيثمي في المجمع: رجالها رجال الصحيح، في الجزء السادس، صفحة سبع وعشرين ومائة، والحديث في المسند، وفي صحيح البخاري في الجزء السابع من فتح الباري، صفحة ست وثمانين وثلاثمائة، وأورد البخاري هذا الحديث ضمن كتاب المغازي في غزوة الرجيع، وحصل هذا عندما حصل نكث من القبائل المتوحشة من قبائل نجد وغدروا بالقراء وقتلوهم وكانوا سبعين، بواسطة إغراء اللعين أبي عامر الصيفي الذي دعا عليه النبي عليه الصلاة والسلام بأن يعجل الله له العقوبة، وحديثه كما قلت لفظه في صحيح البخاري ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خاله وهو أنس بن النضر -خال أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين، وهو أخٌ لـأم سليم - في سبعين راكباً، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خير بين ثلاث خصال، يعني: خير النبي عليه الصلاة والسلام بين ثلاث خصال، فقال له: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر)، وفي رواية ( يكون لك أهل السهل ويكون لي أهل الوبر )، يعني: لك المدينة ولي البادية. أي: للنبي عليه الصلاة والسلام.

    الأمر الثاني: (أن أكون خليفتك من بعدك)، والمعنى: أنه قال اختر! إما أن نقتسم البلاد وإما أن أصبح خليفةً بعدك؟

    والأمر الثالث: إذا أبيت هذا وهذا (أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألف)، وفي رواية الطبراني (بألف أشقر وألف شقراء) يعني: من الخيول، ألف خيل وألف فرس، وقوله: أشقر وشقراء أي: من الشقر الذكور والإناث نغزوك عليها من قبائل غطفان، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام في رواية الطبراني : (يكفينيك الله وابنا قيلة) وابنا قيلة هما الخزرج والأنصار، ويقال لهم: ابنا قيلة، قيل: إن قيلة اسم أم لهم في القديم، قيل: قيلة بنت كاهن ، ولم يقل نبينا عليه الصلاة والسلام: ثم أبنا قيلة؛ لأن مقامه عليه الصلاة والسلام لا يتطرق إليه شك أو نقص، فلو جمع بين ضمير الإنسان ولفظ الرحمن بحرف الواو يصح في غيره، يعني لو قال نبينا عليه الصلاة والسلام: يكفنيك الله وابنا قيلة يجوز كما لو قال عليه الصلاة والسلام: (من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى)، لو قال: ومن يعصهما فقد غوى جاز، فهنا عندما يجمع النبي عليه الصلاة والسلام بينه وبين الله جل وعلا في الكلام (يكفينيك الله وابنا قيلة) لا يضر؛ لأننا نحن نهينا من أجل ألا يحصل تسوية بين الخالق والمخلوق في اللفظ، وإن كان الاعتقاد صحيحاً، فقد يتطرق إلينا أحياناً كما قلت نقص، ولا نراعي هذا المعنى في قلوبنا، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقلبه معمور بالتوحيد الخالص، لا يمكن أن يصدر منه الخطأ، وعليه يجوز أن يستعمل هذا.

    على كل حال (فطعن عامر في بيت أم سليم ، فقال: غدة كغدة البكر) وهي الفتى من الإبل البكر، والأنثى بكرة، (غدة كغدة البكر في بيت امرأة من آل بيتنا، ثم قال: ائتوني بفرس فمات على ظهر فرسه) عندما خرجت هذه الغدة فيه، فسلط الله عليه الطاعون، (فانطلق حرام أخو أم سليم وهو رجل أعرج من بني فلان، فقال: كونا قريباً حتى آتيهم، فإن آمنوني أتيتم، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم، فقال: أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فجعل يحدثهم، وأومئوا إلى رجل فأتاه من خلفه فطعنه) وحصل هذا من قبيلة رعل وذكوان وعصية الذين قتلوا القراء السبعين.

    (قال همام: أحسبه حتى أنفذه بالرمح فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، فلحق الرجل فقتلوا كلهم غير الأعرج كان في رأس جبل فأنزل الله علينا ثم كان من المنسوخ، يعني قرآناً يتلى ثم نسخ هذا وصار من عداد المنسوخ، إنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين صباحاً على رعل، وذكوان، وبني لحيان، وعصية الذين عصوا الله ورسوله على نبينا صلى الله عليه وسلم).

    والذي طعن بالحربة من خلفه هو حرام بن ملحان رضي الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام.

    إذاً قوله: غدة كما قلت، أي ورم يكون في البدن، قد يحصل له أشكال مختلفة.

    1.   

    فضل الإصابة بالطاعون

    المبحث الثاني: فضل الإصابة بالطاعون.‏

    تقدم معنا من رواية أربعة من الصحابة الكرام من رواية أبي موسى ، وأخيه أبي بردة ، وابن عمر ، وأمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين أن الطاعون شهادة، تقدم معنا (فناء أمتي بالطعن والطاعون وفي كل شهادة، قالوا: هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهادة).

    فإذاً الذي يصاب بالطاعون يثبت له ثواب الشهادة في هذه الأحاديث المتقدمة، وسأزيد على تلك الروايات روايات، يقطع الإنسان إذا وقف عليها أن الذي يصاب بالطاعون له أجر الشهادة عند الحي القيوم سبحانه وتعالى.

    1.   

    الأدلة على أن الطاعون شهادة

    وردت روايات في ذلك:

    رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

    فمن تلك الأحاديث الرواية الأولى رواه أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه، والبيهقي في السنن الكبرى في الجزء الثالث، صفحة ست وسبعين وثلاثمائة، من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها، وتقدم معنا رواية أخرى لـعائشة تختلف عن هذه، وهي في المسند، ومسند أبي يعلى ، والطبراني في الأوسط، والبزار ، وكنت ذكرتها: (والمقيم فيه له أجر الشهيد)، وفيه تزكية للأعمال وأن الطاعون للمسلم شهادة. لكن هذه الرواية من رواية أمنا عائشة تعتبر ضمن الروايات الأربع لكن يختلف لفظها، عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون؟ فقال: كان عذاباً يبعثه الله على من كان قبلكم، فجعله الله رحمةً للمؤمنين، وما من عبد يكون في بلد يكون فيه الطاعون، فيمكث صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد).

    هذا يدخل ضمن الروايات المتقدمة من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    وتقدم معنا روايات أخرى تختلف عنها لا تزال ضمن روايتها.

    رواية أبي موسى ورواية أبي بردة ورواية ابن عمر

    وهكذا الرواية الثانية: عن أبي موسى والرواية، الثالثة: عن أبي بردة والرواية الرابعة: عن ابن عمر .

    رواية أنس بن مالك

    الرواية الخامسة: عن أنس ولم يتقدم لها ذكر، وهي في المسند، والصحيحين، ورواها ابن خزيمة في صحيحه، والطيالسي في مسنده كما في منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود في الجزء الأول، صفحة تسع وأربعين وثلاثمائة، ولفظ حديث أنس : عن حفصة بنت سيرين رضي الله عنها قالت: قال لي أنس بن مالك : بم مات يحيى بن أبي عمرة ؟ وأبو عمرة كنية لـسيرين ، وعليه بم مات يحيى بن سيرين الذي هو أخ لـحفصة أي: أخوك بأي شيء مات؟ وأنس يعلم لكنه يريد أن يسألها من أجل أن يجيبها بما يرسخ فيها بعد ذلك من فضيلة لهذه الميتة التي مات بها يحيى بن سيرين عليهم جميعاً رحمة رب العالمين، فقالت: مات بالطاعون، أي: أصيب بالطاعون، طعن ومات، فقال أنس بن مالك رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الطاعون شهادة لكل مسلم)، ويحيى بن سيرين مات قبل أخيه محمد بن سيرين ، ومحمد بن سيرين تقدم معنا أنه توفي سنة عشر ومائة للهجرة، فهذا مات قبله بالطاعون رضي الله عنهم أجمعين.

    رواية جابر بن عبد الله

    الرواية السادسة: رواها أحمد في مسنده، والبزار في مسنده، والطبراني في معجمه الأوسط، ورجال أحمد ثقات كما قال الهيثمي في المجمع في الجزء الثاني، صفحة خمس عشرة وثلاثمائة، وقال المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الثاني، صفحة تسع وثلاثين وثلاثمائة: إسناد أحمد حسن، الهيثمي يقول: رجاله ثقات، والمنذري : إسناد أحمد حسن، والحديث من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين، قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الطاعون: الفار منه كالفار من الزحف، ومن صبر فيه كان له أجر شهيد )، الروايات التي معنا تزيد على عشر روايات، بل لعلها تبلغ خمس عشرة رواية، فيها هذا المعنى ألا وهو أن من يموت في الطاعون له أجر الشهادة عند الله جل وعلا.

    رواية أبي هريرة

    الرواية السابعة: ثابتة في الصحيحين، وسنن الترمذي ، وموطأ مالك ، وهي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وفي جامع الأصول في الجزء الثاني، صفحة تسع وثلاثين وسبعمائة، وعزاه إلى صحيح مسلم فقط، والموطأ، والترمذي ، وقلت لكم: إنه في الصحيحين، وهو في صحيح البخاري في الجزء السادس، صفحة اثنتين وأربعين من فتح الباري، والمعلق لم يشر إلى ذلك هنا، وليته بين أن الرواية في صحيح البخاري ، نعم ذكر أنها في مسلم ، والترمذي ، والموطأ لكنه لم يذكر أنه في صحيح البخاري ، وكذلك أنه جاء من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، في المسند لا يذكره لأنه ليس بشرطه، وشرطه أن يجمع الكتب الستة الصحيحين، والسنن الثلاثة، والموطأ، فالمسند لا نطالبه به، لكن على حسب شرط ابن الأثير قصر، والمعلق والمحققون ينبغي أن يقولوا: هذه الرواية في صحيح البخاري ، أما المسند أو غيره فلا يلزمون؛ لأنه في الأصل لم يشترط أن يجمع أحاديث المسند في كتابه.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.