إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. شرح مقدمة الترمذي
  5. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [33]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [33]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الصرع نوعان: حسي ومعنوي، فالحسي يكون بتسلط شيطان الجن على جسد الإنسي فيؤذيه، أو يخطفه، وقد يقتله، وأما الصرع المعنوي فهو الغالب في تسلط الشياطين على الإنس فتجعلهم في غفلة وبعد عن الله إلا من حفظه الله وعصمه، وقد جعل الله لنا ملائكة يتعاقبون فينا ويحفظونا من الأذى، وقد أمرنا أن نحبس الأطفال أول الليل؛ لأن الشياطين تنتشر وتتمكن في الظلمة أكثر، والطاعون الذي يصيب البشر هو وخز من الجن؛ لذلك كان المطعون شهيداً لأنه قتيل الجن.

    1.   

    صرع الجن للإنس

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد: فلا زلنا نتدارس المبحث الثالث من مباحث الجن، ألا وهو: صلة الإنس بالجن، وصلة الجن بالإنس، وتقدم معنا أن هذا المبحث يقوم أيضاً على أربعة أمور:

    أولها: حكم استعانة الإنس بالجن.

    وثانيها: حكم التناكح بين الإنس والجن، وقد مر الكلام على هذين المبحثين.

    وثالثها: صرع الجن للإنس، وهذا الذي كنا نتدارسه وبقي بقية منه.

    ورابعها: تحصن الإنس من الجن.

    لا زلنا في الأمر الثالث من هذه الأمور، ألا وهو: صرع الجن للإنس، وتقدم معنا أن الصرع قد يكون حسياً، وقد يكون معنوياً، وقد يجتمعان، وأشنع أنواع الصرع: الصرع المعنوي، بحيث يستحوذ الشيطان على الإنسان فينسيه ذكر الرحمن.

    وتقدم معنا أن نسبة الصرعى بهذا الصرع كبيرة، بحيث وصلت إلى تسعمائة وتسعة وتسعين في الألف، وسلم واحد فقط، وأكثر الناس عن هذا الصرع في غفلة.

    وتقدم معنا أنه يدخل في هذا النوع من الصرع الخطف، كما يدخل أيضاً الموت والقتل.

    وينبغي أن نتذكر في أول هذه الموعظة أمراً، ألا وهو: أن أخبث الأعداء بالنسبة للإنسان من كان قريباً منه وخفياً عنه، والأمران مجتمعان في هذا العدو الجني الصرف العاصي الشيطان الذي يكون قريباً منا وخفياً عنا، يرانا ولا نراه، فلا نستطيع أن نتحصن ونتمكن منه وأن نقاتله مقاتلةً غامضة أو مكشوفة إلا إذا التجأنا إلى ربنا جل وعلا.

    حفظ الله للإنسان من الجان

    ولولا أن الله حفظ عباده وسخر الملائكة لحفظهم لتخطفتهم الشياطين، ولكن الله جل وعلا بعباده عليم, ولهم حفيظ سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا في سورة الرعد: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد:8-10] أي: يمشي في طريقه في سربه ظاهر، أو مستخف بالليل.

    (سَوَاءٌ مِنْكُمْ) يعلم الله حال الإنسان والوضع الإنساني على أي حال كان (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ) (و) من هو معلن (سارب بالنهار) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد:11] .

    (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ) الضمير في: (له) مردود وراجع إلى (من) في قوله: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ [الرعد:10] يعني: في أي حالةٍ كنتم، في حال إسرار وجهر، في حال ليلٍ أو نهار، في أي حالةٍ وفي أي ظرف يعلمكم، سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ [الرعد:10] هنا الضمير (لَهُ) لمن أسر القول, ولمن جهر به, ولمن استخفى في الليل, ولمن مشى وظهر في النهار، سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ [الرعد:10] .. لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ [الرعد:11].

    وقيل: مرجع الضمير يعود إلى الله جل وعلا الذي تقدم ذكره: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى [الرعد:8] (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) تحفظ هذا الذي هو من خلقه سواء أسر أو جهر أو استخفى أو ظهر.

    و(مُعَقِّبَاتٌ) تتعاقب على حفظ ابن آدم في جميع أحواله وأطواره، والأمران متلازمان، وهذه الملائكة التي تحفظ ابن آدم هي ملائكة الله جل وعلا، ووقع هذا بأمره وتقديره وتسخيره سبحانه وتعالى، كما أنها تعقب ما يصدر عنه بالكتابة والتقييد والتسجيل.

    لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11].

    قوله: (مِنْ) إما أن تكون بمعنى: عن، أي: (عن أمر الله)، أو بمعنى الباء، أي: (بأمر الله), أو بمعنى اللام، أي: (لأمر الله)، وكما قال أئمتنا: حروف الجر تتناوب وتتعاقب, وينوب بعضها عن بعض.

    وقال الفراء: في الآية تقديم وتأخير، ولفظ حرف الجر على ظاهره، وعليه يصبح معنى الآية: له معقبات من أمر الله من بين يديه ومن خلفه يحفظونه، (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ) أي: هذه المعقبات من أمر الله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85] والملائكة من أمر الله جل وعلا.

    عدد الملائكة الموكلين بحفظ ابن آدم

    إذاً: هذه الملائكة تتعاقب على حفظنا، تتعقب ما يصدر منا بالتقييد والكتابة والتسجيل، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن للمؤمن من ذلك النصيب الأوفى من حفظ الله ورعايته بواسطة جنده وملائكته.

    روى الطبراني في معجمه الكبير كما في مجمع الزوائد في الجزء (7/209) في كتاب القدر: باب دفع ما لم يقدر على العبد، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب: مصائد الشيطان، كما عزا الحديث إليه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء في الجزء (3/38)، ورواه ابن قانع أيضاً كما في جمع الجوامع للسيوطي في الجزء (1/871)، من رواية أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وكل بالمؤمن ستون ومائة ملك يذبون عنه ما لم يقدر عليه ) .

    فإذا أُردت بسوء من قبل شياطين الإنس والجن فإن الملائكة تذب هذا عنك وتدفعه فلا يصلون إليك، وهكذا من قبل الهوام والحشرات المؤذيات إذا لم يقدر عليك، ( يذبون عنه ما لم يقدر عليه, للبصر من ذلك تسعة أملاك ) أي: تسعة ملائكة موكلة بحفظ البصر فقط، لئلا يصاب بضر وأذى, ولا تدخل في هذا البصر نملة أو بعوضة لا في النوم ولا في اليقظة، ولا يقترب منه ثعبان أو عقرب، إذاً: لا يتسلط عليه خبيث من الجان, أو مؤذٍ من بني الإنسان.

    ( للبصر من ذلك تسعة أملاك يذبون عنه كما تذبون عن قصعة العسل الذباب في اليوم الصائف، وما لو بدا لكم ) يعني: هؤلاء الجن الذين يريدون الأذى بكم، ( وما لو بدا لكم لرأيتموه ) أي: العاتي من الجن ومن الشياطين، ( على كل جبلٍ وسهلٍ باسط يديه ) يمد يديه لاستقبالكم وتلقيكم وإيصال الضر إليكم (على كل سهل وجبل باسط يديه، فاغر فاه - فاتح فمه - وما لو وكل العبد فيه إلى نفسه طرفة عين لخطفته الشياطين ).

    أي: أنتم لو اطلعتم على حقيقة الأمر لرأيتم أن عتاة الجن يتربصون بكم لإلحاق الأذى بكم، وتقدم معنا: ( لا يولد لابن آدم مولود إلا ولد له تسعة ) ولذلك فالجن أضعاف بني آدم.

    ومع ما يحصل لهم من تعمير يجوز على أعمارنا، لو كشف لنا عن حقيقة أمرهم ورأيناهم على كل سهل وجبل لوجدناهم يبسطون أيديهم ويفتحون أفواههم لينالونا بضر، بحيث لو وكل الإنسان إلى نفسه ولم يكن له حفظة لتخطفته الشياطين.

    قال الهيثمي : فيه عفير بن معدان وهو ضعيف، من رجال الترمذي وابن ماجه ، وقد حكم عليه الحافظ العراقي وابن حجر بما حكم عليه الهيثمي في المجمع.

    وهذا المعنى ثابت في كتاب الله عز وجل: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ [الانفطار:10-11] أي: يحفظونكم ويحفظون ما يصدر عنكم.

    وقد ورد ما يؤيد هذا المعنى أيضاً في مسند أحمد , في الجزء (3/353 ، 363) وتكلم عليه الإمام الهيثمي في المجمع وذكره في موضعين في الجزء (1/66)، وفي الجزء (4/117)، ونسبه إلى أحمد في المسند العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (1/239), وما عزوه إلى غيره.

    قال الإمام الهيثمي : في إسناده أبو الصلت , وتقدم معنا ذكر أبي الصلت عند قول الله جل وعلا: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] وذكرت حديثاً هناك عن أبي هريرة رضي الله عنه من طريق أبي الصلت ، وقلت: فيه أبو الصلت قال عنه الإمام الهيثمي : لا يعرف.

    والجهالة فيه أنه لم يرو عنه إلا علي بن زيد بن جدعان ، وتقدم معنا أنه من رجال البخاري في الأدب المفرد، وأخرج له مسلم في صحيحه, وهو في السنن الأربعة، وتوفي سنة 131 وفيه ضعف, وقد وثق.

    وعلى كل حال فـأبو الصلت تابعي يروي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

    ولفظ الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، عن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: ( لما انتهيت إلى السماء السابعة ليلة أسري بي، فنظرت فوقي فإذا أنا برعدٍ وبرقٍ وصواعق، فأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم ) وهذا القسم وما يتعلق به تقدم معنا، ورواه ابن ماجه أيضاً في سننه.

    ( فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: أكلة الربا ).

    وتكملة الحديث كما في المسند: قال نبينا عليه الصلاة والسلام: ( فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت أسفل مني، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات ) والرهج: هو شرر النار، أي: نار تلمع وتقدح ويتطاير منها الشرر قال: ( فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هؤلاء الشياطين يحومون على أعين بني آدم ألا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب ) لولا أن الشياطين تحوم حول أعيننا، وتشوش علينا لرأينا عجباً في ملكوت السماوات والأرض، فالشياطين تحول بيننا وبين التفكر, والمعصوم من عصمه الله.

    إن هذا الحديث والذي قبله يقرران كيد الشيطان للإنسان، كما يحدثان عن حفظ الرحمن لبني الإنسان.

    نعم؛ إن الشيطان حريص مؤذ، وقد أمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن نحترس منه غاية الاحتراس، وسيأتينا هذا في المبحث الرابع عند طرق التحصن من الجن إن شاء الله.

    الحكمة من كف الصبيان وقت العشاء

    وهنا من باب التعجب أذكر أمراً من الأمور ينبغي أن يعتني به من أجل ألا يمس أولادنا بأذى، وألا يخطفوا، وتقدم معنا أن من الصرع: صرع وخطف وموت، أي: قتل من قبل الجن.

    تقدم معنا في مباحث من سنن الترمذي أن للشيطان تمكناً من الإنسان في وقت الظلمة أكثر من تمكنه منه في وقت الضياء، كما أنه يتمكن منه في وقت الخلوة أكثر من تمكنه منه في وقت اجتماعه بالناس ووجود من يعاشره ويصاحبه.

    ونحن في كل ليلةٍ نستقبل ظلمة عند غروب الشمس، وقد أمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام في هذه الساعة التي هي بداية الليل حيث تشتد فيها الظلمة، والشياطين آن وقت انتشارها وتصرفها للفساد والإفساد, أمرنا أن نضبط أولادنا وألا نسمح لهم بالخروج ولا بالجلبة ولا باللعب ولا بالصياح عند إقبال الليل حتى تذهب فحمة العشاء، أي: شدة الظلمة، ويخلي سبيلهم ويطلقهم بعد العشاء.

    والحديث في المسند والصحيحين، ورواه أبو داود والترمذي , وهو من أصح الأحاديث درجة من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كان جنح الليل ) أي بدايته ومقدمته، ( فكفوا صبيانكم ) وفي روايةٍ: ( فاكفتوا صبيانكم ).

    والكفت: هو الضم والجمع، أي: اجمعوهم وضموهم إليكم؛ كما قال الله جل وعلا: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً [المرسلات:25-26] وسميت الأرض كفاتاً لأننا نكفت فيها، أي: تجمعنا وتضمنا على ظهرها وفي بطنها، إذا كنا أحياء على ظهرها، وإذا متنا ففي بطنها.

    وهنا: (اكفتوا صبيانكم) بمعنى: كفوا صبيانكم عن الانتشار والتحرك واللعب خشية أن يمسوا أو يخطفوا، ( فاكفتوا صبيانكم, فإن الشياطين تنتشر في الليل ).

    إن هذا وقت تسلطها ووقت سلطانها حيث يصبح لها تمكن في الظلمة أكثر من تمكنها في الضياء.

    وفي بعض روايات المسند وصحيح البخاري وسنن أبي داود : ( فإن للجن انتشاراً وخطفةً ) أي: سرعة خطف، فتنتشر ولها خطف لبني آدم في هذا الوقت ( فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم ) وضبط: ( فحلوهم ) بالحاء المهملة، كأنهم كانوا مقيدين فاسمحوا لهم بالانطلاق والتحرك.

    آداب البيوت ليلاً

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً )، وهذا من السنة والأدب: أن تغلق الباب الخارجي وباب الحجرة إذا نمت، فالشيطان لا يدخل عليك إذا أغلقت الباب وسميت الله، ( أغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، وأوكوا قربكم ) والقرب جمع: قربة -بكسر القاف في الجمع والإفراد- وهي وعاء يوضع فيه الماء فأغلقه بإحكام واضبطه ولا تتركه مفتوحاً ( واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم ) وهي: المواعين والصحون والقدور والسطول وما يجتمع فيه الماء أو الطعام، فينبغي أن تغطيه ( واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا ) بضم الراء، أي: أن تجعلوا في عرض الإناء والوعاء شيئاً فوقه كالعود -مثلاً- وهذا إذا لم يكن ثم غطاء للإناء، ( ولو أن تعرضوا عليه شيئاً، وأطفئوا مصابيحكم ).

    وفعل مرة بعض الصالحين هذا على وعاء له ليس عنده ما يخمره، فوضع عوداً وسمى عليه رب العالمين، فاستيقظ فرأى الثعبان قد لف نفسه على هذا العود، وما استطاع أن يقع في داخله، لأن أمامه حصن حصين.

    وكذلك المصابيح ينبغي أن تطفأ من أجل ألا يحصل شيء من الحريق والفساد، وهذا فيما يمكن أن يحصل بسببه حريق كالمصابيح القديمة التي كانت توقد بالوقود، فقد تأتي حشرة كفأرة -مثلاً- وتضرم النار في البيت وأنت نائم، فهي خبيثة تسعى للفساد، وإذا أمن المضرة من ذلك كما هو الحاصل في مصابيح الكهرباء المحكمة فلا حرج، ومع ذلك لو أطفأ المصابيح كلها لكان أهدأ له في نومه، وألذ لجسده.

    كذلك من الآداب الشرعية غلق الأبواب، وما قاله بعض المخرفين من الصوفية كما نقل عنه الإمام المناوي في فيض القدير في الجزء (1/423) قال: نحن نفتح الأبواب ولا نغلقها، فهذا سوء أدب في مقابلة هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وليس في إغلاق الباب ليلاً إشارة إلى بخل ولا امتناع عن ضيافة، وإنما أدب نبوي فالتزم به، ولا داعي بعد ذلك للشغب ولا للفلسفة على كلام النبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    حقيقة الطاعون وذكر أمور حوله

    كنا نتكلم على خنق وقتل الجن للإنس, وقد انتهينا من صرع الجن للإنس، كما انتهينا من خطف الجن للإنس، ودخلنا في الأمر الثالث الذي يتعلق بمبحث الصرع ألا وهو القتل والوخز.

    وتقدم معنا أن الطاعون وخز الجن، وقررت هذا بالأحاديث الكثيرة, وأثبت أن الطاعون وخز خفي من هؤلاء الجن الذين يرونا ولا نراهم، ويترتب عليه أعراض ظاهرة وتغير في لون الجسد، وقد يصحبه ألم شديد كما تقدم معنا من أعراض، وفي النهاية يؤدي إلى الموت، لكنه هو بقية رجز أرسل على من كان قبلنا، وهو أيضاً دعوة نبي من أنبياء الله، وفيه درجة الشهادة.

    وإن مرض الطاعون يختلف عن الأوبئة الأخرى، فكل طاعون وباء وليس كل وباءٍ طاعوناً، فمرض الكوليرا -مثلاً- وباء وليس بطاعون، وأما الطاعون فهو وباء ومرض عام، أي: أثره يكون عاماً ولا يكون على فرد واحد، لكن بسببٍ خفي أخبرنا عنه من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.

    وقررت هذا كما قلت بأحاديث كثيرة، وختمتها بكلام الحافظ ابن حجر وكلام ابن القيم .

    ذكر ابن حجر أنه مما يقرر أن الطاعون من وخز الجن وطعنهم للإنس طعناً خفياً، عدة أمور وهي:

    أنه يكون في أصح الفصول وأنشطها، كما يكون في أطيب البلاد وأجملها، ولو كان مبناه على العفونات لحصل عند تغير الرياح وفسادها، كما أنه إذا انتشر في بلد يصاب به بعض الناس دون آخرين، ولو كان بسبب عفونات في البدن لكان عاماً، يصاب به بعض أماكن من الجسد، وقد لا يصحبه أحياناً أعراض المرض من ألم ونحوه كلما انتشر الطاعون ثم يموت، وأما الأوبئة والأمراض فتقدم معنا: أنه يصاحبها آلام وآلام.

    حفظ الله للمدينة حيث لا يدخلها الطاعون

    وآخر الأمور التي تقرر أن الطاعون من وخز الجن أنه لا يدخل بقعتين شريفتين فاضلتين مباركتين، هما: بلدة نبينا عليه الصلاة والسلام التي تنورت بطلعته البهية، والبلدة الثانية: بلد الله الحرام مكة المكرمة، مما يدل على أن الطاعون ليس سببه اختلاف الهواء وفساده, وأنه ليس وباء كالأمراض الأخرى، لا يدخل هذين المكانين المباركين، كما في حديث أبي هريرة في المسند والصحيحين وغيرهما، وهو من أصح الأحاديث درجةً ورتبةً.

    وكما في حديث أنس رضي الله عنه في مسند أحمد وأبي يعلى وأبي عوانة وصحيح البخاري وسنن الترمذي وصحيح ابن حبان .

    ولفظه عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها, فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله ).

    لفظ المشيئة هنا ذكره نبينا عليه الصلاة والسلام للتبرك لا للاستثناء والتعليق، فهو يشمل الأمرين المتقدمين: الدجال والطاعون، هذا هو المعتمد، يعني: قطعاً لن يقربا هذه البقعة المطهرة.

    وقيل: إنه للتعليق، وهو قول ضعيف هزيل، وإذا كان للتعليق فإنه يعود إلى الأمر الأخير لا إلى الأول قطعاً وجزماً؛ لأنه تواترت الأحاديث بعدم دخول الدجال المدينة المنورة، على منورها صلوات الله وسلامه.

    ومقتضى هذا القول أنه يجوز أن يدخل الطاعون إلى بلدة نبينا الميمون عليه الصلاة والسلام، ولكن كما قلت: وردت أحاديث تبين أنه لا يدخل الطاعون المدينة المنورة كما لا يدخلها الدجال، وعليه فهذا الاستثناء للتبرك لا للتعليق، والعلم عند الله جل وعلا.

    والحديث الثالث: مروي عن سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وقد تقدم تخريج حديث أبي هريرة .

    ورواه الإمام أحمد في مسنده بسند رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع في الجزء (3/309)، ورواه الحاكم في المستدرك في الجزء (4/542), وهو في كتاب دلائل النبوة للبيهقي في الجزء (2/570)، ورواه أبو يعلى في مسنده، ورواه المفضل الجندي في كتابه فضائل المدينة، والله أعلم هل طبع أم لا؟ وقد توفي سنة 308 للهجرة.

    وعلى كل حال فلفظ الحديث من رواية أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المدينة مشبكة بالملائكة، على كل نقب منها -فتحة وطريق يؤدي إليها- ملكان يحرسانها، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال ) دون أن يعلق هنا هذين الأمرين بالمشيئة: ( فمن أرادها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح بالماء )، وفي لفظ: ( لا يريد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء ) فيه إشارة إلى تعجيل عقوبة الله له في الدنيا قبل الآخرة، فهي بلدة النبي عليه الصلاة والسلام فينبغي أن يكون نحوها إجلال خاص.

    والحديث الرابع: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، رواه أحمد في المسند كما في المجمع في الجزء (3/302)، وفي الإسناد ابن لهيعة قال الهيثمي : وحديثه حسن، وفيه كلام، وتقدم معنا أن كلام الهيثمي يختلف نحو هذا الإمام بكثرة، فأحياناً يقول: حسن، ويسكت، وأحياناً يقول: مختلف فيه، وأحياناً يقول: وثق، وأحياناً يقول: فيه ضعف، وتقدم معنا حاله رضي الله عنه وأرضاه.

    والحديث صحيح قطعاً وجزماً؛ لوجود الشواهد له, ولفظه عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مثل المدينة كالكير ) كالكير أي: تنفي الخبث عنها كما أن الكير ينفي خبث الحديد، وخبث المعادن، فالطيب فيها يستأنس, والمنافق فيها يتضايق وينقرض.

    وهذا الكير سيظهر أثره عند مجيء الدجال، فترجف المدينة ثلاث رجفات فلا يبقى فيها منافق ولا منافقة إلا خرج إلى الدجال ، فتتخلص من الأشرار المنافقين الذين يسكنون في مدينة نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام.

    قال نبينا عليه الصلاة والسلام: ( وحرم إبراهيم خليل الله مكة وأنا أحرم المدينة ) أي: بلد الله الحرام حرمها إبراهيم فلا ينفر صيدها، ومن باب أولى: لا يصطاد فيها، ولا يقتلع حشيشها، فكذلك أنا أحرم المدينة -على منورها صلوات الله وسلامه-.

    قال عليه الصلاة والسلام: ( وهي كمكة حرام ما بين حرتيها ) والحرة هي الحجارة السوداء التي خرجت من داخل الأرض, ( حرام ما بين حرتيها وحماها كلها ) كلها محمية كما حميت مكة المكرمة، ( لا يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل منها بعيره، ولا يقربها الطاعون ولا الدجال، والملائكة يحرسونها على أنقابها وأبوابها ).

    قال جابر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يحل لأحدٍ أن يحمل فيها سلاحاً لقتال ) فحالها كحال مكة.

    وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية جابر عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( لا يحل لأحدٍ أن يحمل السلاح بمكة ).

    السلاح حقيقةً مفزع، لا سيما في حق النساء، ومكة بلد يجب على جميع المستطيعين أن يزوروها لأداء النسك والحج، فإذا وجد من يحمل فيها السلاح، والمرأة قد تكون طوال حياتها ما رأت سلاحاً ولا عرفته، وليس حال النساء الصالحات كحال النساء في هذه الأيام إلا من رحم ربك، فإذا ذهبت للحج ورأت رجالاً ومعهم الأسلحة فهذا قد يفزعها ويخيفها، فهذا المكان ينزع منه السلاح، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام في حق مكة وكذا في حق المدينة.

    فالحديث صحيح لوجود الشواهد له، أعني: رواية جابر في حرم المدينة، وأما رواية النهي عن حمل السلام بمكة، فهي في صحيح مسلم، فهي صحيحة بنفسها.

    والرواية الخامسة التي تبين أن الطاعون لا يدخل بلد نبينا المأمون عليه الصلاة والسلام: مروية من طريق حب رسول الله وابن حبه أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وإسنادها حسن كما في مسند أحمد ومعجم الطبراني الكبير، ورواها أبو داود الطيالسي في مسنده كما في منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود في الجزء (2/204)، ورواها الفسوي في المعرفة والتأريخ في الجزء (1/408).

    ولفظ الحديث عن أسامة رضي الله عنه قال: ( قدم رجل من الأرياف ) أي: من القرى المحيطة بالمدينة المنورة ( حتى إذا كان قريباً من المدينة ببعض الطريق أصابه الوباء )، ويريد من الوباء هنا: مرض الطاعون، ( فذكر ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام )، أي: إن اقترب من المدينة فقد يأتي الطاعون إليهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ( إني لأرجو ألا يطلع علينا نقابها ) يعني: هذا المرض لا يصل إلى نقابها وإلى حدودها والطرق المؤدية إليها، والواقع كان كذلك, وهذا الرجاء حققه الله لنبيه عليه الصلاة والسلام.

    والحديث السادس: موقوف على عمر بن الخطاب رضي الله عنه رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده كما في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية في الجزء (1/370) للحافظ ابن حجر ، رواه من طريق سعيد بن فيروز وهو ثقة توفي سنة 83هـ, وحديثه مخرج في الكتب الستة، لكنه لم يدرك عمر رضي الله عنه, فالإسناد منقطع، وهو أبو البختري الطائي قال: إن ناساً كانوا بالكوفة، فلما قدموا المدينة المنورة جرى بينهم وبين عمر رضي الله عنه كلام، تكلموا في بعض القضايا عن مصر والكوفة وعن المدينة المنورة، تكلموا عن أمصار المسلمين، فقال عمر رضي الله عنه: إن الله اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم المدينة، وهي أقل الأرض طعاماً وأملحها ماءً إلا ما كان من هذا التمر، وإنه لا يدخلها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله.

    فهذا لا يمكن أن يقال من قبل الرأي, فله حكم الرفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لكن في الإسناد انقطاع، والإسناد صحيح ثابت لولا انقطاع فيه بين سعيد بن فيروز وبين عمر رضي الله عنه.

    فهذه ستة أحاديث، خمسة مرفوعة إلى نبينا عليه الصلاة والسلام تصريحاً، ولا ينزل واحد منها عن درجة الحسن فهي صحيحة، وهذا الأثر الموقوف على عمر رضي الله عنه.

    الطاعون لا يدخل مكة كما لا يدخل المدينة

    وأما ما يتعلق بعدم دخول الطاعون إلى مكة فقد ورد هذا أيضاً عن نبينا عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح، وما ذهب إليه بعض العلماء من أن هذه خصوصية لنبينا عليه الصلاة والسلام في المدينة فقط ويمكن أن يدخل الطاعون مكة، ففيما يظهر أن هذا خلاف الدليل الثابت وخلاف الواقع، وسيأتينا إن شاء الله تحقيق هذا وتقريره بذكر هذا الحديث، وأنه ما وقع الطاعون في مكة مطلقاً.

    وأما ما قيل بأنه حصل سنة 749هـ طاعون في مكة فليس بالطاعون المعروف الذي هو وخز الجن، إنما هو وباء ومرض عام كمرض الحصبة ومرض الكوليرا وغيرها.

    روى الإمام أحمد في المسند في الجزء (2/ 483) والبخاري في التأريخ الكبير في الجزء (6/ 180)، وقال الهيثمي في المجمع في الجزء (3/ 309): إسناده ثقات، ورواه عمر بن شبة في كتاب: تأريخ مكة، كما قال الحافظ في الفتح في الجزء (10/ 191): ورجال الحديث رجال الصحيح.

    ولفظ الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة, على كل نقب منها ملك ).

    تقدم معنا: ملكان، وفي لفظ: ملائكة، ولا تعارض كما قلت مراراً بين هذه الأعداد لدخول القليل في الكثير, ( على كل نقب منها ملك لا يدخلهما الدجال ولا الطاعون ).

    والحديث صحيح، فهو نص صريح في المسألة، فلا ينبغي العدول عنه: ( لا يدخلهما الدجال ولا الطاعون ) وقد ذكر ذلك ابن قتيبة في المعارف في صفحة (260).

    وتبعه على ذلك جماعة من أئمة الإسلام، منهم: النووي كما في كتابه الأذكار في صفحة (130)، ونقل ذلك عنهم الحافظ ابن حجر في الفتح الجزء (10/191).

    والنووي في الأذكار جعل لذلك فصلاً فقال: فصل في الإشارة إلى بعض ما جرى من الطواعين في الإسلام، ثم بين أن الطاعون لم يدخل هاتين البلدتين المباركتين مكة المكرمة والمدينة المنورة.

    يقول الإمام النووي عليه رحمة الله: والمقصود بذكره هنا التبصر والتأسي بغيره، والإنسان يتبصر ويعلم ما وقع في هذه الحياة، ثم يتأسى إذا وقع به الطاعون، وأن مصيبة المرء قليلة بالنسبة لما جرى على غيره، وليعلم أنه أصيب الصالحون بالطاعون كأمين هذه الأمة أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وغيرهما من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    الطواعين المشهورة في الإسلام

    قال أبو الحسن المدائني : كانت الطواعين المشهورة العظام في الإسلام خمسة: أولها طاعون شيرويه بالمدائن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة 6 من الهجرة، وذكر ابن قتيبة في المعارف أن طاعون شيرويه كان أيضاً في عهد عمر بن الخطاب، فلعل ذلك تكرر والعلم عند الله جل وعلا.

    ثم طاعون عمواس في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان بالشام، ومات فيه خمسة وعشرون ألفاً، وعمواس: بلدة بين الرملة وبيت المقدس، وقيل له أيضاً: عمواس؛ لأنه عم فالناس يتواسون فيه، بعضهم يعطي بعضاً ويساعده ويعينه، ووقع بين الناس في ذلك المكان مواساة وإيثار ومساعدة.

    ثم طاعون في زمن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما في شوال سنة 69هـ ، ومات في ثلاثة أيام في كل يوم سبعون ألفاً، بل الذي يذكره ابن علان في شرح الأذكار في الجزء (4/152) يقول: هذا من باب إلغاء الكسر، فمات في اليوم الأول سبعون ألفاً، وفي اليوم الثاني واحد وسبعون ألفاً، وفي اليوم الثالث مات اثنان وسبعون ألفاً، فيزدادون ألفاً في كل يوم، يقول: مات فيه لـأنس بن مالك رضي الله عنه ثلاثة وثمانون ابناً، وقيل: ثلاثة وسبعون ابناً، ومات لـعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابناً، هذه هي أخطر ثلاثة طواعين.

    ثم طاعون الفتيات في شوال سنة 87هـ وسمي بطاعون الفتيات؛ لأن أكثر من مات فيه وحصل البدء به الأبكار العذارى من البنات، فنسب الطاعون إليهن لكثرة من مات بسبب هذا الطاعون في ذاك الوقت.

    ثم طاعون سنة 131 في رجب واشتد في رمضان، وكان يحصى في سكة المربد في كل يوم ألف جنازة، ثم خف في شوال.

    هذه أشهر خمسة طواعين، ثم زاد المدائني فقال: وكان في الكوفة طاعون سنة 50 وفيه توفي المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

    ثم قال: وذكر ابن قتيبة في كتابه المعارف صفحة (260) عن الأصمعي في عدد الطواعين نحو هذا وفيه زيادة ونقص، قال: وسمي طاعون الفتيات؛ لأنه بدأ في العذارى بالبصرة وواسط والشام والكوفة، ويقال له: طاعون الأشراف؛ لكثرة من مات فيه من الأشراف.

    قال -يعني: ابن قتيبة -: ولم يقع بالمدينة ولا بمكة طاعون قط -وهذا هو الشاهد-، وهذا الباب واسع، وفيما ذكرت تنبيه على ما تركته، وقد ذكرت هذا الفصل بأبسط منه في أول شرح صحيح مسلم رحمه الله، وبالله التوفيق.

    والطاعون الذي وقع في سنة تسع وستين في زمن عبد الله بن الزبير في مدة ثلاثة أيام مات فيه مائتا ألف وزيادة، قاله الذهبي ، وكان يسمى: بطاعون الجارف؛ لكثرة من جرف فيه من الناس وقتلهم، كما في الجزء (3/405) من سير أعلام النبلاء.

    دفع الإشكال في كون الطاعون لا يدخل مكة والمدينة رغم أن المطعون به شهيد

    وقد أورد الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء (10/ 190) إشكالاً وأجاب عنه، وخلاصته: أنه استشكل عدم دخول الطاعون المدينة مع كون الطاعون شهادة، لتحصل هذه المنقبة وهذه المكرمة وهذه الفضيلة وهذه الشهادة لأهل المدينة المنورة، وكيف حرمت على الدجال مع أن من يموت بسببه يموت شهيداً، هذا هو استشكال الحافظ.

    وأجاب: بأن كون الطاعون شهادةً ليس بوصفه بذلك لذاته، وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه وينشأ عنه بكونه سببه، فإذا استحضر ما تقدم من أنه طعن الجن، كان مدحاً للمدينة المنورة بعدم دخوله إياها، يعني: لأن هذا الطاعون بواسطة الجن، فحسن أن تصان المدينة عنه، بل كونه يترتب على ذلك الطعن أجر الشهادة، فإن فيه إشارة إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، وإن اتفق دخوله إليها لا يتمكن من طعن أحدٍ منها.

    فإن قيل: طعن الجن لا يختص بكفارهم، بل قد يقع من مؤمنيهم لعتاة الإنس، يعني: يوجد في المدينة من مؤمني الجن من يطعن المنافقين وعتاة الإنس الذين يسكنون في بلد النبي عليه الصلاة والسلام, ويريح أهل تلك البلدة منهم.

    قلنا: دخول كفار الإنس المدينة ممنوع، فإذا لم يسكن المدينة إلا من يظهر الإسلام جرت عليه أحكام الإسلام، ولو لم يكن خالص الإسلام، فله هذه الصيانة وهذا الحجر ما دام هو في هذه البقعة ولا يتمكن منه شيطان، فحصل الأمن من وصول الجن إلى طعنهم بذلك، ولذلك لم يدخلها الطاعون أصلاً.

    وقد أجاب القرطبي في المفهم عن ذلك فقال: المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الطاعون الذي وقع في غيرها كطاعون عمواس والجارف.

    وهذا في الحقيقة في منتهى البعد، بل يقتضي التسليم بأنه دخلها في الجملة، وليس كذلك فقد جزم ابن قتيبة في المعارف، وتبعه جمع جم من آخرهم الشيخ محيي الدين النووي في الأذكار، بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلاً، ولا مكة أيضاً.

    نعم نقل جماعة أن الطاعون العام دخل مكة سنة 749، بخلاف المدينة فإنه لم يذكر أحد قط أنه وقع بها الطاعون أصلاً.

    ولعل القرطبي بنى على أن الطاعون أعم من الوباء، أو أنه هو الذي ينشأ عن فساد الهواء فيقع به الموت الكثير، فلعله يقصد من هذا الطاعون أنه ليس بسبب الجن، وعلى هذا فالذي نقل أنه وجد في سنة (749هـ) منه ليس كما ظن من نقل ذلك، وإنما هو وباء عام، أو أن يجاب إن تحقق ذلك بجواب القرطبي المتقدم.

    والذي يظهر -والعلم عند الله- أن المرض الذي حصل سنة 749 في مكة المكرمة وباء عام لم يكن بالطاعون المعروف من وخز الجن، وإنما كان كبقية الأمراض الأخرى التي تحصل في المدينة المنورة وفي مكة المكرمة والعلم عند الله جل وعلا.

    فهذا آخر ما يتعلق بكلام الحافظ ابن حجر حول الطاعون وشرحه.

    كلام ابن القيم في أن الطاعون وخز الجن

    وأما كلام الإمام ابن القيم في تقرير أن الطاعون وخز أعدائنا من الجن، فهو في الزاد في (4/ 39) فما بعدها، يقول رحمه الله: الطاعون من حيث اللغة نوع من الوباء، قاله صاحب الصحاح، وهو عند أهل الطب ورم رديء قتال، يخرج معه تلهب شديد مؤلم جداً يتجاوز المقدار في ذلك، ويصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر أو أدكن، أي: فيه دكونة كلون الرماد، وكالشيء المحترق لكن ليس بحرقة شديدة، بسواد كثير، ويئول أمره إلى التقرح سريعاً.

    وفي الأكثر يحدث في ثلاثة مواضع: في الإبط، وخلف الأذن، وأرنبة الأنف، وفي اللحوم الرخوة كما تقدم أنه يأخذ في مراقي البطن.

    وفي أثر عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: ( غدة كغدة البعير يخرج في المراقي والإبط ) تقدم معنا الحديث, وقلت: إنه صحيح، وله عدة ألفاظ من الروايات بينتها فيما تقدم.

    قال الأطباء: إذا وقع الخراج في اللحوم الرخوة والمغابن وخلف الأذن والأرنبة، وكان من جنس الفاسد سمي: طاعوناً، هذا كلام الأطباء، وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد، مستحيل إلى جوهر سُمِّي، يفسد العضو ويغير ما يليه، وربما رشح دماً وصديداً، ويؤدي إلى القلب سلسلة رديئة فيحدث القيء والخفقان والغشي، وهو التقيؤ الذي يحصل عند الإنسان ويغشى عليه بعد ذلك ويصرع.

    وهذا الاسم وإن كان يعم كل ورمٍ يؤدي إلى كيفية رديئةً حتى يصير بذلك قتالاً، فإنه يختص به الحادث في اللحم الغددي؛ لأنه لرداءته لا يقبله من الأعضاء إلا ما كان أضعف للطلق, وأردؤه ما حدث في الإبط وخلف الأذن لقربهما من الأعضاء التي هي أشرف وأفضل الأعضاء.

    إذاً: وأكمله الأحمر ثم الأصفر، والذي إلى السواد لا يفلت منه أحد، هذا كلام الأطباء في الطاعون.

    ولما كان الطاعون يكثر في البلاد الوبيئة عبر عنه بالوباء كما قال الخليل : الوباء هو الطاعون، وقيل: هو كل مرضٍ يعم.

    والتحقيق: أن بين الوباء والطاعون عموماً وخصوصاً، فكل طاعونٍ وباء وليس كل وباء طاعوناً، وكذلك الأمراض العامة أعم من الطاعون، فإنه واحد منها، والطواعين خراجات وقروح وأورام رديئة حادثة في المواضع المتقدم ذكرها.

    قلت -القائل هو الإمام ابن القيم -: هذه القروح والأورام والجراحات هي آثار الطاعون وليست نفسه، ولكن الأطباء لما لم تدرك منه إلا الأثر الظاهر جعلوه نفس الطاعون، فعبروا عنه ببعض آثاره ونتائجه وأضراره، أما حقيقته فلم يتكلموا عنه.

    كلام ابن القيم في إطلاقات الطاعون وأثر فساد الهواء في انتشاره

    ثم قال ابن القيم: والطاعون يعبر به عن ثلاثة أمور:

    أحدها: الأثر الظاهري من الخراجات والانتفاخ الذي يكون في بعض الأماكن من جسد الإنسان وجسمه.

    الثاني: الموت الحادث عنه، وهو المراد بالحديث الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام: ( الطاعون شهادةً لكل مسلم ) روى في صحيح مسلم وغيره، ويأتينا في فضل الإصابة بالطاعون.

    الثالث: السبب الفاعل لهذا الداء، وقد ورد في الحديث الصحيح: ( أنه بقية رجزٍ أرسل على بني إسرائيل )، وورد فيه ( أنه وخز الجن )، وجاء ( أنه دعوة نبي ).

    وهذه الأمور الثلاثة قررتها فيما مضى.

    قال الإمام ابن القيم : وهذه العلل والأسباب ليس عند الأطباء ما يدفعها، هذا هو السبب المحدث للأورام في بدن الإنسان ويترتب عليه الموت بعد ذلك.

    إذاً: ما تكلم عنه الأطباء ليس عندهم ما يدل عليه، فإن هذا من المغيبات، والرسل تخبر بالأمور الغائبة، كما أن صرعى الأرواح ليس علاجهم عند الأطباء كما تقدم معنا.

    وهذه الآثار التي أدركوها من أمر الطاعون ليس معهم ما ينفي أن تكون بتوسط الأرواح، فإن تأثير الأرواح في الطبيعة وأمراضها وهلاكها أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح وتأثيراتها، وانتعال الأجسام وطبائعها، والله سبحانه وتعالى قد يجعل لهذه الأرواح تصرفاً في أجسام بني آدم عند حدوث الوباء وفساد الهواء، كما يجعل لها تصرفاً عند بعض المواد الرديئة التي تحدث للنفوس هيئةً رديئة، ولا سيما عند هيجان الدم والمرة السوداء وعند هيجان المريء، فإن الأرواح الشيطانية تتمكن من فعلها بصاحب هذه العوارض ما لا تتمكن في غيره، ما لم يدفعها دافع هو أقوى من هذه الأسباب؛ كالذكر والدعاء والابتهال والتضرع والصدقة وقراءة القرآن، فإنه يستنزل بذلك من الأرواح الملكية ما يقهر هذه الأرواح الخبيثة, ويبطل شرها ويدفع تأثيرها.

    وقد جربنا نحن وغيرنا هذا مراراً لا يحصيها إلا الله جل وعلا، ورأينا لاستنزال هذه الأرواح الطيبة واستجلاب قربها تأثيراً عظيماً في تقوية الطبيعة ودفع المواد الرديئة، وهذا يكون قبل استحكامها وتمكنها، ولا يكاد ينخرم، فمن وفقه الله بادر عند إحساسه بأسباب الشر إلى هذه الأسباب التي تدفعها عنه، وهي له من أنفع الدواء، وإذا أراد الله عز وجل إنفاذ قضائه وقدره أغفل قلب العبد عن معرفتها وتصورها وإرادتها، فلا يشعر بها ولا يريدها ليقضي الله فيه أمراً كان مفعولاً.

    وسنزيد هذا المعنى إن شاء الله إيضاحاً وبياناً عند الكلام على التداوي بالرقى والعوذ النبوية والأذكار والدعوات وفعل الخيرات، ونبين أن نسبة كل الأطباء إلى هذا الطب النبوي كنسبة كل الطرقية والعجائب إلى طبهم, كما اعترف به حذاقهم وأئمتهم.

    ونبين أن الطبيعة الإنسانية أشد شيءٍ انفعالاً عن الأرواح, وأن قوى العوذ والرقى والدعوات فوق قوى الأدوية، حتى أنها تبطل قوى السموم القاتلة بإذن الله جل وعلا.

    والمقصود أن فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام, يعني: قد يحصل وخز من الجن عند فساد الهواء، وعند انتشار الأوبئة، لكن ليس فساد الهواء هو سبب الطاعون، وكونه حصل عند ذلك السبب فليس معنى ذلك أن هذا السبب هو الطاعون، لا ثم لا!

    إن الطاعون وخز الجن، فهو العلة الفاعلة للطاعون، والمقصود أن فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام، والعلة الفاعلة للطاعون, فإن فساد جوهر الهواء الموجب لحدوث الوباء وفساده يكون لاستحالة جوهره إلى الرداءة لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه كالعفونة والنتن والسمية في أي وقت كان من أوقات السنة، وإن كان أكثر حدوثه في أواخر الصيف وفي الخريف، فغالباً: كثرة اجتماع الفضلات المرضية الحادة وغيرها في فصل الصيف، وعدم تحللها في آخره، وفي الخريف لبرد الجو وندرة الأبخرة والفضلات التي كانت تتحلل في زمن الصيف، فتنحصر فتثخن وتتعفن فتحدث الأمراض العفنة، لا سيما إذا صادفت البدن مستعداً قابلاً رهلاً قليل الحركة كثير المواد، فهذا لا يكاد يفلت من العطب.

    وأصح الفصول فيه فصل الربيع، قال أبقراط: إن في الخريف أشد ما يكون من الأمراض وأقتل، وأما الربيع فأصح الأوقات كلها وأقلها موتاً، وقد جرت عادة الصيادلة ومجهزي الموتى أنهم يستدينون ويتكلفون في الربيع والصيف على فصل الخريف فهو ربيعهم، وهم أشوق شيءٍ إليه وأفرح بقدومه، وقد روي في الحديث: ( إذا طلع النجم ارتفعت العاهة عن كل بلد ).

    ثم قال: وأولى الأقوال في المراد بالنجم أنه الثريا، وبالعاهة أنها الآفة التي تلحق الزروع والثمار في فصل الشتاء وصدر فصل الربيع, فحصل الأمن عليها عند طلوع الثريا في ذلك الوقت المذكور، ولذلك ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة وشرائها قبل أن يبدو صلاحها )، والمقصود الكلام على هديه عليه الصلاة والسلام عند وقوع الطاعون.

    وكما قلت: لا مانع من أن الجن يحصل لهم تصرف في الإنسان، ويتمكنون منه أكثر عند حصول تعفن وفساد في الرياح وعند حصول وخم ونتن، فيكون السبب الحقيقي والعلة الفاعلة للطاعون وخز أعدائنا من الجن كما أشار إلى ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد يقع هذا أحياناً عند تعفن الرياح وفسادها، وقد يكون في أنشط الأحوال وأصحها وأسلمها.

    والمقصود: أنه إن وقع عند تعفن الرياح، وعند حصول عفونات في بلدٍ ما، وجرى فيه نتن وصار فيه فساد، فليس ذلك الأمر المحسوس هو سبب الطاعون، وإنما عند تلك الأعراض حصل تمكن من الجن على الإنس والعلم عند الله جل وعلا.

    وحديث ( إذا طلع النجم ارتفعت العاهة ) حديث صحيح أحب أن أقف معه وقفة يسيرة.

    يقول هنا المعلق على الكتاب: أخرجه محمد بن الحسن في الآثار -الذي عندي كتاب الآثار لـأبي يوسف وليس لـمحمد بن الحسن - صفحة (51)، ورواه الطبراني في معجمه الصغير في الجزء الأول صفحة (81)، ورواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان في الجزء (1/121) عن أبي حنيفة -رضي الله عنه- عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ: ( إذا طلع النجم رفعت العاهة عن كل بلد ).

    يقول المعلق الشيخ الأرنؤوط : وإسناده صحيح والنجم هو الثريا، ثم قال في جامع المسانيد لـأبي حنيفة للخوارزمي في الجزء (2/14) من رواية أبي حنيفة عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تباع الثمار حتى تطلع الثريا ).

    وأخرج الشافعي وأحمد عن عبد الله بن عمر (أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة)، قال عثمان بن عبد الله بن سراقة راويه عن ابن عمر قلت: ومتى ذلك؟ قال: طلوع الثريا.

    وفي صحيح البخاري في الجزء (4/ 395) عن أبي الزناد قال: وأخبرني خارجة بن زيد أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا, ويتبين الأصفر من الأحمر، وهو في النص بلفظ: أنه كان لا يبيع ثماره حتى تطلع الثريا.

    وهذه النصوص تؤيد القول الثالث الذي ذكره ابن القيم في تفسير معنى الحديث ( إذا طلع النجم ) أن المراد به الثريا، (ذهبت العاهة) أي: العاهة عن الثمار, والمراد هنا العاهة التي تكون في بلاد الحجاز؛ لأن ثمارهم تنضج في أول دخول فصل الصيف، وهي ثمار النخيل، فإذا دخلت أمنت العاهة، أما ما قبل ذلك فالثمار لم تنضج، وقد يعتريها عاهة فتسقط، فبمجرد طلوع الثريا -بإذن الله جل وعلا- ترتفع العاهة عن الثمار، والثمار تصفر، أي: تحمر وتدخل في الزهو والنضج وتأمن العاهة، فإذا طلعت الثريا والثمر لم يصب بعاهة حفظ بإذن الله جل وعلا.

    وروى هذا الحديث مع من مضى الإمام أحمد في المسند والبزار والطبراني في معجمه الأوسط، من طريق عسل بن سفيان وهذه متابعة لـأبي حنيفة رضوان الله عليهم أجمعين.

    وذكر الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة في الجزء (1/389) -ويعلم الله أنني ما عندي علم بقوله حتى نظرت في كتابه- ذكر أنه رواه الإمام أحمد والطبراني في الأوسط والصغير وكذا، فرجعت إلى جمع الجوامع للسيوطي الجزء (1/70) فوجدته عزاه إلى الإمام أحمد والبزار والطبراني في الأوسط والصغير، قلت: انظر بعد ذلك إلى صحيح الجامع وضعيفه -بعد أن صحح الحديث- فوجدته أورده في ضعيف الجامع وأحال على سلسلة الأحاديث الضعيفة، كما قلت (389) فذكر كلاماً مردوداً منكراً ينبغي أن نحذره.

    عند حديث ( إذا طلع النجم رفعت العاهة عن كل بلد ) ورقمه (397) يقول: ضعيف، أخرجه الإمام محمد بن الحسن في كتاب الآثار، قال: أخبرني أبو حنيفة ، قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، ومن طريق أبي حنيفة أخرجه الثقفي وكذا الطبراني في معجمه الصغير وفي الأوسط، وعنه أبو نعيم في أخبار أصبهان، قال: (والنجم هو الثريا).

    وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله على جلالته في الفقه قد ضعفه من جهة فقهه البخاري ومسلم والنسائي وابن عدي ، فهؤلاء أربعة من الحفاظ، ثم قال: وغيرهم من أئمة الحديث، ولذلك لم نجد الحافظ ابن حجر في التقريب -وهو من أنفس كتبه- يزيد على قوله: فقيه مشهور.

    الجواب: لم يعطه كما قال أئمتنا في التقريب درجة، ولم يتكلموا على درجته ومكانته من حيث التعديل والتجريح.

    قال الألباني : نعم قد تابعه عِسل بن سفيان عن عطاء .

    قال الهيثمي في المجمع عن عسل في الجزء (4/ 103): عسل بن سفيان وثقه ابن حبان , وقال: يخطئ ويخالف أيضاً غيره، ثم قال: وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح.

    قال ابن حجر في التقريب: عسل أبو قرة البصري ضعيف، وأشار إلى أنه من رجال أبي داود والترمذي .

    وعسل ضبطه بكسر العين وإسكان السين: عِسْل، وبفتحتين: عسل ، ضبطه بالأمرين في التقريب.

    يقول الألباني هنا: تابعه عِسْل بن سفيان عن عطاء لكنه ضعيف وخالفه في لفظه: ( إذا طلع النجم ذا صباح رفعت العاهة ) أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط أيضاً والعقيلي في الضعفاء، وقال: عسل بن سفيان في حديثه وهم، وقال البخاري : فيه نظر.

    على حسب السماعات الحديثية لو قدر أن أبا حنيفة رضي الله عنه فيه ضعف ولا يقول عنه ذلك إلا ضعيف -إذا كان من المتأخرين، وأما من المتقدمين فلهم عذرهم كما سأذكر وأبين- ولا يجوز أن ينقل هذا الكلام في إمامٍ من أئمة المسلمين على الإطلاق، ونلتمس العذر للقائل ونقول: نسأل الله أن يرحمهم وأن يشفعهم فينا، ونمسك ألسنتنا عن أئمتنا ونتقي ربنا.

    والأصل أنه لو كان في أبي حنيفة ضعف، وكذا عسل فإنهما يتقويان، فلا إشكال فيه على حسب قواعد علم الحديث، فأي حديث ضعيف روى له متابع من طريق آخر تقوى:

    فإن يقل يحتج بالضعيف فقل إذا كان من الموصوف

    رواته بسوء حفظ يجبر بكونه من غير وجه يذكر

    نقول هنا: ولا يخفى وجه الاختلاف بين اللفظين، ففي حديث أبي حنيفة أطلق الطلوع وقيد الرفع عن كل بلد، (إذا طلع النجم رفعت العاهة عن أهل كل بلد ) وفي رواية عسل عكسه، فإنه قيد الطلوع بالصباح، وأطلق الرفع فلم يقيده بالقيد المذكور، وهذا الاختلاف مع ضعف المختلفين يمنع من تقوية الحديث كما لا يخفى على الماهر بهذا العلم الشريف.

    هذا حقيقةً يحتاج لبحث وتأمل، والناظر في كلا اللفظين لا يجد اختلافاً غير زيادة (عن أهل كل بلد) فهل هذا اختلاف؟ أين الاختلاف؟

    أعني: هل هو من اختلاف التضاد، حتى نقول: هذا ليس بمعنى هذا ولا يشهد له، فـ: (رفعت العاهة عن أهل كل بلد) قيد الرفع عن كل بلد، وفي الآخر أطلق فهل هذا تعارض؟!

    لو قال: رفعت العاهة عن بقعة كذا، وما قال لكل بلد فقد يتوهم قاصر النظر أن فيه معارضة، لكن نقول: يدخل الفرد في العام وهذا من باب الترتيب، فإذا رفعت عن بلد فهي مرفوعة عن بقية البلاد.

    وأما هنا فإنه مسكوت عنه: (رفعت العاهة) وهناك: (رفعت عن كل بلد). فلا يتوهم المعارضة بين الحديثين إلا من كان أعجمي الفهم، أما من كان يعي ما يقول فإنه لا يقول بينهما معارضة.

    الأمر الثاني: يقول: إن حديث أبي حنيفة أطلق الرفع، فقال: (رفعت العاهة)، وحديث عسل قيدها: (ذا صباح)، فالنجم إذا طلع ذا صباح، يعني: توقع كل يوم الثريا عندما تطلع، فكم مرة تطلع؟! فإذا طلعت ففي صباح طلوعها رفعت العاهة.

    وكما قلت: سأبين أن معنى الحديثين واحد، والأصل لو كان في أبي حنيفة ضعف، لحسنا الحديث إلا إذا كان في النفس منه شيء فهذا موضوع آخر.

    ( إذا طلع النجم ) هنا مطلق، والحديث الثاني: ( ذا صباح ) هل بينهما تعارض؟ النجم انتهى معه صباح من أيام الصيف وهو العاشر من آيار كما سيأتينا من كلام العلماء.

    إذاً: طلعت الثريا ذا صباح، لا يعارض هذا القيد هذا الأمر.

    وقال: يوجد اختلاف بين الحديثين من وجهين، هناك أطلق الطلوع وهنا قيد ذا صباح، وهناك قيد العاهة بأنها ترفع عن كل بلد وهنا أطلق رفع العاهة، والفهم في الأمرين معكوس ومنكوس.

    ولذلك قال: بما أنه يوجد راويان ضعيفان وقد اختلفا في أداء الحديث أبو حنيفة وعسل بن سفيان فلا يحسن الحديث من طريقهما، فالحديث ضعيف ضعيف.

    ثم أشاد بنفسه في الأخير فقال: كما لا يخفى على الماهر بهذا العلم الشريف، علقت أنا وقلت: هذه ليست مهارة؛ لأنك لو تأملت الحديثين لعلمت أنه ليس بينهما تعارض في اللفظ، وعليه لو كان في أبي حنيفة ضعف -وحاشاه فلا يضعفه إلا الضعيف- لتقوى بطريق عسل. ومتابعته، لكن كما قلت: توهم معارضة بين الأمرين فقال: بما أن الاختلاف مع ضعف المختلفين يمنع من تقوية الحديث كما لا يخفى على الماهر بهذا العلم الشريف -يريد نفسه- ولذلك ما قوى الحديث الذي هو من طريق أبي حنيفة .

    ثم انظر للأمانة العلمية التي ينادي بها الناس في هذه الأيام! أبو حنيفة ضعفه أربعة، هل من الأمانة أن نذكر ما قيل من قدحٍ في إنسان، ولا نذكر ما قيل فيه من توثيق؟!

    للكلام بقية فيما يأتي، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه وسلم تسيلماً كثيراً، اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا، ولمن له حق علينا، واغفر لمن علمنا ولمن تعلم منا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم الأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.